دراسة: مواقع التواصل الاجتماعي تجعل الشخص أكثر سطحية

القلق وعدم الاطمئنان هي المشاعر التي تسيطر على الأربعينية سلوى تجاه ابنتها التي تقضي غالبية وقتها في متابعة كل ما يبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبخاصة “سناب شات” و”انستغرام”، ما جعلها تعيش بعيدا عن الحياة الواقعية.
وتبين سلوى أن ابنتها تعيش حياة الشخصيات تتابعها عبر الفيديوهات الخاصة بها يومياً، وتحاول تقليدها في كل شيء، مشيرة إلى أنها باتت تلاحظ تغيرا في طريقة حركات ابنتها وملابسها وحتى كلامها، فهي باتت تستخدم المصطلحات والإشارات التي تمليها هذه الشخصيات.
وتخشى سلوى من أن بقاء ابنتها على هذا الحال سيدمرها ويجعل تفكيرها بسيطا وسطحيا، خصوصاً وأنها تلاحظ أن مكالماتها مع صديقاتها تدور حول المواضيع ذاتها، كونهن يتابعن الحسابات والشخصيات نفسها.
العشريني مراد هو الآخر بات لا يطيق مرافقة أحد أصدقائه الذي كان من المقربين على قلبه، والسبب في ذلك هو ولع صديقه بمواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً “سناب شات” الذي بات يتحكم بكل تفاصيل حياته من طعام وشراب وملابس وغيرها، لافتاً إلى أنه يخرج لمطعم معين فقط لتصوير طريقة تقديمه للوجبات، أو قد يقصد مكانا ما، لأن مستخدمي الـ”سناب شات” في الفترة الأخيرة كانوا قد ذهبوا إليه.
ويضيف أن حياته أصبحت مبنية على ما يحمله أصدقاؤه على “سناب شات” وما يجب أن يصوره هو، وكيف سيحظى بأعلى نسب مشاهدة وردود أفعال إيجابية من قبل الأصدقاء، مشيرا إلى أن ذلك يخلو من أي نوع من التسلية، وينحصر بحدود تفكير ضيقة.
وأظهرت دراسة حديثة أن الذين يكثرون من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية أكثر انجذاباً إلى المتعة، وبالتالي يصبحون أقل عرضة للانخراط في “التفكير التأملي”، ولا يكترثون كثيراً بأهداف الحياة الأخلاقية، وفق ما ذكرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية.
وبينت الدراسة، على وجه التحديد، أن الإنترنت يسبب انخفاضا في الفكر التأملي، وذلك يعود إلى حد كبير إلى سرعة وتيرة الاتصال بالإنترنت، الذي ينطوي عادةً على نصوص كثيرة، تغريدات، تعليقات، ورسائل لا تستغرق عادة وقتا طويلا للمعالجة.
وتوقعت الدراسة بأن الاتصال الدائم بالإنترنت، ووسائل الترفيه المحمولة، والاتصال الدائم بمواقع الاتصال الإلكترونية، أدت إلى حدوث انخفاض هائل في التفكير التأملي اليومي العادي.
وفي دراسة أخرى حديثة سعت إلى زيادة اختبار الفرضية القائلة إن الرسائل النصية ووسائل التواصل الاجتماعي تسبب “الانحطاط الأخلاقي أو المعرفي”، تبين “أنه كلما أكثر المشاركون من المراسلة، كانوا أقل استعداداً لتوجيه اهتماماتهم إلى أهداف الحياة الأخلاقية، وأكثر عرضة لتوجيه هذا الاهتمام إلى المتعة”.
ويتجاوز عدد مستخدمي “فيسبوك” في الأردن الأربعة ملايين مستخدم، وحوالي مليون مستخدم لموقع “انستغرام”، وتقريباً مليون حساب على تطبيق “سناب شات”، وهذه الأرقام مرشحة للزيادة خلال الفترة المقبلة، وذلك مع الانتشار المتزايد لاستخدام الهواتف الذكية في الأردن، والتي تقدر أرقام رسمية بأنها دخلت بيوت 70 % من الأسر الأردنية، وتعد هذه الشبكات الأكثر استخداما من قبل فئة الشباب.
وفي ذلك يرى خبير أمن المعلومات والاتصال الرقمي الدكتور عمران سليمان، أن مواقع التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، يحددهما صاحب العلاقة (المستخدم) والطريقة التي يتعاطى بها مع الكم الهائل من المعلومات والمعرفة الموجودة في ردهات الشبكة العنكبوتية.
ويردف “فعلى سبيل المثال، القراءة الدائمة في محتوى مليء بالأخطاء والمغالطات وعدم الدقة وركاكة اللغة مع وجود عامل حب الظهور بمظهر المثقف أمام الآخرين يجعل من القارئ ذا ثقافة مشوهة وتفكير سطحي، خاصة في ظل غياب مفهوم التحقق من المعلومة لدى ثلة كبيرة جدا من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي”.
والعامل الثاني الذي يؤدي إلى هذه المفارقة الغريبة وانتشارها، وفق سليمان، هو أن المعلومة (المشوهة) أصبحت سهلة المنال، تأتي من غير عناء البحث وطي صفحات الكتب كما كان سابقا، لذلك فإن غياب حب الإبداع وتعلم شيء جديد عن الكثيرين جعلا منهم فريسة سهلة للأفكار الضيقة والتفكير المحدود.
ويشير إلى أنه في المقابل يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تكون سلاحاً وأداةً قويةً في بناء شخصية الإنسان من خلال المشاركة الحقيقية وطرح وجهات النظر بعد الاطلاع على المصادر الحقيقية للمعلومات وتحليلها باستخدام الأدوات الصحيحة، ما يجعل كثيرا من الأشخاص يبرزون بشكل كبير في الآونة الأخيرة بجهود شخصية من خلال الاستغلال الأمثل لهذا العالم الرقمي.
والدورات التدريبية والكتب الالكترونية والتواصل مع الخبراء والاطلاع على أعمال المبدعين، كما يقول، أصبحت أكثر سهولة ويسرا من قبل، لافتاً الى أن المشكلة تكمن فينا وفي مؤسساتنا التعليمية والإعلامية التي يجب أن توجه المستخدمين إلى هذا الطريق الصحيح.
وتذهب اختصاصية الإرشاد النفسي في الجامعة الهاشمية د.جهاد علاء الدين، إلى أن من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في طريقة غير محسوبة، هم بالغالب أفراد يفتقدون للثقة بالنفس، ويقومون بمثل هذه التصرفات للحصول على اهتمام الآخرين، لأن مرجعيتهم تنشأ من الخارج، والأصل أن ينشأ الفرد من الداخل، كون ذلك يعطيه قيمة وضوابط وسلوكيات وأنماط مواقفه لآرائه.
وتبين أنه في مثل في هذه الحالات، يحصل المستخدم على تلك المرجعية من خلال مدى قبوله من الآخر، فيسعى لمعرفة كيف ينظر له الآخرون وقياس ذاته من خلال ردود فعلهم عبر أفعال يقوم بها، لأنه لا يعرف نفسه.
والأصل، وفق علاء الدين، أن يقيس الفرد مدى تطابق رأيه مع الآخرين، أي مفهوم الإنسان عن ذاته وسعيه للتأكد منه من خلال تصرفات يقوم بها، مؤكدة أن هذا أمر طبيعي وصحي، لأنه يسهم في تطوير مهارات الفرد وقياس مدى خبراته، ولو بدا بعض منها لا يجد قبولا من الآخرين، لكنه مقتنع بذاته، فرضا الناس غاية لا تدرك.
وتؤكد أن ذلك على العكس من الفرد الذي لا يعرف نفسه جيدا، فيجد في الحصول على موافقة المحيط مساحة لبناء تصور لذاته من خلال ما يراه الآخرون، فإن بث أمرا سخيفا ووجده غير مقبول يقوم بشطبه ويصاب بالإحباط، وإن وجد تفاعلا في أمر نشره، تجده تحول لشخص مرح ومعتد بذاته.


المصدر.

Advertisements

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s