حوار بين كفيفة والمجتمع

خاضت غمار الحياة، فصارعت أمواج الألم، حتى استطاعت بفضل الله ثم بهمتها أن ترسو على شاطئ الأمل، تخطت جل الصعوبات بعد أن واجهت الكثير من العقبات، مشت بخطى واثقة، وفجأة إذ بها تقف وقفة حائرة تدور في خلدها أسئلة ثائرة لمجتمعها الذي تسبب في جراحاتها الغائرة، وبينما هي على ذلك إذ بمجتمعها يسارقها النظر وهو يقول: آه، كفيفة البصر، إذاً نعاملها بحذر، لننال من الله الأجر.
ردت عليه بصوت رخيم: سبحان الله العظيم، لمَ تعاملني بحذر، وقد أعطاني الله نور البصيرة، ثم كيف تنال من الله الأجر وأنت ترمقني بنظرات الشفقة التي تؤلمني، وأسئلتك تنهال علي كالحجارة؟
سألها باستغراب: أي أسئلة؟,
أجابت: أسئلة كثيرة تتكرر لا معنى لها ولا أجد لها مبرر، أذكر منها: كيف تحسين. ألم تعلم أني إنسان مزيج من المشاعر والأحاسيس؟,
كيف تعيشين حياة الرضى وأنتِ لا تتنقلين إلا بِقائد؟, لا بد أن تعي أيها المجتمع أنه ليس شرطا أن يكون معي قائد في كل زمان ولكني متى ما أتعود على المكان أتنقل بمفردي بكل ثقة واطمئنان. فلم تزل تحاول أنت نزع الثقة من نفسي، ومن ذلك أيضا: كيف تشغلين كذا؟ وهل تستطيعين فعل كذا؟!, أسئلة تافهة مع الأسف لا يسألها حتى الأطفال. إنها أسئلة بحق تؤلمني مع نظرات الشفقة التي تؤرقني.
رد عليها قائلا: لكنك معاقة.
ردت عليه بصرامة: كلا أنا لست معاقة، بل أنتقد وبشدة هذه العبارة؛ لأن المعاق هو من خلا عقله من العلم والتفكير، وفرغ قلبه من حفظ وصاية الله وتدبر مشئته ، المعاق هو من عجز عن التحليقفي سماء الإبداع، واستسلم للفراغ والجهل فلم يصب مواطن الانتفاع، المعاق هو من يعيش بلا هدف، المعاق هو آلة يحركه هواه، وتسيطر عليه شهواته بلهفة وشغف. فهلا عرفت الآن من هو المعاق؟ يا من تجرحني بالكلام، وتقذفني بعبارات كالسهام.
قال لها متعجب: أراك متحاملة علي.
أجابت: كلا، لست متحاملة على أحد، لكنك تحاول إشعاري بالعجز والحرمان، وتظن أنني عالة عليك؛ لأنك لم تطلع على ما قدمته من الإنجازات لتعلم أنني عضو فعال فيك، بل ضيقت أمامي المجالات، وأوصدت في وجهي الأبواب.
قال لها: أنا أجهل من أنت، فهلا أخبرتني عن نفسك أكثر؟
ردت عليه قائلة: أنا لا أمثل نفسي فقط، بل أمثل غيري ممن كف بصره، وعوضه الله بنور البصيرة، ولا بد أن تعرف أنه ليس كل كفيف هاب الصعاب، وعجز عن تسلق أسوار المجد، بل منهم الكثير حطم العراقيل بكل عزيمة وإصرار، وتسلح بالعلم حتى وصل إلى أعلى القمم، وساهم بإخلاص في عجلة الرقي والتقدم، كما أنه ليس كل بصير امتطى صهوة الإقدام، وغذى عقله بالعلم والإيمان، بل منهم الكثير من غرق في بحر الجهلوالظلمات، فأسرته شهواته حتى صار مقيادا عن الخير والنفع لأمته ووطنه. لا أريد أن أطيل، ولكن أريد أن أقول: إننا لم نسمع مما يقال في المؤتمرات ووسائل الإعلام التفعيل، ولم ينفذ مما يعرض إلا القليل؛ لأن أكثر من نصفك أيها المجتمع يجهل حقا من هو الكفيف، وما نرجوه منك أن تفتح لنا الأبواب، وتوسع لنا المجالات، وتتيح لنا فرصة لتحقيق الطموحات؛ لنرقى بأمتنا وبك ومعك إلى ذروى المجد.

Advertisements

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s