ماذا فعل داعش وماذا فعل النظام في تدمر؟

لا يخطئ المتابع عندما يرى ازدواجية المعايير التي يتبعها المجتمع الدولي في التعامل مع الجرائم التي يعانيها الشعب السوري، فبات إجرام نظام بشار الأسد مقبولا ومرحبا به ، حتى اعتبرت منظمة التراث والثقافة العالمية في الأمم المتحدة، يونيسكو، سيطرة قوات النظام على مدينة تدمر “تحريراً” لها، ضاربة بعرض الحائط جميع ألوان معاناة الشعب السوري، الذي ذاق الويلات من أفعال النظام عبر خمسة عقود مستمرة.
عندما دخل تنظيم داعش مدينة تدمر قبل عشرة أشهر تقريباً، وضع العالم قلبه على يده، ونزحت عشرات العائلات عن المدينة لتفضيلهم العيش في كنف النظام وتحت عباءته حتى لا تنقطع أرزاقهم، وغادرت البلاد بعض تلك العائلات بعدما تخلى عنهم النظام رغم تمسكهم به، وبات الشغل الشاغل للعالم المناطق الأثرية في تدمر، وكأن حياة أكثر من مئة ألف شخص ليس لها أي قيمة، حتى أن “أسماء الأخرس” أبدت قلقها على طيور “أبو منجل”، ورغم أن ذلك فتح باب السخرية لكن العالم أجمع شاطرها رؤيتها السطحية فيما بعد.
قتل تنظيم داعش العشرات من عناصر قوات النظام ومواليه بذرائع شتى -كعادته- ولم يفعل شيئاً جديداً، كل ما فعله كان متوقعاً، حتى تفجيره لمعبدي “بعل شمسين وبل” والمقابر البرجية الشهيرة كان أمراً متوقعاً، وهنا تجدر الإشارة إلى معلومة تاريخية، هي أن أهالي تدمر حتى عهد الانتداب الفرنسي كانوا يعيشون في المنطقة الأثرية، و”معبد بل” كان المسجد الكبير للمدينة، قبل أن تقوم فرنسا بتخطيط وبناء المدينة الحديثة وإجلاء المدنيين إليها، وتصبح تدمر بعدها من أشهر متاحف الهواء الطلق، وداعش بهمجيته -دون شك- لا علم لديه بما ذكرنا ها هنا.
ناشطو مدينة تدمر حذروا مراراً وتكراراً من نشاط نظام بشار الأسد في نهب أثار المدينة قبل سيطرة التنظيم عليها، وشهد بذلك فيما بعد النائب العام في مدينة تدمر بحوار مع وكالة الأناضول، بعيد انشقاقه مطلع العام الجاري، غير أن تلك التحذيرات لم تلقَ آذاناً صاغية، فالنظام عضو قائم في منظومة الأمم المتحدة وسفيره لديها ما زال يقوم بمهامه، كل ذلك في إطار نظرة أحادية للأحداث في سورية عموماً، وفي تدمر خصوصاً، تلك المدينة التي ود أهلها النأي عن حالة الحرب، إلا أن النظام سعى جاهداً لتهجيرهم، واستغل تواطؤ العالم معه لتصوير نفسه المحارب الأول للإرهاب على ركام منازلههم ودماء أبنائهم.
قام تنظيم داعش بتفجير سجن تدمر الشهير، طامساً معالم إجرام النظام التاريخية، وأكبر الدلائل على ما ارتكبه من فظائع طيلة العقود الماضية، وكانت الهزلية ادعاءه أن ذلك كان “انتقاماً لدماء المسلمين”؛ وبعد دخول النظام في مفاوضات جنيف والتوافق الدولي على محاربة الإرهاب كان على داعش لعب الدور باحترافية، فقتل العشرات من منتسبيه بغارات الطيران الحربي الروسي، وقتل أهالي تدمر أيضاً، وباتت مئة ألف نسمة كانت تقطن في تدمر قبل دخول داعش مشردة في أصقاع الأرض، حتى إبان الانتداب الفرنسي والحروب العالمية، وحتى في عهد زنوبيا وخراب تدمر على يد الرومان لم تخلُ المدينة من أهلها كما هي اليوم.
مئات العائلات التدمرية وصلت إلى محافظة الرقة، ويقول ناشطو “الرقة تذبح بصمت” إن التنظيم فتح لهم أبواب بعض المدارس ولم يقدم لهم دعماً يذكر، وبقيت عشرات العائلات هائمة تبحث عن منازل للإيجار، ورحلت عوائل أخرى إلى مناطق سيطرة المعارضة في ريف حلب الشمالي، حيث يعيش أهالي تلك المناطق -أساساً- بؤساً شديداً بعد هجمات النظام وداعش وقوات سورية الديمقراطية على مناطق ريف حلب الشمالي واقتضامها رويداً رويدا، وما زالت الحدود التركية مغلقة أيضا أمام جميع النازحين، في حين تسعى بعض العوائل التدمرية للوصول إلى محافظة إدلب حيث يوجد أبناء لهم في صفوف الفصائل المقاتلة هناك.
هذا ما فعله داعش وما فعله النظام بتدمر وأهلها، يبدو عملا واحدا برعاية ورضا من المجتمع الدولي المنطوي على نظريات غبية، نظريات تبيح قتل وتهجير السكان بحجة محاربة الإرهاب، إرهاب كان شريكا ناجحا للنظام في استعادته “الشرعية الدولية” ودفع سفيره لدى الأمم المتحدة إلى إعلان الترحيب بالتحالف مع الولايات المتحدة لمحاربته، إرهاب حسب طلب النظام.
المصدر.

Advertisements

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s