الكفيفُ بينَ الشفقةِ والأنا.

– يعيشُ الكفيفُ يومَهُ كباقي البشر، يعمل، يدرس، يُؤَدِّي واجباتِهِ الاجتماعيةِ المختلفة، يقضي شؤونَ حياتِهِ اليومية، يتابعُ معاملاتِهِ الحكومية. يتمنى في خِضَمِّ كُلِّ هذه الأعمالِ أنْ تتسهلَ أمورَهُ في كُلِّ مكانٍ يَذهبُ إليه، يتمنى ألّّا يصطدمَ بمعوقاتٍ أو مواقفَ أو حتى أشخاصٍ يُعكرون عليه صفوَ الحياة، ولكنْ وبم أنه يعيشُ على هذا الكوكب، وبم أنه يتعاملُ مع أناسٍ مِثلُه يعتريهم النقصانُ والخطأ، فلا بدَّ من الصبرِ والعناءِ ولا بدَّ من التقصيرِ والزلل.

الكفيفُ كغيره يتأثرُ بما حولِه سلْباً وإيجاباً، يَسعدُ عندما ينجزُ عملَه بلا منغصات، يفرحُ بالتعاملِ الحسنِ والكلمةِ الطيبةِ إذا لم ينجحْ في الحصولِ على حاجَتِه، يحزنُ كثيراً إذا ظُلِمَ في شأنٍ من شؤونِهِ بحجةِ أنه كفيف، ويودُّ لو يفتدي من حُزنِ يومئذٍ بأغلى ما لديه.
في السطورِ التاليةِ سأطرح بعضَ الأسئلةِ وأجيبُ عليها بهدفِ تسليطِ الضوءِ على نوعيةِ العلاقةِ بينَ الكفيفِ ومجتمعِهِ من جوانبَ شتى ذاتَ علاقةٍ بنظرتِهِ هو تجاهَ مجتمعِهِ أو حقيقةِ تعاملِ المجتمعِ معَه، آملاً أنْ أصِلَ الغايةَ وأكشفَ المستور:
س1 هل كلُّ المكفوفينَ يَشعُرون بشفقةِ المجتمعِ في حياتِهِم وتعاملاتِهِم أَم أنَّ هذا الشعورَ ينتابُ ذوي القدراتِ المتواضعةِ منهم فقط؟
س2 هل تلك الشفقةُ -إنْ وجدت- تُعدُّ صفةً إنسانيةً طبيعيةً أَم أنها تتحولُ إلى إساءةٍ غيرِ مقصودة؟
س3 إذا كان الكفيفُ ذا شخصيةٍ فريدةٍ وأنيقةٍ فهل مِنَ الممكنِ أنْ يتعرضَ للشفقةِ هو أيضاً؟
س4 لماذا لا يعترِفُ الكفيفُ بإعاقتِهِ ويتقبلُ شفقةَ المجتمعِ دونَ حساسيةٍ زائدة؟
س5 هل هو صحيحٌ أن المجتمعَ يغازلُ الكفيفَ نظرياً في قدراتِهِ من بابِ الشفقةِ ويتجاهلُ حقوقَه؟
– مِنْ خلالِ معرفتي بالمكفوفين كوني واحداً منهم وجدْتُهم على ثلاثةِ أصناف:
الأول: يرفضُ الشفقةَ ويعتَبِرُها إهانةً وانتقاصاً، تراه مكابِراً معانِداً محارِباً يريدُ أنْ يُثبِتَ وجودَهُ بأيِّ طريقة، وينظُرُ إلى المجتمعِ بحساسيةٍ مُفرِطةٍ ولا يكادُ يتقبلُ منه شيئاً.
هذا الصِّنْفُ يطالبُ أفرادَ المجتمعِ بالتعاملِ معه كإنسانٍ سويٍّ له ما لهم وعليه ما عليهم.
يريدُ منهم أنْ يحترموا وجودَهُ وشخصيتَهُ وقِيمتَه.
يرفضُ أنْ يجعلوا له أولويةً في أيِّ شيءٍ ويتحسسُ كثيراً حينما يقدمونه على غيرِهِ مِنَ المبصرين.
يرغبُ عندما يريدُ الزواجَ مثلاً بأنْ يُقَيِّموهُ كرجلٍ أو يُقَيِّموها كأنثى بعيداً عن كفِّ البصر وما له مِنْ تداعيات.
يتضايقُ جدّاً مِنْ سماعِ كلمةِ أعمى أو كفيف.
يذودُ عن نفسِهِ بردودٍ قويةٍ حينما يَشعُرُ بشيءٍ مِنَ الشفقةِ حتى إنْ كان في تلك الردودِ جَرحٌ لمشاعرِ الغير.
يسعى جاهداً في إِبرازِ نجاحاتِهِ وإمكاناتِهِ حتى إنْ كانت وهميةً أو عادية.
يعيشُ حياتَهُ تحت ضغطٍ نفسيٍّ شديدٍ مهما بلغَتْ إنجازاتُه.
يبذلُ قُصارَى جهدِهِ أنْ يكونَ أكثرَ أصدقائِهِ مِنَ المبصرين ليُثبِتَ للجميعِ أنه مختلفٌ وقادرٌ على تكوينِ علاقاتٍ واسعةٍ ومتميزة.
الثاني: يتقبلُ الشفقةَ ويعتبرُها صفةً طبيعيةً جُبِلَ البشرُ عليها على الرغمِ من أنه يتمتعُ بشخصيةٍ ناجحة، لذلك تراه يستسلمُ لوجودِها مهما كانت شخصيتُه قويةً ومؤثرة.
هذا الصِّنْفُ لا يتحسسُ منْ أيِّ موقفٍ مشُوبٍ بالشفقةِ حينََ يتعرضُ له، بل يحاولُ تحاشِِيَ سلبيةِ المواقفِ الجارحةِ الغير متعمدة بابتسامةٍ أو بإضفاءِ شيءٍ مِنَ الدُّعابة.
يراعِي اختلافَ ثقافاتِ الناسِ ودرجةَ وعيِهِم بالكفيفِ وقدراتِه واحتياجاتِه.
يُصَحِّحُ للطرفِ المقابلِ خطؤَهُ متى ما رأى أنَّ في ذلك جدوى.
يطالبُ بحقوقِه إذا شعرَ أنها ستُسْلَبُ منه لِمُجَرَّدِ أنه كفيف.
يجدُ قابليةً كبيرةً مِنْ أصدقائِهِ وكلِّ مَنْ يلتقيهِ لإعجابِهِم بشخصيَّتِهِ السويةِ وطبيعتِهِ الجميلة.
يعيشُ حياتَهُ متصالحاً مع نفسِهِ مؤمناً بأنَّ النجاحَ والفشلَ موجودانِ في كلِّ البشرِ وفي كلِّ المجتمعات.
الثالث: يَنظُرُ بازدواجيةٍ للشفقة والأنا، فإذا رفَضَ المجتمعُ تقديمَ الخدمةِ له بِداعي تطبيقِ القانونِ ومساواتِهِ معَ الآخَرين تراه ينقمُ عليه ويطالبُه بإعطائهِ شيئاً مِنَ الخصوصيةِ والأولويةِ نظَراً لظروفِ لإعاقتِه، وإذا تعاملَ معَهُ المجتمعُ بشفقةٍ في أمْرٍ يستطيعُ تحقيقَه بسهولةٍ إذا به يتهمهُ بتجاهلِ شخصيتِه وقدراتِه.
هذا الصِّنْفُ ليس له مبدأٌ ولا شخصيةٌ واضحة.
كثيرُ الشكوى والتذمر.
جُلَّ أصدقائِهِ مِنَ المكفوفين ومِنَ النادرِ أنْ ينجحَ في تكوينِ علاقاتٍ مميزةٍ معَ غيرِهِم.
نجاحُهُ في الحياةِِ مُتَوَقِّفٌ على ما يمتلكُه منْ قدراتٍ حقيقية.
يبحثُ عن الثغراتِ في الأنظمةِ ليتمكنَ منْ تحقيقِ مبتغاه دونَ جُهدٍ كبير.
إذا واجَهَتْهُ مشكلةٌ ذاتَ علاقةٍ بإعاقتِه سرعانَ ما يَصُبُّ جامَ غضَبِه على المجتمعِ المحيطِ به.
يعيشُ حياتَهُ متأرجحاً بينَ الرضا والكآبة، فتارةً تسكنُهُ القَناعةُ تتوشحُه الابتسامة، وتارةً يجتاحُهُ الحزنُ يتغشاهُ الغضب.
– – أما مجتمعاتُنا العربيةُ فالحقيقةُ أنَّ علاقتَها بالكفيفِ بحاجةٍ إلى إعادةِ صياغة، وأظنُّ أنَّ ضَعْفَ الوعيِ والشفقةَ الزائدةَ وقلةَ نسبةَ المتعلمين وهشاشةَ الأنظمةِ وغيابَ الجهاتِ الحقوقيةِ التي تُطالِبُ بحقوقِهِم وتُبرِزُها لأصحابِ القرارِ كلُّها عواملُ ساعدَت في اتِّساعِ الفجوةِ بينَ الطرفَين، فلا المجتمعُ قادرٌ على احتواءِ الكفيفِ واتباعِ الأسلوبِ الأمثلِ في التعاملِ معَه، ولا الكفيفُ قادرٌ على أنْ يُغَيِّرَ هذا الوضعَ المزريَ الذي يزدادُ سُوءً بازديادِ احتياجاتِه ومتطلباتِه الحَياتية.
– وأنا هنا لنْ أدعوَ المجتمعَ لتغييرِ قَناعاتِه لأن هذا الخطابَ سَيَظَلُّ غيرُ مُجدٍ فالهوةُ عميقةٌ والتصحيحُ يحتاجُ إلى غربلةٍ كاملةٍ تشملُ التثقيفَ والتوعيةَ وتأهيلَ متخصصين وتلبيةً الاحتياجات الخاصةِ بالمكفوفين في كافةِ الميادينِ المختلفة، وما لم يحدثْ شيءٌ من هذا فالقَناعاتُ ستبقى والمعاناةُ ستستمر وعلى المتضررِ الصبرَ أو اللجوءَ للقضاء.
– لكني سأخاطُبَك أنت أيها الكفيفُ فأنت هدفي وأنت مُهجتي:
طَبعاً لنْ أدعوَكَ للانضواء تحت أيِّ صِنْفٍ مِنَ الأصنافِ الثلاثةِ السابقةِ فذاك شأنُكَ، لنْ أطلُبَ منك المستحيلَ فأنا أعلمُ أنَّ لكلِّ إنسانٍ قدراتُهُ الذاتيةُ الخاصةُ به، إنما أريدُ منك أنْ تُقَيِّمَ نفسَكَ بنفْسِكَ، وأنْ تنظُرَ لمجتمعِكَ بواقعِ الحالِ لا بالمُنَى والآمال، المجتمعُ سيظلُّ كما هو لنْ يتغير، أدعوك أنت إلى أن ْتتغير، أدعوك أنْ تكونَ إنساناً مُنتِجاً لأجلِكَ أنت ليس لأجلِ تغييرِ مجتمَعِك، أدعوك أنْ تُثَقِّفَ نفسَكَ وتُطَوِّرَها وتُنَمِّيَ منْ مهاراتِك، أدعوك أنْ تضعَ بَصَماتِكَ على محيطِكَ الأُسَرِيِّ والعمليِّ والمُجْتَمَعِي، أدعوك أنْ تتصالحَ مع الدنيا بكلِّ ما فيها، أدعوك أنْ تَتَذكَّرَ أنَّ لكلِّ شيءٍ ضريبة، وضريبةُ فقدانِ بصرِكَ هي معاناتك، أدعُوكَ إلى تقولَ للجميعِ هذا أنا ولكنْ لتكنْ تلك الأنا عُنواناً لشخصيَّتِكَ الطبيعيةِ الطَّموحة.
********
بِقلَمِ أخيكم المُحِبِّ لكم جميعاً: جمال بن شحبل الظني.

Advertisements

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s