الأبناء والموبايل.. “عزلة” اجتماعية خطيرة

أيقنت الموظفة ليلى أن طفلها رامز البالغ من العمر (10 سنوات) يعاني انطوائية وعزلة اجتماعية جراء زيارة أحد الأقارب لمنزلهم، ورغم المحاولات المتكررة لخروجه من غرفته لم يستجب مفضلا البقاء وحده برفقه هاتفه النقال.
تقول الأم، “طوال الجلسة وأنا أفكر لماذا هكذا ولدي، كما أن العائلة لديها أطفال صغار، والمتعارف عليه أن الأطفال يحبون اللقاء واللعب واللهو معا، ومنه قررت الحديث معه مباشرة بعد مغادرة الضيوف”.
تضيف، “عند الحوار مع رامز حول رفضه الخروج، علمت بأنه يفضل الألعاب الإلكترونية التي يحتوي جهازه الخلوي على العديد منها عن أي شيء آخر، كما أنه لا يحب سوى أصدقائه عبر الفيسبوك، ولديه صديق واحد في المدرسة يتحدث معه، وإن غاب يجلس وحيدا”.
يجد العديد من الأبناء ضالتهم في وسائل التكنولوجيا، لا سيما الأجهزة الذكية التي تشكل أمامهم وسيلة الهروب من التعامل المباشر، وإقامة علاقات اجتماعية جافة، واستبدال الزيارات بمكالمة هاتفية أو رسالة عبر وسائل مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.
واللافت للنظر هو مكوث العديد من الأبناء وبحوزتهم “الأجهزة الخلوية” مع باقي أفراد الأسرة تحت سقف واحد، منشغلين بمتابعة وتصفح كل ما يبث وينشر، وكأن (الموبايل) حل مكان الأبوين للأبناء، لكثرة مكوث الأبناء أمام هذه الأجهزة وتفاعلهم معها.
ويزداد هنا ضعف علاقة الأبناء بوالديهم، وازدياد الاضطرابات النفسية مثل الاكتئاب، حب العزلة، الانطوائية إلى جانب الرهاب الاجتماعي في حال الحديث مع الآخرين وجها لوجه.
أما الطفل سامر (12 عاما) فيقول، “ليس هناك تواصل بيني وبين عائلتي، فأنا أقضي أغلب الوقت على الإنترنت فهناك أصدقائي يفهمونني أكثر، أتكلم معهم كما أريد، ونضحك ونمرح سويا”.سلمى (14 عاما) تؤكد أن والديها دائما منشغلان وتقول، “حتى إن كان والدي ووالدتي موجودين في البيت فالموبايل بين أيديهم أغلب الوقت، وعليه سوف ألجأ لاستخدام الموبايل أيضا لأتحدث واتواصل مع الآخرين”.
الطالبة الجامعية بتول عمران تقول، “أشعر أن لديّ رهابا اجتماعيا، فعندما أتحدث أمام الآخرين لا أعلم ما يصيبني، تظهر علامات الإحمرار على وجهي، وأتلاشى الحوار مع الزملاء في الجامعة لهذه الأسباب، وعليه أفضل دائما الحديث والتواصل مع الآخرين عبر الموبايل سواء من خلال المكالمات الهاتفية أو الواتس اب أو الفيسبوك”.
وعن تأثير هذه الوسائل الحديثة على الأطفال، فقد كشفت دراسة أجرتها منظمة “أنقذوا الأطفال” العالمية، أن تقنيات الاتصال الحديثة أوجدت جيلاً من الأطفال يعاني من الوحدة وعدم القدرة على تكوين صداقات.
واعتمدت النتائج على استطلاع أُجري على عينة من 100 معلم أكد 70 % منهم أن قضاء الأطفال لساعات طويلة بشكل منفرد مع التقنيات وبخاصة الإنترنت يؤثر سلبا على مهاراتهم الاجتماعية.
تبين الإاستشارية الأسرية والتربوية سناء أبو ليل أن إدمان الأبناء على الهواتف النقالة ومواقع التواصل الاجتماعي يجعلهم ينعزلون عن الحياة الطبيعية الاجتماعية، مكتفين بعالم الإنترنت الافتراضي وما به من أصدقاء افتراضيين.
تقول، “يجب أن ندرك خطورة وسائل التكنولوجيا ومنها الموبايلات على حياة ومستقبل أبنائنا، فهي تعمل على اتساع الفجوة بين الأباء والأبناء، وتقضي على كل أشكال الاتصال الأسري فتختفي العلاقة القائمة على المشاعر والأحاسيس الصادقة، ولغة الجسد المؤثرة في كيفية تعامل الفرد مع الآخرين”.
وتؤكد أبو ليل على ضرورة عقد جلسات عائلية لمناقشة فكرة ما، يتعلم من خلالها الأبناء ثقافة الحوار وتعويدهم عليه مما سينعكس إيجابا على اتجاههم وسلوكهم في تعاملهم مع الآخرين في المجتمع، وكذلك بناء العلاقات الإيجابية بين الوالدين والأبناء، حيث يؤدي الحوار الفعال بينهما إلى الاحترام المتبادل وتعزيز الثقة لدى الأبناء، وتشجعهم على التفكير السليم.
وتضيف، كما يمكن عرض تجارب الآخرين الذين تعرضوا للأذى عبر وسائل التكنولوجيا المختلفة، والاستفادة منها بعدم الوقوع بها، إلى جانب ترسيخ معاني الإنسانية، وأهمية الحفاظ على العلاقات الأسرية والإجتماعية.
الاستشاري النفسي والتربوي د. أحمد سريوي يقول، “من الطبيعي جداً أن تؤثر الموبايلات والأجهزة التكنولوجية الحديثة عموماً كالحاسوب المتنقل وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية وغيرها على علاقة الأسرة ككل، حيث إنها تفصل وبشكل شبه كامل في بعض الأحيان وجود الشخص عن الواقع الحقيقي، حيث يكون في حالة اندماج كامل في عالم افتراضي آخر، ما يزيد من الفجوة بين الأهل والأبناء فيجعل كلا منهم في وادٍ سحيق ليس له قرار”.
يضيف، “يتحتم على الأهل أن يكونوا واعين لمثل هذه الأمور الخطيرة، ولا يسمحوا بها منذ البداية وذلك من خلال تخصيص وقت يومي منطقي لاستخدام هذه الأجهزة الالكترونية.
 أما فيما يتعلق بأجهزة الموبايل، فمن المفترض بالأهل صناعة سلة توضع فيها أجهزة الموبايل في اي جلسة تعقد داخل المنزل، مثلا وقت تناول الطعام أو وقت الجلوس للسمر والتحدث حول شؤون البيت وغيرها، بالتالي المساعدة في فصل هذا الابن عن العالم الافتراضي الذي يعيشه على الأقل في هذه الفترات المتقطعة، كما يجب على الأهل ان يكونوا قدوة لأبنائهم في هذا الشأن حتى يطبق الابن ما يطلبه الأهل وفق سريوي.
الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي يقول، “إن الاستخدام الخاطئ للموبايلات، وخاصة الهواتف الذكية يؤثر على العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة الواحدة وبين أفراد المجتمع كون هذه الأجهزة توفر سرعة التواصل والمحادثة وتبادل المعلومات”.
ويضيف الخزاعي، يجب أن يكون هناك قدوة للأبناء وأن لا يعتمدوا على هذه التقنيات أو يمارسوها أمام الأبناء، ويقع على عاتقهم تشجيع الأبناء على التواصل الوجاهي بينهم كون المشاعر تكون صادقة وأكثر حميمية، وتوجيههم على عدم الاعتماد على الهواتف النقالة بدلا من التواصل الوجاهي كون التواصل الوجاهي يعمق العلاقات بين الناس.

Advertisements

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s