»”النفاق”.. حينما يتسيد العلاقات الاجتماعية بحثا عن المصالح

مع مرور الوقت، وتسيد المصالح بين العلاقات، يغلب “النفاق الاجتماعي”، ليحكم طبيعة تلك العلاقات بين الناس، بعيدا عن الإخلاص والصدق والمحبة الخالصة. والوصول لهدف ما لدى الكثير من الناس، يبرر الوسيلة لديهم مهما كان شكلها، ويدفعهم للقيام بأي شيء في سبيل تحقيق ما يريدونه، ويستخدمون أقنعة تخبئ وراءها إحساسهم الحقيقي والصادق لمن حولهم.
ايمان درويش من هؤلاء الأشخاص، فهي تستغرب تصرفات إحدى زميلاتها بالعمل، والتي لطالما كانت تشكو لها كرهها وعدم حبها لزميلتهما الثالثة، لتتفاجأ بين ليلة وضحاها بأنها أصبحت صديقتها التي تقضي أغلب وقتها معها وتشاركها بكل ما تقوم به.
في البداية اعتقدت ايمان بأن الخلاف قد حل بينهما وأن الأمور عادت الى مجاريها، إلا أنها تفاجأت بأن هناك مصلحة مشتركة تربط بينهما، كانت سببا لهذه العلاقة المتينة، وأنها بحاجة لمساعدتها، لذا حاولت “تجميل” العلاقة من جديد رغم أن مشاعرها الحقيقية لم تتغير تجاهها.
وأكثر ما أثار استياء ايمان، هو “النفاق” المبالغ به تجاه الزميلة التي كانت دائمة الهجوم عليها، تغيرت “ظاهريا”، وأصبحت تُسمعها كلاما يرفع من شأنها ومعنوياتها، مستغربة من أن تلك الزميلة تصدقها بكل ما تقوله.
الثلاثينية هيا أحمد هي الأخرى كانت تهم للدخول الى منزل صديقتها لتسمع قبل دخولها إحداهن تتحدث عنها بنبرة كلها سخرية واستهزاء، وتصفها بكلمات جارحة جدا، وبأنها لا تتحملها على الإطلاق وما يبقيها على علاقة معها هو الأعمال المشتركة بين زوجيهما.
تقول هيا إن كل ما سمعته لم يكن هو المفاجأة بالنسبة لها بقدر ما تفاجأت عندما استعادت قواها بعد ما سمعته، ودخلت الى الجلسة لتستقبلها بحب لا مثيل له، مبينةً أنها رحبت بها لدرجة جعلتها تشك بنفسها وكأنها ليس هي من سمعتها على الإطلاق.
تقول هيا “في ذلك اليوم شعرت بمدى زيف العلاقات الاجتماعية والنفاق”، خصوصاً وأن هؤلاء الأشخاص هم من تقضي معهم جزءا كبيرا من وقتها الذي تعتبره الآن وقتا مزيفا، وكله خداع ولا يحكمه إلا المصالح، ما جعلها تنسحب شيئا فشيئا، وتبحث عن أناس حقيقيين لا يحكمهم النفاق ولا المصالح.
ويرى خبير مهارات التواصل ماهر سلامة، أن كثيرا من الناس لا ينشدون الى ما يحتاجونه بل الى ما يريدونه، والمجتمع الذي تنتشر فيه هذه الفئة دخل منطقة “الشره”، وخرج من جوهر الذات الحقيقية، وذهب لأشياء تشبه ما يريد وليس ما يحتاج.
ويضيف أن هنالك من يريد كل شيء، ولتحقيق ذلك فهو بحاجة لكل شخص قد يوصله الى هذا المكان، هنا يبدأ الخلل والدخول بمنطقة الطمع والجشع ليصبح شخصا انتهازيا ووصوليا من أجل الفائدة.
ويحذر سلامة من التعامل مع هذه الفئة من الناس، ومحاولة عدم التوسع معهم بهذه العلاقة، خصوصا اذا كان شخصا لا تحتاج وجوده في حياتك.
في حين تعتبر اختصاصية الإرشاد النفسي في الجامعة الهاشمية د. جهاد علاء الدين، أن النفاق في الأصل يمارس لتجميل العلاقات الاجتماعية، خاصة تلك التي لا تحتمل الحقيقة المجردة، ويكون حينها نفاقاً مقبولا للتخفيف من وطأة الواقع، خصوصا حين يشمل الحديث اعتبارا للشخص المقابل، وأن إخبارهم بالحقيقة سيكون مؤلما وجارحا.
وتشير الى أن النفاق يمارس لتحصيل القبول والرضا من المحيط كون الناس بطبيعتهم لا يتقبلون تلك الحقيقة كما هي، ويلجأون دوما لعبارات مرادفة من خلال التلاعب بالكلمات لجعلها أكثر قبولا ويقولونها بطريقة منمقة، لأنهم لا يحبون سماع ما يفكرون به، ولأنهم مدركون لحقيقته وكأنهم برفضون النظر مباشرة للحقيقة التي تظهر أمامهم.
وتزداد الأمور سوءا حينما يمارس الفرد تلك العادة بقول أمور غير حقيقية في شخص لا يمتلك تلك الصفات، وهو يعلم أن ما يقوله الطرف الثاني غير حقيقي لكنه يصدقه، ما يمنحه قوة وهمية من جهة وتشويشا من جهة أخرى فيصبح غير متوازن في فكره وتصرفاته.
وفي حين يرفض البعض مثل هذه التصرفات بشكل رد فعل يمارسونه، بحيث يتجنبون من يمارس النفاق ولا يدعمون، وكأنهم يرسلون له رسالة بأنهم لا يتقبلون مثل هذا النوع من التصرفات ويعترضون عليه.
ويضيف علاء الدين أن من يمارس هذا النوع من التصرف أي “المنافق”، يعاني من شخصية ضعيفة ويفتقر للشعور بالأمان ولا يتمتع باستقلالية نفسية، بحيث يشعر أن موقعه وقوته يرتبطان بالمحيط، من خلال رضا شخص معين غالبا ما يكون أعلى مرتبة منه، غير مدرك أنه قابل للاستبدال في لحظة.
ويعيش المنافقون في عالم وهمي غير حقيقي وللأسف، فهم أصحاب شخصيات تتقدم بسرعة في مهنتها ولا يملكون أي مرجعية أخلاقية أو ضمير ووازع داخلي، وفي لحظة يدعمون شخصا وينقلبون عليه، بمجرد افتقاده لمصدر قوته.
وبالرغم من السلبيات التي يمتلكونها فهم أيضا يتمتعون بذكاء وبراعة لفظية وقدرة على التلاعب بالكلمات والإقناع، وأحيانا يصدقون ما يفعلونه ولو كان غير حقيقي، ولا يملكون مهارات التخطيط على المدى الطويل، وما يقومون به يكون في العادة بطريقة غير شعورية.
ويضيف علاء الدين، أنهم حين يمارسون النفاق يحشدون العبارات لكسب التأييد ولا يقدرون على القيام بذلك وحدهم؛ إذ غالبا ما يرافقهم طرف ثالث بحيث يعزز قدرتهم على الإقناع، لافتاً إلى أنهم لا يمتلكون كفاءات ومهارات مهنية مميزة بحيث يكونون عرضة لفقدان منصبهم حين يتم افتضاح أمرهم والتي تعني بالعادة غياب صاحب السلطة الذي يمنحهم هذه الهالة.


الكاتب: مجد جابر

Advertisements

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s