المواعظ بالصورة النهائية- د. حمزة الحبابسة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمات المواعظ

الحمد لله رب العالمين

1..
لما رأيت انفضاض الناس وهروبهم عن عالم الكتب, وكراهيتهم للقراءة وانبعاثهم في شتي نشاطات الحياة وعدم تصفحهم ومطالعتهم للكتب القيمة – اقصد تلك التي تنفعهم في عاجلتهم وآجلتهم – والمشقة التي يشعرونها حينما يقلب بعضهم أحد التفاسير أو كتب الحديث أو الثقافة العامة.
لما رأيت ذلك أحببت أن أضع بين أيديهم مواعظ وأخباراً يطالعونها ويفيدون منها, ويتحادثون فيها, فمن يدري ؟, لعل كلمة أو خبراً أو قصةً تكون سبباً في هداية احدهم, أو تكون منعطفاً في حياته, فيعلم مغزى وجوده وسر حياته, والى أين وصلت طريقة التي لا يعرف طولها إلى الآن, أقصيرةٌ هي أم طويلةٌ.

2..
أردت أن يتذكر حياته ولحظة ولوجه العالم الآخر ودخوله حياة البرزخ , أن يعرف ربه ويتفهم دينه فينسلخ من أسئلته الحائرة التي أضحت تقضُّ مضاجعه, وتؤنِّب ضميره فيحيا بطمأنينة وسكينة .
ويطالع مشاهدَ ومناظرَ سيمر بها لا محالة, فعالم الغيب ليس مخفيَّاً تماماً كما يظنه الكثير, بل لدينا آلاف النصوص التي ترسمه لنا وتُطلعنا عليه, على الرغم أنها لم تنقل لنا بحذافيرها ما نبتغيه في هذا الشأن فهذا غير ممكنٍ كما انك تخبر رجلاً مسافراً لبلدٍ كنت فيه منذ فترةٍ وجيزةٍ , تخبره معالم البلد البارزة وما يحتاجه هناك , وبإيجاز تام.
واليوم الآخر منذ البرزخ إلى الجنة والنار مروراً بالبعث والحشر والصراط والميزان لم يردنا مفصلاً, بل خطوطاً عريضةً ومشاهد مختارةً بعنايةٍ فائقةٍ لنقف عليها وقفة الموجز والمحتاج بقدر إيجازه واحتياجه.
وبعبارة أخرى أقول لك لقد اخبرنا القرآن والنبي  فلسفة الوجود في العالم الآخر وفلسفة المصير وليس السناريو الكامل لمراحل انتقال الإنسان هناك وتقلبهم في العوالم .

3..
وكنت قبلها بسنوات أشعر هذا الشعور وأفكر هذا التفكير, فلملمت أوراقي و منتخباتي وصغت هذه الأحاديث والأخبار بلغةٍ أحسبها سلسلةً, فيفهم معناها ويقف على مغزاها كل مبتغٍ مهما كان حظه من الدين والثقافة وعسي أن ينفع الله بها.
وهي ليست ذات موضوعٍ واحدٍ, ولذا أطلقت عليها مواعظ, فهي تتحدث عن عدة موضوعاتٍ وجوانب.
فأنت تجد فيها مشاهد القيامة ومفازع البرزخ, وتألف قصص الصالحين وأخبار السادة الغابرين, وتتمعن في حكايا الخلفاء والملوك وتتدبر وصايا العلماء, وتعيش مع حكم الزاهدين, فترى الفقراء سادة والعلماء سلاطين, وتتعرف أصناف العبادة وتشاهد مصارع الظالمين, ويعتورك الخوف وينتابك الإجلال, ويكتنفك الفخر لحظات وتعيد الحساب ساعات .

4..
وقد يكون السبب في إعراض الناس عن القراءة والكتب, الملل الذي يعتورهم والسأم الذي يصيبهم, ولن يجده القارئ هنا فلا يقرأ في جانبٍ واحدٍ وهذا معينٌ له بعد الله على ذلك .
وقد حرصت كل الحرص علي بذل علامات التشويق وأمارته في طريق القارئ الكريم من قصةٍ ذات عظةٍ وحكايةٍ فيها عبرةٌ, وأحاديث موجزات لا تلقي عليه ظلالاً قاتمةً من الإطالة والإسهاب .

5..
وهذه المواعظ مكتوبةٌ لديَّ في قصاصاتٍ وأوراقٍ, رأيت شغف الناس بها واستماعهم إليها ومحبتهم لها حينما كنت أحادثهم في جنبات المساجد, فأحببت أن تُكتب بذات اللغة التي سمعوها أو قريباً من ذلك ,ولتكن مساهمةً متواضعةً في قطار الدعوة المتسارع, ومشاركةً في إعمار الأرض بدين الله تعالى, وأرجو منه وحده أن تكون ذخراً لي في وقت احتاج فيه إلى رحمةٍ واطلاعةٍ بالرأفة من ربي .

6..
وهي أشبه ما تكون ببرقياتٍ مستعجلةٍ ورسائل قصيرةٍ هادفةٍ , ففي كل فصلٍ يجد الراغب قضيةً ورأياً لم يلحظها من قبل, وعساها تكون معيناً على دربه الشاق .
فبالإمكان لكل رسالةٍ أن تكون قضيةً دعويةً ووقفةً في مخاطبة الناس.
وسيجد مُقلِّب الصفحات أخطاءً تمنح هذا العمل مركب نقصٍ, فالكمال لله وحده, ونحن الخطَّاءون منذ خلقنا الله, وعسى أن تستغفر الكلمات القادمة عما اعتورها من خطل.

7..
على أنَّ المسلمين اليوم بحاجة قصوى لتتبع آثار دينهم واقتفاء منهجهم ونقد التراكمات الثقيلة عن كواهلهم والنزول من مراكب النقص التي ركبوها, وقد ألقت السنين الشداد عليهم ما ألقت وهم يعانون مرارة الواقع البائس الذي لا يكاد يمسُّ بالإسلام بمساسٍ ولا يتخذ منه وشيجةً ورابطةً.
بحاجةٍ شديدةٍ كي يبحثوا عن مقومات القوة التي تشرَّبها أجدادهم, وسلُس قياد البشرية بين أيديهم فساروا بدُفَّة السفينة حيث شاطئ الأمان للإنسانية, فأراحوها من الهزال وخلَّصوها من الخطايا و الآثام.
وقد حكم الإسلام قروناً طوالاً فما علمنا الشعوب شكت من الآفات, ولا الأجناس تبرمت بهذا الحكم, ولا الجماعات عاينت الظلمات والجور الذي تعيشه الآن, حكم الإسلام فحرَّر العبيد وأدار عجلة الاقتصاد وصيَّر الأشلاء المتناقضة أشياءً متوافقةً .
ثم أُقصي هذا الدين بعشرات الأسباب تسعة منها يرجع إلى المسلمين ذاتهم, واطلَّ الشيطان بصورته الشوهاء وبقرونه السوداء فحكم بإبهام الحديد والنار, فإذا السعادة المديدة تعاسةٌ وشيكةٌ, وإذا العدل وهمٌ وجورٌ, وإذا الأمان طُعمٌ لأولئك المتوهمين, والحرية صيدٌ للغافلين, وكأنه على موعدٍ منذ مئات السنين مع الثأر ممن انتظم العالم أمس بعدله.

8..
بيد انه آن الأوان وحضرت الساعة لكي يرجع المسلمون لدينهم, ويطبقون شريعتهم ويأخذون بأسباب القوة والمنعة, فقد أصبح عالم القرة الحادي والعشرين قرية لصوصٍ يتأهبون للزحف في كل ليلةٍ صوب البيوت المفتوحة, تلك التي لا تتخذ لأبوابها حرساً وجنداً حينما يغطُّون في نومٍ مديدٍ.
وهؤلاء اللصوص لا يكمنون في الغَفَلات, بل يَعْدُون في وضح النهار فيسرقون وينهبون وأهل البيت نائمون بأجسادهم راءون بأعينهم .
إن هذا محض الطبيعة وقانون العالم فلا مجال لليقظة ولا مندوحة للتبرم.
فإذا خرجوا واجتمعوا في طريقهم قسَّموا ما امتدت إليه أيديهم قسمةً عادلةً , إنهم عادلون فليفعلوا ما شاءوا.

9…
الإهداء.
اللهم منك وإليك…….

حقائق تسبح الله
ولا عجب من أمر الله, ولا من عظيم خلقه وصنعه, أو ليس هو العظيم في ذاته وأسمائه وأفعاله؟.
العنكبوت الضعيف الذي لاحول له ولا قوة وبيته أوهن البيوت, حينما يصنع خيوطه يجعلها نوعين, خيوطاً لزجةً لاصطياد فرائسه, تمسك بالفريسة الصغيرة فلا تفلت منه بفعل اللزوجة, وخيوطاً ملساء غير لزجةٍ يشق طريقه عليها, وقلما يخطئ في التميز بينها, وان فعل كانت نهايته, فتصطاده الخيوط التي صنعها ويبقى ملتزجاً بها حتى يموت.
طائر البانجوان, أجبن الطيور والحيوانات وأضعفها, يبحث لنفسه عن مكانٍ لا يعيش فيه كائنٌ من المخلوقات فلا يجد سوى القطب المتجمد الجنوبي فيحيا بحرية, ولا يعتدي عليه احد ,من هداه لذلك؟
عين الإنسان الصغيرة تحتوي علي مائةٍ وثلاثين مليون خلية حساسة تتعاون كلها وتعكس الصور إلى الدماغ, ليميِّز الإنسان المرئيات ويُبصر من حوله.
الأرنب لا يشبع إلا إذا تناول رطلين من الطعام يومياً, وهذه الكمية أكثر مما يأكله الإنسان بكثير, ربما كي ينمو سريعاً ويكون طعاماً لنا, وفاكهة الأرنب التي تحبها وتلتذ بها الجزر, لكنها حينما تتناول البقدونس تموت علي الفور انه بمثابة السُّم لها.
العقارب هي الأخرى ملأى بالأعاجيب, شكلها يدل علي ذلك, الأنثى المتغطرسة تأكل الذكر دون رحمة بعد عملية التلقيح إذ يكون متعباً شديد الإعياء .
بل إن صغار العقارب حين تفقس من البيوض تهاجم أمها دون هوادةٍ وتأكلها, أيُّ عالمٍ هذا الذي يأكل بعضه بعضاً ؟.
لا تتعجب فعالمنا نحن بني البشر قريب الشبه لعالم العقارب إلى درجة الذهول.
والعقرب لشدة عدوانيته وغروره إذا شعر أن النار تقترب منه يلدغ نفسه بسرعة فيموت قبل أن يحترق, فهو يفضل الانتحار علي أن تحرقه النار.
إن جميع المخلوقات بما فيها البشر تغيرت أشكالها وأنماطها السلوكية والاجتماعية إلا العقرب فلا يزال كما كان منذ ملاين السنين.
أرأيت كم هي العقارب عنيدةً ؟ قل: سبحان من خلقها.
الخفاش سيد الكهوف والمخلوق الذي لا يعشق سوى الظلام يستطيع اكتشاف طعامه من مسافة كيلومتر ونصف, ولا يُعرف بدقةٍ إلى الآن كيف يفعل ذلك على الرغم أن العلماء يعللونه بوجود أجهزةٍ له شديدة الحساسية, هذا ليس جديداً, فنحن نعرفه بمجرد معرفة الحقيقة التي تسبح خالقها .
أفعى الكوبرا, الزاحفة المخيفة, أميرة الأدغال بلا منازع, يكفي من سمها غرامٌ واحدٌ لقتل مائة وخمسين شخصاً.
من أمدّها بهذا الدمار الشامل, إنه الخالق.
النحلة المسكينة, صانعة العسل , ألذُّ أطعمة الإنسان, لا تستطيع إعداد كيلو غرام من العسل إلا حينما تقطع مسافة مليون وأربعمائة ألف كم, ومع ذلك تفعل أكثر من مرة في حياتها , من فَطَرها لتفعل ذلك ؟ , الخالق العظيم.
تعال لنعود إلى الإنسان ونتذكر قوله تعالى { وفي أنفسكم أفلا تبصرون }1,فهو مخزن الأعاجيب ومستودع الأسرار.
لقد فكر العلماء أن يصنعوا مخاً آلياً شبيهاً بمخ الإنسان فعدلوا عن الفكرة حين علموا أنه يلزمهم عشرون طناً من الحديد.
وفكروا مرةً أخرى في اختراع معملٍ ينتج الدم يشبه شكل المعدة, فاحتاجوا إلى مساحةٍ من الأرض تزيد عن الأربع دونمات, فعدلوا أيضا .
إن مخ الإنسان الذي يصل أحيانا إلى حجم قبضة اليد فقط يستوعب بليون معلومة أي ألف مليون.
الإنسان ذاته عندما يكتمل نموه تصل عدد خلاياه التي تعمل إلى مائة تريليون خلية, يا لهذا الإنسان العجيب , وما خفي أعظم, وقدرة الله لا نهاية لها ولا يحدها شيء .
فقل معي سبحان الخالق , سبحانه من إله .

مت شهيداً
أخي المسلم أدعو نفسي قبلك أن نموت شهداء لنحيا سعداء وننجو مما هو أمامنا أتعرف لماذا ؟ حسناً ….
لأننا نسير إلى أمورٍ جسامٍ, وأهوالٍ عظامٍ , مراحل كثيرةٍ مُتعبةٍٍ شاقةٍ لا ينجو من جميعها سوى الشهيد , أمامنا الموت وسكراته, وهول المطلع , والولوج إلى العالم الآخر, أترى كيف يولد الإنسان باكياً , لا يريد مفارقة عالمه الصغير فهو يظن نزوله موتاً, والولادة صورةٌ مصغرةٌ للموت , أبواب يدخل الإنسان بعضها ويخرج من بعض .
أمامنا معاينة ملك الموت والنزع, أمامنا بيت الوحشة… القبر هذا البيت الصغير جداً, كيف نتحمله ؟ أمامنا فتنة القبر والسؤال, أتضمن نفسك أن تجيب على أسئلتك, أمامنا ضغطه القبر, فالأرض أمُّنا الكبرى تضمُّنا , ولكن بعنفٍ.
أمامنا أهوال القبر وأيامٌ طوالٌ في البرزخ, أمامنا الخروج والنشور من القبور وصعقة الصُّور المفزعة, أمامنا الزَّحام في الآخرة.
أمامنا الحشر والحساب والصراط وأمور لا يقدر عليها أحد.
ويأمن من هذا كله.. الشهيد.
فهو لا يجد من الم الموت إلا مثل القرصه, أخبر بهذا  الذي قال بحق الشهيد: ” للشهيد عند الله ست خصال, يُغفر له في أول دفقةٍ, ويرى مقعده من الجنة, ويجار من عذاب القبر, ويأمن من الفزع الأكبر, ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها, ويزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين, ويشفَّع في سبعين من أقاربه”.
أرأيت خصال الشهيد وكرامته عند الله.
وما أخفاه الله من أجرٍ أعظم وأعظم, وقد تسأل الآن ؟, وكيف أطلب الشهادة وأنا لا أحارب عدواً ولا أخالطه وبيني وبينه حدودٌ ومسافاتٌ؟ .
اسمع حديث نبيك  ” من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه “.
تمنَّ وحسب .

ملك الموت
هل حضرت وفاة أحدهم, فنُزع أمامك, وانتقل إلى العالم الآخر بطرفة عينٍ, إنَّ ملك الموت في البيت حينئذ, ماذا يحدث بعد ذلك, ينطلق الصراخ, ويعمُّ البكاء ويمتد العويل, ويشعر الأحبَّاء بالفقد والهجر فتسيل دموعهم وتنبعث أحزانهم.
وهنا يمكث ملك الموت على عتبة البيت يرمق الأحياء الذين تركهم ولما يأتي موعدهم بعد,شيئاً.لى حالهم ولأهل البيت ضجةٌ فمنهم الصاكَّة وجهها والناشزة شعرها والداعية بويلها فيقول : فيم هذا الجزع ؟ فو الله ما أنقصت لأحدٍ منكم عمراً, ولا ذهبت لأحدٍ منكم برزقٍ ولا ظلمت أحداً منكم شيئاً.
فإن كان قولكم وسخطكم عليَّ فإنني والله مأمورٌ, وإن كان ذلك على ميتكم فإنه مقهور , وإن كان ذلكم على ربكم فأنتم به كفرةٌ , وإن لي فيكم عودةً ثم عودةً , فلو أنهم يرون مكانه أو يسمعون كلامه لذُهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم2 .
تأمل قوله : وإنَّ لي فيكم عودةً ثم عودةً …. سيعود لا محالة .

دنيا زائلة
لكم أحسن الشعراء النِّكاية بالدنيا الزائلة والحياة الفانية .
ولكم هي أشعارهم بديعةٌ حينما تتقاطر من أفواههم معبرةً عما يكتنفهم
قال علي  فيها :
النفس تطمع في الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنهـا إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طـاب مسكنهـا وإن بناها بشرٍ خـاب بانيها
فلا تحزن أيها الإنسان فالمقادير قُدِّرت, والآجال كُتبت, ولم يبق إلا أن تموت, ولن يعيد الله تعالى خلق هذا الكون من جديد لترضى.
مشيناها خطىً كتبت علينا ومن كُتبت عليه خطىً مشاها
ومن كانت منيته بـأرضٍ فليس يموت في أرض سواها

ترى ماذا يكون نصيبك من هذه الفانية إذا ولّت عنك ولم تجب طلبك ؟.
نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تُلوى فيهما وحنوط
وكان عمر رضي الله عنه كثيرا ما ينشد هذه الأبيات
لا شيء مما ترى تبقى بشاشتـه يبقى الإله ويفنى المـال والولـدُ
لم تغن عن هرمز يوما خزائنـه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له والإنس والجن فيما بينها تَــرِدُ
أين الملوك التي كانت لعزتهـا من كل أوب إليها وافدٌ يَفِــدُ3

تُعرض عليه الفتن
حين يقضي الميت يمرُّ بمراحل خروج الروح, حيث تُسحب روحه من جسده ثم تستقر في التراقي وهما عظما الكتف, ثم تخرج من فمه والله أعلم.
وتُعرض عليه الفتن, ويشخص إلى بوابة العالم الآخر, ويذهل لما يراه ويعاينه من مخلوقاتٍ بعد أن ينكشف له الغطاء, قال تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ}4.
فإذا استقرت روحه في تراقيه, عُرضت عليه الفتن وأنفذ إبليس اللعين أعوانه إليه فيتمثلون له في صورة مَن سبقه من الأحباب والأصدقاء والأقرباء, وهناك يثبّت الله أولياءه ويخذل أعداءه, نسأل الله أن نكون من أولياءه, فيفتنونه, فإن أراد الله به خيرا ثبّته وعرَّفه, قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}5.
وحينئذ تتمثل له الشياطين بصورة أبيه الذي قضى قبله, ويخاطبه فيقول: يا بني إني خبرت الأمر قبلك, وليس الإسلام بدين, ويعرض عليه اليهودية والنصرانية, فإن ثبته الله تعالى, جاءوه بصورة أمه.
وهنالك وفي ذلك الموضع الذي ينتقل فيه للعرض على رب العزة يكفر من يكفر, ويعصي من يعصي, ويثبت الله من يثبت .

لا إله إلا الله
كلمة الكون الأولى وعنوان كتابه الضخم, ومنطق الطبيعة حولنا, ونداء السماء للأرض منذ آلاف السنين , وتغريد الطيور في جوف الفضاء التي لا يفهمها سواها.
وهي الكلمة التي لأجلها خلق الله الخلق وابتعث إليهم الرسل وأنزل إليهم الشرائع, وهي أول خطوة في سير المؤمن لربه ليتعرفه ويعبده, وهي أثقل الكلمات وأبلغ العظات, ولو أنها وضعت في كفة ميزان عظيم والكون كله في كفة أخرى لرجحت وثقلت, فيا لها من كلمة ما أثقلها وأعزها عند ربها, ويا لها من كلمة ما أحلاها وألذَّها في قلوب عارفيه .
وهي الميثاق العظيم الذي أخذه الله على عباده قبل خلقهم وهم لا يزالون في عالم الذَّر, لكنهم غيَّروا وبدَّلوا فأنتزعها الشيطان من قلوب أكثرهم وأبدلهم غيرها فتعسوا وضلوا.
وهي كلمة الرسل لأقوامهم من لدن آدم وحتى خاتمهم محمد …. يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره.
وهي توحيد الألوهية الذي يعني إفراد الخالق العظيم بالعبادة وصرف الألوهية عن غيره من أصنام وأحجار وأموال ومناصب.
ولكم دارت الدوائر لأجلها بين الرسل وأتباعهم الضعفاء من جهةٍ وبين الجاهليات والكفر من جهة أخرى, فتطايرت الرؤوس بسببها وتفرَّق الأقارب وسفكت دماءٌ وفيرةٌ بين الفريقين لأجلها.
ذلك أن القول بها يستلزم الكفر بكل ما عبد الناس من آلهة, والاعتقاد بها يستوجب المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات.
فلا ضير أن تكون كلمة آدم, خُلق فأعتنقها, وأُخرج من الجنة فنزلت معه إلى الأرض ومكثت معه حياته كلها يعلمها أبناءه وأحفاده, حتى إذا مات قبض عليها, وبقيت من بعده تشهد قصتها وتحكي حكايتها إلى قيام الساعة.
وهي ترنيمة إدريس  وهو يطير على جناح جبرائيل إلى السماء الرابعة, فيوافيه ملك الموت هناك ويقبض روحه في ذلك المكان بعد أن نطق بها فأسلم الروح.
وهي فلسفة نوح , لأجلها حاربه قومه وسخروا منه وتعرَّض لصنوف العذاب والأذى فتمسك بها, ورآها أعزَّ ما لديه فليفعل الكفرة ما يريدون إذا كان يستحوذ عليها ويدين بها, وها هي تغرس معه أشجاره حتى إذا نمت وتطاولت اقتلعها بعزمٍ واقتدارٍ, وها هي تصنع معه الفُلك الأعظم حتى إذا تركت الأرض ودخلت السفينة حلَّت لعنة الطوفان على البسيطة فمات الخلائق بذهابها, وها هي تحطُّ معه على جبل الجوديِّ , فينشأ عبادٌ صالحون يعتقدونها وينطقون بها .
وهي مأوى إبراهيم  تهوِّن عليه لذع النار وتصيّرها برداً وسلاماً فرؤي من بين فحيح الألسنة مضطجعاً هنيئا, وارتحلت معه إلى الأرض المقدسة وبنى هناك مذبحاً للرب يُذبح فيه القرابين ويجعلها للفقراء والمساكين , فلولاها لما تعنَّى وارتحل في شُواظ الشمس وحر الهواجر غرباً إلى الخليل.
وهي الباقية على مر أزمنة الأنبياء بعدهم, فكانت بين سكين إبراهيم المشحوذ ورقبة إسماعيل عليهما السلام فحالت دون الذبح , توارثها أبناء الخليل ودعوا لها من إسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام .
وهي التي ابتعث الله بها موسى وهارون عليهما السلام من جديد, فأقضَّت فراش الفراعنة وأودعتهم غياهب البحر, وبقيت سالمةً حيةً خرجت معهما إلى أرض السمن والعسل, وعاشت مع الأجيال بضعة قرون .
وهي دعاء سليمان  لربه أن يجعل له ملكاً عظيماً فكانت تسير معه في حروبه فينتصر , وعلى سريره فيطير , بها يأمر الشياطين والجانَّ فيُخرجون له من البحر كنوزه ومن البر نفائسه فعقد عليها الرايات ودوَّخ الدول وأدان الأرض لها.
وهي منطق عيسى في صغره, وكلمته في بعثته, ودعاؤه في إحياء الموتى وبرء المرضى وشفاء الزّمنى , فمعها سار من قرية إلى قرية وبها من جبلٍ إلى وادٍ متحملاً في سبيلها المشاق عاقداً عزمه على الأسفار.
وهي كلمة سيدهم وبعثة أفضلهم , صدح بها  في صحراء العرب القاحلة, وفي جنَبَات الحرم حيث مكة قاهرة المدن, فارتجفت لأجلها الأصنام وتبعثرت لها القبائل.
ولولاها لما عذَّبوه وأصحابه وسخروا منه, وألقوا على كاهله الشريف فروث الإبل وفضلات الحيوان فصبر معها وتحمَّل بسببها المصائب العِظام والأحداث الجِسام , حتى جاء قدر الله الأعظم ففُتحت الأرض وانتشرت دعوة التوحيد وأضحت الشمس لا تغيب عن قائلٍ بها , فامتدت في الأرض واتسعت في الفضاء والبحر وشهدت الأرض عهدها المديد, واستذكرت كلمات الأنبياء من قبل فانسجمت والذكرى وأصلح الله شأن الخلق .
فلولاها لفاض غضب صاحبها, ولأحرق الأرض ولخسف بعباده, فلك الحمد على كلمتك الأولى ولك الحمد على ما قدرته لنا .
وهي كلمة الصاحين والصديقين, لهيَ أبقى على الدهر منه نفسه, نزعوا أموالهم من أجلها وضحَّوا بشبابهم وأولادهم في سبيلها.
لا إله إلا الله … قلها أيها المسلم بملء فيك عشرات المرات في اليوم والليلة لتنشد مع الطبيعة سحرها ومع الكون ترنيمته الباقية .

ذكر الله تعالى
كم ذكرت الله في حياتك … عشرات المرات , لا يكفي … مئاتها وآلافها, لا يكفي.. عددٌ لا يحصي , يكفى .
ما هو ذكرك المفضل ؟ … سبحان الله, فقط … الحمد لله ؟ فحسب … الله أكبر, لا غير … أستغفر الله, ليس إلا … جميعها وزيادة.. فقهت ووفقت . اسمع قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا , وسبحوه بكرة وأصيلا }6.
لم تأتِ في القرآن عبادةٌ حثَّنا الله تعالى على الإكثار منها مثل ذكره .
إذا تأملت العبادات وجدتها إما عبادات قلوب كالحبِّ والرضى , أو جوارح كالصلاة والحج , أو عبادات لسان كالذكر , وقد تشترك العبادة بين هذه الأصناف .. فالصلاة مثلا عبادة جوارح يدخل فيها عبادة القلب وعبادة اللسان .
ولعل الذكر أفضل العبادات رغم يسره وسهولته … وما الدليل ؟؟.. قوله … ” ألا أدلكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم .. قالوا ماذا يا رسول الله قال ذكر الله تعالى”7. فهو خير الأعمال وأزكاها وأفضل من الإنفاق وأجلُّ من الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام رغم أن العبادات المذكورة آنفا ثقيلةٌ شاقةٌ والذكر سهلٌ ميسّرٌ فلا عليك سوى تحريك لسانك .
حينما يلهج لسانك بذكر الله أيها المسلم وأنت ذرةٌ صغيرةٌ في الكون يذكرك ربك في نفسه, فإن ذكرته في قوم جهاراً ذكرك في ملَئه جهاراً, فتخيل رب العزة يقول لملائكته وصفوته إن عبدي فلان يذكرني الساعة , أي غبطة وسعادة لا تشعر بهما .
ولفرط ثواب ذكر الله تعالى نجد النبي  يداوم عليه في كل حال حتى إذا خرج من الخلاء قال استغفر الله , هذه الكلمة تعني لدى مفسري الحديث : أنه خرج من مكان الخبائث حيث يمنع ذكره تعالى, فالنبي  يستغفر ربه بسبب كونه في مكان لم يستطع ذكره فيه .
بل إذا كنت في طاعة فاستغفر كذلك , أتعلم لماذا ؟ … أنت عبدت الله .. لكنك لم تؤد حقه في العبادة فاستغفر لتقصيرك, فإذا خرجت من المسجد فاستغفره ولو قليلاً فصلاتك لم تؤد حقه, وأي مخلوق في الكون كله عبَد الله فأدَّى حقه ؟..
ويعجبني في هذا ما درج عليه جماعة الدعوة يعكفون على الاستغفار بعد جولة ما قبل الغروب , وحين تسألهم عن ذلك يقول لك حالهم …دعَونا الناس إلى ربنا ولكننا مقصرون في دعوتهم فنحن نستغفره على تفريطنا وتقصيرنا, ويا له من فقه وفهم .
هذا حال الطائع فكيف بالعاصي, لهو اشد حاجة إلى الذكر والاستغفار, عسى ربه أن يهديه ويتوب عليه .
تذكر أيها المسلم أن الذكر عبادة تستطيع الإتيان بها في كل وقتك إلا أن تكون متكلماً, وما أقل ما تتكلم في إليوم والليلة, دعك تتكلم خمس ساعات, وهذا لا يمكن إلا في حال الثرثارين الذي دأبوا على الغيبة والكلام الفاحش, دعك تتكلم هذا الوقت, ودعك تنام عشر ساعات, بقيت تسع ساعات أين يذهب لسانك بها ؟ كم حصة ذكر الله تعالى منها ؟
وتأمل معي بعض الأذكار .
لا إله إلا الله …. أفضل الأذكار وخير ما نطق بها البشر.. يقول .. خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله8.
سبحان الله …. معناها.. أُنزّه وأمجّد الله تعالى عن النقائص, وعن صفات المخلوقين.
الحمد لله …. رضا المسلم في كل حال.
الله أكبر … أكبر من كل شيء من نفسي ومن ذنوبي ومن أعدائي ومن اليهود وأمريكا ومن الأوهام والمخاوف وشر الناس.
استغفر الله … أي طلب غفران الله تعالى .
لاحول ولا قوة إلا بالله …. لا حائل ولا مانع عن المعصية إلا الله… ولا قوة على الطاعة والنشاط في مرضاته إلا به.
إنا لله وإنا إليه راجعون…. لا أحزن على مصيبتي فما حدث لي وما فقدته لا يُجزِّعني, فجميعنا عائدون لا محالة إلى الله وإنما البعض يسبقنا إليه, ولكلٍ موعدٌ .
سبحان الله وبحمده…. من قالها في إليوم والليلة مائة مرة غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر9 , لا أحد منا تبلغ ذنوبه زبد البحر , فادأب على ذكرها تُمح خطاياك .
وقد تسأل هنا أي الأذكار أفضل. لا إله إلا الله لحديثه .
ولكن الذكر الأفضل ليس بعينه بل بحالك أنت.
فإذا أردت توحيده أو الجهر بها في قوم فقل: لا إله إلا الله ليقولوها ورائك فلك أجر ما قلت وما قالوا , فلو أن شخصاً تذكرها فقالها بسببك مائة مرة لوجدت ذلك في صحيفتك يوم القيامة دون أن ينقص من أجره شيئا, وإذا رأيت شيئا فأعجبك خِلْقَته فقل … سبحان الله .
وإذا أسبغ عليك نعمه … فقل الحمد لله .
وإذا رأيت عظيماً من البشر أو اكتويت بنار الحرب التي تجريها عليك دولةٌ عظمى فقل الله أكبر.
وإذا خلُصت من معصية قبل أن يأخذك الله بها ويختم على عملك فأكثر من الاستغفار .
اختر من الذكر ما يناسبك, سئل ابن الجوزي صاحب المواعظ عن الذكر الأفضل فقال .. الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون منه إلى البخور10 .
يقصد بالصابون الاستغفار .. والبخور التسبيح . وإياك أن يكون ذكرك باللسان فقط بل باللسان والقلب, فما تقوله تستشعره بقلبك.
فأدم أيها الفَطِن على الذكر فإنه حياة الأبرار وموئل المؤمنين.

يا أبناء السنين
يا ابناء الأربعين والخمسين والستين, تأملوا معي هذا الخبر فأنتم المخاطبون, أتدرون من المتكلم ؟ …. إنه ملك الموت .
أورد أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله في كتابه روضة المشتاق والطريق إلى الملك الخلاق.
إنه ما من يوم تطلع فيه الشمس ولا تغرب إلا وملك الموت ينادي :
يا أبناء الأربعين هذا وقت اخذ الزاد, أذهانكم حاضرة وأعضاؤكم قوية شداد.
ويا أبناء الخمسين قد دنا وقت الأخذ والحصاد .
ويا أبناء الستين نسيتم العقاب وغفلتم عن رد الجواب, فما لكم من نصير.
أما من هو أقل من ذلك فيخاطبه : كم من زرع أصابته الآفة قبل حصده واستؤصل قبل نضجه .
إنه يخاطب الجميع بلا استثناء, ولكننا لا نسمع خطابه, فنحن نعرفه, السنين التي تدقُّ في أوصالنا كلماته, والشيب الغازي نواصينا حروفه, والضعف الذي يزيد كل يوم قرع صوته , ستموتون يا أبناء السنين , إنما هي أيام وليالي تمضي كالبرق ثم المستقر والحساب والخلود11.

الروح هذا السر الغامض
مما استأثر الله بعلمه, وخبَّأه عن المخلوقات, أو دعني أقول عن بني البشر فنحن لا نعرف عن بقية الخلق .
وهي السر الدفين الذي يولد مع الإنسان, ويمضي معه دون أن يعيه ويفهمه, كل ما نعرفه عن الروح إنها سريان الحياة في هذا المخلوق الضعيف, فإذا خرجت انقلب جثةً هامدةً لا نفع فيها .
وقد أورد الغزالي في كتابه كشف علوم الآخرة حديثا شديد الضعف يخبرنا عن حجم روح المؤمن فهي بقدر النحلة, وروح الكافر أكبر بقليل .
وإنها تسير في رحلة غريبة عجيبة فتخترق السموات والفضاء, وتجوز سُرادقات الجلال وتمضي إلى الحجب المضروبة عند رب العزة, ثم يناديها فيحاسبها ثم تعود من رحلتها التي لا تستغرق سوى زمن غسيل الميت,
حيث تمكث قبالة قلبه على الجهة اليمنى بين الجسد والكفن, وتصحو بعد أن يوضع الميت في قبره بزمن يسير ” حتى أنه ليسمع قرع نعالهم “12.
وتبقى الروح سراً من أسرار خلق الله تعالى.
ولعل أحد علماء المسلمين بل أبرعهم في هذا الشأن, وهو الإمام ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية كان أحد المهتمين بالروح, فألفَّ كتاباً اسماه الروح ضمَّنه مئات النصوص الشرعية حيث ألقى ظلالاً وافرةً على هذا السر الغامض.
ولو أنَّ معرفة الروح التي نريدها كانت ضرورية لنا في حياتنا لما خبَّأ الله تعالى عنا العلم بها , فقد أمدَّنا وأنزل علينا أصول الشريعة التي نفتقر إليها.
وأبقى أمر الروح مبهما, وقد سأل عنها المشركون في مكة فنزل قوله تعالى: { ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمرربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }13 , وهذا نص قرآني حاسم في أن الإنسان لن يتوصل إلى معرفتها كاملا في يوم ما فهي من مخبوءات علم الله الذي لم يبثه في الأرض.
بيد أن ابن القيم يميط شيئا من اللثام ويكشف حقيقة مهمة فيقرر: أن الروح لا تتعلق بالبدن على وصف وشكلٍ واحدٍ بل بأوصاف متعددةٍ فهنالك:
تعلقها بالجنين في بطن الأم.
وتعلقها بنا في الحياة الدنيا.
وتعلقها بالإنسان في عالم البرزخ وهو عالم ما قبل الآخرة أو ما نطلق عليه عالم الأموات
وتعلقها يوم البعث, وهو أكمل أنواع التعلق بحيث لا يتفارقان بعدها أبداً حيث حياة الخلود .
ونحن نتنقل في أربعة دور وعوالم, تخيل أربعة غرف تسير باتجاه واحد وأنت تتنقل من واحدة إلى أخرى:
الأولى بطن الأم, تتحول منها إلى الأخرى عبر باب الولادة.
الثانية: الدنيا التي نعيشها, وبابها الذي يفضى إلى الثالثة هو الموت .
والموت مثل الولادة غير أن المخلوق حين يتجاوزه يشعر بغصة وسكرات, بخلاف الوليد الذي لم يعي بعد .
والحجرة الثالثة: عالم البرزخ بكل مذهلاته, حيث تخرج منه الخلائق كلها في وقتٍ واحدٍ, فتقام له مراسم مخيفة وهي النفخة الثانية, ويجتمعون في صعيد واحد بعد دخولهم الباب الثالث: البعث وعالم الآخرة الذي لا ينتهي,
واحكم بنفسك هل تتعلق الروح بالبدن في هذه العوالم كلها على منوال واحد أم بأشكال مختلفة , لا شك أنها بأوصاف متعددة, وهذا الأمر يزيد الروح غموضاً وسراً , فهي من غرابتها لا تتخذ مسلكاً فحسب بل
متنوعة.
وأنت تعلم أنها – أي الروح – منشؤها ومبدؤها نفخة من الله تعالى, فلا ريب أن تكون عجيبةً كبيرةً من عجائب خلق الله.
حركتها هي الأخرى من أكبر عجائبها, لا شيء أسرع من الروح, العلماء يشبهونها بالشمس تمكث في السماء وشعاعها على الأرض, وقد سقت إليك حديث الغزالي في كتابه كشف علوم الآخرة حيث الرحلة البعيدة لها تخرج من الميت وتصعد إلى ربها مخترقة عوالم شاسعة, ثم تعود إلى الجسد بمدة هي غسيل الميت أي ربع ساعة أو أكثر بقليل.
وهناك تعلقٌ خامسٌ بين الروح والبدن في النوم, حيث تخرج منه خروجا ليس كلياً بل جزئياً فتطوف في عالم الملأ الأعلى وتعرف شيئا يسيرا من عالم الغيب, فإذا الشخص يرى رؤيا صادقة تكشف له مثل بلج الصبح .
وقد روي في بعض الأخبار الضعيفة أن روح المؤمن تمضي ساعة نومه إلى السماء بل إلى ربها فتسجد تحت العرش وترى رؤيتها وتتجول جولتها ثم تعود والجسد لا يزال نائما.
أما العلم الحديث فلا يزال عاجزا عن معرفة الروح حيث أعلن عشرات الفلاسفة والعلماء والمفكرين والأدباء قصور العلم الحديث وعجزه عن التوصل إلى كنه الروح وذلك في إحدى مؤتمراته التي عقدت منذ زمن .

القادم لا محالة
ملك الموت, وسيقدم لا محالة, ولن يتأخر عن موعده ولن يسبقه, ولا يُعرف متى هو حتى يأمره الله بذلك.
وهو عظيم الخِلقة, جسيم الهيئة, يقول عنه  فيما أخرجه أبو نعيم في الحلية ” والذي نفسي بيده لمعاينة ملك الموت أشد من ألف ضربة بالسيف”14 ,نسأل الله تعالى أن يكون هذا بحق الكافر.
قال القرطبي : بلغني أن الدنيا كلها في يد ملك الموت كالقصعة ( وعاء الطعام ), وأنه ينظر في وجه كل آدمي 366 نظرة .
وبلغني أن ملك الموت تفزع منه الملائكة أشد من فزع الإنسان من السبع15.
وورد في خبر آخر وإن كان ضعيفاً “ملك الموت ليهيب بالأرواح كما يهيب أحدكم بفلوِّة أو فصيله”.
فالأرواح خلقت مطواعة له, مثلما يطيع الفلو والفصيل صاحبه الذي دربه وألفه.
وذكر في أخبار الإسراء والمعراج أن النبي  مرَّ على ملك جالس على كرسي وإذا جميع الدنيا ومن فيها بين ركبتيه, وبين يديه لوح مكتوب ينظر فيه لا يلتفت عنه يمينا ولا شمالا.
فسأل عنه رفيقه جبريل  فقال ملك الموت.

معنى الله أكبر في الصلاة
يكرر المسلم في صلاته الرباعية كلمة الله أكبر اثنتين وعشرين مرة, فيتلفظ بها بين أفعال الصلاة حين ينتقل من ركن إلى آخر, فهل سأل نفسه مرةً لم اختار الله تعالى لنا هذه الكلمة كفاصل للانتقال من فعل إلى فعل ؟ ولم كانت أكثر كلمة نكررها الله أكبر ؟ لماذا لم تكن الله أرحم, أو الله أكرم ؟ أو غيرها من الأسماء الحسنى , وما أكثرها .
إن هذا حقاً يدعو للتأمل.
الصلاة دخول على الله سبحانه, ومناجاة له ووقوف بين يديه, وهي تعني أن يرمي المصلي أثقال الدنيا وهمومها وراءه ويقبل على ربه إقبال المنخلع من كل رجسٍ وشغلٍ, فينظف نفسه من التفكير بغيره ويطهر روحه من التعلق بسواه وكأنما هو موصولٌ بالسماء في لحظات الصلاة فلم يعد من مخلوقات هذا العالم السفلي .
هذه هي معاني الصلاة، فلا ريب أن تكون أعظم عبادات الإسلام، وأول ما يحاسب عليه العبد.
والله تعالى حينما يأمرنا بأمر يعيننا عليه ويهيئه لنا, وقد أمرنا بهذه الكلمة دون غيرها لحكمة أرادها.
مما لا يخفى عن البال أن الشيطان – لعنه الله – مُسلَّط على البشر, فلا يزال يوسوس لهم في كل لحظاتهم، دائباً في إغوائهم دون كللٍ أو مللٍ، حتى أنه لا ينفكُّ عن العبد وهو يصلي، وهو يناجي ربه ويدعوه، فيدخل إليه في صلاته ويُذكِّره بالدنيا ومشاغلها، يذكره بالأموال والتجارات والأولاد والزوجات، وهذا ما نلاحظه في صلاتنا بالذات، بل قد ينسى أحدنا موضع شيء في غير صلاته فلا يجده إلا فيها، وهذا من فعل الشيطان، يعزُّ عليه كثيراً أن ينفرد المرء بربه، فمن يدري لعله يغفر له ويحطّ عنه عظيم خطاياه ويرفع درجاته بفضل صلاته، وهذا ما يتعنَّى لأجله إبليس أخزاه الله.
وعلى هذا الحال قلما من يصفو له الوقوف بين يدي مولاه، فلا يُسلَّط عليه اللعين.
ومن إعانة الله تعالى لنا في الصلاة أن جعل هذه الكلمة دون غيرها، فان ذكر المصلي شيئاً، أو جاءته الوسوسة قال: الله اكبر, فهي تعني أنه جل وعلا أكبر من الدنيا برمتها, أكبر من المال والعيال , أكبر من الصفقات والزوجات, أكبر من كل شيء في الوجود, فلو أنه تفكَّر في معناها حين يقولها لما كان للشيطان إليه نصيبٌ إلا قليلاً .
وهو يكُّررها أكثر من خمس مرات في الركعة الواحدة, ويدرك أن مولاه وربه أكبر من أي شيء يمكن أن يخطر له على بال, فلا يعطي شيطانه فرصة واحدة, وهكذا يأتي بالخشوع في أغلب صلاته.

الشهيد الأعرج
لتعلم أنهم قومٌ رغم بلائهم لم ينكصوا عن طريقٍ تبلّغهم ربهم وتُدخلهم جنته, إن الدين في حياتهم يعني كل شيء, وليس الأصحاء فقط هم من يجاهدون مع نبيهم  بل والمرضى والزَّمني والعرجان.
الشهيد الأعرج عمرو بن الجموح, لا شك أنك سمعت به من قبل, بيد أن أخباره العظام لم تصلك كلها فتعال نقصُّ عليك بعضها لتعرف عن أي قوم نتحدث.
إنهم صحابة رسول الله , ومَن اختارهم الله تعالى لرفقته وارتضاهم ليصدحوا بالدين في آفاق الأرض, ولا تزال الأرض شاهدةً على قبورهم وعدم تغيِّر ِأجسادهم لأنهم شهداء, ولقد عجزت الأرض أن تأكل لحومهم في الوقت الذي تأكل فيه السنينُ الجبالَ الرواسي العظام.
أراد الخروج مع المسلمين إلى بدر فمنعته عُرجته, ثم جاءت غزوة أحد وأراد المضيَّ لكن أبناءه منعوه…. يا أبتاه نحن نجاهد مع النبي  وأنت رجل عذرك الله, وليس على الأعرج حرج, ولكن هيهات, من ذا يشمُّ ريح الجنة ويسمع عن كواعبها من كتاب الله ومن فم النبي  ثم يسمع قول الأبناء ويلبي نداء الإشفاق ؟…
فأتى النبي  وشكى أولاده, ورأي النبي إن هذا الأعرج الطاعن في السن يتمنى على الله الشهادة, فقال لأبنائه: لا عليكم أن تمنعوه, لعل الله يرزقه الشهادة. ويتنفس عمرو الصعداء بعد أن أذن له.
وودعتهم الأم الحنون, ومضى يقول على مسمع أبنائه: اللهم لا تردني, ثم عنفهم وقال: انتم منعتموني الشهادة يوم بدر, لأدخلن الجنة بعرجتي .
وتنتهي المعركة شديدة الوطأة على المسلمين … ولكن أين الرجل الأعرج؟ .. لم يجدوه في الأحياء, كُفِّن رحمه الله مع عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر في كفنٍ واحدٍ ودفنوا في أحد , ولا يزال جبل أحد إلى الآن يضمُّ بأطرافه أجساداً لم يأكلها الدود ولم تتغير بشرتها.
وفي عام 49هجري وفي خلافة معاوية حفر المسلمون عيناً قريبة من قبرهما فتدفَّق سيلٌ وأضرَّ بالقبور فحفروا ليصلحوا من أجداثهم, ونكثوا فإذا قبرٌ فرأوا فيه الشهيدين كأنهما ماتا بالأمس يفوح منهما المسك.
هذه خاتمة عمرو بن الجموح, أما بدايته فلم يسلم إلا بعد نأيٍ, فقد كان من عُبَّاد الأصنام في يثرب وهو سيد بنى سلمة, فعمد شابان ممن رجوا إسلامه فدخلوا بيته في الليل وأخذوا صنمه وألقوه في القاذورات, وحينما استيقظ في الصباح لم يجد إلهه, فما زال يبحث عنه حتى وجده, فغضب لأجله وأخذه فطيَّبه وأخذ يتوعد ويزبد.
وجاء الليل مرة أخرى وعمد الشابان إلى الصنم فألقوه في مكانه بالأمس, وصحا فلم يجد صنمه إلا في القاذورات, فغسَّله وطيَّبه بل واعتذر له.
وفي الليلة الثالثة ربطوا الصنم بكلبٍ ميتٍ وألقوه في القاذورات, فهاله ما رأى في الصباح, وعُرض عليه الإسلام فعلم أنَّ صنمه الذي بات ثلاثة أيام في النجاسة لا يمكن أن يكون إلها, أسلم ونفض عنه الحجارة البالية, ثم قال
والله لو كنت إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرَن
وحسُن إسلامه من يومه حتى استشهد في أحد , وحتى دخل الجنة كما وعد بعرجته … فإلى رحاب الله أيها الشهيد16.

أحب أن أسمع صوته
أتعرف من يقول هذا … إنه الله في عليائه, ومتى يقوله؟, حين يدعوه عبده بشئ, حين يدعوه بتلهفٍ وإلحاحٍ وهو لا يرى غير ربه قادر على إجابته.
لكم دعونا الله تعالى, وأكثرنا من الدعاء ثم لا تحدث الاستجابة, إن بعض المتلهفين يؤجل الله تعالى إجابتهم, لأنه يحب سماع أصواتهم وهم يدعونه .
ورد في بعض الأحاديث القدسية أن رب العزة يقول لجبريل : ” يا جبريل أدعاني عبدي؟ ألحَّ علي عبدي, يا جبريل أخّر مسألته فإني أحبُّ أن أسمع صوته”17.
تخيل أيها المسلم الضعيف المسكين أنك بكلماتك الصغيرة, ولهجتك الركيكة التي لا تروق لأحد, هناك من يحب سماعك وأنت تدعو بها من صميم قلبك, فلا يزال يؤخِّر لك الإجابة وأنت تدعو, فهو يحبُّ منك هذه العبادة التي لم تخطر لك على بال.
وقد تسأل نفسك مُسوِّلاً لك الشيطان: لطالما دعوته فلم يجبني ؟ ولا تعرف هول ما يحدث في الملأ الأعلى عند رب العزة, إنه ينصت إليك في عليائه, كذلك الملائكة يتمنون لك من فرط محبتهم لك أن تمضي بدعائك غاية العمر.

دابة آخر الزمان
من علامات الساعة الكبرى التي تسبق تغير النظام الكوني والانقلاب العام الذي يشهده البشر قبل القيامة , دابةٌ عظيمةٌ ليست كدواب الأرض في الحجم والهيئة ولا في اللون والسرعة, فهي عجيبةٌ من عجائب الخالق التي يريها الناس ويخرجها لهم .
ولقد أخبر القرآن بهذه الحقيقة حتى لا يبقى منكرٌ واحدٌ لها, قال تعالى: { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون }18, وقد أخبر النبي  أنها تخرج من صدْعٍ في جبل الصَّفا19, وتمضي فتُكلِّم البشر.
ولا نستطيع وصف هذه الدابة, فالأخبار التي وصلتنا عنها لم تصفها, ولم تخبرنا عن كيفية كلامها, والحيوان الأعجم لا ينطق, ولهذا كانت علامة من علامات الساعة.
وهذه الدابة العظيمة حينما تخرج تتكلم بصوت تسمعه الخلائق أن الناس كانوا بآيات ربهم لا يوقنون , وانها تسعى في الأرض معها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام , فتنكت بعصا موسى في وجه المؤمن فينقلب أبيض وتبشره بالجنة فيفرح أشد ما يكون الفرح , وتعمد إلى الكافر بخاتم سليمان فينقلب أسود وتبشره بالنار.
حتى أن الناس يعرفون المؤمن من الكافر .
وقد نقل إلينا من حديث حذيفة بن اليمان أنَّ طولها ستون ذراعا, وأنه لا يدركها طالبٌ ولا يعجزها هاربٌ20, بمعنى أنها سريعة الجري, مكَّن الله تعالى لها أن تُنكت بوجه كل حيٍ في ذلك الزمان. جعلنا الله من المؤمنين الموقنين .

لو التي لا تفتح عمل الشيطان
لو, هذا الحرف الذي يدل على الامتناع, ليست مذمومة دائماً فقد يُقصد به الخير. إذ تكون على نوعين :
النوع الأول: حين تطلق للحزن على الماضي والتأسف عليه والجزع من المقدور, وهنا تكون مذمومةً, وهي التي قال عنها النبي : تفتح عمل الشيطان21 , فالمقادير بيد الله تعالى وهي مكتوبة منذ الأزل لا يغيرها أحد بعد حدوثها , والمسلم يدرك هذه الأمور فلا يدع الشيطان يُحزنه أو يُجزِّعه , بل يقول: قدَّر الله وما شاء فعل .
النوع الثاني: وهي المحمودة فهي التي لا تكون للتأسف ولا لقصد الاعتراض على فعل الخالق, بل يقصد منها المتكلم بيان علمٍ نافعٍ, أو نصيحةٍ جديرةٍ, أو لتعريف محبة الخير, وهي جائزةٌ هنا.
ألا ترى قوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }22, ففرِّق بين النوعين .

ألا تنقطع دموعي
هذا موقف لأحد الصاحين اسمه أبو يزيد البسطامي23, وهو من زعماء المتصوفة, حُكي أنه لا تنقطع دموعه من كثرة البكاء لله تعالى, فلا يُرى إلا باكيا أو عليه آثار البكاء فسُئل عن ذلك فقال: لو أن الله تعالى أوعدني إذا أذنبت أن يحبسني في الحمام لكان حقا عليَّ ألا تنقطع دموعي.
هكذا كانوا يفكرون ويستشعرون الخوف والخشية, يخافون بقلوبهم فتدمع أعينهم وتنكسر جوارحهم, فيذلّون لخالقهم ويتضرعون بين يديه, ولا يزالون يناجونه بالغفران والعفو والرحمة.

من هم الكروبيّون ؟
هم سادة الملائكة وأصفياؤهم, سكان السماء السابعة المقربون إلى ربهم.
سبب تسميتهم بهذا الإسم ؟. الكروبيون أي المقربون , ففي اللغة كرُب أي قرُب .وبعض العلماء قال : سمُّوا بالكروبيين, لأنهم يأتون بالكرب العظيم على الكفار يوم القيامة .
وقد تكون سبب تسميتهم الراجحة والله أعلم : أنهم أكثر الملائكة عبادةً لربهم, أكربهم عبادة أي أشدهم , وهم حملة عرش الرحمن, وأعظم الملائكة خِلقة .
وقد ذكر لنا منهم جبريل وإسرافيل وميكائيل عليهم السلام, ملك الوحي وملك الصور وملك الغيث والرحمة.
ومكانهم في السماء السابعة, تحت العرش لهم زَجَلٌ من التسبيح والتهليل وذكر الله تعالى الذي لا ينقطع, حتى إنَّ العرش ليهتزُّ من شدة تسبيحهم.
ومنهم حملة العرش الثمانية, وهم آخر من ينزل من السماء يوم القيامة فلا يأتي بعدهم إلا رب العزة عز وجل.
وقد ذكر بعضهم أنهم أكثر الخلق, فكل خلق الله تعالى من الإنس والجن والملائكة جزءٌ واحدٌ, والكروبيون تسعة أجزاء24 .

بلا إذن أمه
شيخٌ جليلٌ القدر, أمضته السنون عابداً لله تعالى, يحرقه البكاء وهو يناجي ربه في خلجات الليل الأخير , أراد زيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك الحج في ذاك العام وكانت له أمٌ عجوزٌ يقوم على حاجتها ويرعى شؤونها , فلم تستطع هذه العجوز أن تتحمل ابتعاد ابنها عنها, ولا العيش بدونه, فاستشارها في أن يحجَّ فلم تقبل, وأصرَّت أن يبقى عندها, فقال لها وقد شقَّ عليه امتناعها: أجعل من يخدمك إلى أن أجيء ولا يطول غيابي إن شاء الله فأذني لي فأني على لهف للحج هذا العام .
فما زال هذا الشيخ يلاطفها في الكلام ويزيّن لها الإذن حتى قبلت مرغمةً وهو يعلم عدم موافقتها.
ومضى مسافراً بعد أو ودَّعها وقبَّل يديها, وانتحبت العجوز وقاست ألم الفراق, وأصابها الهمُّ بعد أن رجعت إلى بيتها عقب توديعه, فتوجهت إلى الله تعالى وقالت من شدة ما تقاسيه من لوعة: اللهم إنك تعلم أني لم أرض حجَّه, ولم تقصد العجوز إيذاء ابنها الحاج غير أنها ساعة فزع بالله .
ويمضي الشيخ حاجاًَّ من قرية إلى قرية مقبلاً على مناسكه .
وصل إحدى القرى مع مغيب الشمس, وقال أمضي إلى المسجد فأصلي المغرب وأبيت في القرية, فدخل المسجد ولم يكن ثمة أحد.
وقامت الجلَبة والصياح في القرية وطفق الناس ينادون: اللص اللص, وشرعوا يهرولون وراءه, فلم يكن أمامه إلا دخول المسجد هرباً منهم, لكن هذا اللص كان يعرف أن للمسجد بابين فخرج من الباب الآخر ودخل الناس إلى المسجد, فلم يجدوا سوى الشيخ, فساقوه أمامهم وهو ذاهلٌ أشد الذهول وظنوا أنه صاحبهم .
وقدَّموه إلى العقاب فلفُّوا وجهه بخرقة وقطعوا يده ورجله من خلافٍ, وأركبوه على حمار بالمقلوب, ومضوا يجولون به القرية وهم ينادون: هذا جزاء السارق … فقال وهو يقاسي الألم وينزف دماً: بل قولوا هذا جزاء من قصد بيت الله الحرام بلا إذن أمه.

قصة سمنون
واحدٌ من الصالحين, وأحد الزاهدين في الدنيا, عُرف عنه حب الله تعالى والتقلل من العيش حتى صار يُعرف بالوليِّ عند قومه وذويه.
ولما كبرت سنة وطال عمره اشتهى الزواج والولد, فتزوج امرأة ورُزق صبية منها تعلق بها تعلقا جماً وأحبها حباً شديداً, حتى ملأت عليه نهاره وليله دون أن ينسى ربه وعبادته.
وبينما كان نائماً رأى رؤيا أفزعته, رأي أن القيامة قامت فتزاحم الناس في ساحاتها, ورُفعت علائم لكل نبي , فانطلق إلى عَلَم المحبين لله تعالى وفرح برفقتهم , ثم جاءه أحد الملائكة فأخرجه من بينهم , فقال سمنون : أنا من المحبين لله تعالى وهذا عَلَم المحبين . فقال الملك: كنت من المحبين لله فلما حلَّت محبة ابنتك محونا اسمك فما عدت منهم.
فبكى ونحب على نفسه وهو يتجول في الزحام يسمع صياح الخلائق واستغاثاتهم وكان آخر ما قال وهو يبكي: إلهي.. إن كان الولد مانعاً لي عنك فادفعه عني وقربني إليك كما كنت تفعل.
واستيقظ على صيحة زوجته وعويلها, وأُخبر أن ابنته سقطت عن السطح وماتت, فقال: الحمد لله25.

قارون … الشخصية الكانزة
أغنى أهل الأرض عبر تاريخها الطويل, لم يعطِ الله تعالى أحداً مثلما أُعطى قارون على ما نعلم سوى سليمان , قصَّ الله علينا خبره في أواخر سورة القصص, لكن ماله لم ينفعه بل أرداه وأهلكه .
عاصر موسى  وكان ابن عم له, وكان يحفظ التوراة ويقرأها غيباً على بني إسرائيل, وقد آتاه الله صوتاً رخيما يطرب الناس لسماعه .
لكنه بغى وتجبَّر وصار ينافق موسى , والبعض يرى أنه من عُمَّال فرعون ذاته يجمع له الأموال الطائلة , حتى صار من أهل الثراء والجاه العريض, لكن الذي يتوائم والقصة أنها حدثت بعد غرق فرعون وعبور موسى  إلى الأرض المقدسة فلسطين.
وتكدست عنده الأموال والذهب والفضة وأصناف الأموال والنعم والحرير إلى درجة أن مفاتيح خزائنه الذي لا يبلغ الواحد منها مقدار طول الإصبع لا تقدر على حملها ستون دابة, هذه المفاتيح وليست الأموال , وكان إذا ركب وسار حمل معه مفاتيح الخزائن يتبجح بها أمام الناس ليعرفوا مقدار ثرائه وغناه .
وكان يكره موسى  ويتمنى له الهلاك, وبينما كان موسى يجمع أموال الزكوات من الأغنياء صالح ابن عمه قارون أن يدفع له من كل ألف دينار ديناراً واحداً, ومن كل ألف كسوةٍ كسوةً واحدةً, واتفقا على ذلك, وفتح قارون خزائنه وصار يخرج لموسى ما اصطلحا عليه, وجمع زكاةً عظيمةً فلما رآها عزَّ عليه أن تصير إلى الفقراء والمساكين بعد أن كانت ملكه, فأبى ورفض أن يُزكِّي, واستحوذ عليه البخل وامتنع .
وغاظ قارون أن يكون موسى  صاحب الكلمة الأولى في بني إسرائيل وأن يكون السيد المقدم والنبي الذي يوحى إليه, وهو الأغنى والأكثر ملكاً وجاهاً كما زعم.
فدبَّر مكيدةً مع بعض أتباعه تُهلك موسى وتفضحه عند قومه, واتفق مع امرأة بغيّ أن يعطيها مالاً وفيراً مقابل أن ترمي موسى بالفاحشة والعياذ بالله.
وبينما بنو إسرائيل مجتمعون في سوقهم إذ أقبل قارون وأتباعه نحو موسى , وقال له : يا نبي الله ما جزاء من يسرق ؟ فقال موسى على الفور: تُقطع يده, فقال قارون: وإن كنت أنت, قال: وإن كنت أنا. فقال قارون : فما جزاء من يزني وهو متزوج: قال : يُرجم حتى الموت, فقال قارون: وإن كنت أنت ؟, قال: وإن كنت أنا .
فقال قارون : إن امرأة تزعم أنك زنيت بها, وعلت الأصوات في السوق, وعمَّ الصخب وتساؤل الناس كيف يزني نبي الله  ؟
فأسكت موسى  الجمع وقال: إليَّ بالمرأة.
فأقبلت البغيّ, وزعمت أن موسى زنا بها – والعياذ بالله – واتهمته بكل ثقة.
فوجم موسى  وتوجه لربه وصلى وبكى ودعا الله تعالى, ثم سأل المرأة وحلَّفها بالله وشدّد عليها الحلف , فاضطربت وفزعت وبكت بكاءً شديداً ثم اعترفت بمكيدة قارون وأخبرت بالمال الذي أعطاها, وانكشف لبني إسرائيل ما يُكنُّه قارون لابن عمه نبي الله الكلّيم .
ثم دعا موسى  على قارون وأتباعه الذين اتهموه بالفاحشة, فأوحى الله تعالى إليه أن الأرض مؤتمرةٌ بأمره فليأمرها بما يريد.
وأمر موسى  الأرض أن تبتلعهم, وقال لها خذيهم, فارتجفت الأرض وتزحزت أركانها وأخذتهم إلى أوساطهم, وكانت ساعة عظيمة في بني إسرائيل وهم ينظرون إلى قارون ومن معه وقد غيَّبت الأرض نصفهم وهم يصطرخون ويستغيثون بموسى رجاء أن يعفو عنهم .
لكن موسى  كان شديد الغضب لما رُمي به، وهو يعلم أنهم لا يرعوون ولايهتدون، فأمر الأرض ثانية فخسفت بهم حتى لم يبق على ظهرها سوى رؤوسهم، واشتد نحيبهم وأيقنوا بالهلاك لا محالة.
ثم أمر الأرض ثالثة أن تأخذهم وهو لا يلتفت إليهم, فخسفت بهم عن بكرتهم وغيَّبتهم في أعماقها ودُفنوا تحتها وهم أحياء.
وارتعبت بنو إسرائيل لهذه الآية العظيمة التي رأوها بأمِّ أعينهم، لقد انتقم إله موسى من أعداء نبيه .
وأصبحت أموال قارون العظيمة بلا مالك، فأشاع بعضهم أن موسى  دعا على قارون ليستأثر بأمواله ويحوزها لنفسه، فدعا ثانية على خزائنه وأمواله فخسف الله بها وجعلها في باطن الأرض.
وقد ورد في المصادر والروايات إن قارون يخسف به كل يوم بمقدار قامة على يوم القيامة عذابا له بما فعل .
فانظر أي سوأة فعلها المال المكنوز بصاحبه وليكن لك فيه أكبر عبرة.
واتل معي آيات سورة القصص وهي تزمجر بالأغنياء الكانزين وتقرر مصائرهم وتؤرخ لقارون بالخسف ليكون معلماً بارزاً ومشهداً لاذعاً لكل من سوَّلت له نفسه ألا يخرج حق الله والفقراء من ماله .
قال تعالى: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلىكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}26.

طاعة الزوج تنجي
خرج أحد الصحابة من المدينة غازياً في سبيل الله، وأمر زوجته ألا تخرج من البيت وشدّد في أمره لفرط غيرته، وبعد أن خرج وغاب عنها علمت أنَّ أباها مريضٌ فأرادت أن تعوده وتطمئن عليه، وتذكرت وصية زوجها، فأرسلت إلى النبي  تسأله فمنعها وقال : أطيعي زوجك.
ولم يلبث أبوها أن مات وحزنت على عدم زيارته وهو يحتضر وأخذت تبكي، غير أنها تذكرت أمر النبي  ووصية زوجها فعقدت العزم على الصبر، فاحتسبت أباها وصبرت.
فأوحى الله تعالى إلى نبيه أنه قد غُفر لها بطاعة زوجها27.

هلك المسوفّون
والمسوفون هم المؤجِّلون، أي الذين يؤجلون التوبة من الذنوب، فكم من رجلٍ يريد أن يتوب ويقلع عن المعاصي ولكنه يؤجل، فيقول ريثما أحجُّ حتى تكون توبتي نصوحاً، وبعضهم ينتظر الزواج ليحصنه الله، وبعضهم حتى يبلغ الأربعين والخمسين ويرتع في الشباب مع المعاصي.
وهؤلاء قلما يتوبون، فالشهوة التي تمنعهم الآن من التوبة لن تضعف في المستقبل بل هي تزيد، وقد تبلغ منه مبلغاً لا يستطيع العودة عنه، ثم هو يُعلِّق أمر توبته على البقاء، والبقاء في الحياة أمرٌ لا يعرفه أحد إذ هو موكلٌ إلى الله تعالى، فلا يعرف متى يموت، فقد يقضي وهو منهمك في سَورة المعصية، ويفجعه ملك الموت وهو في غمار الشهوة وهناك يكون الندم الأكبر على تسويفه وتأجيله.
وإذا كان الآن عاجزاً عن التوبة ففي المستقبل أعجز، فتراكمات المعاصي تثقل عليه العودة إلى الله، فبادر التوبة قبل أن لا تقبل.
وقد يخيل إليك وأنت منهمك في المعاصي أن المبادرة إلى الطاعة ثقيلةٌ متعبةٌ….نعم إنها كذلك غير أن الثقل الذي تتنبأ به لا يلبث أن يزول إن سرت إلى الله صادقاً وستشعر بعدها بفترة كم كنت مغشوشاً في ظنك مخطئاً في توقعك، فالأمر أسهل مما كنت تظن، ولو أنك حسبت حساباً لمعونة الله إليك لسهُل عليك انقلابك من المعصية إلى الطاعة.
والسبب في ذلك أن نفسك التي تُثقلك ومشاعرك التي تعتورك إنما هي طوعٌ لأمرك فهي مرنةٌ حيثما عودتها فعل شيء قامت به ثم تألف الطاعة وتتعود كراهية المعصية.
فالمطلوب منك أيها العاصي خطوةٌ واحدةٌ نحو ربك لترى بعدها كم يسهل عليك ما كنت تراه ثقيلاً مُضنياً.

فأقول من أجلك يا رب
ها هو جيش المسلمين في أحد، يرمق النبي  أرض المعركة ويخطط لها كقائدٍ بارعٍ، فيضع جمهرة مقاتلين على جبل أحد يحمون ظهور المسلمين ولا يبرحون مواقعهم إلا بانتهاء الغزوة كهذا أمرهم  ، وقريباً من الجبل يصطف المسلمون كلٌ يبحث عن الشهادة والانتقال إلى جوار العزيز الكريم.
ونترك الجيش المسلم يُجهِّز نفسه للقتال ونمضي إلى أول الصفوف حيث الرجلان سعد بن معاذ وعبد الله بن جحش, كل جندي يدعو الله أن ينتقم اليوم من معسكر الكفر، ويدعو سعد فيقول : اللهم ارزقني اليوم برجلٍ من الكافرين يقاتلني فأقتله فأعز دينك، اللهم اهزم قريش.
ويرنو سعد إلى صاحبه عبد الله فيسمعه يدعو: اللهم ارزقني اليوم رجلاً من المشركين شديد القوة عظيم البأس يقاتلني فأقتله، ثم ارزقني برجل من المشركين ..يقاتلني فأقتله..ثم ارزقني برجل من المشركين…يقاتلني فيقتلني ثم يبقر بطني ويقطع أذني ويجدع أنفي، فآتيك يوم القيامة، فتقول لي : لم ذاك؟ فأقول من أجلك يا رب28.
وتعلو الصيحات من المسلمين مدوّيةً, إنها ساعة الحسم، ويخالف الرماة أمر النبي  فينهزم المسلمون. تصور لو أنهم انتصروا في هذه الغزوة بالذات لما بقى معنىً لأوامر النبي ، فيسهل على الصحابة مخالفة أمره في كل حين.
نصر الله تعالى قرينٌ باتباع أوامر النبي  إلى قيام الساعة. وينكشف الأفق وتمضي قريشٌ عائدةً إلى مكة فرِحةً بنصرها وثأرها، ويبحث المسلمون عن قتلاهم وجرحاهم، ويمضي سعدٌ باحثاً عن صاحبه الذي دعا لنفسه بالشهادة، ويسأل في خلجات نفسه : أين عبد الله هل استجاب الله دعاؤه؟
وفي أرض مترنحةٍ بالأجساد الطاهرة يقف سعد على جسد عبد الله ويذهل حين يرى تمثيل المشركين به، بطنه مبقورةٌ، وأذنه مقطوعةٌ، وأنفه مجدوعٌ، ملقىً بين قتيلين من المشركين.
لقد أجاب الله دعاؤه في الدنيا ونحسبه مجيباً إياه في الآخرة ، ولله دركم من رجال .

إبليس يبكي
قال تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشةٌ أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون }29
قال ثابت البناني بلغني أن إبليس عليه لعنة الله بكى حين نزلت هذه الآية، وحثى على رأسه التراب30. فجاءته جنوده من البر والبحر وقالوا : ما لك يا سيدنا؟. قال: آيةٌ نزلت لا يضر بعدها أحداً من ابن آدم ذنبٌ، وقرأها عليهم.
فأرادوا أن يخففوا عليه ويذهبوا حسرته ، فقالوا : نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ويظنون أنهم على حق. هل صدقوا في دعواهم؟ أنت السائل والمجيب.

الأعمال عند الله سبعٌ
ورد من حديث عبد الله بن عمر  أن النبي  قال : “الأعمال عند الله سبعٌ : عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، وعمل بعشر أمثاله، وعمل بسبعمائة، وعمل لا يعلم ثواب عمله إلا الله عز وجل. ثم شرع النبي  يشرح هذه الأعمال, فأما الموجبان : فمن لقي الله يعبده مخلصاً لا يشرك به شيئاً وجبت له الجنة ، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار.
ومن عمل سيئة جزي بها، ومن أراد أن يعمل حسنة ولم يعمل بها جزي مثلها، ومن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له حسنةً، ومن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضوعفت له نفقته، الدرهم بسبعمائة, والصيام لله تعالى لا يعلم ثوابه عامله إلى الله عز وجل “31.
ومعنى موجبان أي وجب على الله تعالى أن يجعل له هذا الجزاء. ومعنى همَّ أي انعقد عزمه على الفعل, لكن انعقاد العزم عملٌ ذهنيٌ وهو مرحلة ما قبل الإرادة الإنسانية، وهذا يختلف عن قوله  …ومن أراد أن يعمل حسنةً : أي أقبل على فعل الحسنة لكن مانعاَ منعه وانظر إلى عظيم رحمة الله تعالى بعباده, من عمل سيئة تكتب له واحدة، ومن عمل حسنة تكتب له عشر حسناتٍ، يا لرحمة الله بالعباد. وإذن يصنف النبي  الأعمال حسب أجرها وفضلها: الوحدانية لله تعالى وعبادته مخلصاً تقتضي الجنة، والشرك والعياذ بالله يوجب النار. عمل السيئة جزاؤه سيئةٌ مثلها، ومن همَّ بحسنة أو أراد فعلها ولم يتمكن تُكتب له واحدة.
عمل الحسنة جزاؤه عشرة أضعاف، ولا تنسى أن الله يضاعف لمن يشاء. الإنفاق في سبيل الله يوزن بسبعمائة ضعف.
عمل لا يُعرف مقدار ثوابه فهو أكثر من الأجور التي سبقها، تُرك لله وحده إنه ..الصيام.

لا آمن على روحي ساعة
مضى ابن عمر بن الخطاب  الصبي الصغير راجعاً لبيته بعد يومٍ شاقٍ كما يحسب، ودخل البيت باكياً ، فتعجب عمر من ابنه القادم لتوِّه من الكُتَّاب ( المدرسة في عصرهم ) فحنَّ لبكاء صغيره وسأله : ما يبكيك ؟ فقال الصغير : يا أبتي إن الصبيان عدُّوا رقاع قميصي المُخرَّق واستهزؤوا بي، فلما سمع عمر قولة ابنه ، نظر إلى ثوبه فكان أكثر رُقَعاً من ثوب الشاكي الصغير, عدَّ أربعة عشرة رقعةً وهو أمير المؤمنين.
فبعث إلى خازن بيت المال مع غلام له: أن أقرضني أربعة دراهم وأجعلها من مشاهرتي ( راتبي ) ليشتري لابنه ثوباً جديداً ، فقلب الخازن رقعة عمر وكتب عليها : أتأمن على حياتك شهراً كاملاً؟ فما تفعل بدراهم بيت المال، مال المسلمين لو أنك متَّ وبقيَت في ذمتك. فلما قرأها عمر بكى، والتفت إلى الصغير الذي حسب الفرج قد جاء وقال : يا بني اذهب إلى الكُتَّاب فلا آمن على روحي ساعةً . أربعة دراهم يتورع عمر عن أخذها وهو الذي يحكم دولة ً طولها أكثر من ثلاثة الآلف ميل.

ليت نساء اليوم مثلها
هذا موقفٌ لفاطمة رضي الله تعالى عنها ابنة الحبيب المصطفى ، فاطمة التي تمنَّت على أبيها أن يمنحها خادماً تستعين بها في عملها فلم تحظ بشيء. جاعت رضي الله عنها وقاست الأمرَّين ولبست الخشن من اللباس لكنها رضيت وقنعت، فيحق لها أن تكون من سيدات العالمين .
ولا يعلم الكثير عنها أنها حينما تجلس في بيتها طوال النهار تطحن الشعير بيدها، وتقرأ القرآن بلسانها وتُفسّره بقلبها، وتحرك مهد الحسين ابنها برجلها، وتبكي بعينها.
كل هذا في وقتٍ واحدٍ، في لحظةٍ واحدةٍ، ما أجلَّه أن يكون درساً عميق الفهم لنساء اليوم، ليتك تعلمينهنَّ بعض ما كنت تعملين.

أحكام المساجد
المساجد رياض الجنة في الأرض، وأحب البقاع إلى الله تعالى، وقد سأل النبي  عن خير بقاع الأرض وعن شرها فلم يجب حتى نزل جبريل : خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق32. وذلك لما يحدث في المساجد من صلاة وقراءة قرآن وذكر وغيرها من الأعمال التي يحبها الله تعالى .ولما يحدث في الأسواق من منكر ومحرمات وأكل حقوق الناس.
وجدير بالمسلم أن يعرف بأحكام خير البقاع، فيأتي بآدابها ويبتعد عن منكراتها، وخاصة في هذه الأوقات حيث لا يتورع كثيرٌ من زوّار المساجد عن الابتداع فيها إما لتساهلهم في ذلك وإما للجهل، والجاهل عدو نفسه، فلعل المسلم حين يقرأ أحكام المساجد يلتفت إلى وجوب تعظيم صاحبها ويدعو من حوله مُذكِّراً إياهم أنَّ المصلين ضيوف الرحمن، يزورونه في اليوم والليلة خمس مرات، فعلمُ أحكامها يدعو الضيوف إلى الالتزام بما شرعه المضيف.
وهذه الأحكام أوجزها لك أيها المسلم دون خلل :
1 : المساجد بنيت لغرضٍ خاصٍ وهو الصلاة وقراءة القرآن والذكر : لقوله  : ” إن المساجد لم تبن لهذا، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن”33. ويدخل فيها جميع أعمال الخير التي لا تضرُّ بالثلاثة السالفة.
2 : عدم نشدان الضَّالة في المسجد، ويقاس عليه البحث عن أمر من أمور الدنيا بسؤال المصلين عنه : للحديث الذي رواه أبو هريرة: “من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا”34 ,قال العلماء : عقوبة له لارتكابه في المسجد ما لا يجوز.
3 : لا يصح البيع والشراء فيها : وهذا محله الأسواق وليس المساجد، ولو سُمح به لانشغل المسلمون عن الصلاة والعبادة ولأصبحت أسواقاً وصخباً ، لما روي عنه  : ” إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع ( يشتري ) في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك”35 .
قال الإمام الصنعاني : ويجب على من رأى ذلك أن يقول للبائع والمشتري لا أربح الله تجارتك جهراً وزجراً للفاعل36.
4 : أن يُطهّرها عن البصاق فيها : لحديث أنس: ” البصاق في المسجد خطيئةٌ وكفارتها دفنها”37, ولحديث أبي ذر ” ووجدت من مساوئ أعمالها (أمتي) النخاعة تكون في المسجد لا تدفن “38.
5 : أن يجعل تحيته وأول ما يعمل إذا دخلها صلاة ركعتين : للحديث المتفق عليه ” إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين “39.
6 : أن يساهم في تنظيفها من كل أذى ويحافظ عليها : حتى وإن كان هذا الأمر يوكل به غيره، فالأجر ليس محدداً بأحد، فقد روي عنه  قوله: ” عُرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد “40 .
7 : لا يجوز النوم فيها إلا لحاجة : فلا تكون مرتعاً للَّاهين ومرقداً للمتسلين، والحاجة هي التي تدعوك للبقاء في المسجد كالاعتكاف ، وما يفعله رجال الدعوة من المكوث فيها أياماً للدعوة إلى الله ، قال الإمام مالك : لا باس للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر41، وروي عن ابن عباس وهو مذهب الأوزاعي أنه قال : لا تتخذوه مرقداً42 .
8 : لا يدخله الجُنُب حتى يطهُر : أما المُحدث وهو غير المتوضئ فيجوز كما قال الإمام النووي ، والأفضل لدى الفقهاء الوضوء في كل حال.
9 : عدم رفع الأصوات فيها : وهذه من أكثر عيوب المصلين اليوم ، فلا يرعوي كثير منهم اليوم برفع أصواتهم والتشويش على المصلين، والنبي  يقول: ” ولا يجهر بعضكم على بعضٍ بالقرآن “43, فإذا كان قارئ القرآن مدعواً إلى القراءة بِسرِّه إن وجد من يصلي ، فغير قراءة القرآن وأحاديث الناس أولى بذلك .
روى السائب بن يزيد فقال : كنت في المسجد فحصبني ( أي رماني بالحصى ) رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، فقال اذهب فأتني بهذين فقال لهما من أين أنتما ؟ فقالا من الطائف ، فقال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله44.
10 : ألا ينسى دعاء دخول المسجد : يدخل بقدمه اليمنى ويقول اللهم افتح لي أبواب رحمتك45 ، اللهم صلي على سيدنا محمد ، ويسن له أن يقول : أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم46، وإذا أراد الخروج قدَّم رجله اليسرى وقال : اللهم افتح لي أبواب فضلك47 ، ويصلي على نبيه .
11 : يستحب عقد حلقات العلم في المساجد والإكثار من سماع المواعظ فيها كما كان السلف يفعلون .

أنواع الوحي الإلهي
أثبت ابن عبد البر في كتابه المشهور التمهيد عن ابن عباس عن النبي  : ” كان من الأنبياء من يسمع الصوت فيكون به نبياً ، وكان فيهم من يرى في المنام فيكون بذلك نبياً ، وكان فيهم من ينفث في أذنه وقلبه فيكون بذلك نبياً ، وإن جبريل يأتيني فيكلمني كما يكلم أحدكم صاحبه “48 .
ذكر الله سبحانه وتعالى خمسة وعشرين نبياً ورسولاً في القرآن ، وهذا لا يعني حصرهم بل أشهرهم، فالأنبياء كما ورد عددهم في حديث أبي ذر مائة وأربعة وعشرون ألفاً ، والرسل عليهم السلام ثلاثمائة وثلاث عشر49، ولم أجد رغم بحثي عن فرق واضح بين النبي والرسول فكلاهما موحى إليه من الله تعالى وكلاهما أُمر بالتبليغ، بعض العلماء يزعمون أن الرسول من أُنزلت عليه رسالةٌ مُشرِّعةٌ وهذا ليس دقيقاً، لأن بعضهم سُمّي رسولاً دون هذا الشرط، لكن كلمة نبي بمدلولها اللغوي تعني اتصاله بالوحي الإلهي في حين أن الرسول بالإضافة لاتصاله فهو مأمور بالتبليغ أي مرسل إلى قوم .
والحديث السالف يبين طرائق الوحي فبعض الأنبياء يوحى إليه عن طريق صوت يسمعه دون رؤية أحد ، وبعضهم يأتيه الوحي في المنام فيعقل بعد صحوه ما أُخبر به ، ولعل هذا النوع هو أدنى مرتبة الإيحاء والله أعلم لكن الرؤيا تكون من القوة بحيث تكون وحياً.
وبعضهم يُلقى في أذنه وقلبه, وهذه مرتبة أعلى من سابقتيها لأن المعرفة القلبية تفوق السمع وبقية الحواس. أما أعلى المراتب في الإيحاء الإلهي فهو ما كان للنبي  محمد حيث كان جبريل يأتيه ويكلمه ويلقى إليه الأوامر كما يفعل البشر مع بعضهم البعض دون لبس أو تخيل .
ولعل الغرض من الحديث تبيانه  طريقة الوحي التي يتلقى من خلالها أوامر الله سبحانه وتعالى وكلامه ، والوحي في اللغة يعني الإعلام سراً ، أما في الاصطلاح فخطاب الله سبحانه لأحد من خلقه على نوع مخصوص. وقد يكون الوحي هداية لغير النبي وهو يعني هنا الإلهام أو الإلقاء في القلب كما حدث لأم موسى عليه السلام حينما ألقت رضيعها في اليم50 . وقد يكون الوحي هداية الكائن الحي لفعل شيء ما كما يوحي الله سبحانه إلى النحل كما ورد في السورة ذاتها51.

فركبته الحمى
يسمع أُبيّ بن كعب  نبيه  يقول: ” ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلا كفَّر الله عنه به الذنوب “52.ويترنم للسماع وهو يبحث عن الأجر في كل شيء، فيعقد قلبه على الصدق والمناجاة ويتوجه إلى ربه ويقول: اللهم أسألك أن لا تزال الحمى مصارعةً جسدي حتى ألقاك لا تمنعني عن صلاة ولا صيام ولا عمل من أعمال الخير ويجيبه الله إلى طلبه فركبته الحمى إلى أن مات 53 .
ومن يقدر على مثل هذا سوى الأنبياء والأولياء، كل شيء يقدمه الإنسان إذا شعر أن صحته تتدهور، أو مرض يعتوره في سبيل الشفاء، حتى من يبحث عن أعمال الخير، يتمنى طول العمر وسلامة الحال، ليكون ذلك أدعى له, غير أن أُبيَّ ينشد خلافه، وإنه يطبِّق حديث النبي .

عرفوا الله فلم يخشوا غيره
إنهم العلماء الربانيون ، الذين ذهبت بهم الدنيا وغيبتهم اللحود ، وطواهم الزمن فلم يأت بمثلهم ، أولئك هم خيرة الله في خلقه بعد الأنبياء، وهم مصابيح الدجى, بهم انصلح المجتمع وارتفعت راية الدين، لما كانوا يحملونه من علم اليقين. هل تعرف تابعياً اسمه طاووس اليماني ؟ دعني أخبرك.. وهل تعرف خليفة أسمه هشام بن عبد الملك ؟ لا شك أنك تعرفه.
يمضي هشام حاجاً إلى بيت الله العتيق ، فلما استقر به المقام قال ائتوني برجل من الصحابة ، كعادة الملوك والخلفاء حينما يدخلون مكة يطلبون أحد العلماء ليعظهم, فقال أحد حاشيته: يا أمير المؤمنين قد تفانوا، أي هلكوا، فقال: من التابعين ، فبحثوا وجاءوا بطاووس.
ومضى شيخنا الجليل بعصاه التي يرتكز عليها وبلباسه الخشن الذي ينبئ عن زهده في الدنيا، مضى إلى هشام أمير المؤمنين حيث ضُربت له خيمة كبيرة بجوار بيت الله الحرام ونُصبت الفُرُش والأرائك وأحاط الجند وتخلل الوزراء والأعيان، فلما أقبل صاحبنا راعه ما رأي وهاله صنيع الخليفة، فدخل عليه بكل سكينة وثقة وخلع نعليه أمامه وعلى بساطه دون أن يسلِّم عليه بإمارة المؤمنين ، وجلس حيث انتهى به المجلس وقال : كيف أنت يا هشام؟ ، ووجم الحاضرون ونظروا في وجوه بعضهم وأيقنوا أن دمه مهدور لا محالة بعد أن فعل ما فعل .
وغضب الخليفة هشام ملك الدنيا آنذاك ، إنَّ ملوك الأرض وأباطرة الدول يخطبون ودَّه ويقدمون له الهدايا ثم لا يرضى عنهم، فيأتي شيخ بعصاه البالية ويفعل هذه الأفاعيل ولا يعبه بأحد.
وأراد الخليفة الغاضب قتله : فقيل له لا يمكن لك ذلك أنت في حرم الله وحرم رسوله حيث يحرم سفك الدماء، وبعد أن هدأت حدِّة الخليفة وتراجع ببطشه التفت إلى طاووس وقال: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقال طاووس : وما صنعت ؟ فانتفخت أوداج هشام وبدأ الدم يفور في عروقه وكانت ساعة وسوسة الشيطان وهدر الدم في مكان محرم، غير أن الخليفة تماسك مرة أخرى.
وقال : خلعت نعليك أمامي وفي بساطي، ولم تقبل يدي ( وكانوا يقبلون أيدي الخلفاء وأولي الأمر ) ولم تُسلِّم عليَّ بإمرة المؤمنين ولم تكنني ( أي أبا فلان ) وجلست بإزائي بغير إذني .
فقال طاووس مجيباً للخليفة ومعلماً إياه ومذكراً له : خلعت نعلي، فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني، وأنصت هشام وبدأ عقل الخلفاء يعود إليه، إن هذا الشيخ جدير بالكلام والإنصات له. ولم أقبِّل يديك, فقد سمعت عليا كرم الله وجهه يقول : لا يحلُّ لرجل أن يقبِّل أحداً إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة . وتمعر وجه هشام حياءً وخجلاً ، حقاً إنه عالمٌ جليلٌ.ٍ
ولم أسلم عليك بإمارة المؤمنين, فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن اكذب. يكره أن يكذب طاووس ،أما هشام فليمت غيظاً وهو يقطع قلبه بهذا الكلمات الجسام .
ولم تكنني : فإن الله تعالى سمى أنبيائه فقال: يا يحيى ويا عيسى ، وكنى أعداءه {تبّت يدا أبي لهب }54.
انظر إلى علم هذا الرجل وحسن استشهاده وثقته وفرط جرأته وسرعة بادرته وقوة بديهته ، وجلست بإزائي : فقد سمعت عليا يقول : إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام.
ونظر هشام إلى الأرض وأطرق ساكناً وأيقن أن الشيخ رغم قساوته خير له من ابنه وأبيه ثم قال : يا طاووس عظني, فقال : سمعت عليا يقول إن جهنم حيات كالقلال ( الجرار الكبيرة التي تملأ ماء ) وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته.
وأحس هشام بطمأنينة في جسده وشعر بمغالبة البكاء على تفريطه ، ثم قام طاووس وهرب، فبحثوا عنه فلم يجدوه وكيف تجدونه وهو لا يريد جزاء ولا شكوراً، ولا يقبل عطايا الحكام خوفا من أن تكون حراماً. عليك سلام الله يا طاووس وعلى كل العلماء أمثالك ، رغم أن الأرض ما عادت تنجب أمثالهم ولا النساء تلد أشباههم55.

نزل في قبريهما
رجل وامرأة نزل النبي  في قبر كلٍ منهما وما نزل في قبر غيرهما، وهذا تكريم من النبي  وأي تكريم. أما الرجل فعبيدة بن الحارث، أحد المبارزين الثلاثة في غزوة بدر، أولى معارك الإسلام الخالدة لما دفنه  نزل في قبره فوسَّده ذراعه ، فكان الصحابة الكرام يرونها تكرمةً لعبيدة، وهو من بني هاشم ، بل هو ابن عم رسول الله .
وأما المرأة ، فهي التي طالما خدمت الدين حتى لحقت بربها، أم علي بن أبي طالب ، فاطمة بنت أسد56 ، والنبي  يُكرِّم كل مجتهد ، فما من أحد من أصحابه أسلم إلا وللنبي  يدٌ ومنةٌ عليه، والفضل من الله أولا وأخرا. وقد روي في حديث آخر أن فاطمة بنت أسد هي الوحيدة التي تُعافي من ضمَّة القبر.

لفظته الأرض ..لماذا ؟
لأنه قتل مسلماً شهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، والقصة من أولها تبدأ بالسرية التي بعثها النبي ، وكان معهم صحابي اسمه مُحلِّم بن جثامة فمروا في سفرهم برجل ظنوه مشركاً اسمه عامر بن الأضبط معه جمل وغنيمة فسلم عليهم وتشهد ليدل على إسلامه، فظن مُحلِّم أنه كافر وإنما يفعل ذلك تقية من القتل وكان بينهما شيء في الجاهلية التي أبطلها الإسلام فرماه بسهم فقتله .
فلما رجعوا اعلموا النبي  بالخبر فغضب حتى انتفخت أوداجه واحمر وجهه وشق عليه فعل مُحلِّم ، ونزل قوله تعال { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا }57.
ودعا النبي  مُحلِّماً فلما أخبره قال : لا غفر الله لك ، فقام من عنده وهو يبكي ويمسح دموعه ببُرديه وندم أشد الندم. ولم يعش مُحلِّم بعد دعاء النبي  سوى سبع ليالي ، فدفنوه ، غير أن الأرض لفظته فما شعروا به إلا وهو ملقى بجانب القبر، فأخبروا النبي ، فقال : إن الأرض لتقبل من هو شر منه لكن الله سبحانه أراد أن يعظكم فألقوه في شعب بين جبلين58.
أرأيت عظمة قتل المسلم ، مُحلِّم بن جثامة صحابي جاهد مع الرسول  لكن لقتله رجلاً مسلماً لم تقبله الأرض في جوفها فلم يستقر ميتاً إلا في شعب بين جبلين. ذلك أن المسلم معصوم الدم في الإسلام لا يُهدر دمه، مع أن مُحلِّماً تأول قتله بأنه تصنَّع الإسلام وليس بمسلم وهذا هو الخطأ الذي وقع فيه .
فنحن مأمورون بأن نأخذ بالظاهر ، أما الباطن فأمره إلى الله، فلا يحق لنا أن نبحث في خفيّات الأنفس فكلٌ حسابه عند الله, أرأيت كيف أن النبي  كان يعرف المنافقين، والمنافق أعظم جرماً من الكافر ، لكنه لم يقتلهم وعاملهم بظاهر حالهم وترك مآلهم لحساب الله تعالى.

جولة مع الحور العين
نساء الجنة وزوجات أولياء الله، وهنَّ النعيم الذي أعدَّه الله لمن ارتضاه لجواره، قال تعالى { حورٌ مقصوراتٌ في الخيام}59 أي لابثاتٍ مقيماتٍ في خيامهنَّ ينتظرن أزواجهنَّ. وقال تعالى: { وحورٌ عين، كأمثال اللؤلؤ المكنون}60 أي شبيهات باللؤلؤة المصونة المخبأة التي لم يعبث بلمسها الصيَّاد.
وقال في سورة الرحمن التي ذكرت الحور مرتين { فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهنَّ إنسٌ قبلهم ولا جان، فبأي ألاء ربكما تكذبان، كأنهن الياقوت والمرجان }61 ففي الجنتين اللتين أعدهما الله تعالى لأوليائه نساءٌ يقصرن طرفهن فلا ينظرن لأحد سوى أزواجهن، وقد ذكرهنَّ خالقهنَّ هنا بأخصِّ الأوصاف حيياتٌ خجلاتٌ لا يُحدّقن في وجوه الرجال. ولم يطمثهن : أي لم يقربهنَّ ويجامعهنَّ أحدٌ من الخلق .وهنَّ فوق ذلك مثال الياقوت والمرجان من شدة جمالهن و نصوع وجوههن .
والحور صفة للعين إذا كانت شديدة السواد وشديدة البياض، وهي صفة محببة في النساء ، أما العِين, فالمرأة العيناء هي واسعة العين وهي أيضا صفة محببة لا تعادلها صفة .
وقد سئل عليه السلام عن الحور العين من أي شيء خُلقن؟ فقال : من ثلاثة أشياء أسفلهن من المسك ، وأوسطهن من العنبر، وأعلاهن من الكافور62 . فتصور امرأة خلقت بهذا السمت وعلى هذه الأوصاف من مسكٍ وعنبرٍ وكافور، والخالق هو الله جل وعلا.
وورد عند أبي هريرة أنه قال: إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء ( أي واسعة العين )، إذا مشت تمشي حولها سبعون ألف وصيف عن يمينها وعن يسارها تنادي وتقول : أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر63 . والوصيف يطلق على المرافقة للمرأة الحسناء الجميلة. والآن أتعرف ما مهور هؤلاء النساء؟ أخبر به عليه السلام: إنه إخراج القمامة من المسجد وتنظيفه64 .

كم عدد الكبائر
يظن الكثير منا أن الكبائر سبعٌ، بل أن علماء كثرٌ قالوا بهذا الرأي، وقال غيرهم هي أكثر من ذلك ، فهناك كتاب الكبائر للذهبي أحصى سبعين كبيرةً ليطَّلع عليها المسلمون ويبتعدوا عنها أكثر من غيرها، وبعضهم يرى أن كل ذنب توعد عليه الله تعالى أو جعل جزاءً له عقوبة شديدة يُعدُّ من الكبائر.
وبعض العلماء يصنف الذنوب إلى ثلاثة أصناف : كبائر وصغائر وذنوب بينهما، والصغائر هي التي سمّاها القرآن لمماً65.
ومن أبرز الكبائر الزنا والعياذ بالله والسرقة وقطع الطريق وقذف المحصنات والفرار من قتال العدو وأكل مال اليتيم وغيرها.
لكن هل هذه هي الكبائر فعلاً ؟، سئل حبر الأمة وترجمان القرآن الكريم عن الكبائر أهي سبعٌ؟ فقال : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار66.
فالذنوب الصغيرة التي لا نحسب لها حساباً تنقلب من الكبائر إن نحن أصررنا على الدوام عليها، والذنب العظيم يمحوه الله تعالى مع الاستغفار والتوبة.
فلنبادر إلى ترك كل الذنوب ولنكثر من استغفار الله تعالى على تفريطنا فعفوه أكبر من كل ذنب .

كليم الله الآخر
كليم الله من الأنبياء موسى  ، وهنالك كليمٌ آخر ومن المسلمين وبالتحديد من صحابة النبي  ، بيد أن الله لم يكلمه في الدنيا وإنما بعد أن قضى شهيداً في مرضاته..فمن هو ؟؟
أتعرف صحابياً يدعى جابر بن عبد الله، إنه أبوه عبد الله بن عمرو بن حرام ، خرج إلى أحد مع المسلمين فقال لابنه جابر قبل المعركة بيوم: أرجو أن أكون في أول من يصاب غداً فأوصيك ببناتي خيراً .
فكان  أول من استشهد من المسلمين، وكان أحمر البشرة أصلع الرأس، وانكشف غبار المعركة وأصيب المسلمون في أحد، وانتهى القتال وجمعت قريش قتلاها ومضت تفرح بالنصر، وجاس المسلمون في ميدان القتال يبحثون عن شهدائهم، وممن يبحث جابر موصيه أمس، ولقيه فجعل يكشف عن وجهه ويبكي فنهاه الصحابة والنبي  ينظر إليه ولا ينهاه، إن الدين لا يمنع دمع العين ولا بكاء القلب، وإنما ينهى عن العويل والنياحة على الأموات، ثم جاءت عمته فبكت عند رأسه، فقال : ابكيه أولا تبكيه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعوه67.
وكُفِّن مع عمرو بن الجموح في ثوب واحد لقلة الأكفان، وأمر النبي  بدفن شهداء أحد وقال : زملوهم ( غطَّوهم وادفنوهم ) بجراحهم فأنا شهيد عليهم68. وجاءت البشرى من النبي  لجابر بعد أن بكى أباه ودفنه مع شهداء أحد، يومها قال لجابر هذه الكلمات ..ألا أخبرك أن الله كلَّم أباك كِفاحاً ( دون ترجمان صراحاً)، فقال : يا عبدي سلني أعطك، فقال أبوك : أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً، فقال رب العزة : إنه سبق مني القول ألا تعودوا إليها، فقال : يا رب أبشر أصحابي بما أعددت للشهداء، فقال رب العزة : أنا أُبلِّغهم69. فنزل الله تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون }70.
الشهداء لا يموتون ولا تبلى أجسادهم وهم أول من يُعجِّل الله لهم أرزاقهم، فبمجرد انتقالهم إلى العالم الآخر تبدأ حياتهم الهنيئة بجوار ربهم.
وتمضي السنوات ويأتي العام 46 الهجري حين أمر معاوية في خلافته بحفر عين في أُحد ففاضت العين وتدفق منه سيل نقض قبور الشهداء، ومضى الصحابة يصلحون من قبور شهدائهم، وحفروا قبر عبد الله بن عمرو بن الجموح لينقلوهم إلى مكان آخر فوجدوهم لم تبلَ أجسادهم، يقول جابر: فكأن أبي مات بالأمس فلم يبل من جسده إلا شحمة أذنه .
وتمضي وصية الأب مع جابر ويقصد سداد ديونه، فإذا هي كثيرة، ويأتي جابر النبي  ، يا رسول الله : إن أبي عليه دين وليس عندنا إلا ما يخرج نخله فانطلق معي لئلا يفحش عليَّ الغرماء، وجُمع التمر فإذا هو بيدر صغير لا يفي بحقوق الغرماء، ومشى  حوله ودعا بالبركة ثم جلس فأوفى الدائنين كلهم وبقي مثل الذي أعطاهم.
يا لبركة النبي  ويا لكرامة الشهيد المدين، لقد تكفل الله بسداد ديونه في الدنيا والآخرة، طب نفساً يا كليم الله كفاحاً واهنأ في روضات الجنات فقد صدقت في حياتك فصدق الله لك الأجر والمثوبة بعد موتك71.

لقاتلونا عليها بالسيف
قال أحد المتصوفة الزهاد: نحن في نعمة لو علمها أبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيف.
أتعرف هذه النعمة ؟ أنا أخبرك ، إنها حلاوة مناجاة الله تعالى، حينما يصفو الليل يدأب الصالحون على الوقوف بين يدي مولاهم فيناجونه ويضرعون إليه ويبكون بين يديه، فتسكن نفوسهم وتطمأن قلوبهم فيشعرون حينئذٍ بلذة قرب الله تعالى إليهم ويجدون بَرْد الإيمان بين أضلعهم فيتمنون لو أن سنيَّ أعمارهم كلها مثل هذه الوقفة والمناجاة.
فلا تعدل الدنيا كلها، الدنيا التي يحوزها الملوك وأبناؤهم والأغنياء والذوات وعبيد الشهوات لا تعدل لحظة من لحظات مناجاتهم، لقد وسعت قلوبهم ربهم، وأي شيء يسع رب العالمين سوى قلب المؤمن التقي. والآن اسأل نفسك بحزم، هل شعرت بهذا يوماً؟

وليتك قضاء البصرة
بينما عمر بن الخطاب  في مجلس الحُكم يدخل إليه الناس فيقضي حوائجهم وعنده كعب الأسدي صاحب الفطنة والدهاء، إذ جاءت امرأة عليها هيئة الشكوى، فقالت : يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه وهو يعمل بطاعة الله.
فلم يفهم عمر شكواها ، وقال : نِعم الزوج زوجك. فكررت المرأة مقولتها وجعل عمر يكرر ثناءه على الزوج.
فقال كعب : يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في التفريط بحقوقها فهو يصرف وقته في العبادة والطاعة ولا يعطيها حقوقها التي فرضها الله عليه، فقال عمر : كما فهمت كلامها يا كعب، فاقض بينهما. فأمر عمر بإحضار الزوج ، فجاء وعليه سيماء الصالحين وهيئة الخاشعين، وتفكر كعب كيف يقضي بينهما وهو يعلم تفريط الزوج بحقوق الزوجية، وقال للزوج : لك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد ربك كما تشاء، وتجعل الليلة الرابعة لها وحدها، فإن الله تعالى شرع للرجل زواج أربعة نساء، فأقل حق الواحدة ليلة من أربع، وأنت متزوج بواحدة فأعطها أقل حقها.
قال عمر : والله ما أدري مما أعجب من فهمك أم قضاءك؟ قد وليتك قضاء البصرة72.

الكتب السماوية
أو الكتب المقدسة وهي كلام الله تعالى الشرعي الذي يوحي به إلى أنبيائه ليُشرِّع لخلقه ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهي كتب كثيرة كما نظن على الرغم أن القرآن لم يذكر سوى بعضها، كذلك لم يذكر سوى بعض الأنبياء والرسل، فذكرُ القرآن للرسل والأنبياء والكتب المقدسة على سبيل المثال وليس الحصر.
والكتب التي ذكرها القرآن هي :
1 : التوراة : ماذا تعني كلمة التوراة؟، أصلها اللغوي من ورى الزند إذ خرجت ناره، والمقصود أنه نور وضياء، والبعض يزعم أن التوراة كلمة عبرية قديمة تعني التعليم او المعلم73.
2 : الإنجيل : أصلها اللغوي من نجلت الشيء إذا أخرجته، ومنه النجل وهو الابن الأكبر وقد لا تكون هذه الكلمة عربية الأصل مثلما يظن بعضهم أنها كلمة آرامية أو سريانية وتعني البشارة74.
3 : الزَّبور : زبر الكتاب أي كتبه ، والمزبور هو المكتوب ، والزبور كتاب داود عليه السلام، وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها أحكام شرعية كالقرآن وإنما حِكم ومواعظ75.

أبخل الأمراء
قرَّب الخليفة العباسي هارون الرشيد البرامكة منه وجعلهم أمراء الجيش ووزراء القصر، وكانوا شجعاناً وأصحاب سياسة، سوى أن محمداً بن يحيى البرمكي كان بخيلاً شديد البخل مع كثرة أمواله وضياعه.
وكان له نسيب لم ينتفع بنسبته بشيء، حتى أنه سئل يوماً : صف لنا مائدة صهرك البرمكي، فقال : هي فتر في فتر ، فقالوا : من يحضرها؟ قال الكرام الكاتبون ( أي الملائكة التي ترافق العباد بمعنى أنه لا يحضرها أحد من البشر )، قالوا : فما يأكل معه أحد ؟ قال : بلى ، الذباب، فقالوا له : سوأتك بدت وثوبك مخرق وأنت من خاصته ، ألا يعطيك شيئا؟ قال : لو ملك محمد البرمكي بيتاً من بغداد إلى النوبة ( أرض السودان )، مملوءاً إبراً، ثم جاء جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب عليهم السلام يطلبون منه إبرة يستعيرونها ليخيطوا بها قميص يوسف عليه السلام الذي قُدَّ من دُبُر ما أعطاهم76.

خرج من الدنيا كما دخلها
هل شعرت أن أحداً خرج من الدنيا كما دخلها لم يأخذ منها شيئاً؟
بشر بن الحارث رحمه الله ، أحد كبار الزهاد والمتصوفة، صيَّره الزهد حكيماً وعابداً شديد الطاعة لله تعالى. حين احتضر وحوله أحباءه جاءه أحد الفقراء يسأله صَدَقَة فجزع أصحابه وأرادوا إخراجه لكنه نهرهم، فسأل عن شيء يعطيه الفقير فلم يجد، فأمرهم أن ينزعوا عنه ثوبه فنزع فأعطاه الفقير واستعار ثوباً فمات فيه رحمه الله، قال أحدهم : ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحارث77.

لقمةٌ بلقمة
في أحد أزمنة بني إسرائيل أصاب الناس قحط شديد فأجدبت الأرض واصفرَّت السماء وجاع الصبية والصغار وكاد الناس يهلكون.
وفي أحدى البيوت الخربة الفقيرة حيث الأرملة وطفلها الصغير، أطعمته بعض كسر خبز الشعير وشبع الطفل أو أنه رضي بما أكل، مدَّت المرأة المسكينة يدها لتأكل باقي الرغيف فوضعته في فمها وهي تقاسي الجوع والتعب، وإذا بطارق على الباب في جوف الليل، فإذا هو سائل مسكين. فقالت في نفسها ما جاء به إلا جوعٌ أشد ما بي فأخرجت طرف الرغيف من فمها وناولته إياه وباتت طاوية شديدة الجوع.
وبعد أيام خرجت إلى ظاهر القرية تحتطب وصغيرها معها، فالتهت بحطبها وابتعدت عن صغيرها، فما شعرت إلا بصراخ ابنها الذي اختطفه الذئب ومضى مسرعا، فهالها ما رأت وأحست بفراق صغيرها الوحيد، ورمت الحطب وراحت تركض وراء الذئب وهي تصرخ دون أن يسمعها أو يجيبها أحد.
فبينما هي تعدو خلفه إذا برجل عظيم الخِلقة فارع القامة أمسك الذئب وانتزع من أنيابه ثياب الصغير، وقال : يا أمة الله أرضيت ..لقمة بلقمة78.

ذو العصابة الحمراء
أكثر مواقف الصحابة في الشجاعة كانت في غزوة أحد ومع ذلك هزموا، ألا يعني هذا لك عبرة؟ بلى ، إن نصر الله لا يكون بشجاعة الرجال فحسب، بل يكون بطاعة الجيش لله ولرسوله، وما أكثر ما يعلمنا التاريخ هذه العظة.
وسنضرب صفحاً عن الذي قلناه، لنلتقي بصاحب العصابة الحمراء، وهو موقف في أحد، وما أكرم أُحد. أبو دجانة، هذه كنيته، أما اسمه فلا يعرفه الكثير، سِماك بن خَرَشَة ، غريب حقا، غير أنه يعني الكثير.
هذه ساعة القتال في أحد ولم يبق إلا بعث العزائم في النفوس والهمم في السيوف، وتذكيرهم بالجنة، ما هي إلا قِتلةٌ غير موجعة، كالقرصة، ثم يلِجوا عالماً آخر أحياء عند ربهم يتنعمون.
ويشهر النبي  سيفه ذا الفقار، ويقول من يأخذ هذا السيف بحقه؟ ويتطاول الصحابة ملبين، ويتقدم الزبير بن العوام، أنا يا رسول الله. كلا، أنه يريد غيره، وينبري أبو دجانة، ويبتسم الرسول  ، وتنقبض نفس الزبير ابن عمة رسول الله.
وما حقه يا رسول الله؟ تفوَّه سِماك ..وأجاب نبيه، ألا تقتل به مسلماً، وألا ينحني، وما أصعب هذا، حذر وإقدام.ويتفرس أبو دجانة سيفه الجديد، يمضي أمام السيف يتبختر به، ويراه  يمشي الخيلاء، فيقول : إن هذه مشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع79 .
التكبر ومشي الخيلاء محرم في الإسلام إلا حيث الجهاد، وما أجمل أن تتكبر وتستعلي على مشرك، ففي هذا عز لدين الله.
ويرنو الجميع صوب أبي دجانة وقد أخرج عصابته الحمراء وربط بها حاجبه عن عينه، إنهم يعلمون هذه العصابة، فهي عصابة الشدائد والموت معاً، فلا يضع عصابته إلا حين يريد القتال وحتى الموت.
وتبدأ المعركة، ويبقى نظر الزبير معلقاً بالعصابة وصاحبها، رجلان في أحد فعلا الأفاعيل وعلَّما المسلمين ضروب الشجاعة، أحدهم قتل في النهاية، حمزة، والآخر صاحبنا. ويجهز أبو دجانة على الكثيرين، وينطلق في ساحة المعركة يقطف الرؤوس ويزيح الجماجم عن أصولها بسيف رسول الله.
ويمضي مشرك من قريش يفعل فعل أبي دجانة ولكن بالمسلمين ويقتل الكثير، وشاء قدر الله أن يلتقيا الرجلان، فضرب المشرك أبا دجانة ضربة قوية، واتقاها بدرعه، وعاجله أبو دجانة فقتله.
وتمضي امرأة بزي الرجال تجهز على جرحى المسلمين، ويراه أبو دجانة ويتوجه نحوه، ورفع سيفه يريد البطش به فإذا هي امرأة، ويكفّ عنها، ويقول في نفسه وسط غبار المعركة، لا أقتل امرأة بسيف رسول الله.
ويعرف المسلمون أي رجل هو أبو دجانة، ويشهد له النبي  بذلك، وتبقى أخباره وفنون شجاعته مضرب المثل، ورصيداً في مكتبة التاريخ الكبرى، وما أحوج المسلمون لهذا التذكار80.

من بيدر اللطيف الخبير
حكى عبد الواحد بن زيد أحد الصالحين فقال: مررت براهبٍ في صومعة له فلم أجد له مالاً يسترزق ويأكل منه، فلا ناقة يحلبها ولا شاه يستضرعها ولا زرعاً يحصده، فعجبت لأمره وقلت : من أين تأكل؟ فقال بلسان المتوكل الواثق بربه: من بيدر اللطيف الخبير، الذي خلق الرحا يأتيها بالطحين، وأشار بيده إلى أضراسه81، يقصد بالرحا الأسنان، والطحين الرزق.

مصيرها إلى الزوال
نعم، إنها تمضي إلى الفناء إلى الزوال، لا يخلَّد فيها أحد، الدنيا الغرارة، ولو كانت أكثر شهوات وملذات مما هي عليه الآن ثم آخرها فناء وهلاك لكان صاحبها مفرط، وسيأتي يوم وإن طال يندم على نفسه.
ولكم أجاد الشاعر وهو يقول :
هب الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذاك إلى انتقـال
وما دنياك إلا مثل فــئ أظلك ثم آذن بالـــزوال
مثل شجرة جلست تستريح تحتها نصف ساعة ثم مضيت لحال سبيلك، فقد ولَّت ولم تعد تذكرها، واسمع إلى حكيمنا بشر الحافي وهو يقول : من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه، فمن أكثر منها فسيحاسب على إكثاره، ومن تقلل فلن يلبث إلا يسيراً في عرصات القيامة.
ورحم الله الحسن البصري حين تمثل لوصف الدنيا فقال :
أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع82
بل هي مثل امرأة حسناء جذابة تتزين للخطاب فإذا نكحتهم ذبحتهم بخنجر ماض.
قال يحيى بن معاذ: العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه، و بنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه83.
فأنت أيها الإنسان المسكين على موعد تركٍ معها لم يعرف بعد أيكم يترك صاحبه؟ هل تطرحها عنك وتقبل على آخرتك؟ أم تتركك هي بعد أن تنشب أظفارها البليغة في جسدك وتطعمك للنار؟ اختر منذ الآن قبل أن يفوت الوقت.
والدنيا لئيمة أشد اللؤم فكما يقول أبو سليمان الداراني: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة، لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة.

قتادة بن النعمان
يا لهول التضحيات التي يقدمها رجال أفذاذ كالصحابة، ولا غروا في ذلك فهي من أجل نبيهم  ، ومن أجل دينهم، ومع هذه التضحيات حفظ الله لهم دينهم وأعزهم، أتعرفون ما الفرق بيننا وبينهم؟ شيء واحد فحسب، لكنه عظيم، كان الدين في حياتهم أولى الاهتمامات، ونحن آخرها.
وهذا هو قتادة يؤيدني فيما أزعم، لا بقوله، بل بيوم أحد الذي خاض غماره مع النبي ، فلننطلق إلى أحد، الذي لا يزال يتكلم بلسان حال الفداء إلى يوم القيامة.
وكان من أهداف المشركين في أحد بعد أن أيقنوا أن الدائرة لهم قتلَ محمد ، وهيهات، فجموع الصحابة ما فتئوا مضحِّين بأرواحهم، وينطلق سهم عاثر صوب النبي ، ومن أسرع من السهم سوى إرادة الله تعالى ، ويتلقى قتادة السهم بعينه وتسيل على خده، ويسلم النبي من كل محاولات قريش.
وتنتهي المعركة، ويتقدم الصحابي إلى النبي  ويبشُّ في وجهه ويقول : يا رسول الله لي امرأة أحبها وأخشى إن رأتني هكذا أن تمقتني، ويدفع  بيده المباركة صوب خدِّ هذا الفدائي ويلاطف عينه السائحة ويردها إلى محجرها، فتنقلب سليمة، قال قتادة : فكانت أحدَّ عيني بصراً، فسبحان الله.
ويشهد المسلمون أن قتادة أبلى بلاءً حسناً في أُحد فلله درُّه وعليه أجره.
وفي أحدى الليإلى المظلمة المطيرة يمضي قتادة صوب المسجد ليشهد مع النبي  صلاة العشاء، ويرمقه النبي  على ضوء البرق ويظهر عليه حال السائل: يا رسول الله أردت أن أشهد الصلاة معك في هذه الليلة الشاتية، فيقول : صلِّ ثم لا تذهب حتى أراك.
ويعطيه عرجوناً ( قضيب النخلة ) ويقول: خذ هذا فسيضيء لك عشرا أمامك وعشراً خلفك (عشرة أذرع،)، فإذا دخلت البيت فستجد شيئاً أسوداً فاضربه قبل أن تتكلم فإنه الشيطان، ويفعل قتادة، ويطرد الشيطان من بيته، ويستأثر بهذه المكرمة النبوية والتأييد الإلهي.
إن أخبار هذا الرجل جديرة بأن تنشر، وهاك خبره الأخير، يبيت قتادة بعد أن يقرأ سورة الإخلاص، ويسمعه أحد الصحابة، وفي اليوم التالي ينقل للنبي  ما سمع، فهي من قصار السور فكيف يكتفي القارئ بها؟ ويخبرهم  أنها تعدل ثلث القرآن84.

اجمعوا لي حطبا
بعث النبي  بسرية من الصحابة وأمَّر عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي، وكان عبد الله فيه دعابة وروح فكاهة، فبينما هم معسكرون في الليل إذ أمر السرية أن يجمعوا له حطباً، فأشعل النار وقال لهم: هيا اقتحموها، فأبوا، فقال: ألم يأمركم رسول الله  بطاعتي، فقالوا ما آمنا بالله واتبعنا الرسول وجاهدنا إلا لننجو من النار، فلما عادوا أخبروا النبي  بما أمرهم به ، فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف85..

أحب إلى من الجائزة
أصاب الإمام الواقدي العالم والمؤرخ المعروف حاجة وفقر وكان الخليفة المأمون صديقه، فكتب إليه برقعة مع غلام له يشكو حاله ويطلب بعض المال، ووصل الكتاب وأُدخل على المأمون فقرأه وأجاب طلبه وكتب على ظهر الرقعة :
إلى صديقنا الواقدي
أنك رجل اجتمع فيه خصلتان السخاء والحياء، فأما السخاء فهو ما أطلق ما في يديك، وأما الحياء فمنعك عن إتياننا، وقد أمرت لك بمائة ألف ( وكانوا يقدِّرون العلماء ويعطونهم العطاء الجزيل )، فإن أصبت فازدد في بسط يدك، وإن كنت اخطأت بجنايتك على نفسك، وأنت حدثتني أن النبي  قال للزبير: اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث الله عز وجل إلى كل عبد يقدر نفقته، فمن أكثر كثر له، ومن قلَّل قُلِّل له. قال الواقدي : فو الله لمذاكرة المأمون إياي أحبُّ إلى من الجائزة8687.

كل ذلك ستراه
أتعرف أين ؟، حين تجثم مع ملايين الخلائق في ساحات الحساب ، وتنظر أمامك فترى الأهوال ، ترى الأقوام الغابرين والبشر العجيبين ، ترنو إلى الأشكال والصور والمشاهد فتصاب بالفزع وتبحث عن قلبك فلا تجده لأنه خرج من صدرك لشدة الموقف وهول المطلع ، سترى عجائب خلق الله تعالى ، تصور كيف هم قوم عاد والفراعنة القدماء بقاماتهم المديدة وأجسادهم الغليظة ، والأقوام المعاصرة لنوحٍ .
ثم ترى الأقزام الذين يأتوا بعدك في الزمان إن كان ثمة زمانٍ .. هذا عالم البشر . فكيف بعالم الجن والشياطين ، وهم جاثمون معك للحساب كلٌ ينتظر دوره للعرض . أنت لم تر الجن في حياتك ، ستراهم في ذلك الموعد .
الشياطين .. تخيل معي .. حين خاطب الله تعالى خلقه في القرآن فوصف لهم شجرة الزقوم قال {طلعها كأنه رؤوس الشياطين } 88ونحن لم نر رؤوس الشياطين في حياتنا ، فكيف يقرِّب الله تعالى لنا شيئاً بآخر لم نره ؟، على الرغم من عدم رؤيتنا للشياطين ورؤوسهم فنحن نحتفظ لهم بصورةٍ ماثلةٍ في عقولنا وخيالنا ، إنها صورة منتهى القبح والعجب، بل صورة الخوف والألم .
ستراهم في ذلك الموقف ، فيختلطون بالإنس والجن ولا يملكون من أمرهم شيئاً ، ويعرفون أنهم مساقون إلى العذاب رغماً عنهم .
وسترى كل ذلك أيها الإنسان المسكين .
وسترى الملائكة ، أعظم مخلوقات الله الدَّاركة ، سترى صورهم وصنوفهم وعِظم خلقهم ، وسترنو صوب جبريل له ستمائة جناح إذا نفضها تناثر منها الدر والياقوت89 ، وستُحدّق في إسرافيل وحملة العرش ، وستكون أياماً عظيمةً عليك لا رادَّ لها إلا الله وقد قدَّرها لك ، ولن يعيد الخلق لأجلك من جديد .
وسترى أيها المسكين آلاف الصور والمشاهدات مما لا نعرفها في حياتنا .
فإذا نظرت حول الخلق فإذا ملائكةٌ آخرون محيطون بالخلائق بأشكالهم المتعددة وخِلقتهم المخيفة فيصيبك الرعب وينتابك الفزع .
وستكون أحد اثنين ، إما أن يعينك الله تعالى فترى كل هذا بلا خوفٍ ولا وجلٍ فأنت مؤمن طائعٌ في حياتك ..
وإما فزعٌ مرتعبٌ مضطربٌ فأنت عاصٍ في حياتك .
فاختر لنفسك منذ الآن ، فلا يزال الخيار بيديك ، وإياك أن ينقضي العمر القصير ، وأنت لم تعرف هذا بعد .
وسترى جهنم والعياذ بالله تنظر إلى المخلوقات فتزفر وتريد أن تلتهمهم برَّهم وفاجرهم
وسترى الجنة من بعيدٍ ، بأسوارها وأنهارها ، وسترنو إلى الحور العين فتتمنى لحظتها لو أنك قضيت العمر كله بسجدةٍ دون مللٍ أو تعبٍ .
وستهفو نفسك إلى المنازل والدرجات فيها ، وتحدثك بذهبها ولؤلؤها وقصورها وخيامها .
وسترى الكثير الكثير فتمعن في ذلك .

أكرم الأمراء
هو معن بن زائدة كان والياً على العراق ، يتوافد إلية الشعراء والفقراء على حدٍ سواء فيكرمهم ويقضي حوائجهم حتى صار مضرب المثل في الكرم ، فكان رحمه الله يقضي حاجة الملهوف ولو على حساب طعام صبيته ولا يخشى الفقر والعوز .
قصده أحد الشعراء من المشرق وقطع آلاف الأميال حتى وصل قصره ، لكنه لم يستطع الدخول إليه بسبب الحرس والجند الذين حالوا دونه ، وحاول مراراً دون فائدة ، وكانت دار الإمارة بجوار نهرٍ ، فعمد إلى قطعة خشبٍ وكتب عليها بيتاً من الشعر
أيا جود معنٍ ناج معناً بحاجتي فما لي إلى معنٍ سواك شفيع
وألقاها في الماء ، ومضت إلى الضفة الأخرى كأنما يسوقها سائقٌ .
وصادف أن كان الأمير في ظلال أشجاره يتجول بمحاذاة النهر ، فالتفت فإذا قطعة خشب تقترب منه حتى أخذها وقرأ ما عليها فإذا بيت الشعر ، فأصابته النخوة والمروءة على نحوٍ أكثر مما يعهده .
وأمر الجند والخدم أن يبحثوا عن صاحب الخشبة ، وخرجوا يسألون قبالة القصر عن صاحب البيت فوجدوه فإذا هو رثّ اللباس عليه هيئة السفر الشاق ، فأخذوه معهم وأدخلوه على الأمير .
فلما عرف معنٌ انه صاحبه قال : أعد علي ما كتبت . فقال :
أيا جود معنٍ ناج معناً بحاجتي فما لي إلى معنٍ سواك شفيع
فطرب الأمير ، وشعر أن الدنيا كلها لا تعدل هذا البيت من الشعر ، فأمر له بعشرة بُدُور90.
وتشبّث معنٌ بالخشبة وجعلها تحت بساطه ، وأمر بإكرام الشاعر ، ومضى الشاعر إلى إحدى غرف القصر لا يصدق ما حدث ، وصار يحدث نفسه .. عشرة بدور ….. عشرة بدور ….. ، لقد أعطاه أكثر مما يأمل .
وفي صبيحة اليوم التالي أخرج الأمير الخشبة فقرأها وقال : إليَّ بالشاعر ، فاستدعوه وظنّ صاحبنا أن الأمير يريد استرجاع ماله أو بعضه فقد تسرَّع في إعطائه هذا العطاء الجزيل .
فقال له أعد علي ما قلت : فأعاده ، فأمر له بمائة ألف درهم ، وجنّ جنون الشاعر من الفرح ، وعاد إلى مكان ضيافته ، فلما تدبر في الأمر قال لنفسه : لعل الأمير في سكرةٍ وغياب عقل ، أهربُ قبل أن يعود إليه عقله ، فيأخذ ما وهبه لي .
ووجد فرصةً سانحةً للهروب من القصر دون أن يشعر أحد .
وفي اليوم الثالث أخرج الأمير الخشبة ذاتها وقرأها وقال إليَّ بالشاعر فبحثوا عنه ولم يجدوه ، وعلموا أنه هرب .
فقال معن : حقٌ عليّ لو بقي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهمٌ ولا دينارٌ91 .

حتى لا تغضب
الغضب اندفاعٌ قلبي لا يملك الإنسان معه إرادة ، ومع ذلك يأمرنا ديننا بألا نغضب ، وقد يتحير أحدنا كيف يأمرنا الله تعالى ورسوله  بشيءٍ لا طاقة لنا على فعله ، ونحن تعودنا أن المأمورات مقدورٌ عليها .
إن النهي عن الغضب هو الابتعاد عن كل ما يجلبه, بأن يعتقد الإنسان أن المقادير بيد الله تعالى فلا يملك تغييرها ؟ فلم يغضب ؟.
إنه معارضة لفعل الله وردٌ على قدره الأزلي ، ولهذا لم يعنّف النبي  خادمه أنس طوال العشر سنوات التي خدمه إياها92 .
ومن حرص النبي  وتنبيهه على عدم الغضب نجده يوصي أبا هريرة وابن عمر وابن عمرو وأبا الدرداء قائلاً لهم : لا تغضب93 .
بل يطلب أحد الصحابة إلى النبي  أن يوصيه فيقول له : لا تغضب, فيستزيده فيكرر  لا تغضب ثلاثاً .
والذي يكظم غيظه من أجل دينه يجازيه الله تعالى أحسن الجزاء, فقد أخرج ابن أبي الدنيا بسندٍ ضعيف قوله  ” مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مَلأَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا أَمْنًا وَإِيمَانًا ، أُرَاهُ قَالَ : جَوْفَه” 94والإنسان لا يُملأ أمناً يوم القيامة حتى يعفو الله عنه ويدخله الجنة ويجعل منازله في عليين ، هذا لأنك كظمت غيظاً في الدنيا ، فانظر إلى صِغر العمل وعِظم الجزاء .
وقد نُقل إلينا أن الله تعالى قال في بعض الكتب القديمة : يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب95 ، يا لله ما أجمل أن يذكرك الله حينما يغضب .
والإنسان يعوّد نفسه على العفو في كل الأمور ، فالله يحب العفو ، فمما يروى أن الحجاج أُتي بأسارى ابن الأشعث الذي خرج عليه وقاتله مدة ، فاستشار الحجاج قتيبة بن مسلم في أمرهم ، فقال قتيبة: أيها الأمير إن الله أعطاك ما تحب من الظَّفر فأعطه ما يحب من العفو فعفا عنهم”96 .

المقبل على الحق
هذا الدين لم يتبعه عربٌ فحسب ، بل ضمَّ جميع الناس واحتوى أصنافهم ، فدخل فيه من الفرس واعتنقه أناسٌ من الروم وتقلده كثيرٌ من اليهود والنصارى .
وصاحبنا هذا كان يهودياً لكنه رأى فيما ينادي به محمدٌ  حقاً فتابعه ، وضرب بوهم اليهودية المحرفة عرض الصحراء .
وهو لا يحتاج إلى معجزات ولا يطلب من النبي أن يصيِّر له الصحراء ذهباً أو يعرج في السماء فهو لا يقصد التعجيز ولكنه يروم الحق ويطلب الصواب ، رأى النبي  فعرف أنه صادقٌ لا محالة .. دعوه يخبر ليقول .. رأيته فعرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، أسلم على الفور ، وسار في قطار الدعوة ، وأشار على النبي  أن يدعو اليهود ويسألهم عنه بينما يختبئ هو لأمرٍ يريده ، ويأتي اليهود أفواجاً ويسألهم : ما تقولون في فلان ؟. فيقولون : أحسننا أفضلنا أعلمنا .
ويخرج من مخبأه ، ويصدح بكلمة الحق ويدعوهم إلى اتباع الدين الحق الذي دعا إليه موسى وبشر به عيسى .
لكنهم قومٌ بهّتٌ كما يصفهم هو ، وانقلب في نظرهم .. رجلٌ شريرٌ لا يعلم شيئاً .
هذا الذي كان يهودياً فأسلم اسمه الحصين فغير النبي  أسمه وصار يطلق عليه من فوره عبدالله بن سلام97 .
كان عالماً باليهودية وبأسرارها المخبوءة التي لا يُطلِع عليها الأخبار أحداً ، ومن المخبوء لديهم قرب مبعث نبيٍ ، فتابعه عبدالله وعانده اليهود .
جاء إلى النبي  فقال : إني سائلك عن ثلاثة أمورٍ لا يعلمها إلا نبيٌ : ما أول أشراط الساعة ، وما أول ما يأكل أهل الجنة ، ومن أين يشبه الولد أباه وأمه ؟.
وأجاب النبي :
أول أشراط الساعة نارٌ تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب ، وأول ما يأكل أهل الجنة زيادة كبد الحوت ،وإذا سبق ماء الرجل كان المولود ذكراً وإذا سبق ماء المرأة كان أنثى98 .
فقال : أشهد أنك رسول الله .
وبشره النبي  بالجنة ، ونزل فيه قوله تعالى .. { وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل }99 .
وبينما  ذات مرةٍ مع أصحابه إذ قال : يدخل من هذا الفجِّ رجلٌ من أهل الجنة ، وحدَّقت عيون الصحابة بالطريق وانتظروا فإذا عبدالله بن سلام يدخل ، وبشروه وفرح100 .
رأى في المنام أنه في روضةٍ خضراء وسطها عمود حديدٍ أسفله في الأرض وأعلاه في السماء وفي نهايته عروةٌ ، فقيل له في الحُلُم استمسك بالعروة … وفزع من نومه وسأل النبي  عنها ، فعبَّرها له … أما الروضة فالإسلام ، وأما العروة فهي العروة الوثقى .. ثم قال : أنت على الإسلام حتى تموت101 .

محتوش النار
جمع النار بين يديه حتى أدخلها جحرها … تميم بن أوس الداري .
خرجت نارٌ في حرَّة102 المدينة أيام عمر بن الخطاب ففزع المسلمون منها وسمع عمر بها ، فبحث عن تميم حتى لقيه ، فقال : قم إلى هذه النار ، فقال تميم : ومن أنا يا أمير المؤمنين ؟ ، وأصرَّ عليه عمر ، وانطلقا إلى الحرة ، وتقدم تميم فجعل يحوش بيديه النار لا تحرقه حتى أودعها حفرتها التي خرجت منها .
وذهل الناس وعرفوا أي صحابيٍ هو تميم ، وقال عمر وهو راجعٌ إلى المدينة : ليس من رأى كمن لم يرَ103 ، وسجَّل الصحابة الحادثة في ذاكرتهم ، ولكم احتوت حوافظهم على أمثالها من المعجزات والكرامات .
وهو صحابيٌ معروفٌ ، صاحب حديث الجسَّاسة التي دلَّت رفقاء تميم على الدجال وهو محبوسٌ مقيدٌ بإحدى الجزر ، وأقره .
كثير القراءة لكتاب الله ، قال عنه ابن سيرين : كان يقرأ القرآن في ركعة .
اشترى ذات مرةٍ رداءً بالف دينارٍ ليلبسه ويخرج به إلى الصلاة فهو يعلم بين يدي من سيقف في صلاته .
كان يحدث الناس في المسجد قبل أن يصعد عمر لخطبة الجمعة .
رحمك الله يا محتوش النار104 .

هذه هي الدنيا
لم يذّم الواصفون شيئاً أقبح منها ، ولم يترك الزاهدون شيئاً أفدح منها .
لكم حذّر منها الأنبياء ، ودعا لتركها العلماء .
إذا أقبلت مرّت مسرعة ، وإذا أدبرت ولّت مفجعة .
وهي كالسراب أمسك الملوك والأغنياء بها فما نفعتهم ، واغترَّ بها المبطلون فما وَقَتْهُم ، وهي مسلك الردى والطريق إلى جهنم والعياذ بالله منها إن لم نعرفها على حقيقتها .
وهي سجنٌ وجنّةٌ في آنٍ واحد كما يقول  ” الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر”105.
أبغضها الله تعالى في عليائه ولم ينظر إليها منذ خلقها, فهي الملعونة على لسان سيد الخلق  “الدنيا ملعونةٌ ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها” وفي رواية ” إلا ذكر الله تعالى”106 .
ولو بحثنا عن تعريفٍ لها أو وصفٍ يصفها لما وجدنا أفضل مما قاله الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين “… يزيد منكرها على معروفها ، فهي فرّارةٌ من طلابها شحيحةٌ بإقبالها ، إذا أقبلت لم يُؤمن شرها ، وإن أحسنت ساعةً أساءت سنةً.
سلامتها تُعقب السقم ، وشبابها يسوق إلى الهرم ، ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم ، لا تزال تتزين لطلابها حتى إذا صاروا من أحبابها كشّرت لهم عن أنيابها “107, قال عنها عيسى : لا تتخذوا الدنيا رباً فتتخذكم عبيداً108 .
تتجسد يوم القيامة على هيئةٍ وتطّلع على ما أعدَّه الله للفائزين فتشرأب وتقول لربها : أي رب اجعلني لأدنى أوليائك اليوم نصيباً ، فيردّ عليها رب العزة : اسكتي يا لا شي إني لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم ؟109 .
ويسأل جبريل نوحاً عليهما السلام فيقول : يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا ؟. فيجيب : كدارٍ لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر110 .
هكذا يقول عنها نوحٌ الذي مكث ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً ، فكيف بنا ونحن لا تزيد أعمارنا عن الستين والسبعين إن لم نُقبض قبل ذاك .
ولولا أنها رخيصة عند خالقها لما جعلها مسرحاً ومرتعاً للشيطان ، فهي متجرٌ كبيرٌ له ولأعوانه كما يقول يحيى بن معاذ : الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئاً فيجيء في طلبه فيأخذك111 .
هذه هي الدنيا فهل عرفناها ؟؟.
الذي لا يخاف الموت
هو رجلٌ ، فلا تظنّ أنه من غير الصحابة رضوان الله عنهم فتكون أخطأت الظن .. وربما أنك لم تسمع بذكره من قبل أو أنك سمعت بشيءٍ يسيرٍ عنه وهذا لا يكفي ، أياً ما يكون الأمر فأنا أحدثك عن واحدٍ من عظماء الرجال ، وعن شجاعةٍ لم تخطر على بال ، وهكذا كانوا .. وزالوا ، زالت أجسادهم ، وبقيت أرواحهم وأخبارهم . وإنه ليحق لهذه الأخبار أن تُسمع وتقرأ ، وإنه لجديرٌ أن تصبّر نفسك معها .
وهل سمعت بأنس بن مالك ، هو أخوه البراء بن مالك112 .
أما حاله وماله ، فهو رثُّ اللباس عظيم الفقر عليه ملاءة الشقاء وتهاويلٌ مضنية من الاستكانة ، ولو أنك رأيته لحسبته أفقر المخلوقين ، ولأقسمت أنه لم يرَ المال في حياته ، ولم يبصر سروراً في عمره .
وسأخبرك أن النبي  أقسم عنك ، فوصف حال البراء فقال :
رُبَّ أشعث أغبر ذي طِمرين لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك113 .
أشعث : صفة ٌ للشعر المتناهي في القبح ، أما أغبر : فصفةٌ للجلد الذي كُسي بطبقةٍ من التراب ، وذي طمرين : أي صاحب ثوبين باليين مرقعين لا يُلبسان .
أرأيت حالاً لشخص كهذا ، ولو أنه حلف على ربه ليفعلنَّ كذا وكذا لاستجاب الله له على الفور ، هكذا يقول .
وإذاً فنحن نتحدث عن رجلٍ ينتظر ربه دعائه ليجيبه ، على الرغم من بؤسه بمقاييسنا وعقولنا .
وبقيت هذه المقولة شائعةً بين الصحابة ، فإذا رأوا البراء قالوا في أنفسهم هذا مستجاب الدعوة .
ولقد جُبل على الشجاعة فلا يخاف الموت ولا يحسب حساباً له ، قتل في غزواته مائةً من المشركين مبارزةً أي قُبيل المعارك ، فما الذي فعله فيها ؟.
ويسير مع أخيه في جيش اليمامة في خلافة أبي بكر وتحت لواء القائد خالد بن الوليد لحرب مسيلمة الكذاب .
ويصل الجيش اليمامة فيحاصرها خالد، ويرى المسلمون أمامهم حصناً منيعاً ويستمر الحصار أياماً دون نتيجةٍ ، فإذا اقترب أحدٌ من الحصن قذفوه بالسهام ، ثم أداروا كلاليب الماء المغلي الذي يسلخ الجلود فيتقهقر الرجال ، ويتحيّر خالد، لا بد من الحصار والصبر .
لكن هؤلاء القادمين طلاب شهادة لا تخيفهم السهام ولا ترعبهم أفواه السكك المُدلَّاة والماء الحميم .
ويتقدم بضعةٌ منهم ، حتى أذا صاروا في قاع الأسوار انهالت عليهم الحمم ، أمسكوا بأطرافها ، ورفعت أحدهم وتعلق نظر الجنود بأنس بن مالك يُرفع مع الكلاليب نحو رجال مسيلمة المعلّقين في تجاويف الحصن ، ونادوا على أخيه البراء.
إنه موقف للجهاد وللأخوة في آن واحد ، واستجاب البراء لنداء أخيه ، وقبض على السلسلة المحماة بالنار وشدّها بعنف فوقعت على الأرض ونجا أنس ، لكن اليد المشوية بقيت معلّقةً وفاح الدخان ، ونظروا إلى يد البراء فلم يروا سوى العظام والدم .
وشعر بألمٍ بعد فوات الأوان ، وعلموا أن جنود مسيلمة ظفروا بلحم يده ، وكان موقفاً في الشجاعة .
وأصابت البراء رعدةً شديدةً ، فأوثقوه بأيديهم ولم يخشوا عليه فلطالما أصابته هذه الرعدة من قبل ، وهي بادرة القتال والاستشهاد عنده ، وأمر المسلمين أن يرفعوه بتروسهم على أسنة الرماح ويلقونه من فوق الأسوار ، وامتنعوا لكنه أصرّ ، ومضى ثلّةٌ منهم يفعلون مُرغمين ، وأحاط الموت بالبراء من كل جانب ، وبعثَ العزيمة من جديد في كل النفوس ، وألقوه داخل السور ، فقاتل قتالاً شديداً إلى أن وصل الباب ، باب الحصن وبقي يعالجه حتى فتحه ، واندفع الجيش إلى الداخل ، وأغلق البراء الحصن من جديد ورمى بمفاتيحه خارجاً .
إما النصر وإما الشهاده ، هكذا أرادها ، وتجدد القتال واستبسل المسلمون ، وعلت الصيحات ، وانتصروا ، وقُتل الشيطان مسيلمة ، وكان فتحاً عظيما .
انظر لما فعله رجلٌ واحدٌ بالعدو ، غير أنه ليس أي رجل إنه البراء كما خبِره أصحابه .
ويمضي عهد أبي بكر رضي الله عنه ويأتي عهد عمر ، ومع كل إطلالة شمسٍ جهادٌ في سبيل الله وفتحٌ للأمصار وهدايةٌ للعباد ، إن التاريخ يصنع نفسه بقوةٍ هنا حين يسير مع الرجال العظام .
ويسيّر عمر أبا موسى الأشعري أميراً على البصرة ، فيأخذ معه صاحبنا البراء ، وعلى أبوابها يستشير أبا موسى رفيقه أن يستعمله كأمير .
ويأبى, كل ما يريده سيفه ورمحه وقوسه وجهاداً حتى الشهادة .
ويكتب عمر من المدينة إلى عمّاله في أنحاء الولايات : أن لا تستعملوا البراء على جيش من جيوش المسلمين فإنه مهلكةٌ لهم114 .
وفرط الشجاعة والجرأة كما يصنع البراء ، لا يكون مصلحةً دائماً في رأي عمر .
ويخرج البراء مع الجيش السائر إلى (تستر) شرق العراق ، ويتجمع أعداءٌ كثيرون لقتال المسلمين ، ويحدث القتال ، وتوشك الغلبة أن تكون للفرس ، وتطلُّ الهزيمة على المسلمين أشباحاً مُرعبةً وهذا ما يخشونه .
ويبحثون عن البراء فيجدونه ……، يا براء ألا ترى حال المسلمين ……، يا براء أَقسم على ربك في النصر .
ويتوجه بدعائه : أقسمت عليك يا رب أن تمنحنا أكتافهم اليوم وتلحقني بنبيك .
وانطلقوا وهم متيقنون أن الله يستجيب له .
وصبر المسلمون ، وانكشف الأفق عن نصرٍ مؤزرٍ لهم، ولكم فرحوا بعد الخوف، وهدأت النفوس … لكن أين البراء ؟…
لم يجدوه في الأحياء وقفوا على جثته مودعين . … عليك سلام الله .. يا أشجع الناس .

إنما يجوع محمد وأصحابه
كان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى الفقير الزاهد إذا ساورته الشكوك حول الرزق في الأيام المقبلة عنّف نفسه وألامها ، فكان يخاطبها كما يُخاطب البشر فيقول : أي شيءٍ تخافين ؟، أن تجوعي لا تخافي ذلك ، لأنت أهون على الله من ذلك إنما يجوع محمدٌ  وأصحابه115 .
وهذا موقفٌ مع النفس يدل على فقه صاحبه ، فهو يعلم أن الله تعالى يختار الجوع والفقر لأنبيائه وأوليائه ، لا كما يظن كثيرٌ من الناس اليوم أنه انتقامٌ إلهيٌ أو عقوبة ، بل نجد بعض الصالحين جائعين معدمين ، ربما يريد الله تعالى أن يرفع درجاتهم عنده .
أما من فتح الله له خزائن الأرض فإنه يستقرض من أجره في الآخرة ، وسيعلم غداً أجره الذاهب المعجل له في الدنيا ، بيد أن أولياءه وأصفياءه يقدّر عليهم الشقاء والجوع والعوز فإذا قدموا عليه أعطاهم أجرهم غير منقوص .

محاورةٌ بألف دينار
تعال بنا نُرجع ساعة الزمن ثلاثة عشرة قرنا في يومٍ شديد الحر في مدينة النبي  وقبيل موسم الحج بأقل من شهر لنرى خيمة سليمان بن عبدالملك يجلس فيها مع أحد علماء المدينة ، سليمان يسأل وأبو حازم يجيب .
ــ يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟.
لأنكم خربّتم آخرتكم وعمّرتم دنياكم فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
يا لهذه الغظة التي تُكتب بماء الذهب ، إنها أبقى على الدهر من الدهر ذاته ، هذه كلماتٌ ذهب صاحبها وبقيت حيةً على مرار العصور .
ــ فكيف القدوم على الله ؟.
قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالآبق (أي الهارب) يقدم على مولاه .
وهنا بكى سليمان ، وشعر أنه المقصود بهذه العظات البالغات .
ــ يا أبا حازم مالي عند الله ؟.
أعرض نفسك على كتاب الله {إن الأبرار لفي نعيم ، وإن الفجار لفي جحيم}116.
ــ فأين رحمة الله ؟.
قريبٌ من المحسنين .
ــ فاي عباد الله أكرم ؟.
أهل البر والتقوى .
ــ أي الأعمال أفضل ؟.
أداء الفرائض مع اجتناب الفواحش .
إن هذا الشيخ الجليل لا يجيب إلا حِكماً من رجلٍ فاضت عروقه بكتاب الله وسنة رسوله .
ــ أي الكلام أسمع ؟.
قول الحق عند من تخاف وترجو.
ــ فأي المؤمنين أكيس ؟
رجلٌ عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها .
ــ فأي المؤمنين أخسر ؟.
من باع آخرته بدنيا غيره117 .
وليس من باع آخرته بدنياه ، فهذا خاسرٌ لا محاله ، ولكن الخاسر الأكبر من يبيع آخرته بدنيا غيره .
ــ يا أبا حازم أدع لي .
وتوجه الشيخ يلتفت إلى السماء بقلب سائلٍ ونفسٍ شجيّةٍ ..
اللهم إن كان سليمان وليك فيسّره لعملي الدنيا والآخرة … وإن كان عدوّك فاهده لما تحب لأوليائك.
ــ قال سليمان : أوصني .
قال عظّم ربك أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك118 .
إنه ليحق أن تكون هذه الكلمات دستوراً للبشرية كلها حتى قيام الساعة .

للشياطين أسماء
الشيطان هو العدو الأكبر للإنسان ، فهو من وسوس لأبينا آدم بالمعصية والمخالفة فخرج من الجنة.
والشيطان يُعني الذي شطَّ (ابتعد) عن الحق ورضي لنفسه المخالفة .
ونحن نعلم أن إبليس لعنة الله هو الشيطان الأكبر ، وهو يعني في اللغة أبلس من رحمة الله ، أي يأس وقنط .
غير اننا لا نعلم أسماء أخرى للشياطين وهم ذرية إبليس ، مع أن ثمة أسماء أخرى يحسن معرفتها لنتعوذ بالله منهم.
1: خَنزب ، أو خُنزب : وهو شيطان الصلاة ، وقطعة اللحم المنتنة يطلق عليها في اللغة اسم خنزب .
وقد ورد ذكره في حديث أخرجه مسلم ورواه عمرو بن العاص رضي الله عنه . قال : يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي ، فقال : ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثاً ، قال عمرو : ففعلت ، فذهب119 .
2: الولهان120: أي الشديد العطش ، وأطلق على العاشق لشدة غرامه ، والولهان شيطان الوضوء وهو الذي يغري المتوضئ بكثرة استعمال الماء مع أن السنة عدم الإسراف ، فقد كان النبي  يتوضأ بالمُد (والمد حفنة الرجل السوي) ويغتسل بالصاع (والصاع أربعة أمداد)121 .
وورد ذكر الولهان في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه والترمذي “إن للوضوء شيطانٌ يقال له الولهان ، فاستعيذوا بالله منه”122 .
3: ثبر123 : والثبر هو المنع والصدُّ عن طاعة الله ، وهو أيضا الحبس ، ومنه الثبور أي الهلاك ، وثبر من أولاد إبليس أخزاهم الله ، وهو شيطان المصائب وشق الجيوب ولطم الخدود .
4: الأعور : من أولاد إبليس الخمسة ، وهو الذي يأمر بالزنا يزيّنه للإنسان .
5: مبسوط : شيطان الكذب .
6: داسم : قال مجاهد هو الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يرميهم بالعيب.
7: زلنبور: وهو شيطان الأسواق .

مجرمٌ لا بد من سجنه
أتعرف من هذا المجرم ؟،إنه مع كل شخصٍ, أنت سجّانه إن أردت وإلا أهلكك … إنَّه اللسان .
له طريقان : أن تفلته فيخوض في الباطل وأعراض الناس والمنكر فيقف بك على الصراط يوم القيامه .
أو تحسن إليه لينقذك غداً من النار فتجعله في مرضات الله .
أو تتقي شره فتكثر من حبسه .
وقد خلقه الله تعالى معك وهو الأخبر به فجعل عليه حارسين ، الأسنان والشفتان ، لكنه ينفلت دائماً رغم الحرس ويورث الضياع .
وهو لا يفتر ولا يضعف إذ انه عضلةٌ صغيرةٌ لا تنفك عن الحركة ، وقوده الغضب والشهوة والحسد والعداوة.
ولكم حذّر منه النبي  ولكم انصاع الصحابة للتحذير ، “إن أكثر خطايا ابن آدم لسانه”124 .
قال عنه أبو بكر الصديق : هذا الذي أوردني الموارد125 .
وقال عنه ابن مسعود : ما شيءٌ أحوج إلى طول سجنٍ من لسان126, وقال ابن عبدالله المزني : لساني سبعٌ إن أرسلته أكلني127, وروي أن الربيع بن خيثم ما تكلم بشيءٍ من كلام الدنيا عشرين سنة ، وكان يحمل معه دواةً وقرطاساً وقلماً وكلما تكلم بشيءٍ كتبه فيجلس مع نفسه في المساء يحاسبها .
احذر لسانك أيها الإنســان لا يلدغنك إنه ثعبــان
كم في المقابر من قتيل لسانـه كانت تهاب لقاءه الأقران128

الجوع فضيلةً عندهم
لعل كثيراً من السلف عليهم رحمة الله قصدوا أن يجوعوا ، فمناجاة الله تعالى تحلو بالجوع أكثر من الشبع ، فهذا أبو سليمان الداراني يقول : أحلى ما تكون العبادة إذا التصق ظهري ببطني .
وعائشة رضي الله عنها تروي: إن أول بدعةٍ حدثت بعد النبي  الشبع .
وهذا غلام عمر وخادمه يسار بن عمير يقول : ما نخّلت لعمر دقيقاً إلا وأنا له عاصٍ .
يريدون تعويد أنفسهم الخشونة ودأب الزهد وتعليم النفس ومجاهدتها حتى لا يدفعهم الشبع إلى الانغماس في الشهوات والإقبال على الدنيا .
يعملون لآخرتهم فلا يحبون تعجيل جزائهم في حياتهم وإنما يدخرونه لآخرتهم .

القصص بعدك حرام
يروى أن أبا حنيفة النعمان زار يوماً صديقه عمر بن ذر فلما أراد دخول بيته ، رآه واقفاً في فناءه متوجّها إلى السماء يقول : يا رب أتعذبنا وفي أجوافنا التوحيد لا أراك تفعل ، اللهم اغفر لمن لم يزل على مثل حال السحرة129 في الساعات التي غفرت لهم ، فإنهم قالوا : {آمنا برب العالمين}130 .
فقال أبو حنيفة وقد أعجبته مناجاته : رحمك الله … القصص بعدك حرام131 .

مثاقيل الذّر
يستغرب البعض تقلّب الدنيا بالصالحين ، وكثرة بلاء الله تعالى لهم ، فهم من مصيبةٍ إلى مصيبة ٍ ، ومن كربٍ إلى آخر ، حتى أن الشيطان يقذف في قلوب البعض ويشككهم في دينهم ، فتراهم يقولون لو أن فلاناً سريرته مثل علانيته لما رُمي بهذا البلاء ، ولما لقي هذا العناء .
وهو لا يعلم أن الله تعالى يريد أن يطهّرهم في الدنيا قبل الآخرة ، وينزع عن كواهلهم خطيئاتهم في العاجلة قبل الآجلة.
وترى بعض العبّاد الذين أحسنوا لأنفسهم في دنياهم يضيّق الله تعالى عليهم الموت ، بعدما قاسوه من مرضٍ طويل فيتعجب من حولهم .
ولا عجب ، فاسمع هذا الحديث القدسي .
ورد عن النبي  أنه قال: إن الرب سبحانه وتعالى يقول وعزتي وجلالي لا أخرج أحدا من الدنيا أريد أن أغفر له حتى أستوفي كل خطيئة في عنقه بسقم في بدنه وإقتار في رزقه “132.

كسفّودٍ133 محمّى
هذا وصفٌ لمن جرّب الموت ، وهو لا يكذب في وصفه لأنه نبيٌ ، فتأمل ماذا قال إبراهيم
وموسى عليهم السلام عن الموت .
ورد عن الحارث المحاسبي .
أن الله تعالى قال لإبراهيم الخليل : يا خليلي كيف وجدت الموت ؟ ، فقال : كسفّودٍ محمّي جُعل في صوفٍ رطبٍ ثم جُذب ، قال أما قد هوّنا عليك يا إبراهيم134 .
تأمل هذه الصورة المفزعة ، والكرب الأليم ، ولا يغيب عنك .
وورد أن الله تعالى سأل موسى بعد موته : كيف وجدت الموت ؟.
فقال : كالعصفور الحي حين يوضع على المقلى لا يموت فيستريح، ولا ينجو فيطير135 .

القبر يتكلم
لكنه ليس ككلامنا بل لسان حاله ينطق ويعبّر .
ورد عن النبي  أنه قال “أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يأت على القبر يومٌ إلا تكلم فيه ، يقول : أنا بيت الغربة ، أنا بيت الوحدة ، أنا بيت الدود”136.
بيت الغربة ، حيث يمكث فيه الإنسان غريباً عن أهله لا يراهم ولا يرونه ، فيفقد الأعزاء كما يفقدونه .
وبيت الوحدة ، يكون فيه وحيداً بلا أنيس سوى عمله الذي قدّمه .
وبيت الدود ، حيث يغشى جسدك الطري دودٌ يحفر أخاديداً في مداخلك ومخارجك .
فاذكر ذلك أيها المسلم.

الله ونفس المؤمن
ربما لا يعلم الكثير محبة الله تعالى للمؤمنين من عباده ، ولا ما أعدّه لهم في آخرتهم ، إن الله تعالى يتردد وهو صاحب العظمة اللامتناهية في قبض روح عبده المؤمن، أتعرف لماذا ؟، لأن
العبد يكره الموت ،ولكن لا بد فهي سنّته تعالى في خلقه ، ولا بد من الانتقال للعالم الآخر .
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي  عن رب العزة أنه يقول ” ما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي في نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته “137.

قصة الحفّار
حُكي أن رجلاً كان يعمل حفّاراً للقبور ، ويمضى أكثر وقته بينها ، فبينما هو في عمله قد انتهى من حفر ثلاثة قبور إذ أصابه نعاس فنام على حافة القبر الثالث ، فرأى في المنام أن رجلين أبيضين ذويا خلقةٍ عظيمة قدما فوقفا على القبر الأول ، وقال أحدهما للآخر الذي يمسك بيده كتاباً وقلما : اكتب فرسخاً في فرسخ (والفرسخ ثلاثة أميالٍ هاشمية وهو مقياسٌ قديمٌ للمسافات) .
ثم وقفا على القبر الثاني وقال : اكتب مد البصر .
وعلى الثالث : .. فترٌ في فتر .
ففزع الحفار من نومه وقام مذهولاً ، وعلم أنها رؤيا صادقةً ، وقال لنفسه : لأمكثن حتى أرى من يُدفن في هذه القبور.
وبعد ساعة قدمت جنازةٌ فدفنوا رجلاً في القبر الأول ، فسأل عنه فقيل : هو رجلٌ سقّاء ذو عيال ، فعرضوا عليه الأجر لم يأخذ .
ثم قدم أناسٌ ودفنوا في الثاني رجلاً آخرا ، وسأل عنه فقيل هو رجلٌ غريبٌ مات على مزبلةٍ ، ولم يأخذ منهم أجراً .
ثم قدمت جنازة امرأةٍ غنيّةٍ فطلبهم أجر حفره ، فضربوه على رأسه ومضوا138 .

خليل الملائكة
وقد تتعجب من هذا الموسوم بخليل الملائكة ، لكنه صحابيٌ جليلٌ قديم الإسلام بينما كان يرقد في فراش مرضه الطويل كانت الملائكة تمر فتسلم عليه ، عمران بن الحصين .
ولا يعني هذا بالضرورة أنه كان يراهم أو يسمر معهم ، فقد يسلّم عليك أحدهم دون أن تراه ، أما هو فكان يعلمهم ويسمع صوت سلامهم ، وهذه كرامةٌ من الله لا تكون إلا للأصفياء .
عندما أسلم رضي الله عنه خلع عن كاهله كل شيءٍ لا يمت لدينه الجديد بصلةٍ ، بينما كان مع نبيه  والصحابة متحلقين حوله ، قدم عليهم أبوه الحصين بن عمران ولا يزال مشركاً ، فلم يوسع له عمران في المجلس .
فقال  للحصين : “كم تعبد اليوم إلها ؟ قال: سبعةً, ستاً في الأرض وواحداً في السماء, قال فأيهم تُعدُّ لرغبتك ورهبتك ؟ قال الذي في السماء, قال يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك, قال فلما أسلم حصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني فقال قل اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي”139.
ومضت محاورة النبي  العقلية على هذا المنوال ، فعلم الحصين أنَّ الرجل صادقٌ وأن الدين حقٌ ، فأسلم على الفور.
وقام عمران يفسح لأبيه الذي أسلم للتو في المجلس .
يا لهذا الدين حينما تكون وشائجه أمتن من وشيجة الأبوة وأصلب من روابط الأخوة النسبية .
ومع أن الدين يدعو أتباعه لتوقير آبائهم ، فهو يحتاج في خضمّ الأزمات إلى أن يُعرب الأبناء عن ولائهم لشيءٍ أقوى من هذه الجاهلية البالية .
وعمران رجلٌ شديد الذكاء لصيقٌ بالحق ، ولي قضاء البصرة ، وعُرف بحسن قضاءه . يقول عن نفسه : ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله 140 ، هذه اليد المباركة التي لا مست صفاء النبوة لا ينبغي لها أن تلوث .
أسلمته السنون لمرضٍ عضال أطال مشقته ولازمه فراشه ، ولكنه رضي بالمرض ، وها هو يقول قولته المشهورة : أحبه إلى الله أحبه إلى نفسي141 .
رضي بالمرض وبمقادير الله ومات على إثره وصبر على قضاءه …. عليك رحمة الله يا خليل الملائكة .

أبو المساكين
والحاني على الفقراء ومُطعم المحتاجين ، ابن عم النبي  الذي استشهد في مقتبل عمره وريحانة شبابه ، جعفر بن أبي طالب ، لكنه كان أكثر اشتياقاً إلى الجنة من الجميع .
قال ابو هريرة : كنا نسميه أبا المساكين يذهب بنا إلى بيته فإذا لم يجد لنا شيئاً أخرج عكةً أثرها عسلٌ فنشقّها ونلعقها142، والعكة هي وعاء السمن .
أمضى حياته في الترحال فراراً بدينه من همجية قريش ومجاهداً في سبيل الله وقتل من أجل قضيته ، استشهد في مؤتة ، أما قصته في ذلك فدع أحد المجاهدين يقصها علينا .
….. لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين نزل عن فرسه فعقرها ثم قاتل الروم حتى قُتل ، ضربه روميٌ فقطعه نصفين فوجدوا في نصفه بضعةً وثلاثين جرحاً .
وها هو النبي  يصف مشاهد الغزوة على بعد مئات الأميال …. يا أسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل أخبرني أنه لقي المشركين فأصابه 73جرحاً ، فأخذ اللواء بيد اليمنى فقطعت ثم أخذه باليسرى فقطعت وقال : فعوضني الله عن يديّ بجناحين أطير بهما في الجنة آكل من ثمارها143.
قالت أسماء زوجته : دخل النبي  فدعا أبناء جعفر فشمّهم ثم ذرفت عيناه ، فقلت يا رسول الله : أبلغك عن جعفر شيءٌ ؟، قال نعم ، قتل اليوم144 .
ومضى جعفر إلى ربه شهيداً بعمره النيّف والثلاثين ، ويا لكرامة الشهيد عند ربه .
إن شجاعته لا تزال مضرب المثل على مرّ الأجيال ، كيف برجلٍ يعقر فرسه التي ينجو عليها ثم يمضي نحو جحافل الروم ويغطّ في صفوفهم ويضربهم بسيفه ويجالدهم هذه المجالدة كيف يفعل ذلك لولا أنه أيقن بموعود الشهداء عند ربهم وصدّق كلمات نبيه  ، ولولا أن قلبه ينبض بالشجاعة والإقدام بين أضلعه .
إذا رآه  قال : أشبهت خَلقي وخُلُقي145 ، فهو وأبناء أخيه علي أشبه الناس برسول الله  ، وجعفر فوق هذا يزيد عليهم بالمشابهة الخُلُقية .
كان عبدالله بن عمر إذا سلّم على عبدالله بن جعفر قال : السلام عليك يا يابن ذي الجناحين .
وفقد أبو هريرة وأصحاب الصفّة من فقراء المهاجرين جعفر أبا المساكين ، لكن كتب التاريخ تعدّه في الخالدين.
عليك السلام يا جعفر ، يا أبا المساكين ويا شبيه النبي  ويا سيد المجاهدين .

خروج الروح
خروج الروح يكون حسب حال الشخص في الدنيا
فإن كان مطيعاً لربه مواظباً على واجباته آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر خرجت روحه لحظة الموت بسهولةٍ ويسر ، بل يفرح لخروجها إذ تنطلق متحررةً من الجسد الثقيل فينفض عنها أعباء الدنيا وأثقال الحياة ويشعر بسعادةٍ غامرةٍ لم تمر عليه من قبل .
وإن كان والعياذ بالله متهاوناً أمضى حياته في المعصية فلم يطع الله ولم يقدم لدينه شيئاً أو أكل حقوق الناس أو ظلمهم خرجت روحه مثقلةً مرغمةً وشعر بألم شديد لم يشعر به في حياته وندم على تفريطه وتقصيره وتمنى لو يرجع ساعةً إلى الدنيا فيُمضيه بسجدةٍ أو إنفاقٍ من ماله الذي خلّفه لغيره.

معجزاته 
المعجزات نوعان : المعنوية ، وهي واحدةٌ ، القرآن الكريم ، المادية : وهي الظاهرة للعيان التي تنتهي بانتهاء حدثها ، مثل بقية معجزات الأنبياء السابقين ، ويندرج تحت هذا النوع عصا موسى  ومعجزات النبي  باستثناء القرآن .
وابرز هذه المعجزات :
1: انشقاق القمر : طلبت قريش من النبي  أن يشقّ القمر نصفين ، فقال لهم : وتصدقوني ، قالوا نعم ، فدعا  ربه فانشق القمر على جبل أبي قبيس فِلقتين وهم ينظرون إليه ، ولم يؤمنوا وقالوا سَحَر محمدٌ القمر146 .
2: نبع الماء من بين أصابعه : وقد تكررت هذه الحادثة ، ينقل إلينا أنس أنهم كانوا في سفرٍ فأُتي  بإناءٍ لا يغمر أصابعه، فوضع كفّه في الماء فنبع من بين أصابعه فأمرهم أن يتوضؤوا ، حتى انتهوا جميعهم ، قيل لأنس كم كنتم ؟، قال ثلاثمائة .
ومرةً أخرى في الحديبية ، حيث كان بين يدي النبي  ركوةٌ فيها ماء ، فجاءه جماعةٌ من أصحابه وشكوا إليه قلة الماء ، ليس عندنا ما نتوضؤ به ولا نشرب منه فوضع  يده في الركوة فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون، قال الراوي: فشربنا وتوضأنا، قيل لجابر كم كنتم ؟، قال : لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة147 .
3: بكاء الجذع : روى البخاري عن جابر أنه قال : كان جذعٌ يقوم عليه النبي  ، فلما وضع له المنبر، سمعنا للجذع أصوات العشار (الحوامل من الإبل ) حتى نزل  فوضع يده عليه148 .
4: إخباره  بالغيب :
روي عنه  أنه قال: “إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، واذا هلك قيصر فلا قيصر بعد ، والذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله “149, وكان الأمر كما أخبر  إذ فتح المسلمون مدائن كسرى وقيصر ، ولم يعد لهما وجود .
وحديث سعد بن معاذ الذي كان صديقاً لأمية بن خلف حين أخبر  انه سيقتل ، نجد هذه القصة في موضعٍ آخر من الكتاب .
وإخباره  بأمكنة مصارع المشركين في بدر، حيث حدد  مكان قتل كل واحدٍ من زعماء قريش150
قال عمر : والله ما أخطأت رؤيته .
وما أخبر به  في حادثة الإسراء والمعراج عن عير قريش التي يتقدمها الجمل الأحمر، وكان الأمر كما قال دون نقصان .
ونبوءته  بانتشار دعوته في الأرض وارتفاع راية الدين على كل الأديان .
وقوله لعثمان يدخل الجنة على بلوى تصيبه151 ، وكانت البلوى حادثة قتله رضي الله عنه.
وقوله لحفيده الحسن : يصلح الله به بين فئتين عظيمتين152 ، وقد أصلح الله به بين جند الشام وجند العراق ، وسميّ ذلك العام عام الجماعة153 .
ولعمار تقتلك الفئة الباغية154 ، فكان كما حدّث  ، والأمثلة من هذا النوع أكثر من أن تُحصى .
5: طاعة الجمادات له : حيث أمر شجرةً أن تأتيه فجاءته تشق الأرض حتى وقفت

بين يديه ، ثم أمرها بالرجوع فعادت155 ، وقال الشاعر فيها
جاءت لدعوته الأشجار ساجدةً تمشي إليه على ساقٍ بلا قدم156 .
ولو أنه  لم يُرزق بهذه المعجزات التي تعد خارقةً للعادة تدعو العقل للتمعن فيها والإيمان بصاحبها ، لو لم يرزق بها لكان وجهه  الذي يشع بالنور وحسن منطقة وحلاوة سجيّته أكبر دليلٍ على صدقه .

المعجزة الخالدة
القرآن الكريم : المعجزة الخالدة التي لا تفنى على مرّ العصور وكرّ الدهور ، باقيةٌ إلى يوم القيامة إلى أن يرفع إلى السماء وهو معجزٌ في كل جوانبه ، في نظمه وترتيب كلماته ونسق تراكيبه ووضوح معناه حتى أن الصغير والكبير ومن له أدنى حظٍ بلغة العرب يعرف مراد الله تعالى وهو يخاطبنا بآياته .
وهو معجزٌ بتشريعه، فلا تشريع يدوم كل هذه القرون رغم تغير الحياة وأنظمتها مع التوغل نحو التقدم والتطور، ومع هذا جاء القرآن ليلبي حاجة القدماء والمعاصرين ، فتشريعاته لم تتغير ولن تتبدل فهو الكتاب السماوي الوحيد الذي لا يزال مخطوطاً بحروفٍ إلهية في الوقت الذي أتى التحريف والتزييف على الكتب المقدسة الأخرى ، ولا غرابة في هذا فالله تعالى تكفل بحفظه .
وهو معجزٌ بأموره الغيبية ، فلطالما أخبرنا القرآن بأمرٍ لم يحدث بعد ، أليس المتكلم به والعالم بالغيب الله وحده ؟، بلى .
وهو معجزٌ بحقائقه العلمية ، فلا تزال الحقائق تتكشف لنا كل يومٍ بما أخبر به القرآن منذ مئات السنين ، بل إن العلم رغم كثرة حقائقه لم يصادم القرآن مرةً واحدةً157 .
وهكذا يبقى القرآن عجيباً معجزاً في كل الموضوعات والجوانب وعلى مدار الحياة .

لولا ثلاث
لكم ملّ الصالحون هذه الحياة التي تجري على منوالٍ واحدٍ ولكم سأموا منها ، لكنهم يذكرون وفودهم على الله تعالى يوماً فيستزيدون من الصالحات ويمضون أعمارهم في الطاعة .
غير أن المسلم لا يعشق شيئاً من الدنيا سوى العمل الصالح ومرافقة الأخلاء الأتقياء ، فإذا خلت دنياهم منها تمنوا الرحيل عنها .
قال عمر في شيخوخته : لولا ثلاثٌ لأحببت أن أكون لحقت بالله .
لولا أن أسير في سبيل الله .
أو أضع جبهتي لله في التراب ساجداً
وأجالس أقواماً يلتقطون طيب الكلام كما يُلتقط أطايب التمر158 .
وهذه الثلاث دعواتٍ من عمر إليك أيها المسلم لتنتفع بها ، ابحث عن السير في سبيل الله وهو كثير ، وعن السجود الذي تناجي به ربك ، وعن مرافقة الإخوان الصالحين الذين يذكّرونك حين تنسى .
وهذه الثلاثة أُثرت عن غير عمر واختلاف الرواية يدل على طلبهم إياها ، فكلهم يبحث عنها ، ونحن باحثون وراءهم عنها , فكن مع هذا الجمع الغفير تكن من الفائزين إن شاء الله تعالى .

لا تفضّل أحداً على آخر
المسلم الذي يفهم دينه حقاً لا يفضّل أحداً على احد إلا بالعمل الصالح والتقوى ، والعمل الواحد لا يحكم على الشخص.
ونظرية التعميم غير مقبولةٍ من وجهة نظر الإسلام ، والأشخاص مردُّهم إلى من لا تخفى عليها خافية، فلا تقحم نفسك في الحكم على الآخرين فتخطئ وتندم ، اعمل وحسب ودع الحكم لغيرك .
وإذا سمعت أحداً يمدحك بعملٍ صالحٍ قمت به فلا تركن لمدحه فيضيع عملك ، بل قل أستغفر الله ، وأنا أقلُّ من ذلك، وما أوفيت الله حقه، ولا تقل أنا خيرٌ من فلانٍ ولو كان عاصياً فقد يهديه الله تعالى ، فيقدِّم أعمالاً صالحةً ، ويصير إلى مآلٍ خيرٍ من مآلك، وتكون أنت الخاسر، والأعمال بخواتيمها .
ها هو عمر بن الخطاب يعلمنا كل يومٍ درساً، يسمع رضي الله عنه أن بعض الصحابة يفضّلونه على أبي بكر فيغضب وينكر قولهم، ويقول : والله إن يوماً وليلةً قام فيهما أبو بكر للدين خيرٌ من آل عمر159 .
فيسألونه عن ذلك اليوم والليلة ، ويجيب ويبيّن .
ليلة هجرة النبي  حين خرج برفقة أبي بكر ، وأخذ يمشي خلفه وأمامه فيتعجب  فيقول : يا رسول الله أخاف عليك من عدوٍ فأمشي أمامك ، وأذكر طلب قريش لك فأمشي خلفك .
وقبل أن يدخلا في غار ثور يُمهل أبو بكر النبي  ليرى إن كان في الغار ما يُخشى منه ، ويتفقد الغار
ويبيت النبي  ليلته تلك متوسداً فخذ أبي بكر الذي تلسعه إحدى دواب الغار ، فتنقبض نفسه على الألم دون أن يتحرك لكيلا يوقظ رفيقه ، ويبكي من شدة الألم فلا يوقظه  سوى دموع رفيقه في الهجرة .
هذه ليلة أبي بكر التي يقول عنها عمر : ليلةٌ من أبي بكر خيرٌ من آل عمر .
وأما يومه .
فاليوم الذي نُصّب فيه للمسلمين بعد موته  ، حين ارتدت القبائل عن الإسلام ولم يبقَ على دينه سوى من في المدينة ، وتتمرد الولايات عن دفع الزكاة ، وتطل الفتنة برأسٍ عظيم ، ويجمع الخليفة الجديد الناس للتشاور فيرى أكثرهم التمترس بالمدينة وعدم الخروج للقتال ويكون رأي عمر المعروف بجرأته على هذا النحو ، ويأبى أبو بكر، ويقول: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة160 ، ويهدي الله قلب عمر وباقي الصحابة لهذا الرأي.
وتنتصر جموع الصحابة لدينهم فينصرهم الله ، وتعود جزيرة العرب كما كانت ، فلله درّك يا أبا بكر .
وهذا يومه الذي يقصده رفيق دربه عمر.

فادفنوني تحت أقدامكم
أكثر شيءٍ قام به الصحابة رضوان الله عنهم بعد الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الجهاد في سبيل الله ، فحياتهم حافلة ٌ بالغزو والقتال ، طرقوا المدائن والبلدان وجابوا الأمصار مجاهدين حاملين أرواحهم الطاهرة على أكفّهم ، بل يعزّ على أحدهم أن يموت على فراشه حتف أنفه ، حتى وإن امتد به العمر وجاوز السبعين ، وستجد وأنت تدرس سيرهم وأخبارهم رغبتهم في هذه الأمنية .
ولطالما خرج الشيوخ مجاهدين ، فقتلوا تحت السيوف .
وأبو أيوب الأنصاري161 الذي عمّر بعد خليله  لم يمكث إلى الدَّعه في المدينة بل مضى مجاهداً من معركةٍ إلى أخرى، ومن بلادٍ إلى بلاد .
وها هو يخرج في الحملة إلى القسطنطينية تحت لواء القائد محمد بن مسلمة، ويقترب المسلمون من جيوش الروم ، ويغلب على ظنه أنها آخر الزحوف الجهادية في حياته ، فيوصي بعض رفاقه من الجنود ويقول :
إذا أنا مت فاحملوني ، فإذا صافقتم (لقيتم) العدو ، فادفنوني تحت أقدامكم162 .
ويموت رضي الله عنه بعد أيام ، فيحمله المجاهدون على أكتافهم ، ويدفنونه في موضع هناك ، وسيبعث من ذات الموضع ، بعد أن أمضى حياته على بعد ألاف الأميال من المدينة.
ويعلُّم الأجيال الآتية من بعده أنه كلما زادت المسافة بين المهد واللحد ، هذا يعني أنك تبحث عن السماء ، وإن كانت بعيدة عنك ، هذا يعني أنك تفارق ما تحب من أجل هدفٍ ، وما أنبله من هدفٍ حين يكون الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله .

قبر المرأة الصالحة
بعد أن فُتحت قبرص تعاهد الناس زيارة قبرٍ هناك أطلقوا عليه قبر المرأة الصالحة ، ولا نعرف على وجه التحديد اختيار هذا الاسم ، سوى أنه قبر الصحابية الجليلة أم حرام بنت ملحان163 خالة أنس بن مالك ، وكان الأجدر أن يُطلق عليه قبر أم حرام ، وأنا أرجّح والله أعلم بأنهم لم يعرفوا صاحبة القبر فوسِم بالمرأة الصالحة .
قدمت مع الجيش الأول الذي غزا هذه الجزيرة ، والقصة من أولها تبدأ من مدينة النبي .
يدخل  بيت أم حرام ويجلس عندها فتأخذه إغفاءةٌ ثم لم يلبث أن استيقظ ، فضحك وهي تنظر إليه .
فقالت: ما الذي أضحكك يا رسول الله ؟، فقال : عُرض عليّ ( أي رأى في منامه ، ورؤيا الأنبياء حقٌ واقعٌ لا محالة ) ناسٌ من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله مثلهم مثل الملوك على الأسرّة164 .
والعرب في بعض لغاتها تُطلق على كل لونٍ سوى الأبيض أخضرَ، وهذا البحر الذي قصده  هو البحر المتوسط ففيه تقع جزيرة قبرص .
ولما سمعت أم حرام قول النبي  تمنت أن تكون منهم ، فقالت : يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم .
فقال اللهم اجعلها منهم ، وانظر معي هنا إلى طموح المرأة ، تتمنى أن تجاهد في البحر الذي كان يخاف منه العرب ولا عهد لهم به إلى درجة أن عمر رفض الغزو في البحر خوفاً على المسلمين .
وغفا النبي  للمرة الثانية واستيقظ وقال مثل الأولى ، وطلبت إليه أن يدعو الله تعالى لها مرة ثانية
فقال : أنت من الأولين ولست من الآخرين ، إشارةً إلى أن المسلمين يغزون الجزيرة أكثر من مرةٍ وهذا ما حدث بالفعل.
وتمضي الأيام ويموت  وتحتفظ أم حرام بنبوءته، وتتزوج من عبادة بن الصامت ، ويأتي عهد معاوية ، ويستنفر المسلمين للجهاد في البحر .
ومن ساحل حمص يركب عبادة للغزو ومعه زوجته ، وتمخر المراكب في البحر ، وتستذكر الصحابية عهد النبي  لها ، فتعرف أنها ملكةٌ على سريرٍ في البحر وتطرب لهذا الوصف النبوي ، وتموت شهيدةٍ في قبرص ، يا رحمك الله يا ابنة ملحان.

أم عمارة أميرة المجاهدات
لكم غيّب التاريخ من نساءٍ خالداتٍ ، أما الأجساد فلم يبق منها شيءٌ ، وأما الأرواح ففي أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنة ثم تأوي إلى قناديل معلّقةٍ تحت العرش165 .
وأما الأفعال والإقدام ، فسيبقى ما بقيت الأرض، وعمّر الإنسان ، شهاداتٌ ناطقاتٌ عن النساء حينما يصنعهنّ الإسلام ، ولا شيء غير الإسلام يصنع هذا الصنع .
وهي صحابيةٌ جليلةٌ عظيمة المقدار ، ولكل واحدةٍ منهنّ قصّةٌ تتلى حينما تترنح البشرية بعار النساء ، وتتلطخ بقصص المومسات ، وتميح بأقذار الشهوات ، إنَّ النساء لم يخلقن لهذا.
نسيبة بنت كعب المازنية ، المرأة الحديدية ، تجمع بين حنوّ المرأة وأكفّ الرجال العتاة .
ها هي تصحب المسلمين إلى أحد ، ليس للقتال بل للإعانة، تسقي العطشى ، وتداوي الجرحى ، وتبعث العزيمة في النفوس ، وتعين على نوائب الموت في سبيل الله .
ولكن ينهزم المسلمون بفعل العصيان ، يعصون أوامر نبيهم  فيكتب الله عليهم الهزيمة ، لتبقى هذه الهزيمة قرينة المخالفة على مرّ العصور ، وليعلموا أن النصر في الموافقة ، والانكسار في المخالفة .
وترتفع السيوف المشركة تحصد رؤوس المؤمنين ، وتُشَنّ الحملة تلو الحملة من أقوياء قريش لقتل النبي  وتزحف الجموع ، والنبي  وسط المعمعة ، وأم عمارة تنظر إلى هذه الأهوال ، ويفرّ كثيرٌ من المسلمين حتى وصلت الخيول إلى المدينة .
وتُلقي صاحبتنا عن كاهلها أوعية السقاء، وترمي عدة الجرحى، وتحمل السيف وتندفع نحو غبار المعركة حيث رسول الله  يطلب النجدة .
وتتسور أمامه مع بضعةٍ من الصحابة ، تقاتل دونه وتضرب بيدٍ من حديد كل من يقترب ، ففرضت حظراً على تقدم السيوف .
ويقبل أحدهم ، ابن قمئةٍ166 ، وهو فارس مغوار ، لكم جندل الفرسان وسفك المقاتلين ، ويعرض عن كل شيءٍ سوى النبي  ، ويأتي دور أم عمارة ومصعب بن عمير ، ويتصديا لهذا المقاتل.
وترفع السيف بكل ثقةٍ وتضربه على عاتقه مرتين حتى خارت قواه , غير أنه لم يمت ولم يمزقه السيف فالمجرم يرتدي درعين , ويضرب أم عمارة على عاتقها فتُجرح جرحاً بليغاً , وتفشل محاولته , ويستعصي رسول الله على الحملات بحفظ الله تعالى له وبهؤلاء الأفذاذ .

هل تعرفون جليبيب ؟
ومن لا يعرف هذا الصحابي الجليل ؟, إن كان لا يعرفه فينبغي فعل ذلك .
ليس من مشاهير الصحابة , على الرغم أن فعله وسيرته لا تختلف عنهم .
أراد الزواج ولكن من يزوِّجه وهو الفقير المُعدم , أتى سيده رسول الله  وطرح عليه رغبته , فاستشاره في فلانة فوافق , ومضى  دون تأخير يخطب لجليبيب فتاةً من الأنصار.
ولما عرف أبوها أن النبي  يطلبها لصاحبنا وجم , ولم يجرؤ على الرفض , فالخاطب لا يُردُّ , أنه رسول الله .
فقال : دعني أشاور أمها , واضطربت الأم : ألجليبيب؟, بعد أن طلبها فلان وفلان , لا نوافق , وعرف الأب رأي أم الفتاة , وأراد أن يحمل الرفض لرسول الله .
والفتاة في خدرها تسمع مناقشة الأبوين بكل حدِّةٍ , فلما شعرت أن أباها سيخرج إلى النبي , نطقت : أترد رسول الله ؟, وهنا توقف الأب , إنَّ هذا لا يعقل .
وما رأيك يا ابنتي : لا ترد رسول الله , وأنا موافقة , فهو لا يريد لي إلا الخير .
وتزوج جليبيب أخيراً بعد عناء , فكان خير زوج .
ويخرج النبي  في إحدى الغزوات , وينكشف الأفق عن نصر للمسلمين , وصاروا يبحثون عن شهدائهم , واجتمع النبي  معهم في أرض المعركة , أتفقدون أحداً : لا يا رسول الله .
لكني أفقد حليبيب , وبحث عنه المسلمون , وجدوه أخيراً مصروعاً بين سبعة من قتلى المشركين , هذا مني وأنا منه , ويوسِّده  ذراعه ويدفنه حيث قتل , دون أن يغسله167 .
ويذكرون زوجته , ويدعو لها رسول الله : اللهم صبَّ عليها صبَّاً , قال أحدهم : فكانت أنفق امرأة في المدينة168.

كفى بالله حارساً
بينما على بن أبي طالب كرم الله وجهه مُسنداً ظهره إلى جدار في الكوفة , جدار يوشك أن ينقضَّ , قال له أحدهم : يا أمير المؤمنين : هذا الجدار قديم البناء وإني أخشى أن يقع عليك , فلو أنك قمت من مكانك .
وينظر أمير المؤمنين إلى هذا الخائف عليه , غير أنه لا حارس من أمر الله تعالى إن أراد شيئاً.
فقال : كفى بالله حارساً .
ويمضى ساعةً في مكانه إلى أصل الجدار , ثم يقوم .
فوقع الجدار على الفور . وفزع الناس , ونظر علي إلى بقاياه … كفى بالله حارساً .

حُبسنا من أجل هذا
الزمان : السنة العاشرة للهجرة .
المكان : أقدس جبال الأرض , عرفات حيث يتجلى الله تعالى في عليائه للحجيج , فيغفر لهم .
ومن بين الزحام الذي يزيد عن مائة ألفٍ قَدَمِ إنسان كلهم صحابة كرام , تكثر أقدام الملتفين المحيطين بالنبي , حوله شيوخ اليمن والقبائل من كل أصقاع الجزيرة المتناثرة .
ويأتي موعد الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة , فينظر الجمع المهيب إلى النبي , ويأمر بالانتظار .
ويمتد الليل , ولا يسع إلا للقليل , أي شيءٍ يؤخِّر النبي  عن الإفاضة إلى المزدلفة ؟ , وأخيراً يأتي أسامة من زيد , فيبشُّ  في وجهه ويقرّبه منه , ثم يأذن للناس .
ونظر شيوخ اليمن إلى أسامة فإذا هو غلام أفطس أسود اللون, فيقولون : حُبسنا من أجل هذا169 ؟.
نعم يُحبس الحجيج كلهم على عرفات إلى أن يأتي حِبُّ النبي , فيكون مجيئه هو الآمر بالإفاضة .
إن النبي  يعلمهم دروساً تلو الدروس , الناس بقلوبهم وأعمالهم وليس بهيئاتهم وأشكالهم.

أحبُّ إلى من جزيرة العرب.
المسلم غالٍ في شرع الله , فمن اعتدى عليه فلا بد من القصاص إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة , ومن قتله فقد أثم إثماً جسيماً وكأنما قتل الناس جميعاً , وقد توعد الله تعالى من قتل مسلماً بالخلود في النار .
{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}170.
وقد فهم السلف هذه الحقيقة فكل متاع الدنيا لا يساوي مسلماً , ولا ترخص النفوس إلا حين يدعو داعي الجهاد ويقوم قائم الحق فهناك البيع والشراء , أما في غير الجهاد فالخلفاء والملوك مسئولون عن كل فرد في رعاياهم .
ولقد سطَّر عمر هذا المعنى , وجعل منه قانوناً يحتذى .
ها هو يقول : لئن استنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلى من جزيرة العرب171.

أعظم الخلق منزلة
أتدري من أعظم الخلق منزلةً عند الله يوم القيامة ؟.
هذا سؤال وجهه النبي  لأصحابه .
فقالوا على الفور : الملائكة , فهم الذي يعبدون ربهم ولا يعصونه , ويطيعونه فلا يخالفونه .
فقال : يحق لهم ذلك , وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم , بل غيرهم .
فتحير أصحابه , هل أحد أعظم من الملائكة منزلة ؟.
قالوا : إذا فالأنبياء , فقال مثل قوله الأول .
ترى من هم الذين يقصدهم النبي  ؟.
أقوام يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني , ويصدقوني ولم يروني , يجدون الورق المُعلَّق فيعملون بما فيه172 .
أعظم الخلق منزلة عند الله يوم القيامة أنت أيها المسلم الذي لم ير نبيه  بشرط أن تعمل بالورق الُمعلَّق وهو القرآن , بشرط أن تسير على منهج نبيك وتقتفي أثره , وتكون عبداً ربانياً .
فرؤية النبي  بركة تدفع المرء للإيمان , ولقد انتفع به الصحابة الكرام انتفاعاً حقق لهم الفوز في الدنيا والآخرة , أما نحن فلم نره وهذه فضيلة فاتتنا , ولكل شيءٍ مقابل , فمن يؤمن بنبيه دون رؤيته أعظم ممن آمن به وقد رآه .
ولعل حديثاً آخر يفصح عن مقصودنا , لقد أخبر  أن أقوام آخر الزمان أن أحسنوا لأنفسهم وكانوا على هديه وهدي أصحابه يؤجروا عن خمسين صحابياً173 ,وهذا لا يعني أفضليتنا على الصحابة فنحن لم نعمل أعمالهم ولا نقدر على بذلهم وهم الذين قدموا كل نفيس للدين174 , فكان الدين أغلى شيءٍ في حياتهم أما نحن فنقدِّم على الدين المصالح والمناصب والأموال والأولاد والزوجات , نقدِّم على الدين دنيانا التي ما عادت لنا , لقد أخذها أعداؤنا منا فلم تعد لنا , نسأل الله العافية في الدين والدنيا .

المجذوم يأكل معه
كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يردُّ سائلاً , ولا يعاف أحداً حتى انه ينادي المجذوم فيأكل معه في صحنه وإنَّ أصابعه لتقطر دماً, وكان رضي الله عنه لا يأكل إلا مع المساكين حتى اضرَّ ذلك بجسمه175 .
والجذام مرض فتاك , يُهلك الإنسان فلا يزال ينزف حتى الموت.
وتخيل هذه الصورة المروعة , اثنان يأكلان من صحن واحد ابن عمر وآخر مجذوم حينما تمتد يده إلى الصحن يخالط الدم المنبعث من يده الطعام فيأكل منه ابن عمر حتى لا يبقى منه شيئاً .

يا دنيا غُرِّي غيري
هذا موقف جليلٌ جليلٌ … موقف لسيد العرب وملك الفصاحة .. وأسطورة العربية الكبرى … استثني رسول الله  خير من نطق بالضاد , بل خير الخلق .
إنه علي بن أبي طالب .
كلماته التي ما تغيرت وشعاره الذي ما تبدَّل .. يا دنيا غُرِّي غيري .
وتخسأ الدنيا وتنكفأ على نفسها , وتجر أذيالها المثقلة , وتحمل بهارجها وزخارفها وتمضي مُولِّيةً عن هذا الرجل بعد أن سمعت منه ما أقضَّها , فلو أن لها سلطاناً عليه لأنشبت أظفاراً بليغة في جسده القوي , وحفرت في جلده أخاديد الموت , وهي الحياة .
وهو خليفة المسلمين في الكوفة , يتفقد المسلمين في أسواقهم ويعلمهم دينهم , ويقيم فيها حدود الله وسنة نبيه , ثم يأوي إلى حصير في آخر الليل فينام نومة الخائف من التقصير.
فلا يطمع قويٌ في ضعيفٍ , ولا ذو جاهٍ في ظلم أحدٍ . إنه علي وكفى به خليفةً .
ولقد أمضى النهار كله مع رعيته , وأدلف إلى بيته , حيث فاطمة بنت رسول الله , وفي آخر الليل يقوم في محرابه فيصلي ويسبح ويناجي ربه , ويذكر عذاب يوم البعث الأكبر فيبكي ويتململ تململ المريض السقيم , ويحتبي مثلما يفعل الوليد الصغير , ويفكر ويتدبر .فتعرض له الدنيا من جوانب المحراب , وتخرج له من تجاويف الجداران , فيعرض عنها ويأبى , فيقول : يا دنيا غُرِّي غيري , أبي تعرضت , أم إلى تشوَّفتِ ( تزينت ) , هيهات هيهات .. غُرِّي غيري .. قد بتتك ثلاثاً ( أي طلقتك وفارقتك طلاقاً لا رجعة فيه ) فعمرك قصير وعيشك حقير وخطرك كبير .. آهٍ من قلة الزاد , وبعد السفر , ووحشة الطريق176.
هذه كلمات باقية على الدهر رغم موت صاحبها , لا تزال ماثلة للعيان أمام كل عاقل , حيةً تستعصي على الموت لتكون عظة بالغة وعبرة دائمة .
وهي من بعد ذلك كلمات علي كرام الله وجهه , يخاف هذا الخوف وهو المشهود له بالجنة , المجاهد مع نبيه , ولم يغير بعد وفاته شيئاً .
وها هو في بيته في الكوفة مع بعضهم , فيأتيه صاحب بيت المال : يا أمير المؤمنين , قد امتلأ بيت المال بالصفراء ( الذهب ) والبيضاء ( الفضة) , وينطلق إلى بيت المال , فيرى أموالا متكدسة تصل من أطراف الدولة , فتنقبض نفسه ويأمر جنوده : إليَّ بأشياخ الكوفة , فيتوافدون إليه , وينهال على المال يفرِّقه وهو يقول : يا صفراء يا بيضاء غُرِّي غيري , فما زال يعطي حتى لم يبقَ شيئاً .
ثم يأمر بنضح البيت ورشِّه بالماء , فيصلي فيه ركعتبين , لا مال هنا في بيت المال , ليس سوى أرض منضوحة بالماء وعلي والركعتين .
سلام الله عليك يا علي يا خير الأولياء والخلفاء .

تقي مصارع السوء
إلى من يبحثون عن ميتةٍ سويةٍ ويخافون العواقب , إلى من يفكرون في آخر لحظاتهم من الدنيا وحالهم عند النزع.
إلى من يخافون ويحسبون الحساب لخواتيم أعمالهم .
اسمعوا حديث النبي : ” مناولة المسكين تقي مصارع السوء”177, لا تدع أحداً يتصدق عنك , اجعل يدك بيد المسكين فهذا شرف عظيم يمنحه الله لك أكثر من الصدقة على الفقراء والمساكين, فبعض مالك ليس لك وإنما أنت حارس عليه , وستمضي إلى عالمٍ دنانيره الأعمال وبيوته الصدقات وطعامه الحسنات مخلِّفاً مالاً كان لك فقُسم على أثرك , فلا تبخل على نفسك , فأنت أحوج من غيرك .

وجعلت الليل لربي
هذا موقف لأحد الصحابة , سعيد بن عامر الذي لم يسمع به الكثير , وإنه لجديرٌ أن يسمع المسلمون اليوم بالموقف وبالصحابي , وكلاهما أحق بالذكر من صاحبه .
وهو وإلى عمر على حمص , وأي والٍ هذا الذي يُعدُّ الفقير الأول في حمص كلها آنذاك.
وكان من عادة عمر أن يراقب الولاة , وفي هذا درسٌ بالغٌ , كلٌ مسؤولٌ عن رعيته , وسيحَاسب يوم القيامة عنها , وإنا لنظن عمر من الناجين على فرط عدله وحسن سيرته , ولا نزكي أحداً على الله , غير أنه مشهود له بالجنة وعلى لسان رسول الله .
ويسافر عمر إلى حمص ويسأل أهلها عن سيرة وإليه , فيتلكأون في الجواب ولكنهم صدحوا أخيراً, إنَّ عمر يسأل ولا بد من مجيب .
ويخبرونه : هو رجلٌ صالح لولا …
ويندهش عمر , غير أنهم يكملون .. لولا أربعة أمور , وما هي ؟.
لا يخرج من بيته إلا ضحىً ….ولا نراه في الليل ….وله يوم كل شهر لا نراه ليلاً ولا نهاراً .. ويصاب بإغماءة أحياناً178 …
وهذه أربعة تكفي واحدة إن كان كما يزعمون أن يقيله عمر ويبحث عن غيره .
ويتعجب عمر فهو اعرفهم بسعيد , ما عرفه إلا زاهداً عادلاً تقياً .
والتفت إلى السماء وقال : اللهم لا تفلَّ ( تخيب ) ظني به اليوم .
ويحضر سعيد , ويسأله عمر .
فيقول أما إني كنت أكره أن أتكلم بهذا , وقد صدقوا , ولا بد من الجواب , فالرجل يُتّهَم.
لا أخرج عليهم إلا ضحى , فيعلم الله أنه ليس لزوجتي خادمة فأنا أعجن عجيني فأنتظره حتى يخمر , ثم أصلي الضحى وأخرج , وقال عمر : هذه واحدةٌ .
ولا أخرج في الليل , فقد جعلت النهار لهم والليل لربي .
إنه يمضي ليله بالصلاة والقيام , ولا يريد أن يبوح بأمره لولا ..
واستبشر وجه عمر .
ولي يومٌ في الشهر لا اخرج إليهم : فما عندي غير هذا الثوب , وأمسك بثوبه , فأنا أغسله ذاك اليوم فأمكث في بيتي حتى يجفَّ .
وتصيبنى إغماءةٌ , فلقد شهدت يا أمير المؤمنين مصرع خبيب بن عدي بمكة , وكنت يومها كافراً , ولقد علقوه وقالوا له قبل قتله : أتحب أنك في بيتك عند أهلك ومحمد مكانك , فانتفض وقال , لا والله ما أتمنى أني في بيتي ومحمد  يُشاك بشوكة ٍ , ثم دعا , وقتلوه .
وإني كلما ذكرت ذلك أُغمي علي , مخافة لو أدركتني دعوته ومت كافراً لم يهدني الله .
وعرف القوم أميرهم , والتفت عمر مرةً أخرى إلى السماء وقال : الحمد لله الذي لم يفلَّ رأي فيه .

معي الدنيا أجرها بقرونها
سنعود إلى التاريخ حيث المواقف يصنعها الرجال , وأي الرجال , اسمع واحكم بنفسك , ثم برر لنا العود إلى الماضي والاعتبار منه .
نعود إلى خلافة عمر أشد الخلفاء وأعدل الملوك , خير من ساس الدنيا والرعية بعد الأنبياء والصديقين .
عمر كما تعلم يختار ولاته بعنايةٍ تامة , ثم يراقبهم فإن شعر منهم تبديلاً واستحواذاً بدَّلهم على الفور دون حياءٍ من أحدٍ , فالله سائله عن كل شيءٍ. وتردد عمر كثيراً في ولاية حمص , ( الكويفة الصغرى ) كما يقال عنها لكثرة اعتراضهم على الولاة وشكاياتهم , وأخيراً يختار لها أحد فقراء الصحابة , عمير بن سعد, إن عمر لخبيرٌ بالرجال , شديد الحرص في الاختيار .
ويذعن عمير ويمضي لولايته الجديدة , ويصلها بعد نأي ومشقة , ويجتمع مع أعيان حمص ولكي يُحكم أمرهم أمر بعض صلحائهم بجباية أموال الزكاة , وتجمعت لديه بعد حول , فأمرهم بتوزيعها على فقراء المدينة , وصار رفيقاً له فأحبوه ورأوا فيه مثال الوالي الصالح .
وينتظر عمر مال حمص الفائض منها ليجعله في غيرها فلا يأتيه شيء , ويكتب إلى وإليها عمير أن يقدم عليه في الحال, وظنَّ به الظنون, لعله استطاب المقام, واتخذ لنفسه بيتاً ولعب بالأموال.
ولبى عمير نداء خليفته, وفي الحال حمل جرابه ( وعاء الطعام ) وقصعته ( الصحن الذي يأكل فيه ) وإداوته ( وعاء الماء ) وأمسك عنزته ( عصاه ) , ومضى إلى المدينة على قدميه179.
وقطع المسكين المسافة الشاسعة دون دابةٍ تحمله أو رفيق يسامره .
وفي أحد الأيام الحارة بينما عمر أمام المسجد يبحث في أمر للمسلمين ,إذا بالقادم يصل لتوِّه , ويرمق عمر بدهشة عمير وقد اعتلته تهاويل السفر المضني , فشحب لونه واغبر وجهه , وطال شعره , فلما صار أمام عمر قال : السلام على أمير المؤمنين .
ورد عمر في الحال: وعليك السلام : ما شأنك ؟.
وما شأني؟ , ألا تراني صحيح البدن، كامل الخِلقة, معي الدنيا أجرها بقرونها0 و ظن الخليفة أنه قدم بالمال الوفير.
و ما معك؟ , قال عمير مستغرباً: معي جرابي و فيه زادي , و قصعتي آكل منها , وإداوتي أحمل وضوئي ومائي , و عنزتي أتوكأ عليها, و أدفع عن نفسي إن عرض لي عارضٌ في الطريق, ألا ترى ما معي , فو الله ما الدنيا إلا تبعٌ لمتاعي .
وهدأت روح عمر إلا من بعض الوساوس التي لا بد منها عند خليفة ٍ يرعى شؤون الناس.
و تنفس الصعداء, و قال: أجئت ماشياً ؟ , قال : نعم .
أو ما أعطاك أحدٌ دابةًٌ تسافر عليها ؟ . ما أعطوني وما سألتهم .
قال عمر : بئس القوم هم . فرد عمير : اتق الله يا عمر إني خرجت من عندهم و هم يصلون الغداة , فلا تغتبهم .
وأيقن عمر أن صاحبة جليل المقام كما عهده .
قال : فأين بعثتك و ما فعلت؟ .
يا أمير المؤمنين : إني لما و صلتهم جمعت صلحاءهم و أوكلتهم جمع مال الأغنياء فأخذته ودفعته إلى الفقراء فما بقي منه شيءٌ , و لو بقي لبعثت به إليك.
فقال عمر : جدّدوا لعمير العهد , أي ثبّتوه على ولاية حمص .
و يأبى عمير : إنَّ هذا أمرٌ مضى , لا عملت لك بعد, إني ما سلمت بعملك , و لقد قلت لنصراني هناك : أخزاك الله .
و يستأذن خليفته في الذهاب إلى بيته الذي يبعد أميالاً عن المدينة, و يمضي .
و لا يزال عمر يشكُّ بصاحبنا لعله أخذ من مال المسلمين, و دفع به مع أحدهم إلى بيته , لا بد من التيقن .
و يبعث وراءه رجلاً اسمه الحارث و يعطيه مائة دينار و يأمره : إن رأيت حاله حسنة ً فأقبل إلى و لا تبطئ و إن رأيت غير ذلك فادفع إليه المال .
ويذهب الرجل. و يجد عميراً بفناء حائطٍ له يفلّي (ينظف ) ثوبه, و يستضيفه دون علمه أنه من رجال عمر , وأنهما يبحثان عن حقيقته .
انزل رحمك الله , و ينزل الرجل ويجلس, ويسأله عمير كيف تركت المدينة ؟, ….
بخير حال , و كيف عمر أيقيم الحدود ؟.
نعم , تركته يقيم الحد على ابن له فما زال يضربه حتى مات .
و يتوجه عمير داعياً: اللهم أعن عمر فما أعلمه إلا شديد الحب لك .
و يمكث الضيف ثلاثة أيام يريد معرفة حال صاحب البيت , ثلاثة أيام يأكلون من بعض الشعير الذي أوشك أن يفنى.
فقال عمير للرجل : لو أنك تحولت عنا إن كان يطيب لك , فما عدت أستطيع أن أقوم بخدمتك .
وهنا يُخرج الضيف المال و يمدّه لعمير و يخبره القصة , إن هذا من أمير المؤمنين تستعين به على حاجتك .
واضطرب عمير : لا حاجة لي بها, ردها إلى عمر, و ليبحث على من هو أفقر مني .
و خرجت زوجته و أشارت عليه أن يأخذها و يضعها مواضعها, فأخذها فما زال يقطع من ثوب امرأته و يجعل المال صرراً صغيرة و يقول لها : ابعثي بهذا إلى فلانة اليتيمة, و هذا لفلانة الأرملة, حتى نفذت المائة , و رسول عمر واقفٌ يظن أن سيعطيه بعضها , ثم قال : أقرئ عمر مني السلام .
وعاد الحارث فأخبر عمر بالقصة .
و يموت عمير رحمه الله تعالى بعد أيام فيشيعه عمر, و يدفنه الصحابة, و يقف عمر وهو راجعٌ إلى المدينة معه بعض أصحابه , و يُلقى في أمنيته أن يقول لهم : تمنوا .
قال أحدهم : أتمنى أن يكون لي مالٌ كثيرٌ أنفق منه في سبيل الله,
وقال الآخر : …مالاً …أعتق به عبيداً…
قال عمر : أما أنا فأتمنى رجلاً مثل عمير بن سعد , نسيج وحده .

العبادة البدنية و العبادة القلبية
يظن كثيرٌ من الناس أن العبادات بدنية ٌفقط, و هذا من أعظم الجهل في الدين , فالعبادة ليست صورةً واحدةً بل متعددة ً, وبعضها أفضل من بعض, و منها ما يؤدي إلى غيرها .
فتعال نتجول في أنواع العبادات لتتعرفها , فتعبد الله سبحانه كما يحب ويرضى .
فالعبادات أنواعٌ كثيرة ٌ و هي …
01 العبادات البدنية : التي تقوم بها ببدنك كأفعال الصلاة والزكاة والأضحية وغيرها , أي مدارها و عمادها الجوارح والأعضاء , مع أن نيتها معقودة ٌ في القلب .
02 العبادات القلبية: وهي أعظم من البدنية, و مدارها القلب, مثل الانكسار لله تعالى والخضوع و الاستسلام له , ومثل الرضى بقضائه وهو من أجلها , ومثل حبّ الله تعالى, و استشعار لذة مناجاته , وحب المساكين و الفقراء لله و ليس رياءً .
03 العبادات العقلية : مدارها التفكير العقلي , كالتدبير في عظيم صنع الله تعالى , والتفكير في فسيح كونه , و عجائب صنعه, وقد أحسن الصحابة الكرام هذه العبادة في الوقت الذي غابت عنا ونسيناها , فهذا أبو الدرداء يقول تفكر ساعة ٍ خيرٌ من قيام ليلة ٍ . و كل خطاب ٍ للعقل مع الموجودات حوله بصورة تُعظِّم الخالق وتعجب من فعله ينطوي تحت هذا النوع .
04 العبادة اللسانية: وأعظمها ذكر الله تعالى, وتسبيحه وتهليله , و هذه العبادة على الرغم من أنها بسيطة ٌ غير شاقّةٍ إلا أن النبي  يضعها فوق مرتبة الجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الدين .
و يندرج تحت هذه العبادة كل كلمة ٍ تحق حقاً و تبطل باطلاً , و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو عماد الدين وموطن الحياة والبعث فيه , أقصد بعث الناس على تطبيق شعائر الله وسنة نبيه.
5: العبادات المالية : كالزكاة والصدفة والإنفاق والتوسعة على الناس وإقراضهم وكل ما يقدمه الإنسان من ماله قاصداً وجه الله تعالى ويسمح به الدين .
6: عباداتٌ من نوعٍ خاصٍ : وهي التي تختلف عن سابقاتها , فليس فيها حركة كالبدنية ولا قول كاللسانية ولا تدبر كالعقلية , بل هي تقوم على الكف والامتناع : أي عدم الفعل , مثل الصيام فهو امتناع عن الطعام والشراب والجماع والمحرمات الأخرى, ومثل الكفِّ عن إيذاء النفس , والتورع عن الإضرار بهم , وبهذا يختلف الصوم عن باقي العبادات , فهو ليس فعلاً معيناً , وإنما كفٌّ عن الفعل , وهذا قاسٍ على الإنسان فيه مشقة عليه , ولما كان بهذه الصفة جعل الله أجر الصائم مخبوءاً عنده لا يعلمه احد حتى يجازيه بنفسه يوم القيامة.
وأنت ترى أن بعض العبادات تتكون من أكثر من نوع مما ذكرته لك سالفاً, فمثلاً : الصلاة , أفعالها : عبادة بدنية , وأقوالها : لسانية , وخشوعها : قلبية , والتدبر في معاني آياتها وأذكارها : عقلية , فقد جمعت الصلاة أنواع العبادات كلها , ولذا كانت أول أعمال الدين وأعظمها , وهي مقدمة حساب الإنسان يوم القيامة فإن أحسنها طوي كتابة مرضياً عنه , وانتقلت الملائكة إلى أعماله الأخرى , وإلا أُغلق كتابه ورمي في وجهه والعياذ بالله .
والزكاة تحتوي على عبادة مالية وبدنية وهي : مد اليد إلى الفقير, وقلبية وهي الشعور معه وحبه .
والجهاد : ليس عبادة واحدة , بل هو إن كان بالنفس صار بدنية , وإن كان بالمال مالية , وإن كان يقوم على القول والكتابة صار لسانية وهكذا .
وانت تلحظ أنواع العبادات فتراها متنوعة كثيرة , وقد كنا نظنها من قبل عبادة واحدة أو اثنتين فإذا هي أكثر من ذلك , فاعبد الله سبحانه وتعالى بكل هذه العبادات فإنه يحبها جميعها , ولا تقتصر على بعضها .

سليمان والحوت
بلغ ملك سليمان أن قال لربه تعالى : يا رب ائذن لي حتى اعطي رزق كل مخلوق يوماً , فقد كانت أمواله لا تحصى وموائده لا تُرفع , مكَّن الله تعالى له ارزاق البر والبحر فكان يأمر الشياطين والجان ان يغوصوا في البحار فيأتونه باللؤلؤ واصناف الطعام الذي لم ياكله بشر .
فأوحى الله تعالى له : إنك لا تقدر , فقال : يا رب إني احبُّ أن أعبدك بهذا .
وأقبل  يعدُّ مائدة لم يشهدها من قبل , فأمر الإنس والجن ومردة الشياطين والطيور أن يجمعوا له طعاماً عظيماً , ومضى يحضر مائدته حتى استوت عظيمةً , ففرش بها جانباً من البر , وجعل عليها من كل الأصناف وألذ الأطياف حتى انتهى منها .
فدعا الله سبحانه أن يأمر مخلوقات الأرض أو بعضها لتحضر مائدته , وظن أن ما أعده يفي ولو ليوم واحدٍ .
فأمر الله تعالى حوتا عظيماً في البحر أن يجيب نبيه سليمان , فأقبل الحوت يشق البحر بأمر الله حتى حط عند المائدة , فأتى عليها والتهمها , فكان كل ما أعده سليمان لقمةً واحدةً لهذا الحوت الضخم .
ولم يبق شيئا من المائدة فاقبل الحوت على سليمان الذي ذهل لما رأى , حتى وقف على مقربة منه فقال ( وقد أُعطى هذا النبي القدرة على فهم الحيوانات والحديث معها ) : يا نبي الله : أين رزقي , الم تتكفل به اليوم ؟.
فتوجه سليمان  إلى السماء وقال بلسان المعتبر الخاشع : سبحانك ربي , ارزق هذا مالي حيلة في رزقه .

حتى تخرج من دينك
يروى في أخبار ابراهيم  أن ضافه مجوسي, فشق على ابراهيم ان يُدخل بيته مجوسياً يعبد النار , فقال له : لا أضيفك حتى تخرج من دينك وتوحد الله , فرفض المجوسي ومضى.
فأوحى الله تعالى إلى خليله معاتبا : ما تضيفه حتى يخرج من دينه ؟, ما ضرَّك لو أطعمته وسقيته ليلة واحدة ونحن نطعمه ونسقيه سبعين سنة وهو يكفر بنا .
وعلم ابراهيم  أنه أخطأ في ضيفه , فطلبه حتى وجده , وليّن له في الكلام وعرض عليه ضيافته, وبات عند ابراهيم ليلته تلك فلما رأى حسن معاملته وطيب أخلاقه وكرمه , قال لنفسه إن هذا الرجل على دين حقٍ , فآمن بالله تعالى .

إلا الشرك
جميع الذنوب مهما عظمت قد يغفرها الله تعالى لا نجزم بذلك ولا ننفي فالأمر موكل لصاحبه , لكن العاقل يدرك ان الله يغفر لمن يحبه , فهل تتخيل رجلاً لم يعرف ربه في حياته مغفورا له حتى وإن كان موحداً .
قدم اعرابي الى النبي  وقال : يا رسول الله إني منهمك في الذنوب والخطايا , غير أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته فما حالي عند الله180 ؟.
فنزل قوله تعالى في سورة النساء {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لم يشاء }181

مسكين مع المساكين182
أغنى أهل الأرض منذ آدم  وحتى قيام الساعة , وأعظم الملوك وأقواهم شكيمة وأعتاهم جيشا وقوة هو سليمان , فلا يعرف ملك في التاريخ , ولا إمبراطور طوع له الله تعالى الأرض ومن عليها , وأسلم له البشر والجان والشياطين ودواب البر والبحر والطيور والوحوش فكان يأمر وينهي مثل سليمان .
وقد بلغ من امتنان الله تعالى عليه وتفضله إليه أنه كان يخاطب والحيوانات والطيور , ويأمر الريح فتنقله من مكان إلى آخر .
ومع عظم ملكه, وشدة وصولته,وقوة جيشه, كان  يخرج إلى حاشيته ووزرائه فيتصفح وجوه السادة و الأعيان و ينظر في وجوه الأغنياء ثم يتركهم و يجيء إلى المساكين فيجلس معهم ويقول: مسكينٌ مع المساكين

صدقة ما قبل النوم
هل فكرت ليلة قبل النوم أن تتصدق بصدقةٍ عظيمةٍ , إنها ليست صدقة مالٍ , بل هي من نوعٍ آخر , هي أن شئت القول صدقة عفوٍ وتجاوزٍ .
أن تقول : اللهم إن كان لي مظلمة عند احد هي خالص حقي بأن اغتابني اليوم أو نمَّ عليَّ أو وقع في عرضي أو شتمني أو كان لي عنده أي حق من حقوق العباد فإني متجاوزٌ عنه غافرٌ له زلَّته مُسقطٌ عنه حقي .
فيا رب أينا احق بالعفو والغفران أنا العبد الفقير الضعيف أم أنت الإله الغني القوي ؟,اللهم فتجاوز عني واغفر زلاتي وامح خطيئاتي .
ليس بالضروة أن تحفظ هذه الكلمات بل قلها بلهجتك التي تروقك والفاظك التي تريدها , جرب هذا واسلك عليه قبل نومك .
فإن قلته كنت متشبها بأبي ضمضم , الذي يقول في حقه النبي : “أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم, قالوا: وما أبو ضمضم ؟,رجلٌ من كان قبلكم كان اذا اصبح يقول اني تصدقت اليوم بعرضي على كل من طلمني”183. وإن قلته كنت مقتديا بالصحابي الجليل علبة بن زيد حين حث النبي  أصحابه على الصدقة فلم يجد ما يتصدق به فبات مهموما وقال : اللهم ليس عندي صدقة اتصدق بها فايما رجل اصاب من عرضي شيئا فهو عليه صدقة فأوحى الله تعالى لنبيه إني قد غفرت له184 .

عيسى  و سارق الرغيف185
كثير من البشر جُبلوا على الطمع والجحود حتى وهم يرافقون الأنبياء عليهم السلام , فكأنهم بلا عقول داركةٍ و لا قلوبٍ واعية ٍ.
فلم يتبصروا بما رأوا و لم ينتفعوا بما سمعوا فكان عاقبتهم الخزي والندامة والخسران .
بينما عيسى  يتجول في البراري و يسيح في أرض الله الواسعة يدعوا كل من لقيه إلى عبادة الله وحده و الزهد في الدنيا وحب الناس , إذ لقيه رجلٌ فتعارفا . فعرض عليه الرجل أن يرافقه , فتوافقا وكان مع روح الله  ثلاثة أرغفة من الخبز هي كل ما لديه يأكل منها .
فانتهيا إلى نهر ٍ وجلسا , ثم مضى عيسى للنهر وترك الأرغفة الثلاثة عند صاحبه فلما عاد فإذا الثلاثة رغيفين , فسأله عن الرغيف الثالث : فقال لا أدري .
فسارا في الصحراء فلقيا ظبيا ً فاصطاداه و ذبحاه فأكلاه , ثم جمع عيسى  عظام الظبي وقال : عد ظبيا ً كما كنت بأمر الله فعاد ظبيا ً ينفض عن نفسه التراب .
فقال عيسى  لرفيقه : أسأله بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف ؟
فقال الرجل : لا أدري .
ثم سار حتى لقيا نهرا ً لا يُعبر على الأقدام , فأخذ عيسى بيد الرجل و دعا ربه فمشيا على الماء كأنهما على البر حتى قطعا , و التفت إلى الرجل فقال : أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف ؟ , فقال الرجل : و الله لا أدري .
ثم دخلا مفازة فلما جلسوا ليستريحوا عمد عيسى  إلى كومة تراب فجمعه ثم قال : كن ذهبا ً بأمر الله فتحول التراب إلى ذهب يلمع مثل خيوط الشمس والرجل ينظر إلى المعجزة و قد بُهر وذهل , فقسّمه عيسى ثلاثة أقسام , فأعطاه قسما ً وقال : هذا لك , وهذ لي , و الثالث لمن أخذ الرغيف , فقال الرجل بتلهف ٍ : أنا أخذت الرغيف , فقال : كله لك ـ و أعطاه الذهب – وفارقني .
فحمل الرجل الذهب و مضى فرحا ً .
وجعل الرجل يمشي في المفازة فلقيه رجلان وعرفا أنه يحمل مالا ً فأرادا قتله , فلما علم أنه مقتول ٌ لا محالة احتال لنفسه و قال: نتقاسم ثلاثتنا المال و أكون خادمكم , ورأوا أن هذا أحسن من قتله , و صاروا رفقة ً و مضوا , وقصّ عليهم القصة مع عيسى .
فلما صاروا بوادٍ قريب ٍ من قرية ٍ قالوا : يذهب أحدنا ليحضر طعاما ً نأكل , فبعثوا أحدهم و أعطوه قليلا ً من الذهب فوسوس لهم الشيطان و قذفهم بالطمع . فدبّر الإثنان الباقيان مكيدة قتل الذي ذهب لإحضار الطعام , واتفقا على قتله حال رجوعه ثم يتقاسما المال .
و قال الذي مضى إلى السوق أشتري لهم طعاما ً وأضع فيه السّم فيصفو لي المال وحدي ورجع الرجل فأوثقوه و قتلوه , ثم أكلا من الطعام و بدأ السّم يسري في عروقيهما وقضيا على الفور فانقلب ثلاثتهم جثثا ً هامدة ً لا حراك فيها , والذهب عندهم .
فأوحى الله سبحانه و تعالى إلى عيسى  بأمرهم فمرّ بهم مع حواريه وقصّ عليهم قصتهم , و قال هذه هي الدنيا فاحذروها.

وما أدري أيحلّ ذلك أم لا ؟
هذه و قفة ٌ مع عمر رضي الله تعالى عنه يُعلِّم فيها الحكام من بعده ماذا يحلّ لهم من أموال الرعية و كيف يسوسون أحوالهم .
يقول في ذلك :
ألا أخبركم بما أستحل من مال الله , حلّتان لشتائي وقيظي وما يسعني من الظهر لحجي وعمرتي, و قوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش لست بأرفعهم و لا بأوضعهم , فو الله ما أدري أيحلُّ ذلك أم لا186 .
إنه لينبغي للحكام اليوم أن يقرأوا موعظة عمر مرتين : مرة ً في الصباح , ومرة ً حين يسلمون أنفسهم لنوم قد لا يستيقظون بعده .

أرى الأمر أعجل من هذا
نعم , إن ما أراده الله تعالى بنا أعجل من أن تنصرف أعمالنا إلى الدنيا وإعمارها , أعجل من بناء القصور الشاهقات و تزيينها وتكثير المال و إنعام الأولاد .
و لو أن أحدا ً مكث في حياته فعمّر في الدنيا كلها , لو أنه خلق مع آدم  وعاصر كل الأجيال و لم يمت إلى يوم القيامة لما قنع بما استحوذ من الدنيا ولما شبع من ملذاتها .
و الحياة قصيرة كما ترى لا تكفي للدنيا فاعمر آخرتك , فالموت أسرع إلىك من النار في الهشيم و أعجل من زلزال , فلا تصرف وقتك قبل الموت و تنساه فيأتيك على حين غرّة ,ٍ هذه صفقة ٌ خاسرة ٌ لا يعقدها ذو لب ٍ و لا يُقدم عليها صاحب عقل ٍ وحصافة ٍ .
لقد رأى النبي  أحد الصحابة يبني بيتا ً من جصّ فنظر إليه وقال : أرى الأمر أعجل من هذا187 .
أي قد لا تنعم بما تبني بأن تموت قبل أن يتم لك بناؤك . فاعتبر أيها العاقل فالدنيا مستقر الحمقى ,و مأوى البله و متكل الكافر الذي لا يؤمن بالبعث و النشور و الحساب .
و قد أطلق عيسى  روح الله تعالى كلماته بنفس المعنى فقال : الدنيا قنطرة ٌ فاعبروها و لا تعمروها .
إنها معبر إلى الآخرة فحسب , والآن تخيل معي هذه الصورة الدقيقة التي أرسمها لك لتفم الدنيا .
تخيل معي جبلين عظيمين قريبين لبعضهما , بينهما واد سحيق , مُدَّت فوقه أطوال الحديد كجسر يقطع بين الجبيلين , وهذه الأطوال كثيرة كالبشر طويلة وقصيرة كعدد الأعمار التي يعيشونها , لكل واحد منهم معبر خاص يمر عليه لا يعرف متى يصل إلى الجبل الآخر الذي يسمع عنه ولا يراه , ثم أخذ الناس يمرون كلٌ على جسره لا يقف احد منهم بل يسير إلى الأمام .
وأنت احد السائرين لا تدري متى تحط خطواتك الأخيرة إلى الجبل الآخر .
هل استوعبت مثال الدنيا والآخرة والموت بينهما .
خطوتك الأولى على الجسر هي مولدك , ثم تسير على الجسر الذي هو عمرك , ولما كانت أعمار الناس متفاوته فالبعض عاش مئات السنين والبعض لم يكمل العشرين تجد أن أطوال المعابر ليست واحدة .
أما الخطوة الأخيرة التي لا تدري متى تاتي فهي الموت واللحد ثم تنتقل وتيسير في الجبل الآخر الذي هو العالم الأخروي.
والآن تدرك معي أن من الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها , ومنهم لم يبق عليه سوى خطوات يسيرات , ومنهم من حط رحاله للتو فهو يذوق الآن مرارة النزع وينظر أمامه إلى الأهوال والى مخلوقات لم يرها من قبل حتى يخيل إليه معبره الذي قطعه مثل حلم .
ترى؟, كم بقي من خطواتك لتدلف صوب الخطوة الأخيرة ؟.
وما اسرع ما نودع الموتى وننساهم بعد ذلك , ما أسرع ما مروا على القناطر , أرأيت كم هي الدنيا قصيرة , فلم نقضيها بإعمارها وننشغل عن إعمار الآخرة التي هي آتية لا محالة؟.
روى ابن حبان وأبو نعيم بسند فيه ضعف عن النبي  انه قال: “مثل هذه الدنيا مثل ثوب شُقَّ من أوله إلى آخره فبقي متعلقاً بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع”188.
لم يبق إلا القليل , والقليل جداً , انظر إلى السنوات التي رميتها ورائك والعمر الذي صار خلفك , لقد مضى الى غير رجعة ولن تجد أمامك سوى رب عظيم وحساب جسيم ان كنت مفرطاً في حياتك القصيرة .
أخرج الإمام مسلم بسند صحيح عن النبي  أنه قال: “ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في إلىم فلينظر احدكم بم يرجع إليه”189 .
ولو انك غمست اصبعك في بحر عظيم ثم رفعته لا تأخذ إلا قطرة صغيرة لا تلبث أن تعود الى البحر.
أرأيت كم هي الدنيا صغيرة صغيرة .

أمنت عقوبتك فتكاسلت
روي ان عليا بن ابي طالب كرم الله وجهه دعا غلاما له فلم يجبه , فناداه ثانية فلم يجب .. وثالثا فلم يأت فجاءه علي فرآه مضطجعا فقال له بنبرة قوية : أما تسمع يا غلام ؟, قال , بلى ,قال : فلم لا تجيب ؟
قال : أمنت عقوبتك فتكاسلت , فأطرق علي ثم قال : اذهب انت حر لوجه الله تعالى190.

تدبر فضيلة حسن الخلق
الاخلاق الحسنة هي التي دعا إليها الاسلام وحث عليها والاخلاق السيئة هي التي امر بتركها وامر بنبذها .
والمجتمع ينصلح حاله يالاخلاق ويفسد أيضا بالأخلاق وهي مظهر المجتمع الإسلامي الحق التي تميزه عن مجتمع كافر أو جاهلي .
فإياك والأخلاق السيئة فهي الداء الوبيل الذي إن استشرى صعب ترياقه وهي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة .
ولو أنك علمت مبلغ حض النبي  ودعوته للأخلاق الحسنة لعلمت أنها من أفضل الطاعات وأجل القربات
فقد ورد عن النبي  انه قال: “أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق”191.
وورد أيضا قوله : ” إن حسن الخلق يذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد”192. والشمس حين تسطع على جليد تذيبه كاملاً في فترةٍ وجيزةٍ ، فهل ترضى أن تُذاب خطاياك ؟، عليك بحسن الخلق .
وفي حديث رؤيا النبي  الطويل نجد حظ حسن الخلق “… ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاء حسن خلقه فأدخله إلى الله تعالى “193.

لنظروا إلى ملكوت السماء
روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن النبي : ” لولا أن الشياطين يحرمون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء”194, الإنسان في الدنيا مثل رجلٍ في خيمةٍ لا يظن أن خارج الخيمة شيءٌ ما ، ستار الخيمة يحجب عنه ما ورائها, كذلك الشياطين يحومون على قلوب الآدمين فيحجبون عنهم العالم الآخر ويغيّبون عنهم عالم المكوت ، وحين يموت الإنسان يعاين هذا العالم ويدرك حينئذٍ أنه كان نائماً فاستيقظ لتوّه .
والمستزيد من الطاعة ، المتقلل من الدنيا يصفو قلبه وروحه ويستشعر عالم الملكوت ويحس أكثر من غيره عظمة الله تعالى .
وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه : رأى قلبي ربي195 ، يقول الإمام الغزإلى : رُفع عنه الحجاب بالتقوى .

حادي الإبل
مضى أبو بكر الدينوري يجوب الصحراء القاحلة ذات الشمس اللاذعة والحرارة المتوجهة حتى أبصر مضارب قبيلة ٍ عربية ٍ ، فقال أستريح هنا ثم أمضي لغايتي ، وحينما تخلل مضارب القبيلة وبيوتها رأى عبداً أسود اللون مقيداً بحبالٍ منيعة مطرق الرأس ذليل الحال .
فاهتم لشأنه ورقّ لحاله وعلم أنه عبدٌ لصاحب البيت المقّيد عنده ، فاستضافه وسأله عن العبد المسكين .
فقال صاحبه : هذا العبد راعي إبلي وله صوتٌ رخيم لا يسمعه أحدٌ إلا طرب له وتمنى ألا يتوقف عن الحداء .
وقد أمرته منذ أيام أن يقطع بإبلي مسيرة ثلاثة أيام إلى البادية ، فساقها وجعل يحدو لها فطربت الإبل وقطعت مسيرة الثلاثة أيام في يوم واحد فأضناها التعب حتى هلكت عن آخرها ، فأفقرني وذهب بمالي ولم يبق سوى هذا الجمل وأشار إلى جملٍ أمام البيت .
فما زال أبو بكر الدينوري يتشفع بالعبد حتى شُفّع فيه ، فحلوا وثاقه وحرروه ، ثم طلب إلى صاحبه أن يأمره بالحداء ، فامتنع وخشي على جمله الباقي ، فما زال به حتى حدا العبد ، فأطرب السامعين وتعجب أبو بكر من حسن صوته ورقّته .
فما شعروا إلا بالجمل الواقف هائجاً وصار يعدو مسرعاً نحو البيت وهربوا ودخل الجمل البيت وكفأ القدور وخرج من الرواق فكاد يُهلك الصغار وقامت الجلبة في الحي ، ومضى الجمل شارداً .
قال أبو بكر فما سمعت أحداً أجمل غناءً ولا أرقّ حداءً منه .

لا تستطيع حبس ألسنة الناس
من منا يستطيع الحفاظ على نفسه من ألسنة الناس . لا أحد لم يسلم نبيٌ ولا وليٌ ولا صالحٌ من هذا ، فالله تعالى لم يقدّر ذلك لنفسه ولكنه يُمهل ولا يهمل ، ويرحم ويعفو ويتجاوز أو يؤجله ليوم الحساب.
سأل موسى  ربه أن يحبس عنه ألسنه الناس ، فأوحى إليه : يا موسى هذا شيءٌ لم أصطنعه لنفسي فكيف أفعله بك196 .

صدقة اللسان
يظن الكثير أن الأعمال التي يؤجر عليه الإنسان محصورةٌ في الصلاة والزكاة وبقية الشعائر المعروفة ، ولا يدري أن كل ما ينفع الناس عبادةٌ وطاعةٌ لله .
روى الخرائطي في باب مكارم الأخلاق عن النبي  أنه قال: “ما من صدقةٍ أفضل من صدقة اللسان ، قيل وكيف ذلك، قال الشفاعة يحقن بها الدم وتُجرّ بها المنفعة ويدفع بها المكروه عن آخر”197 .
والصدقة في مفهومنا المال الذي تعطيه للمحتاج فتسد به رمق الجوع الذي يقاسيه ، أو العري الذي يلاقيه ، والإسلام أنما يستحب الصدقة لأنها قضت حاجة محتاج ، فلربما كان الغني أحوج إلى صدقةٍ من نوعٍ آخر أكثر من جاجة الفقير إلى المال ، وهكذا تفضل صدقة اللسان التي تحقن دماء الأفراد على صدقة المال التي تُطعم جائعاً لبعض الوقت .

هذا صوت رحمته
ركب الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك جواده الفاره وخرج برفقة ابن عمه عمر بن عبدالعزيز في رحلة نزهةٍ قصيرةٍ وبينما كانا يتحدثان إذ أفزعهم صوت الرعد الذي هزّ الأرض وانطلق مدوّياً في الآفاق فخاف سليمان ووضع صدره على مقدمة الرحل ، فقال عمر الأمير العادل التقي : يا أمير المؤمنين هذا صوت رحمته ، فكيف لو سمعت صوت عقابه.

هكذا كانت صلاتهم
لم يكن الصحابة الكرام والتابعون الأجلاء يكثرون الإلتفات والحركة في الصلاة بل كانوا يسكنون سكون الجماد لشدة خشيتهم وانشغالهم بمناجاة مولاهم .
أبو بكر الصديق إذا صلّى كأنه وتدٌ مغروسٌ في الأرض، وهيهات يتحرك الوتد .
عبدالله بن الزبير إدا دخل في صلاته أطالها وسكن فتقع العصافير على كاهله تحسبه جماداً .
لما حاصر الحجاج مكة وضربها بالمنجنيق انطلقت قذيفة نار فمرت أمامه وكادت تشطره وتهلكه لكنه أتمَّ صلاته وكأن شيئا لم يحدث .
إنهم يتخذون نبيهم  قدوة رائدة , فعائشة تروي فتقول : كان رسول الله  يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه198 .

هذا والله هو الخوف
هل سمعت بواحد من التابعين اسمه الربيع بن خيثم , إنه مثال للخائفين الوجلين من الله تعالى.
كان رحمه الله حينما يسير في طرقات الكوفة يحسبه الناس أعمى من شدة غضه لبصرة وكفه عن النظر الحرام كان كثيراً ما يزور الصحابي عبدالله بن مسعود في الكوفة يتعلم منه ويأخذ عنه اخلاق الصالحين , إذا رآه صاحبه اين مسعود يقول: وبشر المخبتين , أما والله لو رآك محمد  لأحبك .
روي عنه ذات مرة انه دخل مع ابن مسعود سوق الحدادين في الكوفة فلما رأى طَرق الحديد والنار المشتعلة به صُعق وغشي عليه إذ تذكره نار الآخرة وعذاب الله تعالى , فقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة , ثم حمله على ظهره , لكنه بقي مغمى عليه يوما كاملا حتى فاتته خمس صلوات فلما صحا من غيبوبته التفت إليه ابن مسعود وقال : هذا والله هو الخوف199 .

ابتعد عنها في صلاتك
هذه عشرة أمور لا يعرفها كثيرمن المسلمين ينبغي عليك ان تبتعد عنها في صلاتك وان تدعو الناس حولك للابتعاد عنها اذ ان النبي  والصحابة الأجلاء كانوا يكرهونها .
1:الصَّفَد : أن تجعل قدميك حال القيام مضمومتين لبعضما البعض, فالسنة أن يباعد بينهما المصلي.
2: الصَّفن : نقول فرسٌ صافنٌ إذا ارتكز على قوائمه الثلاث وارخى الرابعة, ويكون الصَّفن في القيام حيث يرتكز المصلي على احدى قدميه ويرخي الأخرى متكاسلا او ان يسند جسمه الى جدار المسجد, وهو مكروهٌ في الصلاة بلا ضرورة وقد ورد نهي النبي  عن الصفد والصفن .
ورأى عبدالله بن مسعود وجلا صافنا قدميه فقال : لقد اخطأ هذا السنة .
3: الاختصار : بأن يضع يده على خاصرته حال القيام .
4: الصَّلب : وهو مثل الاختصار ويباعد بين عضديه .
5: المواصلة : وهي ان يواصل شيئا بآخر ولها عدة صور..
ان يصل تكبيرة الاحرام بقراءة الفاتحة وهذا مخالف لما نقل عن النبي  إذ كان يكبر ثم يسكت هنيهة ثم يقرأ الفاتحة, أما ماذا يقول حال اسراره فالسنة قراءة دعاء الاستفتاح ثم الاستعاذة والبسملة ثم الفاتحة .
ان يصل القراءة بالركوع, والسنة أن يتريث قليلا ليفصل ركن القيام عن ركن الركوع .
يصل تكبيرة احرام بتكبيرة الامام: فالمأموم تابع للإمام يأتي بالفعل والقول بعده دون أن يطيل, لا معه ولا أن يسبقه, فالإمام تحرم مسابقته وتكره مقارنته وتندب متابعته.
يصل سلامه بسلام الامام: والصحيح أن يأتي به بعده فبعد أن يسلم الإمام على الجهة اليسرى يسلم هو عن اليمين.
يصل التسليمة الاولى بالثانية : بل يفصل بينهما بفاصل قصير .
6:ان يصلي وهو حاقنٌ : أي متأزما بالبول.
7: ان يصلي وهو حاقبٌ : متأزما بالغائط .
8: ان يصلي حازقاً : أي متنعلا بنعلٍ ضيقٍ فلا يأتي بأفعال الصلاة وأقوالها بخشوع تام .
9:السَّدل : وهو المتلحف بثوبه او عبائته وهذا فعل إليهود في صلاتهم .
10:الكفت: أن يرفع ثوبه عند السجود وغيره , فالصلاة خضوع وذلة لله تعالى لا يستقيم معها فعل هذه الامور .
وانت تلاحظ ان هذه الافعال العشرة تثني المصلى عن انكساره لخالقة وتشغله عن مناجاته ولذا تكره للمصلي.

هذه فضيلة السجود لله
السجود لله تعالى منتهى الخضوع له والانكسار إليه فالمسلم حينما يسجد لربه يجعل رأسه في التراب وعلى الارض مقرا لبارئه بالخضوع والذلة التامة فينفض عن جسده لوثة الكِبْر والأنفة أمام الله تعالى, والسجود يعلمه اللين لإخوانه والتواضع لهم .
بل ان السجود من افضل العبادات لله تعالى , فقد اخرج ابن المبارك بسند مرسل عن النبي : ” ما تقرب العبد الى الله بشئ افضل من السجود “200 .
وكان شاب يخدم النبي  ويخفُّ في حوائجه فقال سلني حاجة فقال أدع لي بالجنة, قال فرفع رأسه فتنفس وقال نعم ولكن أعني بكثرة السجود201.
والسجود لم يعرف فضيلته احد مثل السلف عليهم رحمة الله, فسعيد بن جبير سيد التابعين يقول : ما آسى على شئ من الدنيا إلا على السجود .
وهذا علي بن عبدالله بن عباس ابن حبر الأمة وترجمان القرءان كان يسمى بالسَجّاد لا يفتر يسجد في اليوم ألف سجدةٍ202 .
والمسلم في الصلاة أكثر ما يكون ذلاً وانكساراً وخضوعاً في سجوده ، وهو غاية التقرب إلى الله تعالى، ويستحسن أن يجعل دعائه في السجود لكونه أقرب إلى الاستجابة .
والذي يفعله كثيرٌ من المسلمين اليوم في صلاتهم أنهم لا يعطون السجود حقه فتراهم يسترقونه استراقاً رغم أن النبي  كان يُطيله .

فاتته صلاة الجماعة
قال حاتم الأصم وهو من شيوخ الفقه: فاتتني صلاة الجماعة فعزَّاني أبو إسحاق وحده (صديقه) ، ولو مات لي ولدٌ لعزّاني أكثر من عشرة آلاف لأن مصيبة الدين أهون عند
الناس من مصيبة الدنيا203.
وكان من حرص السلف الصالح رحمهم الله على صلاة الجماعة التي نتهاون فيها أن يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام وسبعةً إذا فاتتهم الجماعة .

الصامت حكيم
الصمت كما أخبر الحكماء حكمةٌ وحده ، والمتحدث لا بد له من الوقوع في الزلل، ولذا فضلّ بعضهم الصمت على الكلام رغم أن قولهم هذا فيه نظر .
ولعلك لم تقف من قبل على حديث النبي  ” إذا رأيتم الرجل قد أوتي صمتا وزهداً فاقتربوا منه فإنه يُلقّن الحكمة “204, وبغض النظر عن ضعف الحديث إلا أن معناه صحيح ، فالذي يُرزق زهداً في الدنيا وصمتاً فلا يكثر من الكلام يُعدّ حكيماً حتى وإن لم يكن عالماً .
إذ لا يشترط في الحكيم تمام العلم ، بل الحكمة طريق التوسط والاعتدال في الحياة والقدرة الفائقة على الخروج من المشاكل اليومية الصغيرة والكبيرة، وحسن معالجة الأمور، وحدّة النظر في العواقب، والتدبر في سنن الجري في الحضارات، وتمعن سنن الكون التي يسير عليها، وهذه بحد ذاتها خلاصة علم الأولين والأخرين فيكفي الحكيم علماً هذه الخلاصات.

بماذا كان الصحابة يشتغلون ؟
كان شغل الصحابة رضي الله عنهم في خسمة أمور ……
1: قراءة القرءان : في المسجد والبيوت والطرقات والسفر والحضر ، وكان لكلٍ منهم حزباً في اليوم الواحد يقدّمه على باقي الأمور، وكانوا يقومون به في الصلاة الليل ويجهرون بقراءته ويسرّون، ويقرأونه في جميع الأحوال ، ويراجعون حفظه .
وهذا عمر رضي الله عنه حين قدم القدس سنة 15 هجري ليتسلم مفاتحها يسافر برفقة خادمه على دابةٍ واحدة ، يركب عمر فيقرأ سورة يس فإذا ختمها جاء دور الخادم فيفعل عمر ، ثم يقرأونها راجلين ليريحوا الدابة وهكذا .
2: عمارة المساجد: وعمارتها نوعان .مادية ، ببنائها وصيانتها والقيام على خدمتها وتنظيفها وإضاءتها بالأسرجة كما فعل عمر .
وعمارة معنوية وهي الأهم, بالصلاة فيها وحلقات الذكر بفنائها فكان أحدهم يمكث في المسجد أكثر من مكوثه في بيته ، في الوقت الذي نجد فيه بعضنا لا يستطيع وصف ما بداخل المسجد لأنه لم يدخلها يوماً, وهي رياض الجنة كما أخبر النبي .
3: ذكر الله تعالى : كانوا يدأبون على حلقات الذكر ولا يرون مكاناً لانعقادها مثل المسجد فهو بيت الله ، وفيه تتضاعف الأجور وتتعاظم البركة ، فضلاً عن شعور المسلم بالطمأنينة وهدوء النفس .
4: الأمر بالمعروف : فيذكرون أنفسهم بما يستحسنه الدين، ويعينون بعضهم على فعله.
5: النهي عن المنكر: فإذا رأى أحدهم منكراً في طرقات المدينة حثَّ إخوته على تركه مذكراً إياهم حينما يلتقون في المسجد.
فقارن أيها المسلم المعاصر بين شغلهم وشغلنا، وبين أولوياتهم وضروراتنا في هذه الأوقات ، نسأل الله أن نسلك مسلكهم ونتبع أثرهم إنه وحده المعين .

عزيرٌ وتبّعٌ وذو القرنين
هل عزيرٌ الذي ورد ذكره في آية سورة البقرة { أو كالذي مرّ على قريةٍ خاويةٍ فقال أنّى يحيى هذه الله بعد موتها }205 وصاحب القصة المشهورة حينما أماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه ، وأخرج لقومه بني إسرائيل التوراة الحقة بعد أن زُيّفت وحُرّفت ، هل هو نبيٌ أم لا ؟.
وهل ذو القرنين الملك الصالح الواردة قصته في سورة الكهف نبيٌ أم لا ؟
وهل تبعٌ الملك اليمني القديم الذي نجد ذكره عابراً في الآيات الكريمة ملعون أم لا .
….. هذه أمورٌ لا نستطيع الخوض فيها بلا علم ، والله تعالى ونبيه الكريم  يحذّراننا من القول بلا علم .
وقد ورد في حديثٍ أخرجه أبو داود وصحّحه الحاكم عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال “ما أدري أعزير نبيٌ أم لا ، وما أدري أتبّعٌ ملعونٌ أم لا ، وما أدري ذو القرنين نبيٌ أم
لا “206.
فإذا كان النبي  لا يعلم ذلك لا يصح لنا أن نجتهد فيه, ونزعم أن عزير أو ذا القرنين نبيين بدعوى صلاحهما, وذكرهما الحسن في القرآن تأييدٌ من الله تعالى لهما، فالله سبحانه يؤيد الصالحين بقوته وحوله .
ولا يصح لنا لعن تبع فالنبي أحجم عن ذلك.
ونحن لا نريد هؤلاء الثلاثة بأعيانهم, بل نريد القاعدة التي علمها النبي  أصحابه، وهي عدم الخوض والتحدث بالأمور بلا علم… ولا تقف ما ليس لك به علم…. ولولا أن الإسلام حرص على هذه القاعدة فبثَّها في نفوس أتباعه وقذفها في عقولهم, لبقيت الجهالات والخرافات والأساطير مطبقة على البشر.
وأنت تلحظ إسهامه من خلال هذه القاعدة فحسب مبلغ ما رصده ديننا على طريق العلم الذي أمد به البشرية.

حكمة من حجر
المسلم يبحث عن الحكمة أينما كانت، وحيثما حلَّت، حتى لو كانت مكتوبةً على حجرٍ لا يُعرف صاحبها.
قال إبراهيم بن أدهم: مررت بحجرٍ بمكة مكتوبٌ عليه اقلبني تعتبر، فقلبته فإذا عليه مكتوب: أنت بما تعلم لا تعمل فلا تطلب علم ما لم تعلم207.
ومعنى العبارة: انك أيها الإنسان لا تطبق ما تعلمه من أمور الخير والشريعة, فلم تطلب علما زائدا ؟ فغاية العلم العمل.
ولنا في الصحابة رضوان الله عنهم أسوة حسنة إذ كانوا يكتفون بالعشر آيات يسمعونها من النبي  فيأخذونها ويحفظونها ويطبقونها ثم يطلبون غيرها، هكذا يقول على بن أبي طالب.

ما الصدق القبيح ؟
هل هناك صدق قبيح ؟ الذي نعرفه أن الصدق محمود كله. بل هو من أخص صفات المؤمن, فحينما سئل النبي : المؤمن يزني ؟ قال نعم ، ولكنه يرفع عنه الإيمان لحظة الفاحشة، وسئل كذلك: المؤمن يسرق فقال نعم ، غير أنه لا يفعل ذلك وهو مؤمن، فالإيمان يزيد وينقص، ويُرفع ويعود .
ولكنه حينما سئل: المؤمن يكذب قال: لا
الصدق القبيح كما قال أحد الحكماء: ثناء المرء على نفسه.
فإياك إن عملت شيئا حسنا أن تبطله بالحديث عنه والجهر به بالثناء على نفسك فأنت حينئذ تصير الحسن قبيحا رغم أنه حسن في ذاته ، أما إن أثني عليك أحد فلا يضيرك ثناؤه ، فهذا عاجل بشرى المؤمن كما أخبر .

أدنى أهل الجنة وأعلاهم منزلة
من أدني أهل الجنة منزلة ؟…
ومن أعلاهم ؟…
ورد في المرويات أن موسى  سأل ربه : من أدنى أهل الجنة منزلة ؟
فأوحى الله تعالى إليه أنه آخر من يخرج من النار فإذا خرج نظر إلى النار وقال : الحمد لله فيسرع يريد دخول الجنة فيخيل إليه أنها ملأى.
فيقول له رب العزة أما ترضى أن يكون لك مثل أعظم أهل الدنيا وملكه وعشرة أمثاله ولك فيها ما اشتهت نفسك وتمنت عينك وأنت فيها خالد.
وقبل أن نكمل ما سأل موسى  ربه ثانيا، تخيل أن هذا أدنى وأقل أهل الجنة منزلة، ماذا اعد الله تعالى له.
يكون له مثل أعظم أهل الدنيا ملكا، بل وعشرة أضعاف، من أعظم أهل الدنيا ملكا ؟ سليمان  الذي سخر الله تعالى له الريح والإنس والجان والشياطين وطوع له الأشياء ، وأسلس له قيادها وأعطاه منطق الطير والحيوان الأعجم فكان  يأمر وينهي في ملكه ، تصور لو أنك كنت ذلك الرجل لك عشرة أضعاف ملكه ، بل هناك زيادة عن هذا ، وما هو ؟ .
له ما تشتهي نفسه وتتمنى عينه : أي يحوز كل ما يتمناه ويشتهيه ، فكل ما عن ّ له شيء في خاطره أعطاه الله إياه .
وهو خالد لا يموت : وهذه أعظم الأمنيات ومطلب البشر الذي لا ينقطع ، لكن الله تعالى لم يكتب لإحد من خلقه الخلد في الدنيا، ولو كتبه لجعله للأنبياء، لأعظم الخلق محمد ، أدنى أهل الجنة منزلة يتنعم بالأشياء السالفة ثم هو لا يموت بعد ذلك .
دعنا نكمل الشق الآخر للسؤال.
فقال موسى : فمن أعلى أهل الجنة منزلة ؟
فأوحى الله تعالى له… أن يا موسى أولئك الذين أردت زرعت كرامتهم بيدي208.
إنهم أصفياء الله تعالى، وأحباؤه، وأهل الكرامة من خلقه …. أنهم الأنبياء والرسل والصديقون والصالحون …. إنهم الدعاة إلى الله، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أعلى أهل الجنة منزلة يلزمهم شغل كثير وعمل عظيم, فهل تريد أن تكون منهم ؟

كيف تتخيل جبريل كما خلقه الله تعالى
جبريل  ملك الوحي والمقرب من ملائكة الصفوة عند ربه، كيف تتصور خلقته التي خلقه الله عليها ؟ إن هذا يشعرك بعظمة الله سبحانه وتعالى، فإذا كان جبريل بهذه الصور العظيمة والخلقة الجسيمة، وليس سوى خلقا من خلق الله تعالى، فكيف بذي الشأن الأعظم، رب العزة وخالق الموجودات ومقدر المقادير.
ورد في التفاسير المشهورة عند قوله تعالى من سورة التكوير { ولقد رآه بالأفق المبين }209, حديث النبي …. أنه قال لجبريل وقد جاءه على صورة دحية الكلبي الذي كان من أجمل الصحابة الكرام ، ليكون اتصال بشر ببشر فيسهل أخذ النبي  كلام الله تعالى وتبليغه للناس، إنه قال لجبريل أني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء
قال : لن تقوى على ذلك ( فالملائكة خلق عظيم لا تستطيع قوى الإبصار لدينا رؤيتهم ) فقال النبي : بلى ، قال : فأين تشاء أن أتخيل لك، قال: بالأبطح ( والأبطح هو آثار مسيل الماء في ظاهر الحرم الشريف بمكة، وهو بقابا حصى ) قال: لا يسعني ( تخيل أن مكانا كهذا لا يسع جبريل  وهو يسع الحجيج ) فقال النبي : فبعرفات ( وعرفات تبعد شرق مكة أكثر من 20 كم, أي يريد أن يراه في الأفق الشرقي, وهو مكان واسع فالشمس برمتها تطلع من هذا الأفق.
فقال جبريل : ذلك بالحريِّ أن يسعني ( أي لا يكاد أن يسعني ) فواعده.
فخرج النبي  في وقت المواعدة, فإذا بجبريل  قد أقبل من جبال عرفات بخشخشةٍ وكلكلةٍ ( أي بصوت عظيم ) قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض ( تخيل صورة هذا المخلوق ) فلما رآه النبي  كبَّر وخرَّ مغشياً عليه، فتحول جبريل في صورته فضمَّه إلى صدره وقال يا محمد لا تخف .
ثم قال : فكيف لو رأيت إسرافيل ( ملك الصور والنفخ ) ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل العصفور210، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته, سبحانك أيها الخالق العظيم، كيف خلقت هذين الملكين, حقا إن الإنسان ذرةٌ تائهةٌ في هذا الكون الفسيح .
وتأمل بعد أن عرفت عِظم خلق الملكين عليهما السلام كيف أن اسرافيل الذي رأسه تحت العرش ورجليه في الأرض السابعة, ونحن لا نعرف أين هي الأرض السابعة رغم وجودها بالتأكيد، تأمل كيف يتضاءل أي يصغر من الخوف والخشية من الخالق العظيم حتى أنه يصير كأضعف مخلوق… مثل العصفور, ولولا عظمة الله تعالى لما حُمل عرشه, لعلك أدركت ألآن مقدار تقصيرك أيها القارئ مع إلهك جل وعلا سبحانك …. ثم سبحانك ما أعظمك .
وقد ورد في حديث آخر أن جبريل  له ستمائة جناح إذا حركها تناثر منها الدر والياقوت211 ، فالله سبحانه حبا للملائكة الكرام الذين لا يعصونه طرفه عين.
خلقة عظيمة وصورة بهية فقد خلقهم من نور وجعل لهم القدرة على الاختراق والتشكل.
هذا جبريل  كما عرفت صورته يجلس مع النبي  يبكيان من خشية الله تعالى ورجاء أن يعصمهما من المخالفة.
فتأمل في نفسك … هل دعوت الله تعالى يوما أن يحسن خاتمتك ويعصمك من الزلل
فلا أحد يملك أمر القلوب فهي بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء خاصة في هذا الزمان الذي يصبح الرجل فيه مؤمنا ويمسي كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا عصمنا الله وإياك .

فأرسل الله السماء
أقحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل ثلاث سنين حتى خافوا الهلاك, فجفَّت ضروع مواشيهم وجاع صغارهم وعطشت دوابهم، وكان هذا الملك فاجراً لا يتورع عن شيء, حتى أنه كان يعذب الصلحاء فيهم ولا يحب أن يسمع أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر.
فلما رأى الحال والجدب خشي على مملكته, فجمع الملأ والحاشية للتشاور في الأمر, فلم يكن من سبيل لتفادي المجاعة، فخرج إلى باب قصره وحوله العامة والخاصة والتفت إلى السماء وقال: ليرسلن السماء أو لأوذينَّه ( يقصد إيذاء رب العالمين والعياذ بالله، فانظر إلى شدة فجوره وطغيانه ), فقال بعضهم: وكيف تقدر أن تؤذيه أو تغيظه وهو في السماء، فقال: أقتل أولياءه في الأرض، فيكون ذلك أذى له، قال سعيد بن جبير وهو يحدث الناس بالقصة في مسجد الكوفة … فأرسل الله السماء212.
فانظر أيدك الله إلى غيرته تعالى على عباده الصالحين، وإلى حلمه على هذا الملك الفاجر.

الرؤيا ثلاثة أنواع
ورد عن النبي  “الرؤيا ثلاثة منه أهاويل الشيطان ليُحزن ابن آدم، ومنها يا يهمُّ به في يقظته فيراه في منامه, ومنها جزءٌ من ستةٍ واربعين جزءاً من النبوة “213.
أهاويل : أي أمور يعظمها الشيطان في قلب الإنسان
يقرر لنا الحديث السالف أنواع الرؤيا الثلاثة لتكون على بينة منها.
أولا : تهاويل الشيطان : وهي مسلكه لقلوب البشر وطريقه للعباد ، فيقذف في قلوبهم حال النوم أمورا ومشاهد تخيفهم كأن يرى الإنسان أن مصيبة ستقع له عما قريب فيفزع ويخاف ، أو يرى انه سيموت وينسى أن الآجال بيد من خلق الشيطان أو يرى أنه مريض بمرض لا شفاء منه ، بل وقد يتكرر ما يراه الإنسان عن لم يعبه به أول مرة ، وهذا من أسلحة الشيطان التي قد تفتك بالإنسان والواجب عليه أن يعتصم بالله تعالى ويغلق منفذ إبليس عليه لعنه الله .
ثانيا : ما يهتم به في يقظته : يقرر علم الأحلام الحديث أن أكثر ما يراه الإنسان أمورا لم يحققها في واقعه فيلجا إلى تحقيقها في علم الأحلام ، وهذا من قبيل الأماني ، فقد يرى الفقير أنه غني لأن التفكير في الغنى استغرقه طوال ساعات يومه والمسلم الفطن لا يعبه بهذه الأوهام بل يوكل أموره كلها لله تعالى فبيده كل شيء .
وربما كان الفقر للإنسان خير له من الغني بل هو كذلك . فقلما تجد من الأغنياء من يؤدي حق الله في المال
ثالثا : الرؤيا الصالحة : وهي التي يتمناها الصالحون لتكون معينا لهم على الإيمان والأعمال الصالحة وهذا النوع من الأحلام طرف من عالم الغيب يمنحه الله تعالى لمن يريد ، ويخطئ من يظن أنها للمؤمنين فقط فعزيز مصر في زمن يوسف  رآها رغم كفره .
وهذه الرؤيا جزء من عالم النبوة أي الوحي, إذ أن كمال الوحي يكون بالنبوة، والرؤيا الصالحة جزء من هذا الوحي، لكن الوحي خالص للأنبياء والرؤيا للأنبياء وغيرهم.
وقد ورد في أحاديث أخر أنها جزء من ثلاث وستين وروايات أخرى تختلف فيها هذه الجزئية ، ولكي نجمع بين هذه الروايات يجب تذكر أن الأشخاص الرائين ليسوا على درجة واحدة من الصلاح, فأكثرهم تُعدُّ في حقه جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً, وأقلهم جزء من ثلاثة وستين جزءا .
والمسلم حينما يرى رؤيا لا تعجبه لا يحدث بها أحدا، وإن رأى شيئا أعجبه فيستحب أن يُسرَّ بها إلى من يحب فهي تعين كل سامع بها على الصالحات.
بقي أن أذكرك حال رؤيتك لما تكره أن تبصق عن يسارك ثلاثا وتتعوذ من الشيطان وتستعين بالله عليه فهو ناصرك.

حديث أبي ذر
روى أبو ذر عن النبي : ” إني أرى ما لا ترون, وأسمع ما لا تسمعون, أطَّت السماء وحق لها أن تئطَّ, ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفُرُشاة, ولخرجتم إلى الصّعَدات تجأرون إلى الله، والله لوددت أني كنت شجرة تُعضد”.
الترمذي ، حديث حسن غريب214 .
معنى أطَّت: أي ثقلت، الصّعدات: الطرقات والساحات، تجأرون: تستغيثون بقوة، تُعضد: أي تقطع .
والحديث يشير إلى ضحالة علم لإنسان في هذا الكون الفسيح, فهو لا يعرف كثيراً عن عالم الملكوت, العالم المحجوب عنا والذي سنراه عند موتنا، حيث يعاين الإنسان أمورا عِظاماً وأحداثاً جساماً, ويرمق ببصره القوي مذهلات خلق الله تعالى, فنحن في الدنيا لا يظهر لنا من عظيم ملكه تعالى وقدرته في الخلق وعجيب جبروته إلا أقل القليل.
كما يخبرنا الحديث خضوع الملائكة الملائكة وخوفهم الشديد من الله تعالى, فهم في حالةٍ دائمةٍ على السجود والعبادة, ويظهر لهم من قدرة الله تعالى ما لا يظهر لنا, وهم متزاحمون في السموات إلى درجة أنها ثقلت بهم وهي البناء العظيم المتين. ولاحظ أن النبي  بعد أن أخبرنا بذلك تمنَّى أنه خُلق شجرة تقطع وتموت, لشدة خوفه من الله تعالى, وهو المغفور ذنبه المكرم عنده سبحانه، فكيف بنا نحن العاصين المحاربين لربنا بإظهار المعاصي ليل نهار, نسأل الله العافية .

لمن الملك اليوم ؟
سينتهي هذا العالم الذي نراه كله ولن يبقى منه شيء
وستموت المخلوقات على ظهر الكوكب بنفخة البوق حين يأمر الله تعالى إسرافيل بذلك ، فتعمُّ الصيّحة المدوّية في أرجاء الكون, ويصعق هذا المخلوق الضعيف ويموت .
وستخلو الأرض من الأحياء .. فماذا عن السماء ؟
لا نعرف على وجه التحديد كم يبقى من سكان السماء أحياء ؟
قال تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون }215.
تأمل قوله تعالى .. إلا من شاء الله …. هناك استثناء …
إنها نهاية الحياة الدنيا، وبداية الحياة الكبرى …. عالم الآخرة.
وفي الملأ الأعلى يأمر الله تعالى ملك الموت بقبض أرواح الصفوة، الملائكة المقربين، جبريل وميكاييل وحملة العرش الكروبيين عليهم السلام .
ولا يبقى سوى رب العزة .. وملك الموت.
ثم يأمر الله تعالى ملك الموت أن يجوس في جنبات الكون الواسع الممتد, ليقبض ما تبقى من الأحياء، إن كان ثمة أحياء، ويعود لربه …. لقد خلا الكون من سكانه.
الكل في سكون، الجميع ميتون.
وعندها يأمر الله تعالى ملك الموت أن يقبض روح نفسه، ويفعل.
ولا يبقى سواه …. رب العزة بكبريائه وجبروته .. إنها لحظات الشبه منذ ملايين الأعوام حين كان رب العزة وحده قبل أن يخلق الخلائق.
وينادي … لمن الملك اليوم … فلا يرد أحد .. ويجيب نفسه .. لله الواحد القهار216 .
تدبر أيها القارئ هذه الصورة الماثلة أمامك وأنت ميت مع الأموات لا تدري ماذا يكون مصيرك بعد أن تصحو.. بعد أن تخلق من جديد .
ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم ( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض )

بوق إسرافيل
أو الصور، لا يشبه الأبواق التي نعرفها سوى أن كليهما ينفخان، وهيهات بين نفخة بوقٍ وبين نفخة اسرافيل التي يموت لشدتها الخلائق كلهم سوى القليل.
ورد عن البوق الأعظم: أنه قرنٌ من نور يتسع لأرواح الخلائق، وفيه من الثقوب على عددهم.
وهذا شئٌ مذهلُ لا يقوى على تصوره إلا مؤمن.
ورد أيضا أن الله تعالى خلق الصور حين فرغ من السموات وعظم دارته كغلظ السماء والأرض .
والبوق وصاحبه قريبان من بعضهما منذ عهد النبي  الذي يقول: ” كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه وأحنى الجبهة وأصغى الأذن ينتظر أمر ربه”217.
تذكر البوق أيها المسلم, ولا يغرنَّك تكذيب الناس بعالم الغيب فهو أمرٌ حاصلٌ لا محالة ولكن …. هنا الإنتفاع وهناك الإنقطاع .

أعظم آية218
إنها آية الكرسي … اقرأها بتمعن .
قال تعالى : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عند ه إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم }219.
نزلت ليلا لتضيء جنبات الكون وخفايا السرمد، ولتنير قلوب المؤمنين وتزيد وقود العارفين و ويا لها من آية.
دعا النبي  زيد بن ثابت فكتبها على الرقاع، وقيل أن معاوية كتبها، فلو لم يكن لمعاوية من حسنات لكفته ,
سأل النبي  أبا المنذر أبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم.
قال أبي: الله لا إله إلا هو، فضرب النبي  في صدره وقال: ليهنئك العلم أبا المنذر .
وفي زيارة الترمذي: فو الذي نفسي بيده إنَّ لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش.
وآيات الله تعالى كلها عظيمةٌ فلا فرق بين آية وأخرى سوى أننا نقصد في الأجر فحين يقرأها المسلم يؤجر أكثر مما لو قرأ آيةً أخرى بذات الكلمات والحروف, ذلك أنها اشتملت على التوحيد الذي هو أصل الدين وأساس الشريعة.
وأول ما صدحت به الآية وقررته نفي الألوهية عن غير الله تعالى, فلا إله سواه ولا معبود غيره ولا رب إلا هو ، فهو الإله العظيم القادر القاهر ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، خلق الخلق بقدرته، وقدَّر مقاديرهم بعظمته فلا يتحرك ساكن إلا بأمره، ولا يسكن متحرك إلا بعلمه، فسبحانه من إله، وتبارك من معبود.
وأول كلمة تبدأ بها الآية الله, فهو الاسم الأول لذاته، وهو من أخص أسمائه، فلا يطلق على سواه بخلاف الكثير من أسمائه التي تطلق على البشر كالكريم والرحيم, والتوحيد يعني أن تُفرد هذا الإله العظيم بالقدرة والعلم والعبادة، فلا تتوجه بعبادتك لغيره، ولا تقصد أحدا سواه .
الحي القيوم :الحي من صفة الحياة ، والقيوم هو الذي قامت المخلوقات لأجله، وهو الباقي الذي لا ينتهي، وهذان الاسمان من أعظم أسماء ربنا تبارك وتعالى, حتى قيل أن عيسى  كان إذا أراد إحياء الموتى دعا بهما ، وأن آصف بن برخيا الذي ذكر في سورة النمل بوصف الذي عنده علم من الكتاب220، الذي أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى سليمان  في بيت المقدس بطرفة عين دعا الله بهذين الاسمين، وبعض العلماء ظن أنهما اسما الله الأعظم.
لا تأخذه سنة ولا نوم: السِّنَة النعاس، وقيل أنها غفلة العين, والنوم غفلة القلب, تنام وتستريح من شدة التعب, أما رب العزة فلا يحتاج إلى هذه الصفة فهو جل وعلا لا يتعب ليستريح.
وهو تبارك وتنزه لا يغفل عن مخلوقاته طرفة عينٍ, فيدبرها ويمسك السموات أن تقع على الأرض ، وتصور معي أن إلها ينام، من يحكم مملكته ؟ إن هذا غريب بالفعل ولا يصلح في حق الله.
له ما في السموات وما في الأرض: كل شيء في الوجود فالله صاحبه خالقه، فلا يملكه أحده غيره، أما ملكيتنا نحن للأشياء فهي ملكية مجازية, والله هو المالك الحقيقي، ونحن إنما نتصرف بملكه بمقتضى إرادته وإن كنا مُخيَّرين في ذلك .
وملكه سبحانه يتعدى السموات والأرض, ولكننا نفهم من هاتين اللفظتين جميع الأشياء والمخلوقات .
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه : وهذا الاستفهام يفيد النفي, والمعنى لا أحدا يشفع لديه إلا من بعد أمره, والشفاعة انجبار حال المذنب، لا يُجبر ذنبُ أحدِ إلا بإرادته وهي متروكةٌ للأنبياء وعلى رأسهم محمد ، والعلماء والصالحين كما كرر الكثيرون بناء على نصوص شرعية .
يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم: أي يعلم أحوال الخلائق كلها ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فلا يحدث شيء في كونه إلا وهو عالم بحاله، يعلم خفيات النفوس، وخواطر الذهن، ويحيط بمستقبل الإنسان ونهايته وحاله في الآخرة.
ويعلم أهل الجنة وأهل النار من قبل الخليقة، وحين يحاسبهم لا يكون ظالما لهم بل عادلا تمام العدل، وإذا غفر للمذنبين فهذا شيء أكبر من العدل، إنه رحمة.
وعلمه سبحانه وتعالى إحاطةٌ وانكشافٌ لا جبر وقهر، مثلما أنك تعلم أن فلان سيقوم بكذا وكذا فهل أثّر علمك على تصرفه وعلى ملء إرادته, ولله المثل الأعلى .
ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء : لكل موجود في الكون علمه الخاص به، فنحن البشر لنا علم، والحيوانات لها علم، غير أن هذا العلم ليس واحداً بل هو بأوصاف متنوعة، والله تعالى صاحب العلم الأزلي الأعظم، وليس يقابل علمنا علمه إلا بمقدار ما تضع الإبرة في ماء المحيط الفسيح ثم ترفعها، تتعلق قطرةٌ صغيرةٌ لا تلبث أن تعود إلى مكانها.
وكلما انتقلنا من عالمٍ إلى آخر ازداد علمنا, فحين كنا في عالمنا الصغير في بطون أمهاتنا لم يكن لنا علم يذكر، وفي عالم الدنيا لدينا علمٌ أكثر، وإذا انتقلنا إلى عالم البرزخ توسع علمنا وازدادت معرفتنا.
ومهما تنقلنا في العوالم، فلن يصبح هذا العلم شيئا أمام علم الله تعالى.
وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما: ولهذا سميت الآية بالكرسي, فالسورة والآية في القرآن تسمى بأغرب الأشياء المذكورة فيها، ألا ترى سورة البقرة والكهف والدخان .
وقد ورد في النصوص الحديثة أن كرسيه أعظم من السموات والأرضين السبع ( وهذا ماتقرره الآية ) إلى درجة أنهما أمامه مثل حلقة في فلاه، تصور أن ترمي بساعتك في صحراء موغلة شاسعة، الساعة : تعني حجم السموات والأرض، والصحراء: حجم الكرسي221.
والكرسي لا نعرف مزيد معلومات عنه، ولا تتصور أنه قريب الشبه بكراسي ملوك الأرض بل هو يختلف تماما.
والكرسي يختلف عن العرش، فالعرش ما يكون عليه الكرسي، نقول عرش الملك وكرسيه ولله المثل الأعلى.
ومعنى يؤوده أي يثقله: أي لا يثقل رب العزة عن حفظ سمواته وأرضه فهو الخالق لهما.
وهو العلي العظيم : العلي في عظمته العظيم في علوه
وآية الكرسي : تحفظ قارئها من الشياطين والجن الكافرين، وقصة أبي هريرة تدل على ذلك مع الشيطان الذي كان يعمد في كل ليلة إلى بيت المال, حيث وكل النبي  أبا هريرة به، يعمد إلى دخوله وسرقة التمر منه ، وفي كل ليلة يعفو أبا هريرة عنه على ألا يعود لكنه يكذب ويعود، فقال له أبو هريرة لآخذتك إلى رسول الله ، وفدى الشيطان نفسه حين أخبر أبا هريرة فضيلة آية الكرسي بأنها تحفظ البشر من الشياطين، وأخبر أبو هريرة النبي  الخبر فقال : صدقك وهو كذوب222 .
ولذا فحين يقرأها المسلم في الصباح تحفظه حتى المساء، وإذا قرأها في المساء تحفظه حتى الصباح، ويسن قراءتها عند النوم.
وهي تحفظ المسلم من المصائب, حتى قيل أنها تحفظ من كل سوء ومصيبة حتى الموت، ولكن الله إذا قدر الموت على إنسان أنساه قراءتها ذاك اليوم
فما أحسن أن يرددها المسلم في كل حالٍ, ويتدبر في معانيها ويعظِّم الله بقراءتها, ويحدِّث الناس بتفسيرها وسبر أغوارها، ما أجمل أن نعلمها أبنائنا وصغارنا فيتربون عليها ويشبُّون على مقتضياتها.
وما أفضل أن يتخذها العبد حصناً له ولبيته من كل الغوائل والشرور، وأن يستعين بصاحبها حين تتكالبه الهموم ، ويقطعه الدهر، وتشمِّر عن ساعدها الحوادث .
وما أجملها من آية .

لأحببتم أن تزدادوا فاقة
حين كان النبي  يصلي بفقراء المهاجرين يتساقط بعضهم في الصفوف مغشياً عليه بسبب الجوع والعوز ، حتى أن بعض الأعراب يظنونهم مجانين, لكن النبي  وهو الأعرف بحالهم لطالما توجه إليهم بالعزاء فإذا انقضت الصلاة قال لهم: لو تعلمون مالكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة223.
وبهذه الكلمات وما يعتقدونه أنه مدَّخر لهم عند الله في الآخرة يعزُّون أنفسهم, ويصبِّرون بعضهم بعضاً، بل ويحملون أنفسهم على الجوع والفقر، ولا يدِّخر أحدهم بقيةً من طعام، لشدة توكلهم على الله تعالى ويقينهم بموعوده من الرزق .
هكذا كان يعلمهم سيد الخلق أن ينفضوا عنهم أوهام الدنيا وهم يقتربون من الآخرة, ويزيلوا غواشي الشيطان عن أعينهم فلا ينفكون مؤمنين بربهم صابرين لأجله .

قطب الدين الأعظم
هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من أجله ابتعث الله الرسل، وأنزل الشرائع وبثَّ عبادة الصالحين في أرجاء الأرض.
ولولاه لحكم الفساد واستشرى الظلم, ورضي الشيطان كما نرى في عصورنا، ولكن لدولة الحق مضي حتى قيام الساعة .
أمرنا الله تعالى به إذ قال { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}224.
وبسببه كنا خير أمة وأفضل جنس, قال تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر }225, وقد قرن الله تعإلى بين سعادة الأمة وصلاح أمرها في الدنيا والآخرة وبين هذا الأصل العظيم الذي هو من أخص أسس الديانة.
ولولاه لما انتشر الإسلام في الآفاق ولبقي حبيس الجزيرة العربية، فالنبي  لم يتعد حدودها بعد بعثته ، وإنما تحمل الصحابة الكرام وألقوا على عاتقهم مسؤولية الدين فلم يزالوا يجاهدوا ويدعوا لذات الله حتى قضوا شهداء سعداء.
والأمة حين تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستأهل لعنة الله وسخطه, كما فعل إليهود الذين لعنهم الله في كتابه { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أبدا لبئس ما كانوا يفعلون }226.
وقد يسأل شخص ماحدود المعروف وما حدود المنكر ؟
المعروف: كل ما استحسنه الشرع ودعا إليه، فالصلاة معروف، والصدقة معروف، ونصيحة المسلمين وحب المساكين وحفظ حقوق الجيران كلها معروف.
أما المنكر: فعلى النقيض، كل ما أنكره الشرع ودعا لاجتنابه، كالكذب والنميمة والأنانية والكبر وغيرها كثير.
والأشياء في منظور الشرع إما معروف أو منكر.
واللسان الذي هو أكثر الأعضاء عرضةً وحساباً حين ينطق, إما أن ينطق بمعروف أو منكر قال  ” كلام ابن آدم كله عليه إلا أمرا بمعروف أو ذكرا لله تعالى”227.
وهذا الأصل – وأظنك لا تعلم – من أكثر الأعمال أجراً وثواباً، ولكي تصدق ما أخبرك به فاسمع هذا الحديث ، ورد عنه  أنه قال:”ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة ( أي كنفخة يسيرة ) في بحر لجي ، وما أعمال الجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثةٍ في بحرٍ لجيٍ”228.
وقد يكون السبب في هذا أن بقية الأعمال والطاعات لا يستفيد منها سوى أصحابها في الغالب، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيتعدى صاحبه إلى الناس، إذ به تترك المنكرات، ولأجله ينشط الناس على الطاعات.
وهو الفصل بين عذاب الله أجارنا الله ورضاه عن الأمة, قال : “إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرون”229.
فبادر أيها المسلم إلى إنكار المنكر ولو بلسانك.
أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة اقلب مدينة كذا على أهلها، فقال: يا رب، إن فيهم عبدك فلان لم يعصك طرفة عين، فقال الله تعالى: اقلبها عليه وعليهم، فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط230 .
وقد يكون هذا الأصل شديداً على النفوس, إذ يتعرض صاحبه إلى السخرية والنكران, والنفوس مفطورةٌ على البعد عن كل ما يعبث بكرامتها، مع أن كرامة الشخص في امتثال أوامر الله تعالى والسير على طريق طاعته ، وعلى رأس الطاعات الأمر بالمعروف .
والناس بطبيعتهم خاصة في مثل هذه الأوقات يكرهون من يأمر وينهى, ويريدون أن يغرقوا في الملذات ويتساقطون في الشهوات دون أن ينكر عليهم أحدٌ .
ولا عجب في ذلك، أخبر به حذيفة ابن إلىمان وقد يكون سمعه من النبي  إذ يقول : يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم231.
وقد تسأل هنا، وما الطريق للأمر والنهي، وأنت لا تستطيع في هذا الزمان أن تتحدث لأحدهم إلا بما يرغب ، وقد يسوؤه ما تأمره به وتنهاه فيفضى ذلك إلى شجارٍ ونزاعٍ, وهما أمران حاربهما الشرع ونهت عنهما الديانة.
وليس هذا المراد، بل تدعو إلى الله باللين والعقل، استخدم ذكاءك في مخاطبة الناس وتحبب إليهم يسمعوا منك ، فلو أنك أدَّيت لأحدهم خدمةً ثم أمرته ونهيته لقبل منك وانتهى .
الأمر متروك إليك، افعل كما تريد، ولكن بالموعظة الحسنة وبحسن التدبير.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له خطواتٌ وشروطٌ يجب معرفتها.
فالعالِم:يأمر وينهى باللسان, ويرشد الناس إلى الطاعة، وينبههم على ترك المعصية.
والعوام : يأمرون وينهون بقلوبهم ، أي يكرهون المنكر ويمجُّونه بقلوبهم إذا أفضى اللسان مُحدثاً للنزاع.
والسلطان وصاحب الحكم : يغيرون المنكر بالقوة واليد، ويرغمون العصاة على الترك.
والرجل في بيته: يأمر أولاده وينهاهم, وله أن يستخدم القوة في ذلك.
والمعلم : باللسان والتوجيه وحسن الخطاب، يعزز الخير، ويرشد لترك المعصية .
ودعني أضرب لك مثالاً وجيزاً : لو رأيت أحدهم مفطراً في رمضان، فتحدث إليه مستخدماً اللين والمودة في دعوته لعدم الإفطار، فإن كره دعوتك أو سبَّك وشتمك، فاتركه وتحمَّل ذلك في مرضاة الله، ثم عليك أن تكره فعله .

لك أجر خمسين صحابيا إن
إن قبضت على دينك في هذا الزمن الآسن ، ودأبت على الطاعات وتركت المنكرات، ودعوت إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة .
إن نفضت من قلبك تعلقه بالدنيا وارتضيت دين الله لك دينا وسيراً في الحياة.
إن تمسكت بالواجبات وأقلعت عن المعاصي ودعوت الناس من حولك لهذا الفعل .
إن نصحت للمسلمين وبكيت على جراحهم، وتمنيت من خالص قلبك أن ينصرهم الله على عدوهم، ويجعل لهم فتحاً عظيماً.
اسمع حديث أبي ثعلبة الخشني, إنّ رسول الله  يخاطبك ويقصدك في كلامه.
سأل أبو ثعلبة النبي  عن قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم }232 .
فقال : يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وانه عن المنكر, فإذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى مُتَّبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام، إنَّ من ورائكم فتناً كقطع الليل المظلم لَلمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم233.

حتى يدخل السخي
ورد من مشاهد يوم القيامة أنه يجتمع أربعة نفرٍ عند باب الجنة، الأول: عالم عمل بعلمه، والثاني حاج حج بغير فساد، والثالث شهيد قتل في معركة، والرابع رجل سخيٌّ اكتسب مالاً حلالاً وأنفقه بلا رياء.
فيتنازع بعضهم بعضاً كل واحدٍ يريد أن يسبق في دخول الجنة، فيرسل الله تعالى لهم جبريل ليحكم بينهم.
فيسأل الشهيد، ما عملت في الدنيا ؟ فيقول : قتلت في المعركة لرضا الله تعالى، فيقول جبريل : مما سمعت ثواب الشهيد ؟ فيقول: من العلماء
فيقول له: احفظ الأدب لا تتقدم على معلمك .
ثم يسأل الحاج مثل سؤال الأول فيخبره بنفس الجواب، ويقول له: أحفظ الأدب لا تتقدم على معلمك.
ويسأل السخي مثل ذلك ، ويؤذن بدخول العالم قبلهم، ولكنه يقول: إلهي ما حصّلت العلم إلا بسخاوة السخي، فيقول رب العزة: صدق العالم، يا رضوان افتح أبواب الجنة حتى يدخل السخي فيدخل قبل أصحابه .

الزرقاء بنت عدّي
لا يعرفها كثيرٌ من المسلمين، ولكنها صاحبة المقولة التي ذهبت مثلاً للمجاهدين.
وقفت أمام جيش ينطلق لتوِّه للجهاد، فأرادت أن يكون لها نصيبٌ في مواقف الرجال.
ها هي بلباس المجاهدين تخطب في الجنود فتحرك عزائمهم وتستثير هممهم
فتقول :
ألا إن خضاب المرأة الحناء، وخضاب الرجال الدماء .
فتسري في الجيش حمَّى المقاتلة، والرغبة الشديدة في الخروج، ويا له من موقف نسجله لها هنا، ويا لها من امرأة.

أودية جهنم وجبالها
وهل لجهنم والعياذ بالله أودية وجبال ؟ .
أما الأودية فليست مثل أودية الدنيا بل شديدة العمق إلى درجة لا يتصورها أحد.
ومنها .. واد يسمى الغيّ، قال تعالى { فسوف يلقون غيا ّ }234, ذكر المفسرون أنه واد في جهنم235.
وآخر يطلق عليه أثام، قال تعالى : { يلق أثاما }236.
وثالث وهو الويل، لمن أكل حقوق الناس في ميزانه قال تعالى: { ويل للمطففين }237.
وورد عنه  أنه قال: “الويل واد في جهنم يهوي في الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره”238.
ولشدة حرارة هذا الوادي، وما أعدَّ الله فيه من العذاب للكافرين ما لو سُيّرت فيه جبال الدنيا لماعت من حرّه.
وأما الجبال فهي الأخرى ليست جبال الدنيا بل أكثر ارتفاعا واشد انحدارا.
ومنها جبل يسمى الصّعود، قال تعالى: { سأرهقه صعودا }239, قال المفسرون هو جبل في جهنم، جبل من نار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ويهوي فيه كذلك240.

أبواب الجنة
لها ثمانية أبواب، ما بين دفتي الباب الواحد قدر مسير أربعين سنة، يقول : ” إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة ، وليأتينَّ عليها يوم وهي كظيظٌ من الزحام”241.
على الرغم من سعة أبوابها فستزدحم بالداخلين .
وهي مبنيةٌ من الياقوت الأحمر الذي نسمع عنه ولا نراه, ومن الذهب، قال : ” وينتهون إلى باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب”242.
وعند أحد الأبواب شجرة عظيمة وارفة الأغصان ينبع منها عينان، الأولى: لكي يشرب أهلها قبل دخولهم فتجري في وجوههم نضرة النعيم.
والثانية: يغتسلون منها فلا تشعث أشعارهم أبدا.
إن هاتين العينتين بمثابة التهيئة الجديدة لدخول الجنة، فالجنة لا يليق بها خلقٌ كخلق الأرض ، إذ يعيد الله تهيئتهم فيمكثون فيها الخلود وهنيئا لهم .

جنة عدن
أفضل الجنان وأرفعها، خلقها الله تعالى لأصفيائه من أهل الجنة.
خلقها بيده، أما بقية الجنان فبالأمر الكوني إذ يقول سبحانه للشيء كن فيكون، والله تعالى حينما يخلق شيئا بيده فهذا يعني موضع تشريف وكرامة للمخلوق، وقد خلق آدم بيده لكرامة الإنسان عنده.
وعدن مبنيةٌ على نحوٍ بديعٍ، لبنةٌ من درةٍ بيضاء، ولبنةٌ من ياقوتةٍ حمراء, ولبنةٌ من زبرجدةٍ خضراء، ملاطها المسك ( والملاط في الدنيا حشو الإسمنت بين اللبنتين ليتماسكا ) وحشيشها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ وترابها العنبر.
بعد أن خلقها ربها على هذه الحال أمرها أن تنطق بوصفها فقالت: قد أفلح المؤمنون.
أما سقفها وهو أزهى شيء فيها فعرش الرحمن .
وعدن في اللغة تعني الإقامة المديدة، وهكذا هم أصحابها خالدون فيها أبدا لا يموتون ولا يهرمون في نعيم دائم

أعطيناك الكوثر
قال تعالى: { إنا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر }243.
الكوثر نهر خلقه الله تعالى لصفوة خلقه من النبيين والمؤمنين محمد ، ودع صاحبه يصفه لنا، يقول : ” حافتاه من ذهبٍ ومجراه على الدُّر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج”244.
وهو يصب في حوضه  فالنبي له نهر وحوض، وهما اثنان وليسا واحداً،والحوض له آنية وأكواب كعدد نجوم السماء
والكوثر الوارد في الآية السالفة تعني بالإضافة لنهره  شيئاً آخر .
الكثرة من كل الشيء، والنعم التي تمنن الله تعالى بها على محمد ، وتفضل بها عليه في الدنيا والآخرة ، الكثرة في أتباعه يوم القيامة فهو أكثر الأنبياء أتباعا، والكثرة في الأجور والثواب الذي اختصت به أمته عن سائر الأمم ، والكثرة فيما أعده الله تعالى له في الآخرة من النعيم المقيم والثواب الخالد له ولأمته 245.

رؤية الله تعالى
لا يمكن لبشر أن يرى الله تعالى في الدنيا، فأبصارنا وعيوننا اضعف من أن نرى بها واجب الوجوب وخالق الخلائق. بل إنها تعجز عن رؤية ملك من الملائكة فكيف بالخالق جل وعلا.
وقد ادخر الله تعالى رؤيته لعباده وأولياءه في الآخرة فلا يراه إلا مؤمن، أما الكافرون فمحجوبون عنه تعالى ، وهذا يزيدهم حسرة وألما, قال تعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ, إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }246 .
وقال تعالى : في حق أعدائه : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }247.
يقول : “بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور, فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب جل وعلا قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه, حتى يحتجب عنهم وتبقى فيهم بركته ونوره”248 .
ومهما حاولت أن تتخيل وتتصور فلن تصل إلى تصور للخالق, فهو تعالى فوق الخيالات والتصور, وهو أعظم من الظنون، ومهما ابتدعت صورة في مخيلتك فالله تعالى أرفع وأجل .
وقد ورد عن مجاهد: أنَّ أعلى الناس منزلة يوم القيامة من ينظر إلى ربه غدوة وعشية249.
ورؤية الله تعالى من أجلِّ النعيم الذي يتذوقه أهل الجنة حتى أنهم يبقون محدقين فيه تعالى ولا ينشغلون بسواه، يود أحدهم لو يبقى ربه متجلِّيا له لكنه يحتجب بنوره.
اللهم اجعلنا ممن يرونك في الآخرة، ولا تحرمنا من ثوابك.

الزاحفون بلا هوادة
ونقصد بهم يأجوج ومأجوج250, أولئك الساكنون في أنقاب الأرض منذ زمن بعيد, بيد أنهم يخرجون في آخر الزمان ويعيثون في الأرض الفساد …
ماذا تعرف عنهم ؟ … القليل… سأخبرك الكثير…. فتعال نزحف صوبهم.
من علامات الساعة, خِلقتهم غريبة عجيبة، وهم الآن أحياء تحت مكان ما في الأرض لا نعرفه على وجه التحديد، نستمد معارفنا عنهم من القرآن والسنة وأقوال السلف المعتمدة على هذين الأصلين.
وقد ذكروا مرتين في القرآن.
الأولى في سورة الكهف، في قصة ذي القرنين الملك الصالح الذي جاب الآفاق وفتح الأمصار ونشر الدعوة فيها، حاربهم في شرق الأرض وبنى فوقهم السد.
قال تعالى : {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) }251.
فبنى عليهم السد وأخفاهم عن شعوب الأرض فهم الآن تحته، لا نعرف طريقة عيشهم، يرغبون في الخروج ويحفرون ليصلوا طبقة الأرض دون فائدة.
أما الذكر الآخر لهم ففي سورة الأنبياء, قال تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون }252 .
كل ما نعرفه عن مكانهم أنه في شرق الأرض, ولولا أن القرآن ذكره لما توصلنا إليه ، وعرفنا كذلك من الأحاديث والأخبار وقت خروجهم فهم بين يدي الساعة إذ يطيل الله النهار فينقبوا الأرض حتى يبلغوا سطحها فلا يعودون إلى النوم كما فعلوا منذ آلاف السنين فيخرجون جوعى عطشى ، كأنهم الزلزال والبركان بيد أنهم كائنات حية تدب على هذه الأرض سريعة الحركة
وهم كثر إلى درجة لا تصدق قال عالم الشام الأوزاعي: الأرض سبعة أجزاء، فستة أجزاء منها يأجوج ومأجوج وجزء سائر الخلق253.
فيملئون الأرض ويصادف خروجهم قتل نبي الله عيسى للدجال لعنه الله فيزحفون صوب الغرب ويأكلون البشر والشجر وكل ما يصادفونه حتى يتركون الأرض وراءهم كما يفعل الجراد بل أدهى وأمر.
ويعتصم عيسى  بأنصاره بعد أن أوحى الله إليه بخروجهم, يعتصم بجبل الطور في سيناء، حتى إذا وصلوا بحيرة طبرية شربوها لشدة شرههم وعطشهم فلا يجد آخرهم فيها ماء، ويأكلون البشر حيثما وجدوهم .
ويقول قائلهم بعد إفسادهم في الأرض … ها قد قتلنا من في الأرض هلموا فلنقتل من في السماء ، فيصعدون جبلا ويصوبون أسلحتهم في الفضاء, ويطلقونها ظنا وجهلا منهم أنهم يقتلون من في السماء فترجع رماحهم إليهم ممسوحة بالدماء فيفرحون ويهزجون .
ثم يعلمون بعد حين أن ثمة من يعتصم بجبل الطور, فيزحفون إليه زحف الجراد ويحاصرون عيسى  ومن معه، ويضيق الحال على من في الطور فلا يستطيعون فك الحصار.
فبينما هم كذلك وقد دأب نبي الله عيسى  على الدعاء ومن معه ليهزم يأجوج ومأجوج, إذ تدخل العناية الإلهية فيبعث إليهم النَّغف وهو دود صغير يصيب أعناق الدواب ، فيفتك بهم ويصرعهم في ليلة وضحاها .
وينكشف الأمر لعيسى  ومن معه فيرون جثثهم التي ملأت الأرض فيخافون من الأمراض، فيدعون الله تعالى من جديد فيبعث الله إليهم طيورا كبيرة فتلتقط جثثهم وتمضي بعيدا .
ويرسل الله السماء فيغسل المطر نتنهم وروائحهم وتعود الحياة من جديد.
وهم ذوو أشكال مختلفة عجيبة، فبعضهم طويل القامة مثل شجر الأرز, وبعضهم مربع طوله وعرضه واحد، والثلث الباقي له أذنان كبيرتان يفترش واحدة ويلتحف بالأخرى.
ويروى أنهم يأكلون جميع حشرات الأرض من الحيات والعقارب، وليس من الخلق من ينموا نمائهم ، يتداعون تداعي الحمام ويعوون عواء الكلاب, ويتسافدون تسافد البهائم .
ومنهم من له قرون وأذناب وأنياب عظيمة بارزة يأكلون لحوم البشر نيئة، كثيرو العدد حتى أنهم حين خروجهم تكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان, يدخلون معظم الأقطار سوى مكة والمدينة وبيت المقدس.
ورد عن عمرو بن العاص أنه قال: يأجوج ومأجوج ذراء جهنم، وهم على ثلاثة أصناف على طول الشبر ، والشبرين وثلث منهم طوله وعرضه سواء.
وهم ليسوا كالبشر بل يعمرون طويلا, حتى أن أحدهم لا يموت حتى يرى ألف فارس من ولده يحملون السلاح, فتأمل هؤلاء القوم وقوة شكيمتهم ما تصنع لو خرجوا في حياتك ؟ اسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
وقد أختلف العلماء أهم بشر أم مخلوقات أخر ؟ … فبعضهم قال ليسو ببشر… وبعضهم هم من ذرية آدم .. وبعضهم هم من أولاد يافث بن نوح .. وبعضهم يروي قصة آدم الذي نام في مكة ذات مرة فاحتلم فتدفق المني منه فسال في موضع سمى بعد ذلك منى، وهو المعروف في ظاهر مكة، فاختلط المني بالتراب فخلق الله منه يأجوج ومأجوج، وهذا رأي ضعيف السند بعيد النُّجعة.
والله يخلق من يشاء، وهذا خلق الدنيا فكيف بخلق الآخرة .
ولقد حذر منهم  إذ خرج من بيته فزعا وهو يقول: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وأشار بأصبعه .

طليق الله ورسوله
من هو الصحابي الذي ظفر بهذا اللقب من النبي  ؟ إنه أبو بَكْرة الثقفي، ولعلك لم تسمع به من قبل .
اسمه نقيع بن مسروح، من عبيد الطائف، حين حاصر النبي  الطائف بعد غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة وجد أبو بَكْرة في الحصار فرصة للهرب فقفز من فوق الأسوار وركض نحو النبي  وأخبر أنه عبد فأعتقه على الفور فأسلم وحسن إسلامه لما رآه من حسن خلقه .
وسبب هذه الكنية التي التصقت به بقية حياته ما فعله حين الحصار, إذ عمد إلى بَكْرة فتدلى بواسطتها, فأطلق عليه من يومها أبو بَكْرة.
وحين صالح النبي  أهل الطائف وأرجع إليهم أموالهم طلبوا أن يعيد لهم العبد الفار, فقال: لا، هو طليق الله وطليق رسوله.
ويتزوج امرأة لا تلبث أن تموت، أراد أن يصلي عليها فمنعه إخوتها، وأصر على ذلك قائلا أنا أحق من يصلي، فهي زوجتي، فقالوا وقد أذعنوا: صدَق صاحب رسول الله.
ولما أرادوا دفنها سبقهم إلى القبر فأرادوا إخراجه فامتنع, فما زالوا يضربونه حتى أُغمي عليه، وصحا بعد برهة فقال مخاطبا لهم: لا تصرخوا عليَّ فوالله ما من نفس تخرج أحب إلى من نفسي فجزعوا منه وقالوا : ولم ؟ قال : إني أخشى أن أدرك زمانا لا أستطيع أن آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر فما خير يومئذ.
مات رحمه الله سنة 51 هجرية254.

أحرم من نيسابور
بعض الحجاج لفرط عبادتهم يُحرِمون من بلدانهم ودورهم، والبلدان في الشام والحجاز العراق قريبة إلى مكة، بيد أن أحدهم يحرم هذه المرة من المشرق الإسلامي. هو الأمير القرشي ابن عمة النبي  عبد الله بن عامر,
وها هو يُحمل صغيراً ابناً لثلاثة أعوام ويؤتى به للنبي  وهو في عمرة القضاء ليحنكه ويباركه ، جعل النبي  يتفل ويمسح وجهه ويعوده، ثم قال إنه لمسقيّ .
كان بعدها رضي الله عنه لا يعالج أرضا ولا ينقبها إلا ظهر له الماء ولأصحابه, وهذه كرامة من الله له ولرسوله، وأية كرامة .
لما صار عثمان خليفة عزل أبا موسى الأشعري عن الكوفة وبحث في وجوه أصحابه عن أشدهم ليجعله مكانه فولاه .
افتتح خراسان وقتل كسرى وسار من نيسابور بلباس الإحرام شكرا لله تعالى، لما رأى عطش الحجاج في موسم الحج عمل السقايات بعرفه، واشتهر بالسخاء والجود, بلغ من سخائه أن خرج للناس في عيد الأضحى فقال لهم في أسواقهم: من أخذ شاة من السوق فثمنها علي255.

مؤذن البيت الحرام
مؤذنو النبي  أربعة: بلال وعبد الله بن مكتوم وسعد القرظ ورجل رابع.
أبو محذورة الجمحي واسمه أوس بن معير.
وكأن من أندى الناس صوتا، ولآذانه قصة، لما رجع النبي  من حنين عسكر في إحدى الأمكنة لأداء الصلاة وبينما الآذان يخفق في الفلوات، جلس عشرة من أهل مكة ممن لم يسلموا بعد جلسوا قبالتهم وأخذوا يؤذنون استهزاء بالمسلمين, وكان بينهم صاحبنا أبو محذورة، فعجب  لصوته الندي وقال: لقد سمعت في تأذين هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت.
والنبي  يهتم بكل شيء في دولته حتى حسن السماع وطلاوة الصوت، ومن يدري لعل أحدهم يسمع كلمات الآذان مدوية من قم أبي محذورة فيهديه الله للإسلام, ولكم شنَّفت الأسماع لعذوبة الصوت، وهو وسيلة ناجعة في هدي الناس, والسير بهم نحو ربهم .
وأرسل النبي  لهؤلاء العشرة المستهزئين رجلاً من أصحابه, فجاءوا كلهم وكان في آخرهم، واستعرضهم واحداً تلو الآخر فعرفه، وأجلسه بين يديه ومسح على ناصيته وبارك عليه ثلاث مرات.
ثم قال له: اذهب فأذن بالبيت الحرام، ومن يومها صار يعرف بمؤذن البيت الحرام، وتعود أهل مكة على عذوبة صوته وألفوه.
وبعد أن استقر الملك لمعاوية وبويع بالخلافة خرج حاجا ومعه مؤذنه، وضرب للخليفة فسطاطه على مقربة من الكعبة وحان موعد الصلاة، دلف مؤذن معاوية يمُنِّي نفسه بالأذان في جنبات مكة، وصدح، واغتاظ أبو محذورة أن يؤذن غيره, فعمد إليه فحمله بين عضديه وسار به ثم ألقاه في ماء زمزم، وغضب معاوية ، لكن من يجرؤ أن يمس مؤذن النبي  بسوء .
كان رحمه الله صاحب قصَّة في مقدم رأسه طويلة إذا أرسلها بلغت الأرض256.

مغيرة الرأي
كان يقال: دهاة العرب أربعة … عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وزياد بن أبيه وصاحبنا مغيرة الرأي المغيرة بن شعبة .
ولو أنك قدمت الطائف قبل الإسلام, هذا البلد الباذخ الترِف ورأيت في أسواقها رجلاً طويلاً مهيباً عليه ملاءة الذكاء وتهاويل التجارب ومن أولي الشجاعة والمكيدة وسألت عنه لأخبرك أحدهم مفتخرا : إنه المغيرة بن شعبة.
وكانت سيرة العصر قبل الإسلام الوفادة على الملوك كما فعل بنو مالك من أهل الطائف, حينما شدوا رحالهم للوفادة على مقوقس مصر وأخذوا معهم رجلا ليس منهم، إنه المغيرة، وحط ّ بهم السفر الطويل في مدينة المقوقس الإسكندرية, وإذا به في مجلسه الوثير المطل على البحر .
واستقبل الملك ضيوفه بني مالك أنصاره من العرب ومن ذوي الشأن عنده, وأمر بزورقٍ يتجول معهم على ساحل البحر.
قال المغيرة: فبينما نحن في البحر وقد حاذيت مركبه, نظر في وجهي فأنكرني وسأل عني وعرف أني لست من بني مالك .
ثم دخلوا كنيسة وقال: أكل القوم من بني مالك ؟ قال أحدهم: إلا رجلاً واحداً وأشار على المغيرة، فأعطاهم الوفادات والأعطيات خلا المغيرة وكان أهون القوم عند المقوقس, ثم خرج بنو مالك دون أن يلتفتوا للمغيرة أو يهونوا عليه مما فعله الملك من الحط من شأنه , خرجوا واشتروا الخمر , فاغتاظ صاحبنا وبيَّت لهم نية السوء. وحين خرجوا من الإسكندرية وجلسوا يستريحوا عمد المغيرة إلى إناء خمرهم وقال أنا ساقيكم الليلة , فسقاهم وأسكرهم حتى ناموا فقام عليهم وقتلهم عن بكرة أبيهم وأخذ أعطياتهم وهرب , وعزم ألا يعود إلى الطائف فأقبل نحو النبي  في المدينة مسلماً وتخلل المدينة وقصد المسجد فإذا أبو بكر والنبي , فعرفه أبو بكر وأجلسه , وأخبرهم الخبر.
فقال : أما إسلامك فنقبله ولا نأخذ من أموالك شيئاً فهي غدرٌ ولا خير في الغدر في الإسلام. وكان المغيرة داهيةٌ عظيم الرأي حتى عرف بمغيرة الرأي257.
وحسن إسلامه بعدها وصار من رجالات الإسلام المعدودين , وحين كسفت الشمس في عهد النبي  عميت إحدى عينيه إذ أطال النظر فيها ، ولأمر الله ذهبت عينه وفقأت يوم اليرموك وهو يشنُّ الغارات على الروم.
وحينما دفن  أراد المغيرة أن يستأثر بشيءٍ دون سواه ، ولكن علي ابن عم النبي  يستأثر يومها بكل شيء فقد أدخله قبره وأصلح شأنه ، وها هو المغيرة يقذف بخاتمه خلسةِ في القبر الشريف حتى إذا أهالوا عليه التراب ، قال يا قوم خاتمي، فنزل بالقبر ومسح بيده الكفن والتقط خاتمه فكان آخر الناس عهداً بنبيه  258 ، وكان بعدها شديد الاعتداد بهذا.
ولقد بلغ من دهائه الشيء الكثير، استعمله عمر على البحرين فكرهه أهلها وضاقوا به ثم طردوه ، واجتمعوا بعدها فقال كبيرهم : إني أخشى أن يرده عمر والياً علينا ، فإن فعلتم ما آمركم به تخلصنا منه إلى الأبد ، وأصغى الجميع لهذا الدهقان الماكر.
فقال: تجمعون مائة ألف دينار ثم أذهب بها إلى عمر فأقول أن المغيرة سرقها من أموالنا التي يبعث بها الخليفة وأودعها عندي ، فارتضى أهل البحرين هذا الرأي وعجبوا من دهاء سيدهم.
ومضى إلى عمر حتى وقف بين يديه وقال : يا أمير المؤمنين ، إن واليك الذي جعلته علينا سرق من أموال بيت المال مائة ألفاً وأودعها عندي وها هي أردها عليك. فقال عمر : إلى بالمغيرة : وقدم المغيرة فسأله عمر. فقال كذب يا أمير المؤمنين ، إنما كانت مائتي ألف، فقال عمر : ما حملك على هذا؟، قال الحاجة والفقر والعيال يا أمير المؤمنين. فقال الدهقان : كلا يا أمير المؤمنين ، والله ما كانت مائة ألف ولا مائتين ، وإنما هي حيلة احتلناها لأنفسنا حتى لا يعود والياً علينا. وظهرت براءة المغيرة ، وتحدث الناس في أسواقهم عن فرط ذكائه ودهائه.
قال عنه قبيصة بن جابر أحد أصحابه : صحبت المغيرة فلو أن مدينةً لها ثمانية أبواب لا يخرج من بابٍ منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها.لما مات رحمه الله وقف زياد بن أبيه على قبره فأنشد :
إن تحت الأحجار عزماً وحزما ً وخصيماً ألدَّ ذا معلاق259.

الشيخ الحكيم
واحد من صحابة النبي  ، عاش مائةً وعشرين سنةً نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام أسلم يوم الفتح ، وهو ابن أخ خديجة رضي الله عنه ، وصاحب العطايا والسخاء.
هل عرفت الشيخ الحكيم؟….. إنه حكيم بن حزام. كانوا يقولون عنه : لم يدخل أحدٌ دار الندوة ويشارك قريش في رأيها قبل الإسلام إلا إذا بلغ أربعين سنةً, فما بال حكيم يجالس أصحابها وهو ابن خمس عشرة ؟. ولد في جوف الكعبة ، وأسلم وهو ابن الستين ، ولقد أحسن لنفسه بعد الإسلام فعوّض ما فاته من خير فلم تتعداه مأثرةٌ ولا فاته صلاحٌ.
إذا أراد أن يجتهد في يمينه قال : لا والذي نجاني يوم بدر من القتل260 ، فلو أنه قتل لمات على الشرك وكان الخسران والبوار في جهنم والعياذ بالله ، ولكم حمد الله على ذلك أن اختار له الإسلام يعيش ويموت عليه.
أهدى قبل أن يسلم للنبي  حلةً نفسيةً اشتراها بخمسين ديناراً ، غير أنه لم يقبلها.. إنا لا نقبل من المشركين شيئاً ، وخجل  أن يرد شيخ قريش فقال : ولكن إن شئت بالثمن، واشتراها، ولبسها أجمل الخلق فكانوا ينظرون إليه فيها على المنبر وهو يخطب بهم كأنه فلقة قمر ، ورآها أسامة فأعجبته وطلبها من سيده، فخلعها على الفور وألبسه أيها ، فعاتبه الصحابة بعد ذلك على أخذها وتمنوا أن يمتعوا أبصارهم برؤية رسول الله فيها261.
وهل يرد النبي  سائلاً ، فكيف حين يكون الحِبُّ بن الحِبُّ أسامة بن زيد حتى وإن كان غلاماً أفطساً, وهاهم بنو هاشم يُطردون إلى شعب أبي طالب في بداية الإسلام انتقاماً منه  ، فيمكثون فيه أعواماً وتمر سني الجوع والفقر ، وقريشٌ حابسةً عنهم ما ينعمون به من متع الحياة .
ولم يعجب المشهد شيخ قريش ، وعمته خديجة بينهم لا تطعم طعاماً وتنام طاويةً مع زوجها ، فكان يرسل العير المُحمَّلة بالحنطة ويدفعها بين ظهراني الشعب ضارباً أعجازها حتى لا تعود ، فيُجلُّه المسلمون ويعرفون مصدرها ، إنه شيخ قريش حكيم بن حزام.
أعتق في الجاهلية أكثر من أربعين عبداً وقال له  حين أسلم : أسلمت على ما سلف لك من الخير ، بل هو الذي اشترى زيد بن حارثة ب 600 درهم وأهداه لعمته خديجة ، ورآه  فأعجبه الفتى فأهدته خديجة لزوجها .
ومما يروى في أخباره أن اشترى دار الندوة وبقيت له حتى خلافة معاوية، وأحب معاوية أن يشتريها فما زال يساوم صاحبها حتى أخذها بمائة ألف، فعجب الصحابة من فعل حكيم وتفريطه بمكرمة قريش في الجاهلية وعاتبه ابن الزبير وقال له: أتبيع مكرمة قريش بمائة ألف؟.
فقال حكيم : يا ابن أخي ذهبت المكارم إلا التقوى، وإني اشتريت بها داراً في الجنة وأشهدكم أني جعلت ثمنها لله تعالى، فأينا المغبون أنا أم معاوية؟ وعلموا أن شيخ قريش على حق وللمرة الألف, وكان رضي الله عنه يتلمس أهل الحاجات والكربات، ولا عجب فهذا فعله في الجاهلية فكيف بعد إسلامه. هاهو يقول : ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها. والآن ألا يحق لنا أن نسميه الشيخ الحكيم، عليك سلام الله أيها الشيخ262.

صاحب التمرات
مر به النبي  وهو محرمٌ بعمرة الحديبية فإذا شعره غزيرٌ طويلٌ، وكان هذا الشعر لطوله مأوى للهوامِّ التي تتساقط على وجهه، فقال : أتؤذيك هوامُّ رأسك؟ ، قال نعم فرخَّص له أن يحلق263 ، فهو إذاً صاحب آية الفدية فيمن يحلق رأسه قبل الإحلال من العمرة والحج . ولهذا الصحابي مشهد أخر مع نبيه  وأي مشهد… دعوني أحدثكم قبل أن أفصح عن أسمه .
يخرج من بيته يريد رسول الله  فيراه متغير الوجه فيقول فزعاً… بأبي أنت وأمي يا رسول أراك متغيراً.
قال : ما دخل جوفي شيئاً منذ ثلاث. فاشتد الأمر عليه لما يرى من جوع سيده . وعلى الفور خرج يبحث عن طعام حتى استقر به السعي أن دخل بستاناً ليهودي ، فاتفق وإياه أن ينشل له ماءً من البئر يسقي به أشجاره ويأخذ مقابل الدلو تمرة واحدة . وأمضى نهاره يعمل لليهودي حتى أضناه التعب وكلما تذكر جوع نبيه  شد على نفسه حتى يزيد التمرات . وجمع أجره ووضعه بين يدي نبيه وأخذ  يأكل منهن، ففرح لما سدَّ به من جوع سيده. فقال له : أتحبني يا كعب ؟ ، فنطق على الفور… نعم يارسول الله ، فقال : إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه وإنك سيصيبك بلاء. ومضت الأيام فإذا به يخبر  أن كعباً مريض فأسرع لزيارته، فإذا هو شديد المرض خائر القوى. فبشره . فسمعت أمه البشارة فصاحت بالبيت : هنيئاً لك الجنة ، وظنت أنها نطقت بخير ، فغضب  وقال : من هذه المتألية على الله ؟، قال : يا رسول الله ، هذه أمي ، فقال : وما يدريك يا أم كعب لعله قال ما لا ينفعه264 . لا يُزكَّى أحدٌ على الله … هكذا كان يعلمهم نبيهم ، فعلموا بعدها ألا ينطقوا بمثلها ، إنَّ الحساب موكل لله وحده فمن ذا يعفو ويغفر ويزكي سواه . فتأمل أيها المسلم صنيع هذا الصحابي الجليل صاحب التمرات كعب بن عجرة وحرصه على أن يسد رمق نبيه حتى وأن عمل عند يهودي. وتأمل رده  على أمه حينما صاحت بالتهنئة ، فلا تزكي أحداً على الله مهما بلغ في الصلاح شأواً بعيداً فلعل أحدنا عمل معصية فنسيها أو ارتكب خطيئة فغفل عنها ، نسأل الله تعالى أن يمحو سيئاتنا ويضمن عنا تبعاتنا .

داهية قريش ومفخرة الإسلام
سيق أن ذكرنا عن دهاة العرب أسماءهم، أولهم صاحبنا داهية قريش ومفخرة الاسلام رغم إسلامه متأخراً، هل عرفته ؟, … فاتح مصر والفصيح في كلامه عمرو بن العاص.
أي دهاء يحمله هذا الرجل في عقله ، وأي حكمة يخفيها في ثناياه لقد بلغ به الرأي أن عجزت عن فنونه الرجال وأعجب به الملوك والقادة . دعونا نسمع قول عمر ابن الخطاب فيه … كان عمر إذا رأى رجلاً يتلجلج في كلامه قال : خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد265 . وكان رضي الله عنه مضرب المثل في الفطنة, أسلم قبيل فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة مع خالد بن الوليد الذي نرجوا ألا نعدم ذكر شيئاً من أخباره المخبوءة والغامضة .
والمقصد من الحديث عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم لكي نعلم بالدرجة الأولى مبلغ أيمانهم وعظيم دهائهم وكيف يُسخِّرون طاقاتهم وتفكيرهم خدمةً ورقاءً بهذا الدين العظيم, ولكي نحذو حذوهم ونتشبه بهم علَّنا نحقق السعادة التي حققوها ونقيم الدولة التي أقاموها سعادةً ودولة ً لم تنس حظ الفقراء كما فعلت المدنية المعاصرة المزعومة وهي تضرب بهم عرض الحائط ولا تلتفت إلا لأصحاب النفوذ.
كان عمرو يقول: لا أمل ٌثوبي ما وسعني ولا أملُّ زوجتي ما حفظت شرفي ولا أملُّ دابتي ماحملتني ان الملال من سيء الاخلاق266.وقد سبق ما وصفناه به من دهاء وعظيم حيلة ، ولكن في أي شيء كان عمرو داهية؟… دع عالماً من علماء العصر يحدثنا ليقول: دهاة العرب أربعة …. معاوية وعمرو والمغيرة وزياد.
أما معاوية فللأناة وأما عمرو فللمعضلات وأما المغيرة فللبديهة وأما زياد فللصغير والكبير267.
وعمرو فوق هذا رجلٌ مؤمن حقا، ومقولة النبي  لا تزال ماثلة للعيان:
أسلم الناس وآمن عمر بن العاص268.
ولاه في عزوة ذات السلاسل فبينما هو أمير على المجاهدين في فلاة وأصابهم البرد الشديد أراد أصحابه إشعال نار تكفُّ عنهم ما يقاسونه من برد ، فأمرهم ألا يوقدوا وباتوا تصطك عظامهم وأسنانهم, وقفلوا إلى المدينة راجعين فشكوه للنبي  الذي سأله فقال عمرو : كان فيهم قلة فخشيت أن يرى العدو فأعجب النبي  بما فعل.
وهو الفقيه العارف بالدين يأخذ بروحه ويهتم بأصوله ، أحتلم ذات ليلة وهو خارج المدينة في الغزو وخاف على نفسه إن اغتسل أن يموت من البرد فتيمم ، فلم يعجب أصحابه ، ونقلوا للنبي  ما فعل .. يارسول الله صلى بنا وهو جنب ، فقال : يا رسول الله ، إن الله قال: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}269 ولو اغتسلت مت فضحك وأقره270. حينما كان ينظر إليه عمر يرمقه بنظرات شداد ثم يقول : ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميراً271 ، ولكم صدق عمر وأصاب عين الحقيقة وهو يتفرس أصحابه ويضعهم المواضع اللائقة بهم .
ونزل بصاحبنا الموت والتصق به ابنه عبد الله ، وتذكر الابن ما كان يردده أبوه منذ زمن بعيد : وددت لو أجد إنساناً حصيفاً بليغاً نزل به الموت فيحدثنا عنه قبل أن يقضى. فقال عبد الله : يا أبتِ أتذكر حينما قلت … أني لأجدك ذلك الرجل الذي كنت تبحث عنه ، فكيف هو الموت يا أبا عبد الله ، قال : يا بني ، الموت أجلُّ من أن يوصف ، أجدني كأن جبال رضوى على عنقي وكأن في جوفي الشوك وكأن نفسي تخرج من سم إبرة.
ثم توجه إلى السماء وقال : اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فانتصر وإن لا تدركني منك برحمة أكن من الهالكين272. مات ليلة عيد الفطر وعمره قد ناهز السبعين …. عليك رحمة الله.

الحبر العابد
صحابي آخر اشتهر بالعبادة وكثرة الطاعة حتى أنه لما جمع القرآن في صدره وفي سطره قرأه كله في ليلة ، فسمع به النبي  فأمره أن يقرأه في شهر ، فشقَّ ذلك عليه وطلب الترخص في أقل من الشهر فرخَّص له في عشرين يوماً فما زال يطلب الأقل حتى رخص له رسول الله  أن يقرأه قي ثلاث ليال .
وقرر الفقهاء على هذا ألا ينقص القارئ على ثلاث ليال فمن فعل ذلك لم يعِ (يفهم) معناه ولم يتدبر آياته . ولم تزل قصة القراءة هذه مرتبطة في كتب الفقهاء بعبد الله بن عمرو العاص الذي كان اسمه العاص فغيره  إلى عبد الله .
وفي الوقت الذي منع فيه النبي  الصحابة من كتابة سوى القرآن رخَّص له ذلك فكان يكتب الأحاديث في صحيفة له أسماها الصحيفة الصادقة ، وها هو أبو هريرة يحدث عن نفسه فيقول : لم يكن أحد من أصحاب النبي  أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فانه يكتب ولا أكتب273 ، وعبد الله أكثرهم أخذا للحديث إلا أن أبا هريرة كان أكثرهم رواية, والفرق واضح بين الأخذ والرواية فكثير منهم كان يتورع أن يروي كل ما سمعه .
ولهذا العابد قصة أخرى في الصوم ، فكان يصوم الدهر فعلم به  ثم اتفق الإثنان على أن يصوم عبد الله يوما ويفطر أخر وذلك خير الصوم وفعل داود . يا لهذا الفتى المترفل في صباه الآخذ بعزائم العبادات الحامل نفسه على النًّصَب في سبيل مرضاة ربه ، وأنه ليعلم عدم الإيفاء بحقوق الله تعالى في العبادات ولكنه المشدد على نفسه والمكثر من الطاعة ليس كالمتراخي الكسول .
يرى ذات ليلة في منامه كأن في أحد أصبعيه سمناً وفي الأخر عسلاً يلعقهما وأسرع في إلقاء الرؤيا بين يدي النبي  فقال معبراً : تقرأ الكتابين التوراة والقرآن274 . ولكم بكى عبد الله في هدأة الليل وسكونه ، يروي أحدهم فيقول كنت أصنع الكحل له وكان يطفئ السراج في الليل حتى وسعت عيناه .
حينما تدرس أنباء الصحابة العظام وأخبارهم الجسام تجد أن كل واحد منهم تفوَّق على الآخرين في خصلة أو أكثر لعل صاحبنا عبد الله تقدمهم في العبادة وكثرة الطاعة ، رضي الله عنهم أجمعين .

شرطي النبي
فتى الأنصار وشرطي النبي  والراضع لبانات السخاء والجود من بيت ملئ جوداً حتى فاض على غيره . كم مرة تناهى إلى مسمع نبيه  ما يفعله هذا الفتى من الإطعام والإسباغ على الفقراء فيقول: أما أنه في بيت جود . وكم مرة خرجت صحفةُ (القِدْر) الطعام من بيت أبيه حتى تدخل إلى بيوت النبي  جميعها ثم تمضي إلى بقية بيوت المعدمين والمساكين .
والجود خصلة كبيرة لا يقدر عليها سوى العتاة من الرجال ممن يرون في المال عارية مستردة تذهب به الأيام وتجيء .
وها هي إحدى عجائز المدينة تقف بين يديه وتقول : أشكو إليك قلة الجرذان، فيقول : ما أحسن هذه الكناية ، ثم يأمر غلمانه .. املؤوا بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً275 .
وهو شديد الحيلة مفرط الذكاء لكنه يرى فيهما طريقين موصولين إلى مملكة إبليس…. لولا أني سمعت النبي  يقول : المكر والخديعة في النار لكنت أمكر هذه الأمة276 ويمتثل الصحابي أوامر نبيه ويبتعد عن حيلته حينما توقع بالناس وتظلم الآخرين .
وقد لا تجد من بين الصحابة كلهم من هو أكثر منه تفريجا عنهم ودائماً لهم ، فإذا ألمَّت بأحدهم نائبةٌ أو رماهم الفقر بقوس منيعة دلفوا إليهم يستقرضونه فيعطيهم ويكتب عليهم صكوكه ، ثم لا يلبث الضيق أن يكتنفهم فلا يقدرون على السداد، وهاهو صاحب الدَّين يمرض ويشتكي لزوجته قلة عوّاده وزائريه ، فتذكره الزوجة الوفية بدينه على الناس ومنعهم من زيارته ، فعمد إلى الصكوك فبعث لكل واحدٍ منهم بصكه وهذه إشارة على الإعفاء والمسامحة، فما إن وصلت الصكوك أصحابها حتى انهالوا على داره ففرح بهم ورأى في زيارتهم أمراً أبقى لديه من كل مال الدنيا .
خرج مع سرية المجاهدين سرية العنبر قبالة البحر فأصابه وأصحابه فاقة وجوعاً شديداً ، فكان عطائهم تمرة واحدة لكل واحدٍ في اليوم ، وأشفق على جوعهم ، فجعل كلما مر على إعرابي اشترى منه إبلاً مقابل أن يعطيه من تمر أبيه في المدينة ، ونحر الإبل حتى أشبعهم وبدد جوعهم ، فلما أراد أن ينحر المزيد منعه أمير الجيش لتفريطه في ماله .
وسمع أبوه بعد رجوعهم بفعلة ابنه في الغزو ففرح وضحك. هل عرفت شرطي النبي  وصاحب الجود و السخاء . إنه قيس بن سعد بن عبادة .

كسرى العرب
حينما تقرأ عن معاوية بن أبي سفيان أو تسمع من أحدهم بعض حديث الفتنه الأولى يُخيَّل إليك أنَّ هذا الرجل ليس له من تاريخ سوى أن حوَّل ملك الأمة إلى حكم وراثي فاستبدَّ به وقضى على الخلافة الراشدة.
مع أنَّ الفتنة ليست صنيع أحدٍ بل هي بلاءٌ من الله أولا وأخراً, وأريد أن أخبرك بأمر لم تقرأه ولم تسمع به من قبل, التاريخ لا يُحكم عليه من رواية وقصة ولا يقوَّم بسماع أحدهم ، التاريخ أكبر من ذلك لا يعرفه ولا يكيل له التهم إلا باحث استقصاه من أعماقه فقرأه كله وعرف قوانينه.
ثمة قاعدةٍ أخرى شبيهةٌ لكنها هذه المرة في الفقه ، فمما درج عليه الفقهاء عدم بنائهم حكماً شرعياً على حديث واحد فربما كان في المسالة حديث آخر معارض له وأقوى منه.
وهكذا ترى الكثير منهم يريد الحكم على تاريخ امة بأكملها أو حقبة زمنية تمتد أكثر من مائة عام لمجرد حديث من أحاديث الفتنة ولو انك نحيت الأنبياء جانبا وجمعت ما أخطأ به خير الناس بعدهم لألفيته شخصا مواربا خطَّاءً لا يحق أن نكيل له المديح .
ولو أنك قرأت تاريخ الدولة الرومانية أو أخبار الفرس أو اطلعت على مسامرات السادة اليونان أو قلّبت عهود الهندوس والبوذيين لوجدت تاريخ معاوية وبني أمية من بعده تاريخ الملائكة والقديسين بالنسبة لهم لكن تاريخ معاوية جاء بعد فترة النصوع ولحظات المجد المتمثلة بدولة الخلافة الراشدة فأنت تريد منه أن يكون مثلهم والرجل لا يستطيع ، فلا تقارنه إذا بغيره فأولئك قوم لا يحذو احدٌ حذوهم ولا يُصبِّر نفسه على متاعبهم .
فتعال أحدثك عن الصورة الأخرى لكسرى العرب, بهذا الوصف وصفه عمر ولست أنا ، كان إذا نظر إليه قال: هذا كسرى العرب277 .
ومعاوية كاتب النبي  فيما بينه وبين العرب ، دعا له مرة فقال : اللهم اجعله هاديا
مهدياً واهدي به278 . وهو الذي كتب أية الكرسي, لما انتهى منها قال : غفر الله لك يا معاوية إلى يوم القيامة279 ، فما يدريك لعل الله فعل وغفر لمعاوية إلى يوم القيامة ولم تغفر له أنت ولم يسلم لسانك بعد من لعنه وسبِّه وشتمه وسلم هو بدعوة النبي . وها هو يدعو له من جديد فيقول : يحشر معاوية وعليه حلةٌ من نور . عُرف عنه الحلم والذكاء والفطنة فساس بها قبائل الشام وأسس دولة منيعة لا يُشقُّ لها غبار ولا يقف لها سيل دافق حتى خشيه ملوك الروم فكانو يهادنونه .
بل ويُضرب به المثل في الحلم فيقولون شعرة معاوية280 فلا يقطع أحد ولا يرده ويجعل بينه وبينه إن استبد الخصام شعرة رقيقة تعيد علاقته به إن أراده ثانيا .
دخل عليه أحدهم فأغلظ له, فقال له: أنهاك عن السلطان فان غضبه غضب الصبي وأخذه أخذ الأسد, والخلاف بينه وبين علي لا نخوض فيه كما قال من أحسن إذ قال : تلك فتنة سلَّمنا منها بأجسادنا فنسلم من الخوض فيها بألسنتنا رأى أحدهم ولعله عمر بن عبد العزيز في منامه كأن خيمة عظيمة نُصبت أمامه فدخلها رجل وضيئ الوجه فعلم انه النبي  ثم جاء عليٌ ودخل وراءه ثم جاء معاوية فأعقبهم, قال عمر فعرفت أنهما يحتكمان إليه, ومكثت ساعة انتظر فما أسرع ما خرج علي فوقف في بابها وقال : الحمد لله قُضي لي, ثم خرج معاوية فوقف وقفة علي وقال: الحمد لله غُفر لي. هذه بعض خصال معاوية أما أخطاءه, فصحبة النبي  وتزكية الله لهم في كتابه أعظم من كل معصية واكبر من كل خطأٍ وغفر الله لهم.
الرابح الهنيء
ربما لا نلقي الضوء هنا في معرض الحديث عن الصحابة على كل مآثرهم بل أقصد ما خفي عن الناس اليوم ، فنحن لا نعرف عنهم سوى القليل ولم نتمسك إلا بالنزر اليسير من أخبارهم مع أن الحاجة عميقةٌ لكي نعبَّ من أحاديثهم ونأخذ من قصصهم.
ونمضي هنا مع أحد الرابحين الفائزين بصحبة نبيهم  ، قال عنه ربح البيع أبا يحيى281 ، وأبو يحيى هو صهيب بن سنان المعروف بصهيب الرومي . نشأ في نينوى شمال العراق وكانت تقبع تحت سلطان الروم ، أو أن الروم أغاروا على سلطان العرب فيها فسبوه ، ونشأ صهيب بينهم رومياً باعوه فاشتراه عبد الله بن جدعان.
واستقر به المقام في مكة وحرر نفسه وعمل حداداً يصنع السيوف ويبيعها حتى جمع مالاً وفيراً ، وأطلت دعوة النبي  تشق عباب الأفق فعلم صهيب صدقها فأسلم على الفور.
وهو أحمر شديد الحمرة قال عنه : صهيب سابق الروم282. فُعذِّب في ذات الله مع أخوته في الإسلام حتى كانوا يُلبسونه أدرع الحديد الذي يصهرونه في حر الشمس ويترك في الهاجرة.
وجاءت الهجرة كالمنقذ لقوم غرقى فتك بهم قومهم فهاجر الصحابة وبقي صهيب ، فلم يطب له المقام في بلدة تزرع في كعبتها وبين طرقاتها الضيقة 360 صنماً فعنّت له الهجرة ، ومنعه أهل مكة ، وقالوا : أتيتنا صعلوكاً لا مال لك أفتريد أن تخرج بمالك اليوم ، ورأى أن يفادي نفسه بماله … أرأيتم إن تركت لكم مالي أمخلُّو أنتم سبيلي ، قالوا نعم ، فأخبرهم به ومضى نحو يثرب .
وهناك رواية أخرى في هجرته إذ خرج من مكة دون علمهم فسمعوا به فلحقوه في ظاهرها ، فلما رآهم نزل عن راحلته ونثر كنانته بين يديه ، وناداهم وقد تحضروا للقتال : لقد علمتم أني أرماكم فلا تصلون إلى حتى أرمي بكل سهمٍ ثم أجالدكم بسيفي فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي ، فقالوا : لا حاجة لنا بك أين مالك؟ . فنزل قوله تعالى { ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}283 فيه284.
ومضى حتى دخل المدينة فبشَّ  في وجهه وقال : ربح البيع أبا يحيى . وبعد أن طُعن عمر أمره أن يكون إمام الناس في الصلاة حتى ينتخب المسلمون لهم خليفةً فبقي يصلي بهم حتى آل الأمر لعثمان. عُرف رضي الله عنه بالسماحة والجود .

شهيد البحر
والفارس الشجاع وصاحب بيرحاء وأكثر المتزوجين مهوراً في الدنيا … ترى أي مهر ٍ قدَّمه ليتزوج ؟.
أبو طلحة الأنصاري ، واسمه زيد بن سهل .
من فرسان الإسلام القلائل ، حينما حاربوا في بدر لم يكن سوى أفراسٍ قليلةٍ وأبو طلحة على إحداها ، قال عنه : أبو طلحة في الجيش خيرٌ من مائة285.
ولقد جمع من الشجاعة والبسالة ما عجب منه الكثيرون ، أما من عرف الصحابة فلا عجب .
حين أقبل مسلماً على النبي  فرح به وقال لأصحابه : جاءكم أبو طلحة وغرّة الإسلام بين عينيه286 ، وزاد الإسلام بالوافد الجديد عزةً وشكيمةً. ولقد حسن إسلامه وزاد بلاءه في معارك الرسول الأولى ، ويا لقوة صوته حين يجندل الأبطال ويزيح الرؤوس وينتزعها من الهامات … لصوت أبي طلحة بالجيش خيرٌ من ألف رجل … أسمعت برجلٍ خيرٍ من مائةٍ وصوته خيرٌ من ألف .. أنه زيد بن سهل.
وينفرج غبار المعركة في حنين بعد أن صرع عشريناً من المشركين وأخذ أسلابهم حتى صار من أغنياء الحروب ، واكتنز بحد سيفه .
وأراد أن يتصدق حين سمع نبيه  يحض أصحابه على الصدقة بنفائس أموالهم فقصده ووقف بين يديه وقال : يا رسول الله ، إن أحب أموالي بَيْرُحاء وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها ، وفرح  بنفقة صاحبه ، فبيرحاء مزرعة من ألذِّ القطاف في المدينة . فقال : أرى أن تجعلها في الأقربين287 ، ولم تغب شمس النهار إلا وقد آلت لأقربائه وفرح بصدقته كما يفرح السخي بعطائه لأبأس الناس وأفقرهم.
أما زواجه فقد أعجب بالصحابية أم سليم فخطبها ولكنه لا يزال كافراً فقالت : أما إني فيك راغبةٌ ولكنك كافرُ فإن تسلم فذلك مهري288 ، فأسلم وتزوجها فكانوا يتحدثون بعدها: هذا أنفس المؤمنين مهوراً .
ولكم كان  يحبه لصفاته وأفعاله في الحروب ، ها هو أجله يسوقه ليموت في البحر ، غزا مع بعضهم وركب البحر واستشهد فيه فلم يجدوا له جزيرةً يدفنوه فيها إلا بعد أن ساروا سبعة أيامٍ فلم تتغير رائحته ثم عمدوا إليه فدفنوه سنة 34 هج.
ولقد ورد في الحديث الضعيف أن شهيد البحر أكرم من شهيد البر289 ، فالمشقة أكثر والغزو في البحر لا يستطيعه سوى أمهر المحاربين ، وشهيد البحر كريم الجسد والروح عند ربه حتى أنه يتولى قبضهم ولا يدع ذلك لملك الموت.
حينما حلق  رأسه أعطى أصحابه نصفه ودفع إلى أبي طلحة النصف الأخر.
واستشهد الرجل وماتت معه أسطورة الشجاعة ، وغيَّب التراب واحداً من أفذاذ الحروب ، ولكنه أبلى وقدَّم ما عليه فإلى الرحاب يا أبا طلحة حيث الملأ الأعلى ، إلى الجنات الوارفة حيث شهداء البحار يا سيدهم .

السائر وحده
على الطريق بين مكة والمدينة ثمة قبيلةٍ عربيةٍ اسمها غفار ، وهي قبيلة من قطاع الطرق المتوحشين طريقهم الليل ونومهم النهار ، صيّرتهم طبيعة الصحراء القاحلة أسوداً لا يخافون وأسلاباً لا ينقطعون .
ولو أنك الآن في مرابضهم المخيفة لرمقت أمام الخيام رجلاً ضخماً كث اللحية حديد النظر زاهداً لقلة الطعام ، بيد أنه جسورٌ في الحق لولا أنه يعتدي على المارّين ويهبط إليهم من بين التلال مؤذناً بموتهم .
سمع ذات مرةً أن نبياً يصدح بدعوةٍ جديدةٍ في مكة ٍمن أحفاد عبد المطلب وآل هاشم المشهورين بالجود والنجدة والشجاعة ، وسمع بعض ما ينادي به هذا النبي, وأراد أن يستوثق من الخبر فرحل مع أمه وأخيه أنيس صوب مكة ونصب على مقربةٍ منها خيمته ، ثم أمر أخاه أن يدلف لمكة ويأتيه بالخبر.
وذهب أُنيس فلم يسمع شيئاً لما حرَّمته مكة من الكلام عن محمدٍ  ودعوته ، وقفل راجعاً فأخبر أخاه ، فلم يعجبه ندرة الخبر عنده ، وعزم أن يأتي مكة يستوثق هو بنفسه. ودخلها في هاجرة النهار ومضى إلى الكعبة يبحث عن رجلٍ اسمه محمد ، فبينما هو يطوف مستهزئاً بهذه الأصنام التي ملأت هذه المدينة الصغيرة إذ رأى جاريتين فسألهم عن محمد فأجابتاه : دعك من محمد وادع إساف ونائلة ( وهما صنمان معروفان) فقال : وهل كانا إلا زانيين ، فصرخت الجاريتان لما يزعمه هذا الرجل عن أصنام قريش المبُجَّلة .
ثم مضى لشأنه فلقي علياً ابن عم النبي  فسأله ، فاطمأنّ علي للرجل وساقه لطلبه .
وسمع من محمد  كلاماً أعجبه وآياتٍ معجزةٍ بيَّنةً تسوق قلب العاثرين الحائرين إلى الطمأنينة والسكينة ,ثم قال له : أكتم عني حتى يأتي أمر الله ، فقال : والذي بعثك بالحق لأصرخنَّ بها بين أظهرهم ومضى بجسارته المعهودة حتى وقف في نادي قريش ومعقد الزحام وصرخ :يا معشر قريش إني أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقاموا إليه فضربوه وأدموه ، فقام العباس وانتشله من بين أيديهم وأخبرهم أن الرجل من غفار فإن مات فلا تجارة لأهل مكة من هؤلاء القطاع . ونجى بتقادير العناية الإلهية ، ومضى إلى قومه يدعوهم للدين الجديد290 .
أعرفت هذا الرجل … إنه الفتى الجسور الذي كان يغير على المسافرين بفرسه وعلى قدميه مثلما تفعل السباع ، ولكنه إذ أسلم سلمت جزيرة العرب منه ، ولو عرفه الناس وقتها لرأوا في إسلامه الذي ضربوه لأجله مندوحة خيرٍ تُبعد عنهم هذا الشبح الذي يطلُُّ بين الفينة والأخرى من رؤوس الجبال كأنه أشباح الليل وتهاويل العمر المضنية .
ثم مضى في إسلامه لا تأخذه لومة لائم وعقد العزم على أن يصدح بالحق وإن كان شديد الوطأة مثلما يفعل نبيه في جنبات الحرم .
ودعا قبيلته غفار إلى الإسلام فلم يستجيبوا له وتحسر لأجلهم .
لعلك لم تعرفه إلى الآن حسناً …. نحن منذ برهةٍ نجتر أخبار أبي ذٍرٍ العِِظام ، أبو ذر الصحابي المعروف ، وناقد الملوك وزاهد الدنيا لا لقلة الطعام بل لقلة الدنيا في نظره وعظم الآخرة في قلبه. اسمه جندب بن جناده ، ويحوّله الإسلام إلى واحد من آلاف الصالحين في الأرض بعد أن أسلمته الجاهلية لقطع الطريق والمبيت في أعالي الجبال ينتظر المسافرين.
ويخرج  إلى غزوة تبوك ويمضي أبو ذر بعد أن أبطأ به بعيره ، وجعل  يتفقد أصحابه . أين أبا ذر ؟ ، وبينما عسكر الجيش في طريق تبوك إذ رأوا أحدهم يسير نحوهم فعرفه  قبلهم وقال : كن أبا ذر291 ، ثم يصدح بكلمات تبقى مع جندب حتى الآخرة … رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويُبعث وحده. ولكم نال منه لسانه وهو يحرِّم عليه الكذب والخنوع ، فإذا أطلَّ على إخوانه عرفوه بالصدق في الحق وجاءت كلمات النبي  مؤيدةً كما تفعل دائماً … ما أقلّت الغبراء (الأرض) ولا أظلّت السماء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر292.
وهو مع صدقه العظيم شديد الإدبار عن زخرف الدنيا ، زاهدٌ عفيف النفس قال عنه سيد الخلق : من سرَّه أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر293 .
ويموت  ويستشري الخلاف وتطلُّ الفتنة الكبرى برأس غشوم أسود ، ويبقى صاحبنا صاحب الكلمة المرة على الحكام والملوك ، ويمضي إلى الشام فيرى حياة البذخ والترف كما يظنها زهده ، فيجهر بحق الفقراء في قوم أدوا زكاة أموالهم غير أنه يريد شيئاً أخرَ فوق الزكاة إلى أن يغتني الفقير ، ويضيق خُلُق معاوية وإلى عثمان من كلمات أبي ذر ، فيبعث إليه شاكياً مما يفعله هذا الناقد في الشام. وأمره عثمان أن يقدم عليه ويترك معاوية ، ويرخص له بالمسير إلى ضيعة ٍ وادعةٍ هي الرَّبذة.
كان عطاءه في العام أربعة ألاف درهم ينفقها على الفور دون أن يبيت عنده درهم واحد وكأن الدنانير والدراهم نارٌ توشك أن تحرق عليه بيته ، ولعلها كذلك في نظر أبي ذر.
ويأتيه أجله في الرَّبذة وحده مع زوجته ، وتبكي زوجته لحاله وهو يحتضر بعيداً عن الأصحاب والأقارب فيُهدِّئ من روعها … لا تبكي فقد أخبرني صاحبي أني أموت وحدي ….. ويأتي ركبٌ على رأسه عبد الله بن مسعود وكان قد رحل إلى العراق فيعرفه ويصلي عليه ثم يقف على قبره ، ويذرف مع الغروب دمعةً على الزاهد الذي مات وحده ثم يقول … رحم الله أبا ذر يعيش وحده ويبعث وحده .

خاتم المهاجرين
من صحابته  ومن أل هاشم بل هو عمه ، ختم به الله تعالى هجرة الفارين بدينهم ، قال له ابن أخيه … إنك خاتم المهاجرين كما أني خاتم النبيين294 .
العباس بن عبد المطلب … معتدل القامة ليس بالطويل ولا بالقصير أبيض الوجه له ضفيرتان على رأسه ، وهو أكبر من النبي  بثلاث أعوام ، سئل يوماً أنت أكبر أم النبي ؟ ، فقال : هو أكبر مني وأنا ولدت قبله295 … يا لهذا الجواب ويا لعظيم التقدير الذي يُكنُّه لابن أخيه.
بقي كافراً حتى الهجرة رافق النبي  ليلة العقبة وأخذ له العهود من الأنصار ، كان المؤرخون يزعمون أنه خرج مع الكفار إلى بدر مسلماً ، لكنه لم ينحز إلى صف المهاجرين بل أُسر أسراً ، بعد أن انتصر المسلمون جاء به أنصاري موثوقاً وأوقفه بين يدي النبي  فقال : ليس هذا بأسيري ، فتوجه  للأنصاري : لقد آزرك الله بملكٍ كريمٍ.
وجدوا معه عشرين أوقيةً من الذهب فأخذوها وقال : احسبوها من فدائي فأبى … ذلك شيءً أعطانيه الله فقال العباس : ليس معي مالٌ . فقال النبي : فأين المال الذي وضعته بمكة مع أم الفضل وليس معكم أحدٌ غيركما فقلت إن أصبت في سفري فلولدي296 ، وبُهت العباس بهذه النبوءة …. من أطلعه على هذا السر … وأيقن أن ابن أخيه نبيٌ حقاً يأتيه الخير من السماء ،فأسلم على الفور … والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحدٌ من الناس وإني لأعلم أنك رسول الله.
ولو أنه  ملكٌ ممن حكموا الأرض وزعيم ممن استولوا بالقوة على العروش لما كان له الشأن الحازم مع ابن أخيه …. إنها دولة الإسلام ومجتمع المساواة قبل أن تمتد لحمة الأقارب ونسيج القبيلة فتدبر شؤونها ، ولقد افتخر التاريخ بدولةٍ على رأسها رجلٌُ كمحمد .
وحسن إسلامه بعد ذاك وصار جوده الذي عرف به من قبل لخدمة دينه الجديد ، وخصال الجود معهودةٌ في العباس ألم يكن له في مكة ثوب له وآخر لعاري بني هاشم ،كذلك جفنة الطعام تخرج من بيته فتطوف في الجائعين من ذويه وأفاربه297، وخير الصدقة ما كان لذي قرابة .
وثبت مع نبيه في حنين وكان آخذاً بلجام فرسه ، ونادى بالفارين أن عودوا إلى نبيكم ، وسمع الفارون ذا الصوت الجهوري العباس فلوَّوا أعناق خيولهم وعادوا يقاتلون مع نبيهم ثم كتب الله النصر298 .
ويمتد العمر بالعباس بعد موت ابن أخيه ويجد فيه الصحابة عزاءً في فقدان نبيهم ، وقدم مع عمر إلى الشام فحسبه البطارقة عمر فأخذوا يسلمون عليه وهو يشير إلى عمر.
في دولة عمر التي تمتد منذ خاتم النبيين لا يعرف أحد غير المسلمين عمر فهو رجلٌ من عامة الناس يخالطهم بأسواقهم ويحلب شاة ضعيفهم .
ويحلُّ عام القحط على الجزيرة فتسوّد الأرض وتجدب المراعي ويخرج عمر للاستسقاء فأخذ بيد العباس وتوجه إلى السماء وقال : اللهم إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبيك توسلنا به وإنا لنستسقي بعم نبيك العباس299 ، وعادوا إلى بيوتهم فما وصلوها حتى لاح سحابٌ في الأفق وأمطر الناس فباتوا يتحدثون عن السحاب العارض وعن عمر والعباس.
مر العباس بأبي بكر وعمر وهما راكبين فنزلا عن فرسيهما حتى مضى العباس وجاوزهم إكراماً لعم النبي . وتجول عمر في الناس يومئذ فرأى ميزاباً معلقاً على بيت العباس يقطر ماءه على ممر الناس فعمد إليه فقلعه وجاء العباس وقال للخليفة : أشهد أن رسول الله هو الذي وضعه ، فندم عمر ثم أقسم عليه أن يصعد على ظهره فيعيده300 . هذا هو العباس خاتم المهاجرين وهذه بعض ما خفي على الناس من أخباره .

حكيم الأمة وأمير الحلقات
واحد من صحابته  قال عنه : حكيم أمتي عويمر301. فمن عويمر هذا؟
إنه أبو الدرداء ، واسمه عويمر بن زيد.
من الأنصار طمع النبي  في إسلامه ، فمما روي عنه أنه قال : إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم302 ، وتحقق موعود الله تعالى فأسلم بعد أن اتخذ لنفسه صنماً في الجاهلية يعبده وحده فنفض عنه الصنم وأسلم لربه.
يقول عن نفسه : كنت تاجراً قبل الإسلام فلما أسلمت جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا فتركت التجارة ولزمت العبادة.
اسمعوا أيها التجار إن حكيم الأمة يعلن الطلاق بين التجارة والعبادة فتمهلوا ولا تنسوا العبادة ، ولا ندعو إلى نبذها وهي عماد الاقتصاد بل إلى عدم هجران العبادة، فالتجارة كثيرة الشغل تأكل أوقات صاحبها حتى ينسى ربه.
وهو شديد الحرص على العلم وعلى آيات القرآن حتى أنه يقول : لو أُنسيت أيةً ولم أجد أحداً يذكرني بها إلا رجلاً ببرك الغماد (موضع باليمن) لرحلت إليه، وهو صاحب المقولة المشهورة التي لا تزال ماثلة للمتفكرين … تفكر ساعة خير من قيام ليلة303 … أفلا يحق له أن يسميه الخبير بالرجال حكيم الأمة ، بلى.
وسئل ذات يوم كم تسبح يا أبا الدرداء فقال : مائة ألف إلا أن تخطئ الأصابع304.
وها هو يوقد ناراً تحت قدر فسُمع فيه صوتاً كنشيج الصبي ثم انكفأت القدر ورجعت مكانها دون أن ينسكب منه شيء فنادى صديقه سلمان الفارسي ليرى العجاب وقال له : أنظر إلى ما لم تنظر إليه ولا أبوك ، فقال سلمان : أما إنك لو سكت لسمعت من آيات ربك الكبرى305.
رجال أجرى الله على أيديهم الكرامات لفرط يقينهم مع ما عاينوه من معجزات نبيهم  أفلا يستحقون أن نستقصي أخبارهم فنتعلم منهم ونقتدي بهم ؟ . وهو يستعيذ بالله من أن يشغله ماله عن ربه سمعه أحدهم مرة يقول : أعوذ بالله من تفرقة القلب ، فسأله وما تفرقة القلب ؟ ، قال : أن يكون لي في كل واد مال306 .
وقال ثلاثة أحبهن ويكرههن الناس … الفقر … والمرض … والموت .307 ولولا علمه بحكمة المرض الذي يسوقه الله على العباد وبعلة الفقر وحتمية الأجل لما تمناهنَّ . تحدث عنه أم الدرداء فتقول : كأن لأبي الدرداء 360 خليل في الله يدعو لهم في الصلاة308 .
إنه ليعلم أن الدعاء للأخ في ظاهر الغيب يصعد إلى السماء فلا يرجع ولا يرد.وكان رضي الله عنه ملازما للعبادة كثير الطاعة حتى ليود أن يقضي عمره فيها فكانت تُعقد بين يديه حلقات العلم والذكر وهو أميرها ، فعليك رحمة الله يا حكيم الأمة وأمير الحلقات .

المشهود له بالجنة
والذين شهد لهم النبي  من صحابته بالجنة كثيرون بيد أن صاحبنا هذا شهد له أيضا جبريل .
من الأنصار وبالتحديد من الخزرج، رأى جبريل مرتين الأولى في بني قريظة رآه على صورة دحية الكلبي ، والثانية حين رجعوا من الجنائز .
هو حارثة بن النعمان الذي يقول عنه : دخلت الجنة فسمعت قراءة فقلت من هذا فقيل هذا حارثه309.
وشهد له كذلك جبريل بعد غزوة حنين إذ نظر إليه مع النبي  وقال عنه : أما إنه من المائة الصابرة يوم حنين الذين تكفل الله بأرزاقهم في الجنة310 ، فحارثة إذاً يومها شهيد يمشي على الأرض .
كان جار النبي  في المنزل وكلما تزوج نبيه واحدة أفسح له حارثة حتى تنقل في عدة منازل فقال : لقد استحييت من حارثة مما يتحول لنا عن منازله311 .

ذو الصوت الندي
إنه أبو موسى الأشعري ، اسمه عبد الله بن قيس.
دعا له  فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما312 ، وهو صاحب الصوت الندي إذا قرأ آيات الله تمنى الصحابة أن يستمر بلا توقف لرتابة صوته وحسن تلاوته ، ولقد أوتي مزماراً من مزامير أل داود313.
وهاهو يرتل كلمات عذابٍ ويمر به  دون أن يشعر به ، فيشنِّف  أذنيه لهذا الصوت ولا يتكلم ثم يشعره بوجوده فيمتدحه فيقول أبو موسى : لو اعلم بمكانك لحبَّرته ( حسنته وزينته) لك تحبيراً314.
وهو على الرغم من نحافته وقصر قامته مجاهد ٌ صلب الرأس لا يشق له غبار .
كان عمر يحبه ويقربه ، ولاه الكوفة ففرح به أهلها لما رأوه من عدله ولينه ، ثم بعثه إلى البصرة وقال له : إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم315 ، فيمضي ويعلم أهلها القرآن ويصدح بصوته الرخيم في أصدائها فيسمعون حلاوة القرآن من مزامير داود ، قال الحسن البصري : ما قدم البصرة راكب خير لأهلها من أبي موسى316.
وبقي عمر متمسكاً به رغم حزمه مع الولاة فإذا صدر منهم ما يشين الدين ويثقل كاهل الرعية عزله على الفور ، وكتب ألا يقر له عامل لأكثر من سنة وأقروا أبا موسى أربعة أعوام, ورجلٌ يحظى بالولاية أربعة أعوامٍ في دولة على رأسها عمر حظيظ حظيظ.
كان شديد الحرص عن محارم الله وخاصة نساء العراق فها هو يقول : لأن يمتلئ منخري من ريح جيفة أحب إلى من أن يمتلئ من ريح امرأة317.
ومما يدللك على تقواه وحسن أخلاقه مفاوضاته مع عمرو بن العاص ، أفرجت المناقشات أنه خير الرجلين لا يقصد سوى مصلحة المسلمين حتى ولو عزل علياً ذاته . لكن الأمر كان خدعة سلمه الله منها ، ولا يزال التاريخ يذكر لأبي موسى حسن طويته وصفاء سريرته.

الفارس الهمام
فارس النبي  ، وصاحب مواقف الشجاعة المعروف ، أبو قتاده الأنصاري الحارث بن ربعي. قال في حقه نبيه : خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع318 ، ردا خيول المشركين عن المدينة ، وقتل أبو قتادة مسعدة المشرك ذا النكاية بالمسلمين يومها وثأر لهم.
وفي غزوة حنين نظر المسلمون إلى محارب شرس من ثقيف علاهم على ربوة وأخذ ينضح بنبله ويفتك بهم ، فاستدار له أبو قتادة من ورائه وضربه بالسيف حتى قطع ذرعه ، لكن المشرك لم يمت، وتصارعا من جديد وضم المشرك أبا قتادة ضمة يقول عنها : وجدت منها ريح الموت ثم أرسلني ومات. وسلبه درعه وباعه319.
وأبو قتادة رجل أمسك بقرني الشجاعة في الحروب حتى كان من جنود العمليات الخاصة التي لا يختار لها إلا أعز الرجال وأمنعهم ، بعثه عمر بن الخطاب إلى العراق حيث قتل أحد ملوك الفرس بيده وسلبه منطقته وباعها ب 15 ألفاً.
وصدق في جميع المواقف، وكان بحق أكبر مثلاً لأولئك الذين يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيل علو الإسلام ورفع راية الدين.
وينتشر الإسلام سريعاً في أرجاء المعمورة ويبقى أبو قتادة في المدينة ، وفي خلافة بني أمية يقدم معاوية حاجاً ويمر بالمدينة فلا يستقبله أحد من الأنصار ويعاتب أبا قتادة : تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار ، قال أبو قتادة : لم يكن لنا دواب ، قال معاوية : فأين النواضح ( ما يستسقى عليه الماء من الإبل) قال أبو قتادة وقد تبرم بمعاوية : عقرناها في طلب أبيك يوم بدر320 ، وأمسك معاوية، إن الرجل ليدلي بالحق.
وقبل أن يموت النبي  كان أبو قتاده كثيراً ما يجول ببصره إليه خوفاً عليه من الغدر ، بل ويسهر على راحته فها هو  في بعض أسفاره على راحلته فنعس ونام وتأخر عن ظهر الراحلة حتى كاد يسقط ولكن هيهات ورجل كابي قتادة لا يزيح نظره عنه ، فيتقدم بفرسه ويدعمه بيده فيستيقظ  قبل أن يسقط على الأرض ، فقال : اللهم احفظ أبا قتادة كما حفظني الليلة ، ثم توجه إليه وقال : ما أرانا إلا قد شققنا عليك321.
كان أبو قتادة موفور الشعر يمضي الوقت في تزيين رأسه، وفي نادرةٍ من نوادره وبينما هو يُرجِّل شعره إذ أرسل إليه  فرجع الرسول مخبراً: انه يترجل يا رسول الله، فبعث إليه ثانيةً وثالثةً وفي كل مرةً يجده مستغرقاً في تزيين شعره، فقال : احلقوا شعره. وكادوا يفعلون، فقال للنبي : إن تركته لأرضينك، وبعدها بيسير يرضيه بقتل زعيم المشركين الذين وطأت خيولهم المدينة زعيمهم مسعدة الغطفاني، ويرضى عنه  ويدعو له بخير. عليك سلام الله يا أبا قتادة.

المصلي الخائف
أنصاريٌ من الخزرج، شداد بن أوس، ابن أخ حسان بن ثابت شاعر النبي .
كان كثير الخوف من ربه، سكن الشام بعد وفاة نبيه  ، وعظ مرةً الصحابة في بيت المقدس فقال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشهوة الخفية والشرك322.
والشهوة الخفية هي التي لا تظهر أمام الرائين بل تستبد بها النفس، فيعمل لأجلها، ويقف المواقف في سبيلها فتورثه الرياء، والقرب من النار.
حدثت رجفةٌ بالشام وأشدها في بيت المقدس، وذهبت رجله تحت الردم فانتشل جسده وأبقاها، وفي عهد الخلافة الأموية عثر الناس على الرجل والنعل وعرفوا أنها رجل ونعل شداد بن أوس323.
اذا هبط الليل بسدوله القاتمة ونام الناس بقي شداد يتقلب على فراشه وهو يطيل التفكير في نار الآخرة، فكان رضي الله عنه يقول مناجياً ربه: اللهم إن النار أذهبت مني النوم324، فينفض عن جسده الفراش ويقوم يصلي حتى يطلع النهار لم يذق طعم النوم.
ومن كلماته التي بقيت في ذاكرة الأيام ما وعظ به أهل الشام واحتفظوا بها في ذاكراتهم وكتبها المؤرخون في كتبهم:
أيها الناس إن الدنيا أجلٌ حاضرٌ يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة أجلٌ مستأخرٌ يحكم فيها ملكٌ قادرٌ، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، وإن الشر كله بحذافيره في النار325.

عدو الشهرة
القليل جداً من عشاق السيرة النبوية من يعلم بالصحابي بُريدة بن الحصيب أما العامة فلا يعرفون صحابياً بهذا الاسم. أخباره قليلةٌ ونادرةٌ، لكنه من أشد المجاهدين وأحرصهم على الدين.
حامل لواء القائد أسامة بن زيد حين ابتعثه  لتأديب القبائل الشمالية التي كانت تغير على أطراف المدينة، لكن الأجل أجل النبي  فجأ الصحابة قبل بعث أسامة، ويُنتخب أبو بكر ويدرج على جدول أعماله جيش أسامة كأول عملٍ في خلافته، فيخرج الأمير وترتفع الراية بيد بريدة بن الحصيب.
وتستمر مسيرة الجهاد في تاريخ بريدة ويغزو مع جيش المسلمين في المشرق حيث السند والهند، ويرجع إلى المدينة فيسأله الناس عن الجهاد في المشرق وعن أحوال الناس فيقول: وراء نهر جيحون لا عيش إلا طراد الخيل بالخيل326.
وهو محاربٌ عنيدٌ للشهرة والرياء وربما كان هذا السبب الذي لأجله لم يفصح بإجلال عن جهاده، وها هو يشهد خيبرَ وتبدأ حرب الأسوار ويصعد احدها، وعلى ثلمةٍ بين الأسوار يقاتل بضراوة ويراه الصحابة عليه ثوبٌ أحمر ويعرفونه.
يقول عن موقفه ذاك وعن ثوبه الأحمر: فلا أعلم أني ركبت في الإسلام ذنباً أعظم علي منه327.

المخاصم في مال الله
صحابيٌ آخر غير معروفٍ مع أجلاء الصحابة، لكن القلة ممن استهواهم الحديث عن الأمانة يعرفونه ويمتون إليه بصلةٍ وثيقة. ممن منا يعرف صحابياً اسمه الحكم بن عمرو الغفاري؟.
في خلافة معاوية بعثه زياد بن أبيه مسيّر الحملات الفاتحة إلى المشرق لغزو خراسان، فمضى الحكم للجهاد وغنم من الأعداء مالاً وفيراً, وعلى الفور بعث يخبر زياداً بما فتح الله به على المسلمين، وكتب إليه زياد أن استبقي الذهب والفضة لأمير المؤمنين ووزع باقي المال على المجاهدين، وتحيّر الحكم في أمر الخليفة وأميره زياد. لكن الحكم بن عمرو شديد الحرص على مال المجاهدين وسيقسمه تبعاً لكتاب الله الذي يقضي بأن يجعل خمس الغنائم في الفقراء والمساكين، أما الباقي فللمجاهدين.
فكتب إلى زياد… أقسم بالله لو كانت السموات والأرض رتقاً على عبدٍ فاتقى الله لجعل له من بينهما مخرجاً، إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين والسلام. ثم نادى في الجند فوزع عليهم أعطياتهم328.
وهو يقترب بنفسه من تقوى الله وينأى عن كتاب معاوية وأميره، فليفعلوا ما يشاؤون فإن الله جاعلٌ له مخرجاً، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة.
واستبد الغضب بمعاوية وزياد وسيَّر إليه من يقيده، فحُبس بأثقال الحديد، وفاضت روحه الطاهرة وهو يرتع فيها، فدفن رحمه الله في قيوده، وكانت آخر كلمةٍ قالها: إني مخاصمٌ.
ولكم كان عمر الخليفة العادل يرمق الحكم بن عمرو الغفاري ويرى فيه الرجل التقي الذي لا تأخذه في قولة الحق ملامةٌ ولا عتاب، رآه مرةً وقد خضّب شعره بالصفرة فقال معجباً: هذا خضاب الإيمان329. وخضاب الايمان أيضا تلك القيود التي مات ودفن فيها، وإنها لمخرجٌ أمدها الله تعالى بها، ليثيبه بالدرجات العلى، وأنه لمخاصمٌ في مال الله.

حبيب النبي 
أو الحِبُّ بن الحِبِّ إن أردت القول، ومأثرة التاريخ حينما يُجلد العبيد بسياط الحرمان والقسوة، بيد أن تاريخ الإسلام مع العبيد سنعرفه في هذا الفصل المعقود عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
ولعلك لا تعرف أن أسامة حينما ابتعثه  على رأس الجيش ليؤدب قبائل الشمال من الإغارة على المدينة كان عمره لم يتجاوز بعد سن الثامنة عشرة.
وهو صاحب الحظ الوافر عند نبيه  فلا يردّ له طلباً، حتى أن قريش صحت ذات يومٍ على امرأةٍ شريفةٍ في قومها بني مخزوم وقد سرقت احد الأمتعة، فعلم النبي  فأراد قطع يدها وشق ذلك على السادة الذين لم يسلموا إلا بحد السيف، فقالوا نكلم النبي  عساه يكفّ عن عقابها، ولكن من ذا يتشفع عند النبي . الحِب أسامة، وعلموا أنه صاحب الكلمة المسموعة عند أبيه أو من حل محل أبيه بعد موته، فتشفع أسامة ولكن هيهات يُهمل حق الله في حدوده فلا شفاعة في الحدود لدى السلطان إلا إذا تداركوا ذلك قبل علمه330.
وأسامة غلامٌ أفطسٌ شديد السواد حينما كان غلاماً امتخط على نفسه مرةً وامتعظت عائشة من أن تمسح وجهه، فكان  هو من نظفه وجمّله، ثم قال لعائشة: يا عائشة أحبيه فإني أحبه331 فمن يومها احبته عائشة.
وتأتي فاطمة بنت قيس بعد أن تقدّم لها الخاطبان أبو جهم ومعاوية تستشير النبي  فيمن ترضى به زوجاً فقال: أما أبو جهم فشديد الخُلُق لا يضع سوطه عن رأسه (أي كثير الضرب للنساء) وأما معاوية فصعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة332.
وتمر الأيام والسنين والصحابة يلحظون بعيونٍ غابطةٍ حبه  لأسامة، حتى إذا جاء العام العاشر ومضوا مع نبيهم يؤدون مناسك الحج وقفوا على عرفة ينتظرون أمر نبيهم في الإفاضة إلى المزدلفة فقد اعتم الليل، واجتمع على الجبل مائة ألفاً من الصحابة والنبي  لا يزال يؤخر الناس وحوله شيوخ اليمن وسادة العرب، ويأتي أسامة عبداً أسوداً فيحتضنه ويأمر بالإفاضة، فقال شيوخ اليمن: حُبسنا من أجل هذا333.
وكان  إذا ندب أصحابه للغزو وبقي في المدينة دفع سلاحه لواحدٍ من اثنين، علي أو أسامة، ولكن أسامة يقترف خطأً مشيناً، ففي إحدى الغزوات شهر سيفه لقتل مشرك فنطق المشرك بالشهادتين فقتله أسامة، واخبر  فغضب وقال: يا أسامة أقتلته بعد أن نطق بها، قال يا رسول الله ما قالها إلا خوفا من القتل … يا أسامة من لك بلا اله الا الله.
قال أسامة: فما زال يرددها حتى لوددت أنَّ ما مضى من إسلامي لم يكن وأني أسلمت يومئذ334.
وتعلم أسامة بعدها أي حرمة لمن ينطق بهذه الكلمة حتى لو كان الشيطان صاحبها، حتى لو قالها تقية و خوفا. وينتقل النبي  بالرفيق الأعلى وينتحب عليه أسامة.
وتأتي الفتنة الكبرى ويختلف الصحابة إلى احد المعسكرين، معسكر علي في العراق، ومعسكر معاوية في الشام، بيد أنَّ أسامة يجلس في بيته ولا ينضم لأحد، وهل ينسى تلك الحادثة التي عنفه  لأجلها.
ويعتب عليه علي ، ويلقاه ويقول له: يا أسامة، ما كنا نعدك إلا من أنفسنا فلم؟.
قال أسامة: يا ابا الحسن، انك والله لو أخذت بمشفر الأسد لأخذت بمشفره الآخر معك حتى نهلك جميعا أو نحيا جميعا فأما هذا الأمر فلا335.
ويفرض عمر في خلافته الأعطيات للصحابة، وهي ليست متساوية، بل كلٌ حسب بلائه ومنزلته في الإسلام، ويعطي ابنه عبدالله 3 آلاف ، ويدفع لأسامة 3.5 الاف، ويغضب عبدالله… يا أبتي ما سبقني إلى مشهد من المشاهد، فقال الخليفة عمر: لان أباه كان أحب إلى النبي  من أبيك336.
أما بعثه الذي اشتهر به فلم يمضِ في عهد النبي  فقد مات قبل أن يخرج الجيش ، أمضاه أبو بكر ، وسار الخليفة الجديد يمسك زمام فرس أسامة وهو يمشي راجلا على الأرض ، ويطلب إلى القائد أن يستبقي له عمر يستشيره في معضلات الأمور، ويمضي أسامة إلى الشام فلما بلغوا بغيتهم أصابتهم ضبابة شديدة فسترتهم حتى أغاروا وأصابوا ورجعوا منتصرين غانمين، وعلم هرقل بغارتهم وموت نبيهم، فقال: ما بال هؤلاء يموت صاحبهم ويغيرون على أرضنا.
أعلمت ألان أي رجل هو أسامة؟، ولم كان  يفضله على أصحابه ؟.

صاحب مجالس الايمان
كان إذا لقي أحداً من أصحابه اخذ بيده وقال: تعال بنا نؤمن ساعة فيجلسون يذكرون الله، فقال مرة لأحدهم ذلك فغضب، إنَّ هذه المجالس لا يعقدها سوى النبي  ومضى الغاضب إلى النبي … يا رسول الله ألا تراه يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة. قال : رحم الله ابن رواحة انه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة337.
عبدالله بن رواحة الصحابي الجليل والشاعر المُجيد، والباكي في ظلمات الليل خوفا من الورود على النار.
بعثه  في سرية بثلاثين راكبا الى إليهودي أسير بن رزام عدو الإسلام في خيبر فقتله وعاد منتصرا338. ثم بعثه مرة أخرى يُقدُّر تمر خيبر ليأخذ  نصفه للمعاهدة التي عقدها مع إليهود وللسماح لهم بالمكوث فيها، فأراد إليهود أن يرشوه فجمعوا من حلي نسائهم ودفعوه إليه وقالوا: هذا لك، فغضب وقال: يا معشر يهود، إنكم والله لمن ابغض خلق الله إلى، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم والرشوة سحت وعنفهم، فقالوا: بهذا قامت السموات و الأرض339.
ولكم هو شديد الطاعة للنبي  الطاعة الحرفية التي تنبذ كل عصيان، تأخر مرة عن صلاة الجمعة وقد صعد  المنبر وقال لأصحابه: اجلسوا، وعبدالله لم يدخل المسجد بعد فجلس في مكانه حتى فرغ من خطبته. فبلغ ذلك النبي  فقال: زادك الله حرصا على طواعية الله ورسوله340.
ومرض مرضا شديدا ظن انه سيموت في نهايته فأتاه  فراى صاحبه وقد أُغمي عليه بين الحياة والموت فدعا له وقال: اللهم إن كان حضر اجله فيسر عليه وإلا فاشفه، فوجد خفة، فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ظنت أني مت فقالت: واجبلاه واظهراه فرأيت ملكا رفع مرزبة من حديد يقول: أنت كذا ، فلو قلت نعم لقمعني بها341.
كثير الطاعة شديد الالتزام بما يحثهم عليه  ، قال أبو الدرداء : إنا لنكون مع النبي  في السفر في اليوم الحار ما في القوم احد صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة342.
وهو شاعر منافح عن دين الله ثقيل الوطأة على المشركين، بيد انه توجس خوفا حينما نزل قوله تعالى{والشعراء يتبعهم الغاوون}343 فقال: يا رسول الله، أنا منهم؟، فنزل بعدها{الا الذين امنوا وعملوا الصالحات …}344.
وها هو  يدخل مكة وعبدالله يتهدد الكفار بشعره، فنهره عمر وقال: يا ابن رواحة في حرم الله، وبين يدي رسول الله؟، فقال : خل يا عمر لكلامه عليهم اشد من وقع النبل345 فقال صادحا:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله
وهو شديد الخوف حينما يتذكر قوله تعالى {وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا }346 وتراه زوجته مرة يبكي فبكت لأجله، فقال لها : لم تبكين؟، قال: لبكائك، فقال: إني علمت أني وارد النار وما ادري أناج منها أم لا347.
وفي هذا عبرة كما ترى أيها القارئ الكريم فعلى الرغم من أنَّ الله تعالى استثنى المتقين من الوقوع في النار إذ قال {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا }348 على الرغم من استثناءه فعبد الله بن رواحه يبكي خوفا ألا يكون من المتقين ، فكيف بنا نحن؟؟ .
كان لعبد الله جاريةٌ يستسرِّها عن أهله, أي يأتيها دون علم زوجته التي كانت شديدة الغيرة عليه, فبينما هو ذات ليلة مع جاريته أذ أبصرته زوجته فغضبت, وأنكر عبد الله ذلك, ولكنها رأته بأمِّ عينها وأصرَّ هو على الإنكار, فقالت: إن كنت صادقاً فاقرأ آيةً من القرآن… وعبد الله لا يزال جُنباً ولا يصح للجنب قراءة القرآن وشعر أنّه في ضيقٍ ومأزق.
فقال منشداً:
شهدت بأن وعد الله حقـاً وأنَّ النار مثوى الكافرينا
فظنَّته قرآناً, وقالت: زدني, فقال:
وأنَّ العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمينا
وتحملــه ملائكةٌ كـرام ملائكة الإله مقربينــا
فقالت: آمنت بالله وكذّبت بصري, فأصبح عبد الله يقصُّ على النبي  حديث زوجته فضحك من فعلها.
وهذ يدل على ذكاء عبد الله بن رواحة وحسن خروجه من الضائقات حتى وإن كان الأمر يخصُّ الزوجات, وعبد الله بن رواحة أميرٌ طالما ابتعثه النبي  على رأس المجاهدين, وهو أحد أمراء مؤتة واستشهد  فيها.
رحم الله عبد الله, فلا يزال شعره في كتب الأدب والتاريخ يقصُّ علينا أخبار الرعيل الأُوَل الذين نافحوا عن دينهم بكل ما ملكوه وقدَّموه رخيصاً في سبيل إعلاء عقيدتهم349.

جوع أبي هريرة
عبد الرحمن بن صخر الدَّوسي, لُقِّب بأبي هريرة لهرةٍ كانت عنده, أكثر الصحابة روايةً للأحاديث مع أنَّ أسلم قبل وفاة النبي  بأقل من أربع سنوات, أسلم في السنة السابعة للهجرة.
وهذا الصحابي مثالٌ للجوع والفقر والعوز, كثير اللزوم للنبي  الذي يكثر من إطعام المساكين والجياع, ويرأف بحال أهل الصفَّة350 والضياع من أصحابه.
يحدّث عن نفسه فيقول: إنَّ الناس يقولون أكثر أبو هريرة ( أي من رواية الحديث) وإني كنت ألزم النبي  لشبع بطني.
وكنت أُلصق بطني بالحصباء من الجوع, وإني لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيُطعمني.
يقصد أنّه يسأل الصحابة عن آيةٍ فيها حثٌّ على الإنفاق وحضٌّ على الإطعام كي يطْعَم بعدها لا أنه يسأل عن معناها فهو أعلم الأصحاب بها.
قال: وكان خير الناس للمساكين جعفر, ينقلب بنا فيطعمنا.
ورحم الله جعفرَ لكم أخذ آحاد الصحابة الفقراء الطاوين من الجوع ومعهم أبو هريرة إلى منزلهم ليعشِّيهم, فيُخرج عكّة السمن فيأكلون ويشبعون.
يحدّث أبو هريرة فيقول: أتت عليَّ ثلاثة أيامٍ لم أطعَم, فجئت أريد الصُفَّة, فجعلت أسقط من شدة الجوع, وإذا الصحابة يقولون: جُنَّ أبو هريرة, فجعلت أناديهم وأقول: بل أنتم المجانين.
ثم جئت النبي  وبين يديه قصعتان من ثريدٍ ( وعاءان من طعامٍ), فدعا أهل الصُّفَّة فجاؤوا وجلسوا ليأكلوا, وجعلت أتطاول كي يدعوني ولم يفعل.
حتى أكلوا وقاموا وأنا أتلوَّى من الجوع, ولم يبقَ من القصعة إلا شيءٌ في نواحيها, فجمعه  بيديه الشريفتين حتى صار لقمةً فدعاني وقال: كُل بسم الله, فو الذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.
ويحدِّث عن نفسه فيقول: لقد رأيتني وأنا أسقط فيما بين منبر النبي  وحجرة عائشة من الجوع مغشيَّاً عليَّ, فيجيئ أحدهم فيضع رجله على عنقي يرى أنَّ بي جنون وما هو إلا الجوع.
فإذا جعت أيها المسلم فتذكَّر أحاديث أبي هريرة يكون لك فيها بعض العزاء, فقد ارتضى صاحب الأرزاق أن يجوع محمدٌ  وأصحابه هذا الجوع, أفلا يحدث لك بعض الشيء, ولولا أنّ الجوع فضيلةٌ يُكال لصاحبها الأجور والدرجات لما كان ديدن الصالحين من قبلنا.
وإذا عضَّك الجوع أيها المسلم في بعض نهارات رمضان الطويلة فاذكر أخبار أبي هريرة واتخذّه قدوةً عسى يكون لك قريباً من أجره.
وإذا جعت أيها المسلم فاذكر آلاف المساكين الذين لم يطعَموا منذ أيامٍ, وأنت بحمد الله إن جعت ساعةً وليالٍ وأيامٍ, فحالك لا يزال بخيرٍ.
إنَّ بعض الصالحين ممن عرف الجوع وفضائله تتوافر لديهم الأرزاق التي تشبع قبائل بأسرها ثم يجوعون عامدين, فالجائع أقرب ما يكون إلى ربه, يجوعون قاصدين ذلك, إنّهم يحبّون التشبه بالمساكين, ويرتضون لأنفسهم حال الفقراء والمعوزين, ولك في هؤلاء عبرةٌ وعظةٌ ولك فيهم أكبر العزاء.

المتحابُّون في الله
هل أحببت أخاً لك في الله؟, لا تريد منه مصلحةً ولا حاجةً, أعجبك سمته وخلقه فأحببته لأجل هذا وجعلته من أصفيائك.
ماذا لو كان الجواب لا, فالدنيا والتشاغل فيها لم تعطك فرصةً.
اسمع جزاء المتحابين في الله.
يقول : “يُنصب لطائفةٍ من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة, وجوههم كالقمر ليلة البدر, يفزع الناس وهم لا يفزعون, ويخاف الناس وهم لا يخافون, وهم أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون, فقيل من هؤلاء يا رسول الله؟, قال: المتحابُّون في الله”351.
هل يُعقل أن يمضي عمرك المديد وأنت لم تُحصِّل هذه الخصلة؟, وما أسهلها, وما أكبر جزاءها.
إذا أحببت شخصاً في الله, أي من أجل الله, تجلس على إحدى الكراسي النورانية المنصوبة حول العرش ووجهك يضيء ويتلألأ مثل القمر, والأعظم من ذلك أنك ترى في الساحات المديدة خائفين, فزعين وأنت آمنٌ, فقد كتب الله لك ولايته فلا خوفٌ بعد اليوم.
ألا فبادر أيها المتشاغل عن الآخرة بالدنيا وابحث عن أحد الصالحين فأحبَّه في الله ينفعك غداً, وإلا كنت مع جمع الخلائق الغافلين.

عندها يتامى فصبرت عليهن
كفالة اليتيم ورعايته والقيام على شأنه من أعظم القربات إلى الله, فقد امتحنه الله بفقد الأب الذي كان راعياً له, بل إنَّ كافل اليتيم جارٌ للنبي  الذي يستقر في أرفع مكانٍ في الجنة فهو يقول: “أنا وكافل اليتيم كهاتين وعقد بين السبَّابة والوسطى وأنت ترى القرابة بينهما”352.
وقد أخبر في مكانٍ آخر أنّ الماسح على رأس يتيم يؤجر بعدد شعر رأس اليتيم حسناتٍ, أرأيت أجراً أعظم من هذا , مجرد المسح على رأسه هذه الحركة البسيطة يُكتب لك من الأجر بعدد شعرات رأسه353.
بل إنَّ الأمر أكثر من ذلك, اسمع هذا الحديث:
يقول : ” حرَّم الله على كل آدميٍ الجنة يدخلها قبلي, غير أنِّي أنظر عن يميني فإذا امرأةٌ تبادرني؟, فيقال لي: يا محمدٌ هذه امرأةٌ كانت حسناء جميلةً, وكان عندها يتامى فصبرت عليهنَّ حتى بلغ أمرهنَّ الذي بلغ, فشكر الله لها ذلك”354.
فعلى الرغم من ضعف الحديث, بادري يا أمة الله بالإحسان إلى اليتامى, فقد جعل الله تعالى عظيم أجره في اليتامى, فلعلك تدخلين الجنة في أول الخلق مع محمدٍ .

امرأة الإسلام الأولى
خديجة بنت خويلد, أول من أسلم من الرجال والنساء على السواء, وزوجة المصطفى  حينما بُعث, حين تزوجها كان عمره خمساً وعشرين سنةً وعمرها أربعين, ثم يزعم المستشرقون بعد ذلك أنَّ محمداً رجلاً شهوانياً مولعٌ بالنساء, تزوج أكثر من عشرة واجتمع لديه تسعاً في وقتٍ واحدٍ.
وهل يُعقل أيها العابثون أنَّ رجلاً شهوانياً يتزوج وهو في عنفوان الشباب ويقظته امرأةً ذات أربعين عاماً.
وقد كانت رضي الله عنها زوجةً وأمَّاً وأباً للنبي , إذا تكالبته الهموم جاء يشكو لخديجة فتخفّف عنه الألم, وإذا كذَّبه أحدهم وأغلظ له القول رجع إلى خديجة ليجد عندها التصديق وبعث العزم من جديدٍ.
وإنَّه ليليق بها وهي المرأة العظيمة ذات الشأن أن تكون زوجةً لأعظم الرجال وأفضل الخلق, وإنَّها لنعمةٌ من الله تعالى أن يختار لنبيه  هذه الزوجة من النساء لتشدَّ على يده وتزيد من إقدامه.
وها هو النبي  يفرُّ من جبل الغار, غار حراء بعد أن جاءه الملك, يفرُّ خائفاً وجلاً إلى يدخل على زوجته خديجة مضطرباً, تقضُّ جسده الشريف قشعريرة البرد, فتهوِّن عليه وتمدَّ على ظهره الأغطية ويداً حانيةً فوقها فيطمئنَّ .
وتتفق معه على رأيٍ: إذا جاءك الملك فأخبرني, ويأتيه في أحد الأيام, فيقول: يا خديجة, يا خديجة, وتمضي رابطة الجأش قويمة الفؤاد وتجعل زوجها بين يديها ثم تخلع غطاء رأسها وتقول: أتراه الآن؟, فيقول: لا.
… ما هو بشيطانٍ, وإنه لملَكٌ يستحي أن ينظر إلى زينة النساء.
المرأة خديجة والحيلة والذكاء صنْعَتُها, ومحمد  يزداد طمأنينةً وسكينةً.
ويقول لها : إنَّ جبريل جاءني يُقرؤك السلام من الله ويبشِّرك ببيتٍ في الجنة.
لله درك يا صاحبة النبي , ولكم قدّمْتِ للدعوة من خدمةٍ, المال والمأوى والقلب الشجاع وذكاءٌ لا يعدله ذكاءٌ355.

أفضل الأيام
يوم الجمعة, وكذلك هو في الآخرة ويسمُّونه يوم المزيد.
في هذا اليوم خلق الله آدم , وأدخله الجنة وأخرجه منها, يقول : ” خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة, فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنة وفيه أُخرج منها”356.
وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة, والدَّواب تعرف هذا, ورد عنه :” ما من دابةٍ إلا وهي مصيخةٌ أذنها يوم الجمعة تنتظر الساعة”357.
وهو اليوم الذي اختاره الله لليهود حين كانوا على الدين الحق, والنصارى كذلك, لكنهم اختلفوا وضيَّعوا فأبدلوه غيره, فاختار إليهود يوم السبت, والنصارى يوم الأحد, وهدانا الله إليه.
ففي صحيح البخاري من رواية أبي هريرة عن النبي : ” نحن الآخرون السابقون بيد أنّهم أُوتوا الكتاب من قبلنا, ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فهدانا الله, فالناس لنا تبعٌ, إليهود غداً والنصارى بعد غدٍ”358.
وفي هذا اليوم ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ يسأل الله تعالى من فضله إلا أعطاه, ولكننا لا نعرفها على وجه التحديد, واختلف فيها الفقهاء, قال بعضهم: الساعة الأولى ساعة الضحى, وغيرهم: بل التي تسبق صعود الإمام خُطبة الجمعة.
وقال آخرون: هي الساعة التي خُلق فيها آدم  وهي ساعة الأصيل ما بعد العصر إلى غياب الشمس, وزادت أقوالهم حتى استغرقت ساعات الجمعة كلها.
ولهذا سببٌ في الشرع, أقصد أن تكون ساعة الإجابة مخبوءةً في الجمعة تماماً كالسبب في إخفاء ليلة القدر.
فلو أننا عرفنا ساعة الجمعة وليلة القدر لاجتهدنا فيهما فقد ونسينا بقية الساعات والليالي, والمسلم مُطالب بغير هذا, مطالبٌ بأن يجتهد في الساعات والليالي كلها, فإذا مضت ساعةٌ يقول: لعل الإجابة تكون في الساعة المقبلة فيجتهد من جديدٍ, فإذا جميع الساعات طاعاتٌ لله, وجميع الليالي عباداتٌ له.
ويستحب لك أيها المسلم أن تكثر من الصلاة على نبيك  في هذا اليوم المبارك, فقد ورد عنه أنَّ قال: ” خير أيامكم يوم الجمعة, فأكثروا فيه من الصلاة عليَّ, فإنَّ صلاتكم معروضةٌ عليَّ”359, فإياك أن تنساه من الصلاة عليه.
وندَبَنَا النبي  للصلاة عليه في الليلة الغرَّاء واليوم الأزهر, ولمّا سئل عنهما قال: ليلة ويوم الجمعة360.
ومن فضائل هذا اليوم أنَّ جهنم لا تُسعَّر فيه, أخبر الحديث: ” إنَّ جهنم تُسعَّر في كل يومٍ وتفتح أبوابها إلا يوم الجمعة”361.
قال القرطبي: ولهذا المعنى كانت النافلة جائزةً يوم الجمعة عند قائم الظهيرة دون غيره من الأيام362.

قالوا قبل موتهم
تُرى … ما يكون كلام الإنسان قبل موته… خلاصة حياته, آخر كلماته في الدنيا توجز مسيرته منذ عشرات الأعوام, لا ينطق لسانه حينئذٍ بل لسان حاله.
فتخيل حين يتفوَّه الرجل التقي الصالح على فراش الموت فيقول: لا إله إلا الله.
وتخيل حين يقول العاصي: مالي.. عقاري.. زوجتي.. أولادي.. أو افعلوا أولا تفعلوا.
ثم تخيل نفسك من أي الفريقين ستكون.
حينها يثقل لسانك فيتحدث قلبك عما شغله في سنيِّ عمرك, فكن من الآن على حسابٍ لتلك الساعة الآتية.
كانت آخر كلمات عمر بن عبد العزيز حين دخلت عليه زوجته, قالت: فشممت منه رائحةً عطرةً لم أشمَّ مثلها في الدنيا, ثم سمعته يقرأ وهو يبتسم قول الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}363, ثم قُبض رحمه الله.
وها هو هارون الرشيد الخليفة العباسي يطلب قبيل موته أن يُحفر قبره فيقف عليه ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه.
وها هو معاوية بن أبي سفيان زعيم ملوك الأمويين يقول في ساعة الاحتضار مخاطباً نفسه: تذكر الآن الله يا معاوية, أما كان ذلك في الشباب, اللهم ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي.
وها هو عمر بن الخطاب أول من يجوز الصراط من المسلمين, حين طُعن جاؤوه بطبيبٍ فسقاه لبناً خرج من جراحه فعلم أنَّ ميتٌ, فقال لابنه عبد الله: وهو يسنده على فخذه: يا بنيَّ ضعني على الأرض, فيقول ابنه: إنما أنت على الأرض يا أبتِ, فيقول: يا بني ضع خدِّي على التراب, ويلٌ لعمر إن لم يغفر له ربه.
ويذكِّرونه بفضله وبلائه في الإسلام, يذكِّرونه بأيامه مع النبي  وغزواته, وبعدله في خلافته وحرصه على الرعية, فيقول: وددت لو كان ذلك كفافاً ليس لي ولا عليَّ.
هذا كلام السادة الملوك الحكام قبل موتهم, فتمعّنه جيداً.

النار مصير الظالمين
هي الدار التي أعدَّها الله للكافرين والعاصين من عباده, هي مكان العذاب ومحلُّ انتقام الله على عصيانه.
وهي من أعظم المخلوقات وأشدها ذهولاً, وأخوف المرعبات وأخطرها, فويلٌ لمن مسَّ سعيرها وتعساً لمن أُلقي فيها.
ولكم حذَّرَنا الله منها في كتابه فأقام علينا الحجَّة, { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}364, وأنذرنا منها نبيه  فقد روى النعمان بن بشير عن النبي  أنه قال واقفاً: “أنذرتكم النار حتى لو أنّ الرجل كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا, وحتى وقعت خميصةٌ كانت على عاتقه عند رجليه”365.
وتظافرت مئات النصوص القرآنية والنبوية المُحذِّرة من النار, فمرةٌ تدعونا للكفِّ عمَّا يوصل إليها, وأخرى تصفها لنا فتتحدث عن أصناف العذاب فيها بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ كل من له مسّكةٌ من عبرةٍ وبقيةٌ من عقلٍ ينبغي عليه أن يحسب حسابها ويرتدع عنها.
وإنَّ من أعرض عن الحديث عنها أو سَدَر غافلاً لهو مجنونٌ أو شبيهٌ بالمجنون.
والمسلم يخاف الله دائماً حتى لو كان أطوع الناس له, ولنا في عمر  قدوةٌ صالحةٌ إذ يقول: لو نادى منادٍ من السماء أنكم داخلون الجنة إلا رجلاً لخفت أن أكون هو366.
لما نزل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ…}, سمع بها أحد فتية الأنصار فأُغمي عليه فجيء بالنبي  وعاد الفتى إلى وعيه فعرف النبي  أنّه يحتضر, فقال له: قل لا إله إلا الله, فقالها وبشَّره  بالجنة ثم مات, فقال الصحابة: أمن بيننا يا رسول الله , قال: أو ما سمعتم: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}367.
ولقد كانت قلوب السلف الصالح تتقطع عند ذكر النار, ووجوههم تفيض بالدمع فَرَقَاً منها.
قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تُخلق إلا لهما368.
وحين أُدخل سعيد بن جبير على جلَّاده الحجاج سأله: يا سعيد بلغني أنك لم تضحك قط, قال: كيف أضحك وجهنم قد سُعِّرت والأغلال قد نُصبت والزبانية قد أُعدَّت369.
فاسمع هذه الأخبار العِظام وقارن بين خوفهم وتقواهم وتقوانا, إنَّ الأمر ليس بسيَّان, إذ نحن لا نخشى النار رغم سماع وعيد الله تعالى في كتابه صباح مساء, أما هم فإذا سمع أحدهم وعيداً أو تهديداً انقلب مريضاً أياماً, إنَّ القلوب لم تستو في الخوف, والنفوس ليست قريبة في النأي عن المعصية, والعقول غير متدانيةٍ في الفهم والإدراك.
وهل تعلم أنّ عمر خرج يتفقد الناس في إحدى الليالي فبينما هو سائرٌ في أحد أزقَّة المدينة إذ سمع أحدهم يتلو قوله تعالى: { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ}370, فقال: قسمٌ وربِّ الكعبة, ثم رجع مضطرباً إلى بيته فمرض شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه371.
إنَّ الوحيد من البشر الذي يستطيع أن يحدَّثنا عن النار هو محمد , لأنه لم يرها أحدٌ من الناس غيره, وقد قال: ” والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً, قالوا: يا رسول الله وما رأيت؟, قال: رأيت الجنة والنار”372.
ولقد فقه الصحابة هذه المعاني واستشعروها في نفوسهم, فبينما عمر أُقدت له نارٌ إذ جعل يده فيها حتى احترقت ثم نزعها وهي تتشوَّى, فقال مُعلِّماً نفسه: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبرٌ373.
وإذاً فالأمر مهولٌ – أيها القارئ الكريم – فاحسب هذا الحساب من الآن, فقد أوحى الله تعالى إلى نبيه زكريا : لو أنك اطَّلعت إلى جهنم اطّلاعةً لبكيت الصديد بعد الدموع وللبست الحديد بعد المسوح374.
فهل تصوَّرت هذه الدار التي أوقد عليها ربها ألف عامٍ حتى ابيضَّت ثم ألف عامٍ حتى احمرَّت ثم ألف عامٍ حتى اسودَّت, فهي سوداء مظلمةٌ يحطم بعضها بعضاً, وهي سوداء كقطع الليل المظلم375, هل تخيلت أنك داخلٌ فيها لا قدَّر الله, ومن يدري؟.
إنَّ طائفةً عظيمةً من عصاة المسلمين يدخلونها فيُعذَّبون على قدر ذنوبهم ولعلك واحدٌ منهم, إلا أن يتداركك الله بتوبةٍ قبل أن تموت وتقضي ويُختم على عملك.
وهي ليست مضيئةً كنار الدنيا بل أشدُ سواداً من القار.
وهي ليست كحرارة نار الدنيا بل أضعافاً مضاعفةً, يقول : ” ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم”376, وورد في حديثٍ آخر أنَّ هذه النار التي ينتفع بها الناس في الدنيا أُبردت بأنهار الجنة مراتٍ ومراتٍ, ولولا ذلك لما أوقدها أحدٌ ولا انتفع بها مخلوقٌ.
والملائكة على عِظم أجسامهم وقدرة تحمُّلهم يخافونها ويرتعبون منها, حين خلقها الله تعالى ارتعدت فرائصهم فلم يسكنوا حتى خلق الله آدم فعلموا أنَّها للآدميين.
سأل النبي  جبريل : ما لي أرى ميكائيل  لا يضحك؟, قال: ما ضحك منذ خُلقت النار377.
وورد في الأخبار أنَّ من عصاة الموحّدين من يدخلها بل ويحترق فيها حتى يصير فحماً, ثم يُخرجه الله تعالى بفضل كلمة التوحيد.
قال كعب لعمر: لو فُتح من جهنم قدر منخر ثورٍ بالمشرق ورجلٌ بالمغرب لغلى دماغه حتى يسيل من حرها378.
وقال أحد الصالحين: بلغني لو أنَّ رجلاً خرج منها إلى نار الدنيا لنام فيها ألفي عامٍ379.
يا لحرِّها وبعد قرارها وشدَّتها على أصحابها.
قال : ” إنَّ أهون أهل النار عذاباً لرجلٌ يطأ جمرةً يغلي منها دماغه, قال أبو بكر: ما كان جرمه يا رسول الله, قال: كان له ماشيةٌ يتغشَّى الزرع ويؤذيه”.
قال الحسن البصري وهو يحدِّث بمسجد الكوفة: يخرج رجلٌ من النار بعد ألف عامٍ, فسكت ثم قال:.. ليتني ذلك الرجل380.
أبوابها حديدٌ مفروشةٌ بالشوك, وغشاوتها الظلمة وأرضها نحاسٌ ورصاصٌ وزجاجٌ.
أمَّا الملَك الموكَّل بها فاسمه مالك, إذا غضب عليها وزجرها زجرةً كادت من الخوف أن يأكل بعضها بعضاً.
فتخيل أهل النار أقصى ما تستطيعه من التخيل, تخيل قوماً غرقى وصرعى في النار, طعامهم نارٌ وشرابهم نارٌ ومهادهم نارٌ, كيف يكون حالهم؟, وما مقدار آلامهم؟, أفلا يسوقك عقلك أيها القارئ ويأمرك أن تبتعد منذ الآن عنها بكل ما أُوتيت من وسيلةٍ وحيلةٍ, وبمقدورك ذلك, كل ما في الأمر أن تبتعد عن المحرمات, وتنكبَّ على الطاعات, وتدعو لذات الله, وتنصح المسلمين وتذكر الله, وتدعوه أن ينجيك منها.
فالنبي  من فرط خوفه عليك يقول: ” اتقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ”381.
ولعلك لا ترضى أن تكون غداً ممن يبكون بالدموع حتى تنفد, ثم يبكون بالدماء ثم بالقيْح, حتى لو أنَّ السفن أُرسلت لجرت فيما خرج من أجسادهم وعيونهم382.
ولا تظنَّ أن الله تعالى ورسوله  ذكرا لنا كل أصناف العذاب, بل مشاهدَ وجيزةً وما خفي عنَّا أعظم وأشدُّ.
مع أن هذَ القليل منها يكفي لأن يكون عذاباً لكل الخلائق, ولو لم يكن فيها سوى الخلود بمثل نار الدنيا لكفى ذلك حسرةً وألماً, فكيف بنا ونار الدنيا قبالتها نعيمٌ وتفاهاتٌ.
أنت مدعوٌ أيها المسلم أن تفكر في النار, في مصير الظالمين فتجتنبها ولو بالعبادة القليلة والدعاء, وأنت معنيٌّ كذلك أن تدعو عشرات الناس ممن تحترق بيوتهم وأجسادهم كي تطفئها منذ الآن, وإلا فهم سائرون إليها بكل عزمٍ, أجارني الله وإياك منها, وجعلنا من سَكَنة الجنة.

من هذا الرجل؟
في معركة أجنادين التي وقعت رحاها في الشام وفي عهد أبي بكر الصديق استشهد الصحابي الجليل المجاهد خالد بن سعيد بن العاص بعد أن أبلى بلاءً حسناً في المعركة.
أسلم قاتله بعد ذلك وكان يحمل سرَّ قتيله بالأمس, بل وسأل عنه كثيراً حتى عرف أنّه خالد بن سعيد, فسألوه فقال: إنّي لما قتلته رأيت له نوراً ساطعاً إلى السماء383.
ونحن لا نعجب من هذه الحادثة ومثيلاتها لعلمنا أنَّ الشهيد تمضي روحه على الفور نحو الجنة, فلا يُعجَّل لأحدٍ الرزق من الطعام ما يُعجَّل للشهيد.
فكيف حين يكون خالد بن سعيد أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم في المصحف384.

كرامات العلاء بن الحضرمي
ولي البحرين للنبي  ولأبي بكرٍ ولعمر, وكان أميراً على الحملات والمجاهدين, توفي رحمه الله سنة 21 هجري.
بعثه أبو بكر لمحاربة المرتدين شرق الجزيرة العربية, فبينما هو سائرٌ في الجيش إذ اعترضه بحرٌ فدعا الله تعالى ثم جاز بفرسه في الماء, فعجبوا منه وأمرهم أن يتبعوه فساروا جميعهم بخيولهم على الماء في طريقٍ لا تسير فيه سوى السفن.
قال أحدهم: فما ابتلَّت أقدامنا.
وكان أبو هريرة معهم مؤذَّناً للجيش, فلندعه يتحدث هو عن هذه الواقعة.
قال: … رأيت من العلاء ثلاثة أمورٍ لا أزال أحبه أبداً…
قطع البحر على فرسه يوم دارين.
وبينما نحن في الدهناء إذ نفد الماء منا, وخفنا العطش فشكا إليه الجند فقام يدعو الله, فأمرهم أن يحفروا في مكانٍ فنبع الماء فشربنا وارتوينا ثم رحلنا, وفقد أحد الجند متاعاً له وعاد إلى مكان العين التي كانت الماء نبعت منها فأخبرنا أنّه لم يجد لها أثراً.
وبعد أن انتصروا على المرتدين جاءت الكرامة الثالثة, يموت العلاء, قال أبو هريرة: ولم يكن ثمة ماءٍ نغسله, فأبدى الله لنا سحابةً وأمطرنا فغسلناه ثم حفرنا له بسيوفنا ودفناه.
هذه الكرامات لا تُنكر على واحدٍ مثل العلاء, وهو المجاهد الطائع صاحب النبي , ولو أنَّ المجاهدين اليوم حذوا حذو الصحابة في الاتكال على الله واليقين به وبموعوده لرأوا من الكرامات الكثير, ولكنَّ قلوبنا وأعمالنا ليست كأولئك القوم, ونسأل الله السلامة385.

وقد فعلت
قبل أن تُفضي روح الصحابي البراء بن معرور  إلى بارئها أوصى بثلث ماله للنبي  وثلثٍ في سبيل الله وثلثٍ لولده, فردَّ النبي  ثلثه لولده386.
ثم وقف على قبره وصلَّى عليه وقال: اللهم اغفر له وارحمه وأدخله الجنة وقد فعلت387.
إنَّ أعمالهم طريقٌ سالكٌ بسهولةٍ إلى ما يبتغون ويرجون.
والبراء هذا أول من بايع النبي  ليلة العقبة, بينما هو قادمٌ مع الأنصار قال: لقد رأيت ألا أجعل الكعبة مني بظهرٍ, أي يريد أن يصلي إليها بدل بيت المقدس, فقال له أصحابه: لا تفعل, ولم يستجب لهم وصلَّى نحو الكعبة وحده, فعاب عليه الأنصار رأيه وأخبروا النبي  فقال له: لقد كنت على قبلةٍ لو صبرت عليها, فعاد يصلي مع المسلمين إلى بيت المقدس إلى أن أبدلهم الله تعالى كعبة إبراهيم الخليل 388.

يزعم أنّه قاتلك
في ذروة النزاع بين المسلمين والمشركين سافر سعد بن معاذ إلى مكة يريد البيت الحرام, فتخفَّى حتى دخلها , ثم مضى إلى صديقه أمية بن خلف, وكان أمية إذ مرَّ بيثرب نزل عند سعدٍ فيكرمه فهما بمثابة حلفاء لبعضهما.
وجاء الإسلام فاختار كلُّ واحدٍ منهما طريقاً, لكنهما لا يزالان يحتفظان ببعض الودِّ القديم.
ورحَّب أمية بضيفه فأكرمه وسرَّى عنه, وعنَّ لسعدٍ أن يطوف بالبيت واستشار صاحبه, فأخبره أمية أن ينتظر الهاجرة – وقت الظهر – إلى أن يدلف زعماء مكة لبيوتهم ويطوف سعدٌ, فاستحسن رأيه وانتظر الهاجرة.
وخرجا للكعبة فبينما هما يطوفان إذ بعدو الله أبي جهل فرأى سعداً وعرفه, وقال: من الذي يطوف آمناً؟, سعد.., أتطوف بالبيت وقد آويتم محمداً؟, فتلاحيا واشتد الكلام بينهما ولم يخش سعدٌ وجعل يتوعده بغضبٍ.
وانحاز أمية لأبي جهلٍ, فقال لسعدٍ: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنَّه سيد هذا الوادي, وقال سعدٌ: دعنا منك فإنّي سمعت محمداً  يخبر أنّه قاتلك, قال: إياي, قال: نعم, قال: والله ما يكذب محمدٌ.
واضطرب أمية, فمحمدٌ  لم يكذب قط, واستقر الوعيد في سويدائه وانزعج وتملَّكه الخوف.
وبعض الروايات تجعله أبيَّ بن خلف وليس أمية, فأمية قتله بلالٌ, وأبيُّ هو الذي قتله النبي , ولعله أبيّ رغم أنَّ القصة تذكر أمية389.
وأخبر أمية زوجته بما قال النبي , ويحتفظ كلاهما بالخبر المخيف.
ويعود سعد إلى المدينة, وتمضي الأيام مسرعةً, وتستنفر قريش رجالاتها إلى بدرٍ بعد أن سمعوا بخروج المسلمين إلى قافلة أبي سفيان, وبعث أبو جهل الهمم في أهل مكة ومضى جميعهم إلى بيوتهم يلبسون لباس الحرب أملاً في القضاء على محمدٍ  ودينه في هذه الفرصة المواتية.
ولبس أمية لامة الحرب فذكَّرته زوجته بوعيد النبي  له, وتراجع, وأراد أن يجهِّز من عبيده من يخرج مكانه, فعيَّره أبو جهل وقال: أتأبى أن تكون من أشراف يومٍ أو يومين.
وخرج أمية مرغَماً, ونشب القتال شديداً, ومن بين لهيب المعركة تنفرج ألسنة الغبار عن أحدهم يبحث عن محمدٍ  ليقتله, ويتقدم الصحابة الكرام للقياه, ويوقفهم النبي  ويأمر برمحٍ فهزَّه هزَّاً عنيفاً ثم قذفه صوب أمية, لم يتمكن منه الرمح بسب الدروع التي يرتديها.
وقع أمية عن فرسه وجزع جزعاً شديداً, وحاول أصحابه أن يهوِّنوا عليه… ما هو إلا جرحٌ بسيطٌ, فقال وهو يتلوَّى على الأرض: لقد زعم أنَّه قاتلي, والله لو بصق عليَّ لقتلني, وحملوه على فرسه وحين دخلوا به مكة مات390.

إنَّ له حمَلَةً غيركم
ذلكم سعد بن معاذ.
بعد أن حكم في بني قريظة استشهد رحمه الله بجرحٍ في كاحله وكان بديناً, فلما حملوه إلى القبر وجدوه خفيفاً, فقال بعض المنافقين: إنْ كان لبادناً وما حملنا أخفَّ منه, وبلغ ذلك النبي  فقال: إنَّ له حملَةً غيركم, والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعدٍ واهتز له العرش391.
والملائكة لا تحمل على أعتاقها سوى أولئك الذين ضحَّوا بأنفسهم في سبيل الدين, وإنَّ سعداً لواحدٌ منهم.
وعرش الرحمن لا يهتزُّ لو انطفأت الشمس وانخلعت الجبال عن أصولها, لكنه يفعل حين يموت واحدٌ كسعدٍ, عليك رحمة الله يا من حملته الملائكة وأرجفت السموات لأجله.
قال أحدهم: كنت ممن حفر لسعدٍ قبره بالبقيع فكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا حتى انتهينا إلى اللحد392.
وقبل أن تفيض روحه  كان جبريل  أول من أخبر النبي , نزل إلى الأرض وقال: من هذا العبد الصالح الذي فُتحت له أبواب السموات وتحرَّك له العرش393, فخرج النبي  إليه فإذا هو قد مات.
وسمع أمه تبكي على فراق ولدها, فقال معزِّياً: ألا يرقأ دمعك ويذهب حزنك فإنَّ ابنك أول من ضحك الله إليه واهتز له العرش.

لمناديل سعدٍ في الجنة
بعث النبي سعد بن معاذ في سريةٍ إلى أُكيدر دومة الجندل, فغنم منه أموالاً وكان من ضمنها جُبَّةً من ديباجٍ منسوجةٍ بالذهب, فلبسها  وعجب الصحابة منها وأخذوا ينظرون إلى نبيهم  وسناه في الجُبَّة.
فقال: أتعجبون من هذه الجُبَّة؟, قالوا: ما رأينا أحسن منها قط, قال: فو الله لمناديل سعدٍ في الجنة أحسن مما ترون.

فتركاها جميعاً
موقفٌ بين عمر المعروف وأخيه زيد بن الخطاب المجهول.
مع أنَّ زيداً أسنُّ من عمر وأسلم قبله, لكنه فعل الرجال يتقدَّم ويتأخر بهم, ولا يعني هذا ضحالة أفعال زيدٍ بل قوة سطوع عمر.
كان زيداً أسمر طويلاً كأخيه, صدق في جميع المشاهد, ونافح عن الدين حتى مضى لربه في موعده.
وها هما الآن قبيل المعركة في بدر, والأفق يخبر أنباءً عظاماً عن القتال, ولا ثمة سوى درعٍ واحدةٍ, آثر بها عمر أخاه… يا زيد ألبس درعي… قال زيد: إني أريد الشهادة… فتركاها جميعاً.
استشهد رحمه الله في اليمامة, وكانت راية المسلمين يومئذٍ معه فلم يزل يتقدم بها حتى قُتل.
حزن عليه عمر, وتذكَّره يوماً فبكى وذرف دموعه, وقال: أسلم قبلي واستشهد قبلي… ما هبَّت الصبّا إلا وأنا أجد ريحه.

ما هكذا كنا نقاتل
خرج ثابت بن قيس بن شمَّاس مع جيش خالدٍ لقتال المرتدين, فحاصروا مسيلمة وطال الحصار, وقاتلوا مراراً ولا بدَّ من معركةٍ مكشوفةٍ.
فكانوا إذا اقتربوا انهال جنود مسيلمة عليهم بالنِّبال والماء الحميم394 في القدور, وكرَّ المسلمون من جديدٍ والمرتدون محصَّنون وراء الأسوار, وعاد المسلمون أدراجهم, ولم يعجب المشهد ثابتٌ.
فقال – وهو خطيب الأنصار -: أفٍّ لهؤلاء وما يعبدون, ولهؤلاء وما يصنعون… يا معشر الأنصار خلَّوا عنّي لعلي أصلى بحرِّها ساعةً, وتقدَّم فقتل رجلاً على ثُلمةٍ, ثم تحنَّط ولبس ثوبين أبيضين وجهَّز نفسه للشهادة وصدح في أصحابه: يا قوم ما هكذا كنا نقاتل مع النبي  ومضى مقاتلاً رحمه الله حتى قُتل.
وكانت درعه قد سُرقت, فرآه رجلٌ في المنام فأخبره عنها.. في قدْرٍ تحت إكافٍ395, وأوصاه بوصايا فوجدها في مكانها.
وثابت هذا خطيب الأنصار, إذا قدمت الوفود وخطب خطباؤها كعادة العرب آنذاك, استدعى النبي  ثابتاً ليردَّ عليهم, فكان حسان الشاعر, وثابت الخطيب.

ومنكم عينٌ تطرف
استشهد من المسلمين يوم أحدٍ الكثير, وها هي رائحة المعركة يفوح منها المسك, رائحةٌ عطِرةٌ تطال عنان السماء, لكنَّ المسلمين انهزموا ليس لأنهم لم يشحذوا سيوفهم, فالسيوف خرجت من بدر قبل عامٍ, السيوف هي هي, لكنَّ الرماة عصوا أوامر نبيهم .
انهزموا لمعصية الرسول , وهي أفضل هزيمةٍ في تاريخ الحروب منذ بدء الخليقة, الهزيمة ثقلت على النصر في ميزان العظة والاعتبار, وقد تتعجب مني الآن, كيف تكون الهزيمة أحلى من النصر؟, نعم إنّها كذلك.
أقول لك السبب…
الحق أخبرك أن تتصور معي لو أنَّهم انتصروا مع مخالفة نبيهم , إذاً لما أطاعوه يوماً, ولتسابقوا إلى القول بعد النصر: انتصرنا مع عصيان نبينا  فلا معنى لرسالته, لقد أخبرنا أنَّ النصر مع الطاعة والهزيمة مع المخالفة, وإذاً فليجدد المسلمون عهدهم في طاعة النبي  فتكون الأيام القادمة لهم.
وكان التاريخ كما حسبوه, نصرٌ تلو نصرٍ, وهم يرفلون بالطاعة, الطاعة وحسب.
ولنعد إلى مشهد أحدٍ, حيث امتلأت ساحة المعركة بالأجساد المسلمة, ونظر النبي  إلى أصحابه مجندلين في القتل, ورضي بقضاء الله, إنَّ من يموت هنا يحيا عند ربه, ولا بد من التضحية, ولكن أين سعد بن الربيع؟.
ويلتفت إلى أصحابه, من ينظر لي ما فعل سعدٌ؟, وخرج أنصاريٌ يطوف بالقتلى وعثر عليه في الرمق الأخير.
يا سعد, إنَّ النبي  أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟.
قال سعد وهو يغالب آخر كلماته في الدنيا: إنِّي في الأموات, فأبلغ رسول الله  السلام, وقل إنَّ سعداً يقول لك: جزاك الله عني خير ما جُزي نبيٌ عن أمته.
وأبلغ قومك مني السلام, وأخبرهم ألَّا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيكم ومنكم عينٌ تطرف.
ثم مات رحمه الله قرير العين بعد أن أوصى هذه الوصية العظيمة داعياً قومه إلى حفظ نبيهم, إنّه يجاهد في ذلك المقام بين الحياة والموت مع ما أفناه من عمره في حماية الدعوة وحراسة الرسول.
ورد في روايةٍ أخرى أنَّ زيد بن ثابت هو من تفقده ووجده, رأى به سبعين ضربةً, قال له سعد: قل يا رسول الله أجد ريح الجنة.
وإنَّ التاريخ ليسطُّر لسعدٍ هذا الموقف وهو رافلٌ عند ربه في عيشة الشهداء.ويسطِّر له موقفه في الإيثار حين آخى النبي  بينه وبين عبد الرحمن بن عوف, عزم على عبد الرحمن أن يأخذ شطر ماله وينظر أجمل زوجتيه فيطلَّقها سعدٌ ويتزوجها أخوه في الله.
هذه مواقف لا يسجِّلها سوى الأنبياء أو أصحاب الأنبياء, وإنهم قومٌ مخلوقون للجنة , فأنعم بها موطناً, وأنعم بهم ساكنين.

كما صدّقته حياً
تمنَّى الصحابة بعد وفاة النبي  أنَّهم ماتوا قبله لما رأوا بفقده من أوجاع ذكراه , تمنّوا الموت وهم يتذاكرون أفعاله وأقواله, حركاته وسكناته, فقالوا وهم يبكون: ليتنا متنا قبله, نخشى أن نُفتن بعده.
لكن ينعقد بن عديّ من بني عجلان هذا الصحابي الذي لم تسمع به من قبل يخالفهم الرأي ويعارضهم الموقف, فيقول: لكني والله ما أحبُّ أن أني مت قبله حتى أصدّقه ميتاً كما صدّقته حياً.
ولقد صدّقه رحمه الله, ففي الوقت الذي ارتدَّ فيه كثيرون عن الإسلام وانحازوا لجيوش طلحة الأسدي ومسيلمة الكذاب والأسود العنسي مضى ينعقد مجاهداً صابراً لاحقاً بنبيه  واستشهد في موقعة اليمامة بعد بلاءٍ حسنٍ.

من تحت الرماد النار
هذا الكون عجيبٌ حقاً يدل على عظمة صاحبه, فالنهار ينسلخ من الليل مثلما يفعل الصبي المولود وهم يغادر بطناً مظلماً, والنبات الأخضر النَّديُّ يطلع من أرضٍ كانت قاحلةً.
والشمس تنسج آلاف الخيوط الذهبية وهي تنخلع من رِبْقة سحابٍ أسودٍ بعد أن استوت مولودةً من رحم الأفق الغائر.
ومن تحت الرماد تبحث عن الجمر الملتهب المضيء فتجده.
عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين وزعيمهم وشوكة النفاق المتجذِّرة في المدينة ولولاها لاختفى النفاق إلى الأبد, ابنه الحُباب تربَّى على الإيمان فكان من أجلّاء الصحابة الكرام.
بدّل النبي  اسمه من الحُباب إلى عبد الله, وصار من يومه يطلق عليه عبد الله بن عبد الله بن أبيّ, لا يعيبه نفاق أبيه, فليس للإنسان إلا ما سعى.
ولماذا سُمّي الولد باسم أبيه, ألا يوجد أسماءٌ أخرى كثيرةٌ؟, بلى, ربما يكون السبب … أنَّ الأب المنافق الزعيم الكاره للدين لا يحقُّ له أن يحمل اسماً هو عبد الله, فلنعدَّه ميتاً إذا, لا وجود له كالعدم, وليحمل الابن الاسم ذاته عساه يكون لائقاً به, وإنّه لكذلك.
وأبوه يُعرف باسمٍ آخر, عبد الله بن سلول, وسلول أمه.
وكان يقال للابن: الحُبلى لعِظَم بطنه, سقطت ثنيَّته فرخَّص النبي  له أن يتخذ ثنيَّةً من ذهبٍ.
توفي والده في السنة التاسعة للهجرة, فألبسه النبي  قميصه إكراماً لابنه, وصلَّى عليه واستغفر له فنزل قوله تعالى: { ولا تصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً}396.
وعبد الله الابن بريءٌ من نفاق أبيه, فهو النار التي خرجت من كومة الرماد والشمس التي طردت عنها السحاب المتكدِّس الأسود.
حتى أنَّ الابن منع أباه من دخول المدينة بعد غزوة بني المصطلق في الحادثة المشهورة وذلك أنَّه سمع أباه يسبُّ النبي 397.

الراكب المهاجر
كان من المشركين فهاجر إلى المسلمين, وكان من الظالمين فصار من العادلين, عكرمة بن أبي جهل, ولا عجب في ذلك فالإسلام صيَّر أبناء العتاة الجبابرة أسوداً تحارب فعل الآباء المقيتة.
دخل النبي  مكة فاتحاً في السنة الثامنة للهجرة, وفرَّ عكرمة من وجه الزحف بعد أن تناهى لمسامعه هدر دمه.
وبعد أن جاب الصحارى واستوحش عن قومه, قذف الله في قلبه نور الإيمان فعاد بعد أخذ الأمان له, وتخلَّل مكة وقصد النبي  الذي رآه فقال: مرحباً بالراكب المهاجر.
فأسلم ثانيةً بين يديه وقال: يا رسول, لا أدَعُ نفقةً أنفقتها عليك, أي في محاربتك, إلا أنفقت مثلها في سبيل الله.
ومن يومها صار مجاهداً منفقاً وحسُن إسلامه وأبلى بلاء الصابرين, وخرج مع جيوش الفتح, فتح الشام, وكان رائد العمليات الفدائية في اليرموك.
وُجد رحمه الله شهيداً مقتولاً بعد أن عُرض عليه الماء فردَّه لأنه سمع أنين عطشانٍ جانبه, وفاضت روحه الطاهرة عطشى ليشرب من حوض المصطفى 398.

الوفيُّ بعهده
يُكثر النبي  من حمل أُمامة في صلاته فهي حفيدته من ابنته زينب, أمُّها خديجة سيدة الإسلام الأولى, زوَّج النبي  أمامة من أبي العاص بن الربيع قبل البعثة, زوَّجه لأمانته ووفائه وصدقه, وكان أبو العاص من صلحاء قريش, يُطلق عليه لقب جرو البطحاء لفتوته وشدته.
وتأتي البعثة النبوية الكبرى وبعدها الهجرة العظمى ثم موقعة بدرٍ, ويخرج أبو العاص مع المشركين الذين دارت عليهم الدائرة فانهزموا, ويؤسر أبو العاص ويوثَّق مع الأسرى, حلّ النبي  أسره مقابل السماح لابنته زينب باللحاق به, وقبل أن يرجع إلى مكة بعثت زوجته بقلادةٍ لها أهدتها لها أمُّها خديجة في زفافها, بعثتها فداءً لزوجها, وحدَّق النبي  بالقلادة وارتسمت على محيَّا ذكراه خديجة التي ماتت منذ أعوامٍ خلت.
فرقَّ لابنته, وقال لأصحابه: إنْ رأيتم أن تُطلقوا لهذه أسيرها, وامتثل الصحابة الكرام فردُّوا لها زوجها وقلادتها, ولم يتبق سوى أن يفيَ أبو العاص بوعده الذي قطعه للنبي , وابتعثوا مع أبي العاص زيد بن حارثة ورجلاً آخر في مهمةٍ خاصةٍ إلى مكة لإحضار ابنة النبي .
وكان الموعد بطن يأجج, وهو مكانٌ قريبٌ من مكة, على أن تلقاهم زينب فيرجعون بها.
ووفى الزوج المتحسر على فراق زوجته وأمر أخاه كنانة أن يسير بزينب حيث الموعد, وخرج بها أخوه راكبةً بعيراً, علمت قريش بخروجها وهذا يعني كسراً لشوكتهم ونزعاً لهيبتهم, فلحقوا بكنانة ورأوه في مكانٍ يُدعى ذو طوى وعرفهم كنانة, فبرك من فوره على الأرض ونثر سهامه بين يديه وكمن لهم يريد رميهم.
وعرف أبو سفيان خطر الكامن بين الصخور, فلا يكادون يمسكون به إلا وقد أحدث فيهم مقتلةً فنادى عليه, يا كنانة, كفَّ نبلك حتى نكلمك, واستمع كنانة لما يقوله سيد قريش.
يا كنانة خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً وقد عرفت مصيبتنا في بدرٍ فيظنُّ الناس أنَّ ذلك عن ذلٍّ أصابنا, وما بنا بحبسها عن أبيها حاجةً فارجع حتى إذا هدأت الأصوات وتحدّث الناس أنَّا رددناها فخذها سرَّاً وألحقها بأبيها.
وعادوا بزينب إلى المدينة, ثم أخرجها كنانة مرةً أخرى سراً, وسلَّمها لزيد فلحقت بأبيها.
ووفى أبو العاص على الرغم من شركه.
وافترق الزوجان المُحبَّان, بينهما الطريق اللاحب بين مكة والمدينة, مسافاتٌ ظامئةٌ من الرمال.
وتمضي الأيام مسرعةً, ويخرج أبو العاص تاجراً إلى الشام معه أموالٌ لقريش, كمن الصحابة له وغنموا قافلته وساقوا أبا العاص معهم أسيراً وأخذوا مال القافلة, بيد أنَّه هرب وأعجزهم ورجعوا بماله إلى المدينة, ولم يستطع العود لمكة بعد أن أخذ المسلمون أموال التجارة, فدخل المدينة تحت جنح الليل ومضى إلى زوجته ودخل عليها فاستجار بها.
وبينما المسلمون في صلاة الصبح خلف نبيهم , إذ خرجت زينب من صفوف النساء وقالت مخاطبةً أهل المسجد: أيها الناس, إنّي قد أجرت أبا العاص.
فقال عليه السلام: إن تُحسنوا وتردوه فإنَّا نحبُّ ذلك, وإن أبيتم فهو فيء الله أنتم أحق به.
وما كان لأحدٍ من المهاجرين أن يأخذ مال أبي العاص والنبي  لا يحبُّ ذلك, فردوه على الفور.
وعاد أبو العاص بمال قريش ودفعه إليهم, ثم قال: يا معشر قريش, هل بقي لأحدٍ منكم عندنا شيءٌ؟, قالوا: لا, جزاك الله خيراً, فقال: إنِّي أشهد ألا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله, ولحق بزوجته399.

فأضاءت له الظُّلمة
أعطى النبي  بعد العشاء ذات ليلةٍ الصحابي الجليل عبَّاد بن بشر عصىً فأخذها ومضى, وكان يسير معه الصحابي أسيد بن حضير فأضاءت لهما الطريق أمامهما في ظلامٍ شديدٍ حتى تفرَّقا, ثم سار الضوء مع عبَّاد حتى دخل بيته400.
وقد تتعجب من عصا عبَّاد, أو ليس هو من قتل اليهودي كعب بن الأشرف حين بعثه النبي  في مهمةٍ خاصةٍ مع بعض أصحابه فنفَّذوا المهمة وقتلوا عدو الله كعباً401؟.
أو ليس هو من قال للمسلمين يوم اليمامة: احطموا جفان السيوف, ومضى مقاتلاً بسيفٍ بلا غمدٍ حتى سقط شهيداً؟.
أو ليس هو من رأى رؤياه قبل استشهاده بليلةٍ واحدةٍ رأى أنَّ السماء فُرجت له ثم أطبقت عليه فعبرها, وقال: هي الشهادة؟, فكان موته في الغد تعبيراً لرؤياه.
فلا تستغرب أن تضيء له عصىً أعطاه إياها النبي , فقبل أن تضيء له عصاه في الظلام كان هو قد أضاء قلبه بنور الإيمان.

رؤيا حق
سار الجيش الإسلامي إلى اليمامة شرق الجزيرة العربية لمحاربة الكذَّاب مسيلمة, وكان مع السائرين الصحابي الطفيل بن عمر الدّوسي.
فرأى في ليلته رؤيا أعجبته وجعل يسمر بها مع أصحابه المجاهدين, فقال: رأيت الليلة أنَّ رأٍي قد حُلق وخرج من فمي طائرٌ, ولقيت امرأةً أدخلتني فرجها, ورأيت أنَّ ابني يطلبني طلباً حثيثاً.
قصًّ عليهم رؤياه ثم شرع في تعبيرها على نحوٍ عجيبٍ:
أمَّا رأسي الذي حُلق فهو القتل, وأمَّا الطائر الذي خرج من فمي فروحي تخرج غداً إن شاء الله, وأمَّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض أدفن فيها, وأمَّا ابني فلا أراه إلا مقتولاً عن قريبٍ بعدي402.
وصدقت الرؤيا, واستشهد في اليمامة بعدها, واستشهد ابنه في فتوحات الشام.

بم سبقتني إلى الجنة؟
القائل: النبي .
المخاطب: بلال .
فحوى الخطاب…. يا بلال, بم سبقتني إلى الجنة؟, ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك أمامي, قال: ما أذّنت قط إلا صليت ركعتين, وما أصابني حدَثٌ إلا توضأت ورأيت أنَّ لله عليَّ ركعتين403.
والخشخشة في الأصل تُطلق على صوت السلاح, وتستعمل في كل صوتٍ.
وفي بعض روايات الحديث: إلا سمعت وقع نعليك في الجنة, دُفَّ نعليك404, وبلال يسبق النبي  بسنَّة الوضوء, وهي سهلةٌ على كل شخصٍ, ودعوةٌ لنا كلنا أن نصليها بعد كل وضوءٍ, عسانا ندخل الجنة في آخر الناس وليس مع بلال.

خالد وعمرو بن عبد المسيح
كلَّف الخليفة الراشدي أبو بكر الصديق  خالد بن الوليد بعد أن قوَّض ملك مسيلمة فعادت الجزيرة موحَّدةً كما كانت في عهد النبي  – كلَّفه أن يسير إلى العراق لمقارعة الإمبراطورية الفارسية, وسار سيف الله بجيش اليمامة شمالاً وشرع بمنازلة حصون الفرس.
وانتصر عليهم وسَلَب حصونهم وقتل حامياتهم الواحدة تلو الأخرى, والحاميات سكانها عربٌ لكنهم يدينون للمجوس ولجنودهم القلائل المعسكرين في العراق.
ومضى خالدٌ يقاتل جموعهم حتى وقف على أسوار الحيرة ذات النسيم العليل والأرض الخصبة, وعرض عليهم خيارات الإسلام الثلاث.
وكان زعيم أهل الحيرة رجلٌ طاعنٌ في السنِّ أسلمته السنون لتجربةٍ عنيدةٍ في الدهاء والحيلة, علم أنَّه لا سبيل لمواجهة هذا القائد المسلم الذي لم يُهزم في حربٍ ولم يسقط في مواجهةٍ.
فعنَّ له أن يخرج إلى معسكره ويحادثه في الصلح, وخرج عمرو بن عبد المسيح ومضى به الجنود إلى خالدٍ, فرآه خالدٌ رجلاً عجوزاً دبَّت الأعوام الثقال فيه من قدمه حتى معقد ناصيته, وعجب كيف يُسلم أهل الحيرة قيادهم إلى من هو في هذه الحال, ولم يكن خالدٌ يعلم مبلغ الدهاء الذي يُكنُّه الرجل العجوز في داخله إلا بعد أن حادثه.
قال خالدٌ: يا عمرو, ما أعجب ما رأيت في عمرك؟. قال: رأيت القرى منظومةً ما بين دمشق والحيرة, تخرج المرأة فلا تتزود إلا رغيفاً.
قال خالدٌ, ولم يصدّقه: هل لك إلا شيخٌ خرِفٌ.
قال عمرو: يا خالد, تقول شيخٌ خرفٌ, وإنّي لأعلم من أين جئت, قال: فمن أين جئت؟. قال: من بطن أمي. قال خال:أين تريد؟, قال: أمامي, قال: فيم أنت؟, قال: في ثيابي.
يا لهذا الشيخ المتملق في ألفاظه حتى الدهاء.
قال خالدٌ: أسلمٌ أنت أم حربٌ؟. قال: بل سلمٌ.
ثم سأله عن الحيرة, فقال: يا خالد, النملة أعلم بما في بيتها من الجمل.
وتنبَّه خالدٌ إلى صرَّةٍ معقودةٍ إلى جنب الشيخ, فسأله عنها, ثم نثرها بين يديه, فعلم أنَّها سمٌّ ناقعٌ , وعلم أيضاً سبب إحضارها معه, إنَّ هذا الشيخ حكيم, ظنَّ أنَّ المسلمين يرغموه على الإفصاح عن أسرار المدينة ومجاري المياه فيها والأبواب فحمل السمَّ معه ليقتل نفسه ولا يكون سبباً في إهلاك قومه, وفِعلة الشيخ هذه لا يقدر عليها سوى الحذَقَة من الرجال.
فأخذها خالدٌ وبسرعةٍ وقال: بسم الله خير الأسماء ربِّ الأرض والسماء الذي لا يضرُّ مع اسمه داءٌ الرحمن الرحيم, ثم قذف السمَّ في جوفه, وأسرع نحوه الجند غير أنَّ القَدَر وقع فلا حذر.
فكانوا ينتظرون أن يقع خالدٌ في أية لحظةٍ صريع السمّ, لكنه لم يعتلَّ بقية يومه.
وأراد عمرو أن يبرم صلحاً, ولكن أمراً حال دون مراده.
كان مع الجيش صحابيٌ اسمه شويل, قدم العراق مرةً في حياته فرأة فتاةً ذُهل لجمالها وصبوتها, إنَّها كرامة بنت عمرو بن المسيح, ولولا أنّه من الفقر بمكانٍ لخطبها إلى أبيها, ولكن هيهات من ذا يرفع يده عالياً فيلامس النجوم أو يداني السحاب.
على أنَّ شويلاً لما قدم إلى النبي  مسلماً وسمع منه نبوءة فتح المسلمين للعراق والحيرة والمدائن ذكرها له وأخبره بجمال كرامة وحسنها, قال يومها النبي : هي لك, ولم يزل الناس منذ عهد النبوة يتحدثون عن شويل وكرامة.
وحين أراد زعيم الحيرة إبرام الصلح مع خالد مضى شويلٌ وأفصح عن موعود النبي  بكرامة له وصدَّقه أصحابه.
وامتنع خالدٌ عن الصلح إلا أن تكون كرامة لشويل, فأبى الشيخ وعاد إلى الحيرة.
وسمعت كرامة في مخدعها بالأمر وعلمت أنَّ خيول خالدٍ قد تجتاح المدينة على عجلٍ, وكانت بنت أبيها أبت إلا أن تحمي قومها, فعرضت على أبيها أن يعطيها لشويل ثم تفادي نفسها منه, وأبى عمرو, كيف يُسلم ابنته لهذا البدوي الفقير, ولكن لا بد.
وتحقق موعود النبي , وصارت كرامة بكرامتها جاريةً لشويل الذي فرح وجُنَّ وذُهل, ثم لم تلبث أن افتدت نفسها بألف دينار وقفلت راجعةً إلى أبيها.
وسمع المسلمون بهذا وبالمبلغ الضئيل في حقها, فعاتبوا شويلاً وقسوا في لومه, فقال بعد أن أثقلوا عليه: مهلاً يا قوم, فو الله ما كنت أظنَّ أن عدداً أكثر من الألف, فضحكوا حتى امتلأوا فرحاً405.

صلاة البَرِّ
ورد عن سعيد بن المسيب أنه قال: من يصلي في الخلاء وحده يصلي معه ملكٌ عن يمينه وآخر عن يساره, وورد كذلك أن من يؤذن في البَرّ ثم يقيم ويصلي انه يصلي خلفه من الملائكة أمثال الجبال406.
وعن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري أن الصلاة في الجماعة تعدل خمساً وعشرين, فإذا صلاها في فلاةٍ فأتمَّ ركوعها وسجودها بلغت خمسين ضعفاً لمن يتم صلاته في البَرّ407, وإذا أذن وقام صلى وراءه عدد هائل من الملائكة,
والسؤال لم كان هذا كله لمن يصلي في البَرّ؟
ربما يكون الجواب…
الصلاة توجُّه ودخول على الله تعالى حيثما كانت, لكنها في الفلاة فيها معنى جديد لا يتوفر للمصلي بين الجدران .
إن الطبيعة التي خلقها الباري من حوله مسبوكةٌ محبوكةٌ على نحو بديعٍ تُشعر المصلي بعظمة من يناجي, فيزداد خشوعه وانكساره.وهو يتوافق مع عشرات الكائنات الحية حوله فيبعث في الفلاة صلاةً واحدةً, إنه لا يصلي جماعة بالناس بل بهوام الأرض وملائكة السماء… لعل الخمسين ضعفاً تكون لهذا السبب والله اعلم408.

الخاسر
مضى الأنصاري ثعلبة بن حاطب إلى المسجد بثوبه المُرقَّع وفقره المدقع وصلى في جماعةٍ, ثم أسرع الخطى نحو النبي  يشكو إليه فقره وحاجته, فقال : أما ترضى أن تكون مثل نبي الله, لو شئت لسارت معي جبال الذهب والفضة.
لكن ثعلبة يصرُّ على أن يدعو له النبي  وهو يضمن بعد ذلك أن يؤدي حق لله في المال وزيادة.
وهي أمنية الفقراء, فإذا أغناهم الله من فضله أنساهم المال حقوق الله, وطفقوا يمتعون أنفسهم بالملذات متناسين الشرط الذي شرطوه والعهد الذي قطعوه.
ويدعُ النبي  لثعلبة تحت إصراره…اللهم ارزقه مالاً ,وتستجاب دعوته فيكتب له الغنى من يومها, ويتخذ غنماً وشويهات.
ونبتت غنمه كما تنبت الدود وما هي سوى أشهر قلائل حتى ضاقت سكك المدينة عن غنم ثعلبة وشياهه , وخرج إلى الصحراء يرعاها وينمِّيها, فكان يغيب عن الصلوات ويبيت في غنمه.
وما هي إلا فترة وجيزة حتى صار الناس يتحدثون عن غنم ثعلبة وأمواله التي ملأت وادياً فسيحاَ ببركة دعاء النبي , وترك صلاة الجماعة فلا يحضر غير الجمعة.
وكان النبي  يتفقده ويسأل أقاربه عنه …ثم يقول يا ويح ثعلبة.
وتتنزل آية الزكاة…{خذ من أموالهم صدقة }409, ويبعث النبي  احد الصحابة لجمع أموال الزكاة ويوجهه إلى ثعلبة في غنمه, ويمضي الصحابي لثعلبة ويأمره بأمر النبي ……. يأمرك أن تؤدي زكاه أموالك, فبخل على نفسه, وضاقت روحه أن يخرج حق الله في غنمه, وقال: ما هذه إلى أخت الجزية, ويرجع إلى النبي  بمقولة ثعلبة…ويقول يا ويح ثعلبة.
ويندم ثعلبة على فعلته, وعلى تقصيره مع من دعا الله له, ويسوق أمامه زكاة أمواله ويمضي نحو النبي  ويعرض عليه زكاة ماله…ولكن النبي  لا يقبل زكاته… إن الله أمرني إلا اقبل زكاتك. ويبكي أمام مسجد النبي  على بخله وتقصيره, ويعود أدراجه عاضَّاً أصابع الندم على صنيعه.
ويلحق رسول الله  بربه, وهو لم يرض على ثعلبة, ويعرض زكاته مرةً أخرى على الخليفة أبي بكر …..ولا يقبلها ثم على عمر … فلم يقبلها وعلى عثمان …فلم يقبلها, وهلك في خلافة عثمان410.

مستقر الأرواح في البرزخ
أين تكون أرواح الناس بعد الموت؟, وأين تستقر في عالم البرزخ؟ هذه مسألةٌ تنازع الفقهاء فيها لورود عشرات الأحاديث والنصوص , فإذا ترجَّح لأحدهم حديثٌ دون آخر أخذ به, وربما حاول بعضهم الجمع بين عدة آثار , فالجمع بين الأدلة أولى من رد بعضها.
وقد عقد ابن القيم فصلاً في كتابه (الروح), حاول فيه بعضهم استقصاء الأحاديث الواردة وأقاويل العلماء بناءً عليها, فجمع ما يزيد عن عشرة آراء.
1- أرواح المؤمنين في الجنة إذا لم يحبسهم دينٌ ولا كبيرةٌ, قال بذلك أبو هريرة وأبن عمر.
2- على باب الجنة : حيث يأتيهم من رياحينها .يُعضِّد هذا الرأي ما رواه أبن عباس “الشهداء على بارق نهرٍ بباب الجنة في قبةٍ خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية”411 .
3- على أفنية القبور.
4- حرةٌ في الحركة, تذهب حيث شاءت. صاحب هذا الرأي مالك, وهو رأيٌ وجيهٌ للجمع بين أحاديث هذا الباب, فالأرواح مرةً في السماء, ومرةً في الأرض ومرةً على باب الجنة.
5- أرواح المؤمنين في الجنة, وأرواح الكافرين في النار, والعياذ بالله. قال به احمد
6- أرواح المؤمنين في الجابية, وأرواح الكافرين في بئر برهوت. والجابية مكانٌ بفلسطين, وبرهوت بئرٌ في اليمن إليه ينسب السحر والشر. وقد ورد ذلك في بعض الأحاديث
7- أرواح المؤمنين في السماء السابعة حيث عليين, والكافرين في الأرض السابعة, قال بهذا الصحابي كعب الأحبار.
8- أرواح المؤمنين على يمين اَدم, والكافرين عن شماله.
9- أرواح المؤمنين في برزخٍ تحت الأرض تذهب حيث شاءت, وأرواح الكافرين في سجِّين, سلمان الفارسي
10- قال به ابن حزم… حيث كانت قبل خلق الأجساد, ولا يتسنى لنا معرفة ذلك, فهي من الأمور المخبوءة.
11- أبن عبد البَرّ, حيث فرق بين الشهداء وغيرهم, فقال: أرواح الشهداء في الجنة, وأرواح بقية المؤمنين على أفنية القبور.
12- على أفنية القبور لمدة سبعة أيام, قاله مجاهد.
هذه آراء أحصاها أبن القيم ,غير أننا نلحظ غيرها, وخذ على سبيل المثال: أرواح الأنبياء ورد أنها في أعلى عليين في الملأ الأعلى, على درجاتٍ بينهم ومنازل, وقد رآهم النبي  في ليلة المعراج.
وقد ورد في بعض الأسانيد الضعيفة أن جسد النبي  يبقى في الأرض مدة أربعين يوماً ثم ترفع إلى السماء, وقد تكون الأرواح معها والله اعلم
أرواح الشهداء: علمنا من بعض الآثار أنها في أجواف طيورٍ خضرٍ تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش, وربما كان ذلك في حق الشهيد المفروغة ذمته من الدين, فإذا كان علية دينٌ حُبس على باب الجنةُ412.

المهدي المنتظر
من علامات الساعة, ومجدد الإسلام في آخر الزمان, أخبر عنه النبي  بعشرات الأحاديث فلا يسع أحدٌ نكرانه.
والحديث عن المهدي ذو فائدةٍ عظمى, أنه يعني إسلامية المستقبل وانكشاف الضيق عن المسلمين ويبثُّ في عقولهم الأمل فيتعلقون بالمستقبل كما يتعلقون بماضيهم التليد, بالإضافة إلى أنه يجب عليك أيها المسلم أن تحيط به وبأخباره لتعرف موقفك إذا خرج في عصرك, أنه موقف المناصرة والبيعة دون ترددٍ.
وهو من نسل نبيك  الذي قال: “لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه أسمي وأسم أبيه أسم أبي”, يشبه النبي  خُلقاَُ وخَلْقَاً, فهو أقنى الأنف (أي فيه انحناء), أجلى الجبهة (أي ناصعها), عمره حين يخرج هو عمر النبي  حين بُعث, أربعون عاماَ سن الرشد ومبلغ الرجال, حَسَن القوام والهيئة كأنه من رجال بني إسرائيل, كثُّ الحية غزير الشعر, أكحل العينين, ولو أردت أن ترسم صورة لأجمل الرجال منظراً لما زدت على أوصاف المهدي.
يولد في المدينة ويهاجر إلى بيت المقدس, ويعيش بعد خروجه خمسة أو سبعة أعوام فيرفع الظلم من الأرض, ويجتمع مالٌ كثيرٌ بين يديه فيفرِّقه على الناس ويجود به, يقول : “إنَّ في أمتي المهدي يخرج يعيش خمساً أو سبعاً, فيجئ إليه رجلٌ فيقول يا مهدي أعطني فيحثي له ثوبه ما أستطاع أن يحمله”.
قال كعب الأحبار: إنما سُمِّي مهدياً لأنه لا يهدي لأمرٍ قد خفي, فهو يدعو الناس لأمر ينتظرونه من زمن طويل .
وهو يخرج في زمان الكفر والفساد حتى قيل: لا يخرج المهدي حتى يُكفر بالله جهرة والعياذ بالله, وبعض المسلمين في أوقاتنا الآن يكفرون جهرةً بالله, حينما يسبُّ أحدهم الذات الإلهية يكون قد خرج من رِبْقة الإسلام , وحين يتعدى أحدهم على نبي الإسلام لم يعد مسلماً حتى يتشهد من جديدٍ, وحين يسخر بعضهم من هذا الدين ويصفه بعدم صلاحه للقرون الحاضرة وللمدنية وللحضارة يكون بلا شكٍ كافراً مشركاً, فهذه من الأصول التي لا إسلام لمن أنكرها أو أبطلها.
وقد ذكر في بعض الأخبار أن بداية خروجه رؤية الناس لكفةٍ عظيمةٍ تظهر في السماء تشير إلى الموضع الذي هو فيه مكة المكرمة, وينادَى في احد مواسم الحج أنَّ فيكم المهدي أميراً.
ويعدُّ كتاب الفتن لنعيم بن حماد (شيخ البخاري) أكثر مصادر المهدي التي نستقي منها أخباره, فقد ذكر عشرات النصوص المنبئة بأمره بين حديثٍ صحٍيح وحسنٍ وضعيفٍ.
في احد مواسم الحج تحدث مقتلةٌ عظيمةٌ وموجة صرعٍ بين الناس حيث تسفُك دماءٌ وفيرةٌ في بيت الله الحرام, فيشيع فيهم بعد سماع المناداة به أميراً يشيع ذكره فيبحثون عنه للمبايعة لكنه يتخفى, فهو رجلٌ تقيٌ لا يعرف انه المهدي سوى بعض الإشارات التي تؤكد له مع مرور الوقت مهديته وإنقاذه للحضارة التي أضحت فاسدةً تحتاج إلى من يقومها.
ويصبح حديث الساعة في العالم الإسلامي, يتحدث الناس في بقاع الأرض أنَّ المهدي في مكة فيخرج لموافاته هنالك أبدال الشام وعصائب العراق (أي أتقياء بلاد الشام والعراق ), يخرجون إليه فلا يكون شغلهم سوى إيجاده ومبايعته.
ويلتقون به أخيراَ بين الركن والمقام عند الكعبة فيعرفونه بأوصافه وعبادته فيريدون مبايعته, بيد أنه يتهرب منهم ويواعدهم غداَ, ويجيء الغد فيهرب إلى المدينة من المبايعة, ويبحث عنه أنصاره فلا يجدونه ويعلمون بهروبه ويلحقونه إلى المدينة المنورة.
وهنالك يجدونه مرةً أخرى فتُمدُّ إليه الأيدي للمبايعة ويأبى, ويواعدهم غداً ويهرب مرة أخرى إلى مكة, ويلحقونه ويضيّقون عليه في ذات المكان الذي وجدوه فيه أول مرة ويبايعونه, ويتحدث الناس بالمبايعة في أرجاء أقطار المسلمين.
حين نجمع الأحاديث الواردة في حقه ونربطها بالعصر الذي يخرج فيه نجد حاكماً ظالماً يحكم أكثر من دولة إسلامية , هذا الحاكم ارعنٌ فاسدٌ يقتل الناس بلا رحمةٍ ويقضي على كل حركات المقاومة التي تظهر في عصره, فيلوذ الناس بالمهدي ليُخلِّصهم من هذا الحاكم الطاغية, وقد وسمت الأخبار هذا الحاكم باسم السفياني, ما أن يعلم بمبايعة المهدي حتى يُسيِّر إليه جيشا لجباً إلى مكة للقضاء عليه, فيسير هذا الجيش فإذا بلغ أطراف مكة خسف الله به فيهلك الجند ولا يبقى سوى اثنان يعرف أحدهم أنَّ المهدي أحق بالمبايعة من السفياني فينحاز إليه ويمضي إلى مكة فيُبشر المهدي وأنصاره بالخسف الذي حدث في جيش السفياني , هذا الرجل سمَّته الأحاديث بشير, فيعلم المهدي حينئذ وبعد تأييد الله له يعلم ويوقن في نفسه أنه مجدد الدين ومخلص المسلمين فيشتد عزمه.
وأما الرجل الآخر فيرجع إلى بلاده وحاكمه السفياني فيخبره الخبر, سمَّته الأحاديث نذير لأنه ينذر بالهلاك, وينتصر المهدي على أعظم قوةٍ في العالم الإسلامي ويشيع ذكره ويملأ الدنيا بأخباره وكراماته فيأمر حينئذ بالهجرة إلى بيت المقدس فيعمرها.
ولا تذكر الأحاديث شيئاً عن اليهود هنا وكأنهم ليسوا بفلسطين, وربما كانت هذه الأحاديث بعد طردهم من الأرض المقدسة, وتحدث واقعةٌ أخرى بين المهدي والسفياني هذه المرة بالشام وبالتحديد في سوريا وينتصر المهدي وتعلوا رايته ويحكم بعدها خمس أو سبع سنين يملأ الأرض عدلاً ويعود الدين إلى جرانه ويستقيم الأمر وتنتشر دعوة الله في الأرض ويسخو في المال ثم يموت.
وذُكر في حديثٍ أخرجه الإمام احمد أن أناساً ينصرون المهدي يخرجون من المشرق من خراسان علاماتهم راياتٌ سودٌ “أذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها فأنَّ فيها خليفة الله المهدي”, بقي أن أذكر عدد الذين يبابعون المهدي في مكة أنهم عِدَّة أهل بدر , 314 من خير شباب المسلمين وقتها413.

من هم الأبدال ؟
هم رجال صالحون لا تخلو الأرض منهم , فإذا مات احدهم ابدل الله مكانه آخر, أطوع الخلق وأتقاهم لربهم .
تحدث عنهم النبي  في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء ورواه ابن عمر فقال “خيار أمتي في كل قرن خمسمائة, والأبدال أربعون, فلا الخمسمائةٍ ينقضون ولا الأربعون, كلما مات رجلٌ أبدل الله تعالى غيره , قالوا يارسول الله: دلَّنا على أعمالهم ؟, قال : يعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون فيما أتاهم الله تعالى”414.
الأبدال أربعون وعدد المسلمون اليوم يزيدون عن المليار فلا يُعرف أين هم, ولكنهم أصلح المسلمين وأفضلهم, وذكر في الحديث الذي أخرجه أحمد ورواه عبادة: أنهم ثلاثون رجلاً, قلوبهم على قلب إبراهيم الخليل كلما مات رجلٌ أبدل الله مكانه رجلاً415.

لا أجد له مسلكاً
قصة في الجوع, ومثال على بركة النبي  ومعجزاته, وعبرة يحق للمسلمين أن يفخروا بها وينشرونها على الملأ فيعرفوا أيام الإسلام الأولى.
صاحبها أبو هريرة, والطبيب محمد , فأسمع معي.
خرج أبو هريرة من بيته يطلب طعاماً ليسد غائلة الجوع التي فتكت به منذ أيام, لم يأكل منذ ليالي إذ لا شيء في بيته, خرج كما يقول معتمداً بكبده على الأرض, ووقف في قارعة الطريق وسكة المسلمين, عسى يمرُّ أحدهم ويرى حال أبي هريرة ويدعوه إلى بيته ويطعمه مُذقة لبنٍ أو حبة تمرٍ باليةٍ.
وإنَّ أبا هريرة ليرضى بأقل من هذا.
فبينما هو واقفٌ إذ مرَّ به الصديق أبو بكر, فسأله عن آيةٍ من كتاب الله تحثُّ على الإطعام فأخبره أبو بكر عن معنى الآية ثم مضى, يقول أبو هريرة: والله أني لأعلم بها منه ولكني رجوت أن يدعوني لبيته ويفهم مرادي .
ثم مرَّ عمر فسأله عن الآية ذاتها, فأجاب عمر ثم مضى كما فعل أبو بكر, وأشتد الحال على أبي هريرة , ألا يفهم هذان الكبيران من أجلاء الصحابة مرادي؟, ألا يظهر الجوع على حالي؟.
وبينما هو واقفٌ مكانه إذ أقبل النبي , طبيب الأدواء العارف بالحاجات, يقول أبو هريرة: فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي, فقال: أبا هر, فقلت: لبيك يا رسول الله, قال: إلحق, فقلت في نفسي: جاءك الخير والطعام يا أبا هريرة.
فمضى النبي  واستأذن على إحدى زوجاته, فوجد عندها لبناً فسأل عنه فأُخبر: أهداه لنا فلانٌ أو فلانةٌ .
ورأى أبو هريرة الإناء يلمع في يد النبي  وأنتظر بشغفٍ أن يشرب منه  بعض الشيء, ثم يعطيه إياه, وأخذ يُمنِّي جوفه وبطنه ببعض الشراب المريء.
ولكن …يصدع النبي  ويقول: ..أبا هر, أدعُ لي أصحاب الصّفة.
قال صاحبنا: فساءني ذلك وقلت في نفسي .. وما هذا اللبن في أهل الصفة ؟ كنت أحقُّ أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها, ثم هو يدعو أهل الصّفة فإذا جاءوا أمرني فأكون ساقيهم فلا أذوق شيئاً حتى يشربوا فما يبقى منه؟, ولم يكن من طاعة الله ورسوله بدٌّ.
ومضى أبو هريرة المتهالك من شدة الجوع يكاد يُغشى عليه في أية لحظةٍ إلى أهل الصّفة فدعاهم, وعرفوا أنه طعام فلبّوا ومضوا عن آخرهم وهم يزيدون عن السبعين.
وأهل الصّفة هم فقراء المسلمين, لم يكن لهم مأوىً يبتون فيه, بنى لهم  ظُلَّةً في آخر المسجد يجتمعون فيها , فإذا أُهدي له  طعامٌ أو جاءته بعض الغنائم دعاهم.
وأجتمع أهل الصفة الكثيرون وأبو هريرة الجائع المسكين, وأمامهم نبي الرحمة بين يديه الإناء, إناء اللبن الذي لم يكفَّ صاحبنا عن التحديق فيه.
ونادى النبي  أبا هريرة وأمره أن يسقي القوم, وكان الأمر كما قال, وتناول الإناء وجعل يطوف به عليهم , يعطيه أحدهم حتى إذا شرب وروى دفعه إلى آخر, ومضى الوقت بطيئاً وهو يتنقل بينهم, والنبي  ينظر إليهم, لكن الإناء لم ينضب, فلا يزالون يرتوون, وشربوا جميعاً وتثاقلت خطى أبو هريرة بعد أن شرب أهل الصّفة , وتوجَّه بالإناء إلى صاحبه ثم أمر  الشاربين أن يمضوا إلى ظلتهم.
وأخذ  الإناء فوضعه على يديه وقال: أبا هر, لم يبق إلا أنا وأنت.
اقعد يا أبا هريرة, فجلس وشرب وأحسَّ بطعم اللبن على شفتيه وبرودته في جوفه واكتفى وأعاد الإناء, فقال : أشرب, فأخذه وشرب ثانية, أشرب أبا هر.
لكم شرب أبو هريرة حتى لم يعد يقوى قال: لا, والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً, فأخذ  الإناء وسمَّى الله وشرب الفضلة, وخلا الإناء ومضى أبو هريرة إلى بيته يُسجِّل حادثةً من معجزات عصر النبوة416.

على كثيبٍ من مسكٍ
بين أيدينا ثلاثة أصنافٍ يرتقون يوم القيامة على كثبان المسك يرتعون فيها وينظرون إلى الخلائق حولهم.
فهل تحب أيها المسلم أن تكون واحداً منهم.
يقول :” ثلاثةٌ يوم القيامة على كثيبٍ من مسكٍ أسودٍ لا يهولهم حسابٌ ولا ينالهم فزعٌ حتى يفرغ مما بين الناس, رجلٌ قرأ القرءان ابتغاء وجه الله تعالى وأمَّ بقومٍ وهم عنه راضون, ورجل أذَّن في مسجدٍ ودعا إلى الله عز وجل ابتغاء وجه الله تعالى, ورجل اُبتلي بالرزق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن عمل الآخرة”417.
هل تعد نفسك واحداً منهم ؟, هل أنت من الصنف الأول….أئمة المساجد, هذا الصنف قليلٌ ربما لا تحظى بفرصة معهم.
كذلك المؤذنون أقلاء, قد لا تكون منهم, وقد فاتك صنفان, لعلك تكون من الثالث ….وما أكثرهم أصحاب العيال والفقراء في آنٍ واحدٍ, ضيَّق الله عليهم أرزاقهم, يعملون في الليل والنهار ولا يكادون يُبعدون غائلة الجوع ولا يدفعون شبح العري.
وما أكثرهم هذا الزمان, يوشك أن يكون عامة المسلمين هكذا, فلا يشغلنَّك الفقر والعوز وهمّ الأولاد ومصاريفهم عن عمل الآخرة, لترتع مع الثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة.
يقول : “إنَّ من الذنوب مالا يكفرها غير الهمِّ في طلب المعيشة”418, وقد يخُيَّل للكثيرين أنهم لا يؤجرون بهذا وقد جعل الله لأمثال هؤلاء مكاييل الأجر, أرباب العائلات الذين لا يأكلون إلا بعد أولادهم , ولا يلبسون إلا بعد إلباس بناتهم , ويا لحظهم الوفير في الآخرة, وهنئاً لهم بتلك المنازل .

هكذا هي أجسامهم
تعظُم أجساد الكافرين في النار, لما يلاقونه من عذابٍ أليم, ويتضاعف الشعور بالألم لديهم, فالألم على قدر الجسم المُعذَّب.
كتفاه مسيرة ثلاثة أيامٍ, يقول : “ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيامٍ للراكب المسرع”419.
أما ضرسه وجلده فشيءٌ يدعو إلى العجب, يقول : “ضرس الكافر مثل أُحُدٍ, وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام”420.
ويتمدد لسانه حتى يسير موطئاً لأقدام الناس: “إن الكافر ليجر لسانه يوم القيامة وراءه قدر فرسخين يتواطؤه الناس”421.
ولو أنك تصورت في مخيلتك رجلاً على هذه الخِلقة, السنُّ مثل جبل أُحُدٍ, واللسان يمتد عشرات الأمتار, والكتفان مقدار ما يسير الراكب المسرع ثلاثة أيام, ولو تخيلته لألفيته مشوَّه الخِلقة إحدى عجائب الله .

أي الأعمال أفضل ؟
وهذا سؤالٌ مثيرٌ, تُرى … ما أفضل الأعمال؟, وما أكثرها ثواباًً عند الله ؟, أية وجهةٍ ينشدها من يريد تحميل نفسه بأجورٍ كالجبال؟. ومن يستطيع الإجابة غير النبي .
حين سئل قال: الصلاة على وقتها, قال راوي الحديث وهو ابن مسعود ثم أي ؟, قال بر الوالدين , قلت ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله422.
والمقصود بالصلاة على وقتها, أي أفضل أوقاتها وهو بعد دخول الوقت مباشرةً, بعد الأذان فوراً.
وتستثنى صلاة الظهر في وقت الحر, فالأفضل تأخيرها في غير الجماعة لأن النبي  أمر بالإبراد بها , أي صلاتها حين يبرد الوقت, وعلل النبي  ذلك بأن شدة الحر من فيح جهنم423.
والصلاة تأخذ هذه الرتبة لأنها عمود الدين وأساس الشريعة, وهي وقفة المسلم بين يدي ربه, وهي لحظات دخوله على الملك الأعلى.
وبناءً على هذا الحديث الصحيح نقرر أن الصلاة في وقتها أجلُّ الأعمال وأفضلها, ويأتي بعدها بر الوالدين ثم الجهاد ذروة سنام الإسلام .
ولكن ما عسانا نصنعٍ بحديثٍ آخر هو: “ما أعمال البَرِّ ّأمام الجهاد في سبيل الله إلا كنفثه في بحرٍ لجيٍ”424, النفث النفخة اليسيرة .
فهذا الحديث يقرر أولوية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى إنَّ بقية أعمال البَرّ بما فيها الجهاد في سبيل الله تتضاءل أمام هذا الأصل العظيم .
كيف نجمع بينهما ؟, الأمر يسير . الحديث الأول صحيح والثاني ضعيف .والصحيح يُقدَّم على الضعيف, وأذن فأفضل الأعمال الصلاة على وقتها, والجماعة أفضل من الانفرادية بسبعٍ وعشرين درجة.
لكني أشير إلى شيءٍ هنا.
ألا تلاحظ أن الصلاة لا يتعدى نفعها صاحبها في حين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتجاوز منفعته الناس كلهم .
بالإضافة إلى أن المخاطب في الصلاة الله تعالى, أما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتجاوز منفعته إلى الناس كلهم.
بالإضافة إلى أن المخاطب في الصلاة الله تعالى, أما في الأمر بالمعروف فثمة مخاطبٍ آخر أولئك الناس بهذا يختلف الأمر عن الصلاة.
وقد نستطيع القول للجمع بين العملين أن أفضل الأعمال الانفرادية مطلقاً الصلاة, وأفضل الجماعية الأمر بالمعروف حتى من الجهاد في سبيل الله.
تصور أن الدعوة إلى طاعة الله تعالى ونصيحة المسلمين وإرشادهم إلى عبادة الله تعالى وتعريفهم برضاه والسير بهم عن غضبه – تصور أن ذلك أفضل من الجهاد؟, نعم فالجهاد وسيلةٌ والدعوة إلى الله غايةٌ, والغاية مقدمةٌ على الواسطة في كل حال.
الجهاد لم يشرع لذاته, بل لإزالة العراقيل وإزاحة الحواجز عن دعوة الله وسيرها في الأرض, فالهدف أن تصل الدعوة إلى من لم يعرفها بعد, فإذا حال جيش دون الوصول إلى الشعوب المغلوبة على أمرها والجاهلة بالدين الحق لزم الجهاد لإخراج أهل البلاد من الظلمات إلى النور, فإذا فُتحت البلاد كان الناس أحراراً في الإسلام أو عدمه بعد شرحه لهم قال الله تعالى: { لا إكراه في الدين }425.

بين الأموات والأحياء
لكم نتمنى أن يطَّلع علينا أحد الأموات فيخبرنا بعلمه, وعما شاهده, ثم نسأله عن أعمالنا.
وقضى الله بغير هذا, فالأموات لا يحيون, والذاهبون لا يرجعون.
ووسيلة الاتصال الوحيدة هي المرائي حيث عالم الأحلام الذي لم تُفكَّ أسراره إلى الآن, وأعلن العلم الحديث عن عجزه إزاء هذا العلم, وقصوره في هذا المضمار.
والمرائي حقٌ, وهي جزءٌ من عالم النبوة, كلاهما وحيٌ, بيد أن الأحلام وحيٌ صغير, والنبوات وحيٌ كبير, الأحلام تخبرنا بطرفٍ يسيرٍ من عالم الغيب والنبوة ترشد الناس وتوصل إليهم مراد الله تعالى بهم.
هذا ابن السماك العالم المشهور في صدر الدولة العباسية يحدث ويقول: رأيت مسعراً بعد موته في المنام ( ومسعر صديقه ) فقلت: أي الأعمال وجدت أكثر ؟, قال : مجالس الذكر426.
ولا عجب فهي مجالس الملائكة, والذاكرون يباهي بهم الله تعالى ملائكته في الملأ الأعلى, وتُغفر ذنوبهم , ولا يشقى بهم جليسهم.
وهذا عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل يرى أباه في المنام كأنه في حديقةٍ فأعطاه تفاحات فأولها عمر بالولد. ثم قال له: يا أبت أي الأعمال وجدت أفضل, قال: الاستغفار. ولا غرابة فهو استجداء العبد ربه أن يمنحه الغفران ويمحو الذنوب, ولكم يحب الله تعالى هذا من عبده فهو إقرارٌ واعترافٌ بعدم قدرة احدٍ على محوها سواه تعالى.
وهذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يسأله أحدهم فيقول: يا أمير المؤمنين لو لم يبق لك سوى ساعةٍ من الدنيا فأين تقضيها ؟, قال علي: في حلقة علم .
ولا ريب فلولا العلم لما عرفنا ربنا, ولما تقربنا إليه, فبه نشد الخطى نحوه, ونتدبر عظيم خلقه فنخشع له.
وهذا مالك بن دينار يروي… رأيت مسلم بن يسار بعد مماته فسلمت عليه فلم يردَّ, فقلت له: ما بالك لا تردَّ ؟ , قال أنا ميتٌ فكيف أردُّ السلام. فسأله مالك عما رأى بعد الموت فقال: رأيت أهوالاً وزلازل عظاماً شداداً, فقال له: فماذا كان بعد ذلك ؟, قال ما تراه يكون من الكريم ؟, قبل منا الحسنات وضمن عنا التبعات وغفر لنا السيئات427. روي أن مالكاً مات بعدها بأيامٍ يسيرات بعد أن انصدع قلبه .

ما هم بإنسٍ ولا جنٍّ
ها هو عمر بن عبد العزيز على فراش الموت في قصر الخلافة حيث أيقن بساعة المفارقة ووداع الأهل بعد رحلةٍ مضنيةٍ في الحياة أمضاها في مرضاة ربه والبكاء من خشيته, وجاءت ساعة الصفر. ودخل عيه الأمراء والحاشية والأقارب باكين مودعين.
قال قبل أن يقبض بلحظاتٍ: أجلسوني, ثم قال مخاطباً ربه: أنا الذي أمرتني فقصرت ونهيتني فعصيت, قالها ثلاث مرات, ولكن لا إله إلا الله. وأحدَّ النظر , فقالوا : إنك لتنظر نظراً شديداَ يا أمير المؤمنين . فقال: إني أرى حضرةً ما هم بإنسٍ ولا جنٍّ, وابتسم ومات رحمه الله428.

فسمعنا نهيق حمار
حدث بعض أهل العراق القدماء فقال :
نزلنا إلى بعض المياه التي تلي البصرة فسمعنا نهيق حمار ولم نرَ شيئاً, فسألنا أهل المكان فقالوا: هذا قبرٌ مات صاحبه منذ زمنٍ, كان فاسقاً تحدثه أمه بالشيء وتطلب إليه الطلب فيقول من فرط عقوقه: انهقي نهيقك. فلما مات كنا نسمع نهيق حمارٍ في قبره429 .

مسامير من الآخرة
دلف بعضهم إلى حدادٍ يعرفه وفي جعبته مساميرُ عِدّةٍ فباعها إليه, وجعل الحداد يعالجها ويحمي عليها ليعيد صناعتها, فلم تلن في يده ولم تنحن بمطرقته, فمكث أياماً يتعجب من صلابتها حتى عجز, فسأل صاحبه عن مكانها وشدَّد عليه.
فقال: وجدت قبراً مفتوحاً في بعض الضيعات وفيه عظام ميتٍ نظُمت فيه هذه المسامير فشددتها شداً عنيفاً فلم تخرج فعمدت إلى العظام فكسرتها وأخذت المسامير.
هذه مسامير عالم الآخرة وليست مساميرنا التي نحمي عليها فتلين بين أيدينا ونعالجها, مسامير الآخرة التي لا يقدر عليها أهل الدنيا.

فقراء ولكنهم أقوياء
أولئك هم معشر الصحابة, لكم عاشوا معوزين, وباتوا جائعين , وخرجوا من الدنيا كما دخلوها, ولدوا فقراء مستضعفين, وماتوا فقراء صالحين.
ولو أنه  هو وأصحابه أرادوا الشبع وحذافير الدنيا وأمنيات الحياة لظفروا بها, ولكنهم أقوامٌ يعملون لما بعد هذه الفانية, إنهم يسيرون إلى الله حيث الدار الآخرة, وجنةٍ عرضها السموات والأرض.
يقول أحدهم, سعد ابن أبي وقاص: لقد كنا نغزوا مع النبي  وما لنا طعام إلا نوى الحُبْلة وهذا السَّمُر430 , وإنَّ أحدنا ليضع كما تضع الشاة431.
ويقول أبو موسى الأشعري: لو رأيتنا ونحن مع النبي  لحسبت أن ريحنا الضأن, وإنما لباسنا الضأن وطعامنا الأسودان.

أخرج بعث النار
لما نزل قوله تعالى من سورة الحج {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئٌ عظيمٌ}432 قال  للصحابة : أتدرون أي يومٍ ذاك ؟ قالوا : الله ورسوله اعلم .
قال: ذلك يوم يقول الله لآدم: يا اَدم أخرج بعث النار.
فيقول آدم: وما بعث النار يا رب ؟.
فيقول : تسعمائةٍ وتسعٌ وتسعون إلى النار وواحدٌ إلى الجنة, وهنا أنشأ المسلمون يبكون بكاءً مريراً فأراد  أن يهوِّن عليهم .
فقال: قاربوا وسدِّدوا فإنها لم تكن نبوةٌ قط إلا كان بين يديها جاهليةٌ فيؤخذ العدد من الجاهلية, وسُرِّي عن الصحابة بعض الشيء.
ثم قال : وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرُّقمة في ذراع الدابة (والرُّقمة بقدر الدرهم ) أو كالشامة في جنب البعير.
أي أن المسلمين قليلو العدد مع بقية الأمم بمقدار حجم الدرهم مع الدابة, أو حجم الشامة الصغيرة أمام البعير.
ثم قال : وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة, ففرح الصحابة وكبروا, ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبَّروا ثانيةً. ثم قال:إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة.433 انتهى الحديث
تصور أن الأمة الإسلامية على قلة عددها في الخلق تحتجز نصف الجنة, يا لرحمة الله وعظيم منته, وتخيل بعد ذلك خلق النار إلى خلق الجنة, كل تسعمائةٍ وتسع وتسعون في النار يقابلهم واحد في الجنة, أجارنا الله من النار.
وقد ورد في روايةٍ أخرى قوله : وإني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة434.
هذه قيمتك أيها المسلم عند الله, أفلا تبادر للانقطاع عن المعاصي, عن محاربة ربك, وتقلب بوصلة حياتك فتتوجه إليه بإخلاص, وتدعوا إلى سبيله ودينه, وقد ادَّخر لك ولبني جنسك من إخوتك في الإسلام أن تكونوا ثلثي أهل الجنة.

ويحك دعيه
للمؤمن الذي تتكالبه الهموم في الدنيا وتزاوله الغموم ويخالطه البلاء نعمٌ لا تحصى أعدها الله له , ومن هذه النعم التي تنتظره أزواجه من الحور العين, وهن يشتقن إليه كما تشتاق المرأة إلى زوجها في الدنيا.
وقد يُكشف الحجاب ويُعقد اتصال الرؤية بين تلك التي في السماء وهذا الذي في الأرض فتطلع عليه اطلاعةً .
فقد علمنا من الآثار أنه يقال للمرأة من أهل الجنة وهي في السماء أتحبين أن نريك زوجك من أهل الدنيا ؟, فتقول نعم , فيُكشف لها الحجب وتفُتح الأبواب بينها وبينه فتراه وتعرفه وتتعاهده بالنظر حتى أنها تستبطئ قدومه وتشتاق إليه كما تشتاق المرأة إلى زوجها الغائب عنها, ولعله يكون بينه وبين زوجته في الدنيا ما يكون بين النساء وأزواجهن , فتغضبه زوجته التي في الدنيا فيشقّ ذلك عليها وتقول ويحك دعيه من شرِّك إنما هو معك ليالٍ قلائل435 .
أي أنها تغار عليه كما لو كانت زوجةً أخرى, بل هي كذلك ولكن ليس في هذا العالم, ولو أنها فيه لأغضبت الأخرى وشقَّت عليها.

رأيناه في اليقظة
خرج عبد الله بن المبارك رحمه الله المجاهد الصالح والعابد المنافح إلى الثغور للجهاد في سبيل الله, وعلى مقربةٍ من ساحات الغزو رأى رجلاً حزينا قد مات فرسه في سبيل الله وقعد عنده مهموماً, فقال له عبد الله: أتبيعني فرسك ؟, فأستغرب الرجل, من يشتري فرساً ميتا؟ً.
قال: نعم . وباعه بأربعمائة درهم, وهو يظن أن صاحبه مجنوناً.
وعندما أوى الرجل إلى فراشه ونام رأى كأن القيامة قد قامت, وإذا فرسه الذي مات أمامه في الجنة وخلفه سبعمائة فرسٍ, فأراد أن يأخذه, وإذا أحدهم ينادي: دعه فإنه لابن المبارك وقد كان لك بالأمس.
فقام فزعاً وبحث عن صاحبه وطلب أن يرُجع له فرسه, فقال له ابن المبارك : ولم ؟, فقصَّ عليه القصة .
فقال عبد الله: اذهب لا أقيلك, فما رأيته في المنام رأيناه في اليقظة. أي علم ذلك دون حاجةٍ إلى مرائي أنَّ اجر المنفق في سبيل الله بسبعمائة ضعف.

حتى يجيئنا نفقة
لكل محسنٍ لنفسه في هذه الدار أرضٌ في الجنة لا يعرف مساحتها إلا الله, وهي تزيد تبعاً للأعمال, وهذا من أكبر الأدلة أن الجنة تتسع مع مرور الأيام وزيادة الطاعات436.
فإذا قال العبد سبحان الله غُرست له للتو شجرةٌ في الجنة, وإذا عمل عملاً صالحاً خلق الله تعالى له نعيماً لم يخلق قبل, بل إن في جنتك بنَّائين مشغولين بتشييد القصور وعمارة الدور, ونفقة ذلك البناء ذكر الله تعالى, فحيثما ذكرت الله تعالى عملوا, وإن غفلت ونسيت توقفوا عن العمل.
قال بعض الصالحين: بلغنا أن الجنة تُبنى بالذكر فإذا حبسوا الذكر كفَّوا عن البناء, فيقال لهم في ذلك (أي يقال لهم لم لا تبنون ؟ ) فيقولون حتى يجيئنا نفقة437.
فزد في إعمارك وقصورك الشاهقة أيها المسلم ولا تفتر عن ذكر الله, حتى لا يقف العمل في أرضك هناك , واحصد ما تستطيع من الأعمال وعبَّ ما تقدر عليه من الذكر فتأتي جنتك يوم القيامة فإذا هي أوسع من الدنيا.

أينام أهل الجنة ؟
هذا السؤال سأله أحد الصحابة فأجاب النبي : لا, النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها. وهو حديث أخرجه الطبراني ورواه جابر438.
وقد قرر العلماء المتفحصين لنصوص الشريعة انه ليس في الجنة ليلٌ ولا نهارٌ, وأنما أهلها في نورٍ أبداً , ويعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ومقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب .
والجنة مضاءة بنور الله تعالى فلا تظلم أبداً, بإزاء العرش وكفى به جواراً.

أولاد المشركين
ترى… ما مصير أولاد المشركين في الآخرة؟, فهم لم يبلغوا بعد فيحاسبوا, ولم يجر عليهم القلم, ولم يُسجَّل في صحائفهم شيءٌ.
والقاعدة الشرعية تقول إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب, وإذا كان جوهرة الإنسان لم تتفتق بعد فكيف يحاسب؟, والله تعالى حرَّم الظلم على نفسه, فلا يجور على أحد.
وفي هذه المسألة العديد من النصوص الشرعية التي اختلف تبعاً لها الفقهاء والناظرون.
وقد ورد في بعض الأسانيد الضعيفة أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة439, وهذا رأي بعضهم مع أن العقل لا يقبله, فهم لم يجتروا جريرةً واحدةً في حياتهم, فكيف يكون مصيرهم ذلك ؟.
مع أننا لا نقول بالشريعة بعقولنا إلا بمقدار توجيه النصوص وليس تشريعها, وقد نأخذ بالأمر الغريب إذا ثبت لدينا الحديث, وكلام النبي  أولى إعمالاً من وجهة نظر بعضهم, فالعقول تتغير أحكامها وتتبدل أمزجتها , بل إن عقلين فقط قد يختلفان في مسألة تعد من البديهات, وقد يكون حكم أحد العقول في وقتٍ ما كذا , ثم لايلبث أن يتغير هذا الحكم بعد زمنٍ وجيزٍ.
وسألت السيدة خديجة النبي  عن أولاد المشركين إذا ماتوا صغاراً فقال : مع آبائهم . ثم سألته مرة أخرى فقال : الله أعلم بما كانوا عاملين440.
وقد يكون هذا الرأي أيضا ضعيفاً, فلم خلق الله تعالى الخلق كلهم إذاً وهو العالم بنهايتهم وأعمالهم؟, إن الامتحان الكوني يستند على إقامة الحجة على الإنسان فهو يقوم بالأفعال مخناراً لها, وعلم الله تعالى لا يؤثر في اختيار البشر.
وقد ورد أيضا أن خديجة سألت النبي  مرة ثالثة ذات السؤال فنزل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}441, وهذا هو الرأي الذي يتفق مع عشرات النصوص ويستقيم وأصول الشريعة العادلة, فالأب الكافر لايؤثر في حساب ابنه الذي مات قبل الحلم, والأم المشركة لا تسوق معها صغيرتها إلى النار, كلٌ موكلٌ بعمله, ومحاسبٌ في اختياره, وهؤلاء لا اختيار لهم بعد .
وقال جمعٌ من العلماء استناداً على بعض الأحاديث إنَّ الله تعالى يؤجج لهم ناراً في الآخرة فيتجاوزنها ثم يدخلون الجنة.
وبناءً على اختلاف الأحاديث وضعفها تباينت آراء العلماء في المسألة, بيد أن أقربها والذي يتفق مع الأصول الرأي القائل بعدم سوقهم مع آبائهم حين نزلت الآية {ولا تزر وازرةٌ}, ونستطيع أن نجمله بين الآثار بأن نقول يتركون إلى يوم القيامة ثم يؤجج لهم الله تعالى ناراً.
ويبقى السؤال …. إذا كان الله تعالى قضى على الخلائق بامتحانٍ في دارهم الدنيا وحاسبهم على هذا الامتحان بجنةٍ ونارٍ, فأين هو الامتحان مع هؤلاء الصغار ؟ .
هذا يدعونا إلى القول أنهم متروكون لعالم الآخرة, حيث يجري لهم رب العزة امتحاناً خاصاً تكون نتيجته عليهم. ولا نعرف كيف سيجري هذا الامتحان, والله تعالى أعلم بخلقه الذي يخلقه وعدله الذي يعدله.
والمسألة قريبة الشبه ولله المثل الأعلى بمعلمٍ يجري لفصله امتحاناً ويتغيب عددٌ من الطلبة عن هذا الامتحان , يلجأ حينئذ لعمل امتحانٍ آخر صغير ثم يضع لهم نتيجتهم .

قال صدقت
حينما يحدثك أحد بشئٍ فتقول في نهايته صدقت فهذا يعني أن الخبر الذي أخبرك به موافق لما عندك فيتعضد الصدق به ويصبح في درجة البديهيات لديه.
التقى  بيهودي فتمنى أن يهديه الله تعالى ويقيه من نار الآخرة, قال له: أينفعك شيءٌ إن حدثتك ؟ فقال إليهودي: أسمع بأذني. فقال  سل ما أردت, فقال: يا محمد أين يكون الناس يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسموات؟ قال: هم في الظلمة دون الجسر, قال: فمن أول الناس إجازة ؟ أي عبوراً للصراط, قال: فقراء المهاجرين, قال: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ قال: زيادة كبد النون, والنون هو الحوت, قال: فما غذائهم ؟, قال: يُنحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها, قال: فما شرابهم ؟ قال عينٌ تسمى السلسبيل442.
قال إليهودي: صدقت.
ونحن لا نأبه بتصديق إليهودي للنبي  سوى أننا علمنا موافقة الخبر ألذي أخبر به  لما عرفه إليهودي من كتابهم التوراة, ويكفي لكي نصدق خبراً ما قوله  الذي ثبت لدينا حتى لو كان الخبر موغلاً في عالم الغيب أو غريباً بعض الشيء.
وإذً أول من يعبر الصراط هم فقراء المهاجرين, جمعوا بين فضيلتين, فقراء ومهاجرون من ديارهم مع خير الخلق محمدٍ , وهم يدخلون الجنة قبل بقية الناس بنصف يوم, لكنه نصفٌ طويلٌ, خمسمائة عام.

متى تقوم الساعة
فجأةً….ولكن بعد علاماتٍ وأشراطٍ أخبرنا النبي  بها, وهي من أعظم الأمور التي خلقها الله تعالى منذ بدء الخليقة, والأمر العظيم يحتاج إلى مقدماتٍ قبل أن يأتي.
قال تعالى:{فقد جاء أشراطها}443, وقال تعالى: { يوم ترجف الراجفة , تتبعها الرادفة }444.
اطّلع النبي  من عرفة على الصحابة الكرام وهم يتذاكرون الساعة, فقال : حتى تكون عشرة آيات, فذكر طلوع الشمس من مغربها والدجال والدُّخَان وخروج عيسى  حين يأتي في آخر الزمان ويقتل المسيح الدجال .
وذكر ثلاث خسوفٍ بالمشرق والمغرب وجزيرة العرب, وناراً تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر, أي أرض الشام .
وهذه العلامات لهولها وعظمها أسماها العلماء العلامات الكبرى, وهنالك علاماتٌ صغرى من أبرزها: ما أخرجه مسلم ورواه أبو هريرة عنه : ” لا تقوم الساعة حتى يكثر المال…..وحتى تعود أرض العرب مروجاَ وأنهاراَ”445, وأخرج عبد الرزاق حديثاَ رواه أبو هريرة كذلك: ” قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدثه أهله بعده”446, وهذه العلامات كانت غريبةً لدى القدماء مع تصديقهم لها, بيد أنها من المألوفات قي أيامنا الحاضرة مع الهواتف المحمولة الخلوية حيث يتحدث أحدنا مع الآخر وبينهما مسافةٌ هي محيط الأرض أربعون ألف كم .
وورد كذلك “يوشك الفرات أن يُحسر عن كنزٍ من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيءٌ”447, وذكر في روايات عدةٍ لهذا الحديث أنه تكون مقتلةٌ عظيمةٌ عليه448. ولم أقف على تفسيرٍ صريحٍ لكنز الفرات على الرغم أن الكثير من العلماء المعاصرين يظنه البترول.
والساعة تقوم في خير الأيام يوم الجمعة فما من دابةٍ إلا هي مصيخةٌ أذنها يوم الجمعة تنتظر الساعة449.
وحين تقوم تتغير سنن الكون وينحلُّ نظمه وتحدث أمورٌ عظامٌ وأحداثٌ جسامٌ لا طاقة لبشر عليها, بيد أنه من فضل الله تعالى ومنته على عباده المؤمنين أنه يقبضهم قبل مجيئها, يرسل ريحاً لينةً فتقبض أرواحهم حتى لو كانوا في أجواف الجبال, فلا يبقى على الأرض رجلٌ يقول الله, أي تخلو البسيطة بالكافرين بل بشرار الخلق , وعليهم تقوم الساعة .

إنهم يعلمون ولا يعملون
أتعرف الفرق بيننا وبين الأموات الذين فقدناهم ؟ الفرق بسيطٌ ….هم في عالمهم ونحن في آخر.
وهذا معروفٌ لديك, غير أن الذي لا تعرفه أنهم أقوام يعلمون ولا يعملون, ونحن على العكس تماماً , أقوام نعمل ولا نعلم.
الأموات بمجرد دخولهم عالم البرزخ يُكشف عنهم الحجاب ويروا أشياءً مهولةً وأموراً جسيمةً , اخترقوا هذا العالم الأرضي وولجوا العالم السماوي, فارقوا عالم الملك والشهادة إلى عالم الغيب والملكوت, فهم لم يعودوا يرون شمساً ولا قمراً, ولا يعاينون دوراً وقصوراً, ولا يشاهدون طرقاً وأناساً, وهم لم يعودوا يعملون مثلنا , أنتهى دورهم وخُتم على عملهم.
أما نحن فلا نزال…..وإلى أجل مسمى.
وسندخل ذات الباب الذي دخلوه, والعالم الذي ولجوه, وسنشاهد الأهوال التي رأوها وسيراها غيرك, الكل في قطار يجوب بهم عدة محطات, آخر محطةٍ الآخرة, اليوم الآخر الذي سمي بهذا الاسم لأنه لا ليل بعده فهو آخر الأيام.
الفرق بيننا وبينهم في العلم والعمل, ولكم يودُّ أحدهم أن يعود ولو ساعةً فيقضيها في طاعة الله وفي التسبيح والذكر أو في صلاةٍ ومناجاةٍ أو في الأنفاق والصدقة, ولو أنهم خرجوا إلينا لرأونا مثلما تمرُّ في إحدى الزقاق فترى صبية يلعبون بالكرة, أو أناسٍ في تفاهاتٍ, ولانطلقوا إلى أهل الطاعات فمكثوا عندهم.
حُكي أن أحدهم خرج في جنازةٍ فانتهى إلى قبرٍ فصلى ركعتين, ثم أتكأ عليه فغلبه النوم فسمع صوتاً يخرج من القبر: إليك عني لاتؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون ونحن قوم نعلم ولا نعمل ولأن يكون لي مثل ركعتيك التي صليت أحب إلى من كذا وكذا450.
فبادر أيها المسلم, يا من سترحل في يومٍ ما, بادر إلى العمل قبل أن تسكن جوارحك فتصير واحداً منهم, الوقت محددٌ والمحطات القادمة صعبةٌ وشاقةٌ, ولا زاد سوى التقوى, جعلني الله وإياك من المتقين .

شرابهم في النار
ماذا يكون شراب أهل النار إذا دخلوها , وكيف يشربونه؟.
شرابهم الصديد451, قال تعالى: {من وراءه جهنم ويسقى من ماءٍ صديدٍ, يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكانٍ وما هو بميتٍ ومن وراءه عذابٌ غليظٌ}452 .
وشرابهم الحميم, وهو الماء المتناهي في الغليان, قال تعالى: {وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم}453, وإنهم ليتمنون لو لم يقذف في أجوافهم, ولكن لا بد, فهم يطلبونه بألسنتهم لغُصَّةٍ في حلوقهم, فإذا طلبوه انهالت عليهم أصناف من الأشربة.
وشرابهم المُهل, وهو النحاس المذاب, ماءٌ ثخينٌ حارٌ, لو أنه سُكب في الأودية لتقطعت, قال تعالى: {وإن يستغيثوا يغاثوا بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً}454.
ومن شرابهم ماءٌ يأتيهم من نهر الغوطة, وهو ما يسيل من فروج الزواني في النار455, فتخيل منظر أحدهم في النار , وقد امتدت به الأعوام والسنين الطوال فيتمنى شربة ماءٍ كتلك التي في الدنيا مما أصابه من حرقٍ وعذابٍ, وإذا بالملك الموكَّل بعذابه وبين يديه إناءٌ فيأخذه من شدة العطش وتتفسخ كفَّاه, ويقرّبه من فمه فيشوي جلده وهو مع ذلك مصرٌّ على أن يقذف ما به في بطنه فإذا انساح في جوفه تقطع اللحم والأمعاء .
قال الحارث المحاسبي في كتابه التوهم : فينادون جميعاً أي أهل النار….يا معشر الآباء والأمهات والأخوة والأخوات خرجنا من قبورنا عطاشاً وأوقفنا بين يدي الله تعالى عطاشاً وأمر بنا في النار عطاشاً, أفيضوا علينا من الماء.
فيجيبونهم من الجنة : اخسئوا فيها ولا تكلمون
هذا هو شرابهم في النار والعياذ بالله, فلا يتكدر خاطرك ولا يغمُّ بالك أيها المسلم العاصي لا يزال أمامك توبةٌ تنجوا بها إن شاء الله .

اذكروا أبا سفيان بخواتيمه
أبو سفيان ابن حرب, زعيم قريش حينما كان مشركاً, إذا لاح ذكره رضي الله عنه انصرفت أذهاننا إلى ما قبل إسلامه, فلا نذكر عنه سوى معاداته للنبي  ومناوأته للدعوة, مع أن الرجل أسلم وحسن أسلامه, ولا يصح لنا أن نذكر صحابياً جليلاً هداه الله بعد كفره, وقدَّم للإسلام الكثير وبذل له روحه, لا يصح في حقه وصمه بأنه من أهل النار. وإليك هذا الموقف عنه.
في غزوة الطائف التي تلت حنين وبعد القتال عمد إلى النبي  وقد حظي بضربةٍ على عينه فعميت, وجاء يشكوا ويقول: يا رسول الله هذه عيني أصيبت في سبيل الله وأماً إليها, فنظر  إليها فإذا أثار جراحٍ فيها, فقال : إن شئت دعوت الله فردت عليك, وإن شئت فالجنة , ففكر أبو سفيان , وعلم أنها دنيا فانية , وقال : بل الجنة يا رسول الله456.
يشهد له النبي  بالجنة, ويشهد له بعضنا بالنار على أعمال غفرها الله له, والإسلام يجبُّ ما قبله , بل إن من حَسُن إسلامه تُبدَّل سيئاته حسنات, وأبو سفيان من هؤلاء إن شاء الله.
وتمضي الأيام بهذا الصحابي الذي يريد أن يعوض عما فاته من خيرٍ ومشاهد مع النبي , فلا يترك فتحاً إلا وشهده, ولا موقفاً في سبيل الله إلا وحضره, ويمضي مع المسلمين إلى القادسية تحت لواء القائد سعد بن أبي وقاص, الأسد في براثنه كما أطلق عليه عمر, ويلقى في سبيل الله ما يلقى, وإذا عينه الأخرى قد لحقت بأختها,فعميت كلتا عينيه في سبيل الله فلا يجد رسول الله  ليشكوا إليه فقد لحق بربه منذ أربعة أعوام .
ويحتسب عينيه عند ربه, ويطلب من إخوانه بعد أن عجز عن القتال أن يسلموا إليه الراية, ويأخذها ويرفع راية الإسلام عالياً. وهنيئاً لك هذا المواقف يا أبا سفيان , ورحمك الله .

يخاف من خصومة بعير
هذه وقفةٌ مع الصحابي الجلبل أبي الدرداء رضي الله عنه.
يقول لبعيرٍ له عند الموت: أيها البعير لا تخاصمني عند ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك457.
هذا هو حساب النفس والقصاص قبل القصاص الأكبر, إنهم يحاسبون أنفسهم على الذرات قبل الأحمال الثقال , ونحن اليوم لا نتورع عن ظلم الناس, وكأن يوم الحساب محض أساطيرٍ وخرافات, أو أنه يومٌ لمخلوقات أخرى على ظهر غير هذا الكوكب, فهل حاسبنا أنفسنا كهذا الصحابي الجليل؟.

وتنعقد الألوية
بينما الناس يتزاحمون في ساحات القيامة إذ تنعقد الرايات والألوية, ويسيرون أزواجاً وأصنافاً, فأصحاب الأعمال الواحدة تحت لواءٍ واحدٍ أميره أكثرهم بلاءً وعملاً.
وينادى بالمكفوفين ويقال لهم انتم أحق من ينظر إلى ربهم اذهبوا إلى ذات اليمين فتنعقد لهم رايةٌ وتجعل بيد شعيب , ومعهم ملائكة النور ما لا يحصى عددهم يزفونهم كما تزف العروس ( والعروس تُطلق على الذكر والأنثى ) فيمرون بهم على الصراط مثل البرق الخاطف .
وشعيب  نبي مدين عمي أواخر حياته, وقاسى في سبيل دعوته الكثير إلى أن بعث الله على قومه العذاب .
وينادى على صنف آخر ….أنهم أهل البلاء والأمراض والزَّمنى الذين ابتلاهم الله تعالى في أجسادهم ويصطفون وراء سيدهم أيوب , الذي بلغ به المرض أن يتساقط لحمه ويسرح الدود على وجهه وفمه, حتى أن قومه جعلوه على مزبلة القرية لكيلا يعدي أحدهم .
وينعقد لواء الباكين من خشية الله تعالى الذين أمضوا ليإليهم خاشعين باكين لربهم, وعلى رأس اللواء نوحٌ . ويصطف الشهداء تحت لواء يحيى  الذي قتله إليهود لعنهم الله.
ولواء الفقراء والمعوزين الذين ما شبعوا قط وقضوا أيامهم البائسة طاوين من شدة الجوع فصبروا وعلموا أن الله سيجازيهم خيراً , ينعقد لوائهم بيد سيد الفقراء الذي خرج من الدنيا ولم يشبع من طعامها , عيسى  روح الله ونبي المحبة والسماحة .
ويؤتى بالأغنياء الذين عرفوا ربهم فأنفقوا أموالهم في مرضاته وأغدقوه على الفقراء والمساكين فينعقد لوائهم خلف سليمان .
وتنعقد عشرات الألوية خلف الأنبياء والصالحين , فهذا لواء المحبة لله وذلك لواء الصائمين ….كلٌ خلف سيدٍ أكرمه الله في هذا اليوم.
وعلمنا من أثر آخر أن لواء العلماء كلهم من لدن اَدم إلى قيام الساعة ينعقد بيد أعلم الصحابة بالحلال والحرام معاذ بن جبل سيد العلماء, فهنيئاً لك يا معاذ. وهنيئاً لأصحاب الألوية ومن ورائهم , إنهم الفائزون الناجون, أصحاب كرامةٍ يدخرها الله تعالى لهم في ذلك اليوم .
وأنت أيها القارئ تحت أي لواء ستقف ؟ أسأل الله لي ولك السلامة .

والولاة يحشرون
الوإلى الظالم من أكثر الناس عذاباً يوم القيامة, والوإلى العادل من أهنئهم نعيماً وفوزاً .
فالنعيم والعذاب يكونان حسب المسؤولية في الدنيا, والوإلى مسؤولٌ عمن تحته من الرعية فإن أحسن بهم فاز , وإن ظلمهم وأكل حقوقهم خسر خسراناً عظيما.
وهاهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثيراً ما يسأل عن مصير الولاة فيحدثه أبو ذر: يجاء بالوإلى يوم القيامة فينبذ به –أي يدفع به- على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجةً لا يبقى منه مفصلٌ إلا زال عن مكانه , فإذا كان مطيعاً لله في عمله مضى, وإن كان عاصياً انحرف به الجسر فهوى به في النار مقدار خمسين عاماً458 .
وروي أنه ما من أمير عشرةٍ إلا ويؤتى به يوم القيامة حتى يفكه الله بعدله أو يوبقه بجرمه459.
وروي أيضا أنه يجاء بالأمير الظالم يوم القيامة فتتخاصمه الرعية ويخصمونه فيقولون سد عنا ركناً من جهنم.
ومن يقدر أن يسد ركناً من جهنم والعياذ بالله.

أعظم سورة
وسور القرَن كلها عظيمةٌ, ولكننا نقصد في الأجر والمثوبة, وبهذا تختلف السور.
إنها الفاتحة …..{الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم , مالك يوم الدين ,إياك نعبد وإياك نستعين , إهدنا الصراط المستقيم , صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} آمين .
سميت بالفاتحة لأنها مفتتح القرآن الكريم, ولأنها يفتتح بها الصلاة .
ولها عدة أسماء: الصلاة للحديث القدسي: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي”460. والحمد: أول كلمة فيها, وأمُّ الكتاب, والمثانى: تثني في كل ركعةٍ, ولأنها أختصت واستثنيت لهذه الأمة فلم ينزل مثلها في التوراة والإنجيل .
والقرآن العظيم : إذا احنوت على أصوله, والشفاء والرقية: بها شفاء الأمراض .
الكافية:القرآن بناءٌ أساسه الفاتحة. الكافية: تكفي قارئها, وتكفي عما سواها ولا يكفي سواها عنها.
والقاتحة مختلفٌ فيها لدى المفسرين أهي مكيةٌ أم مدنيةٌ, ولعل الراجح في الرأيين أنها مكية ومدنية, نزلت في مكة حينما كان النبي  راجعاً من الغار بعد أن جاء الملك فخاف وفزع, وفي الطريق ناداه فإذا هو بين السماء والأرض فتلا عليه سورة الفاتحة, وتعددت الروايات في هذا الموضع .
ومدنية: بما روي أنها نزلت في المدينة, وطابع السورة يدل على ذلك.
وقد اشتملت هذه السورة على أصول القرآن رغم آياتها القصار, فلا عجب أن تكون أعظم سورة.
الحمد لله رب العالمين: ثناءٌ على الله تعالى ومدحٌ له على آلائه ونعمه وتفضله بالهداية والعون, فهو الإله العظيم القادر المهيمن وهو رب العالمين, وسيد الموجودين, فما من مخلوقٍ إلا ويدين الله بالخلق, وما من موجودٍ إلا ويحتاجه في حياته ومماته.
وهذه الآية من أعظم الكلمات وأجل الأدعية حتى أن بعضهم تنازع في أيهما أفضل هي أم قولنا لا إله إلا الله ودليله أنها اشتملت على توحيدٍ وحمدٍ, ولا إله إلا الله اشتملت على توحيدٍ فقط , والذي يفصل المسألة قول النبي : “خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله”461.
والحمد أعم من الشكر وأحسن, وذلك أن الشكر لا يكون إلا على نعمة أما الحمد فعلى نعمةٍ ونقمة.
وهي أفضل علاقةٍ بين الحق والخلق, بين الناس وربهم, الحمد لله, إنها تعني الرضا التام والتسليم بفعله الواقع علينا في هذا الكون الفسيح المترامي الأطراف, فحيثما نظرنا إلى بديع صنعه فالحمد لله, وأينما تدبرنا في خلقه فالحمد لله , ومهما أصابنا من بلاءه فالحمد لله , فالمسلم لا يفتر عن النطق بها في كلا حال , ولا ينساها في كل مآلٍ .
وهي رباطٌ وثيقٌ وكلمةٌ متينةٌ يرضى بها الله تعالى عن عبده فيُصلح حاله, ويجبر كسره, ويحسن خاتمته, ويهوِّن عليه مصائب الدنيا, وكربات الموت, ومفازع الآخرة .
وهي موسيقى الكون, وترداد الطبيعة, وترنيمة الحياة, وصوت الكائنات, يتوافق قائلها مع الموجودات حوله, فيصطف معها في انسجامٍ تام ورباطٍ عميقٍ, وهي من بعد ذلك هدوء النفس, وانجبار الخاطر, وسكينة القلب, ومفتاح العقل, وأشواق الروح .
وهي نداءٌ رتيبٌ ينبعث من الأعماق, أعماق النفوس, وخفايا الأشياء والكائنات.
الرحمن الرحيم: مشتقان من صفة الله تعالى الرحمة, والرحمن يختلف عن الرحيم, وقد أطال المفسرون والمتكلمون في البحث عن الفروق بينهما, فالبعض يقول أنه رحيمٌ بالمؤمنين, ورحمن بالخلائق, وقد يكون العكس صحيحاً.
وبعضهم أنه رحيمٌ في الدنيا رحمن في الآخرة, وأنت تلاحظ أن الرحمن اسم أخصُّ من الرحيم بمعنى أنه لا يطلق على سوى الله, فقد تصف شخصاً بأنه رحيم, لكنك لا تصفه برحمن.
وأياً ما يكون الفرق بينهما فالآية ذكرت صفة الرحمة لله تعالى, فهذا الإله العظيم له رحمةٌ وله غضبٌ , لكنه لكمال أسمائه وصفاته ولرأفته بنا كتب في الأزل أن رحمته تغلب غضبه .
وهذه الرحمة التي يتراحم بها الخلائق إلى قيام الساعة جزءٌ من مائة جزءٍ من رحمته التي يدخرها لعباده في الآخرة , فرحمة الأم بأبنائها والوالد بولده والأخ بإخوته والصديق بصديقه والناس ببعضهم والحيوانات بجنسها منبعثةٌ من رحمة الخالق الرحيم جل وعلا, ولولاه لما حلَّت الرحمة الأرض, ولاستحالت الحياة, وانقلبت عدماً .
بل إن رحمته تعالى في الآخرة لا تزال بالناس حتى يتطاول إبليس أخزاه الله راجياً أن تشمله فيُعفى عنه ويدخل تحتها….. ولكن هيهات .
والله تعالى يحبُّ منا الرحمة, ويجازينا عليها بجنسها, وهذا منتهى العدل, من كان رحيماً بالعباد في الدنيا له رحمةٌ في الآخرة, ومن كان ظالماً لهم غلظاً لا يجد سوى الغلظة.
مالك يوم الدين: وهذا أصلٌ اشتملت عليه هذه السورة الجليلة, أصل البعث والحساب, فالدين هو يوم القيامة ولا أحدٌ يحكم فيه سوى الله تعالى فلا ملك يحكم بهوى
يحكم بهوى , ولا جبار يطغى , ولا أمير يأتمر, وهؤلاء وان كانوا يملكون في الدنيا ملكا مجازيا فستغدو أيديهم صفراً يوم القيامة فلا مالكٌ حقيقيٌ ومجازيٌ سوى الله .
فيقيم القسط ويحكم بالعدل ويردّ مظالم العباد إلى أصحابها ويقتص من المتعدى وتكتمل صورة العدل المنقوصة ويتم الأمر .
وقد ذكرت سورة الفاتحة هذا لتُذكِّر العباد بذلك اليوم, اليوم الآخر الذي هو آخر الأيام فلا ليل بعده, فيتدبرونه ويعلمون انه لا بد من وقفة أمام الله تعإلى ولا بد من الحساب فترعوى نفوسهم وتصفوا وعقولهم فلا يتصرفون إلا برباط وثيق وهم يتطلعون نحو ذلك اليوم .
إياك نعبد وإياك نستعين: انظر إلى الفرق بين هذه الآية وقول القائل نعبد إياك وتستعينك لترى كم هي معجزة في لفظها ونظمها ومعناها .نعبد إياك ونستعينك : أي قد نعبدك ونعبد غيرك ونستعينك ونستعين بغيرك وهذا هدم لتوحيد الإلوهية الذي يقتضى إفراد الله تعالى بالعبادة والاستعانة في حين إن معنى الآية : لك نتوجه بالعبادة والاستعانة ولا نقصد في هذين الأمرين غيرك, أرأيت كم هو الفرق بعيد ؟
وهذه الآية يرددها المسلم في صلاته أكثر من خمس عشرة مرة في اليوم والليلة فيجدد علاقته مع الله فلا عبادة لغيره ولا استعانة بسواه فإن نسى تذكر من جديد .
ولو انه لم يتفكر في معناها ابتداء فكثرة تردادها كفيل بالوعي بها انتهاء, وهذا ما يريده الله منا على الأقل .
إهدنا الصراط المستقيم : الصراط المستقيم هو الطريق إلى الله وجادُّة الحق نحوه, وهو سير الاستقامة في حياة المرء دون أن يعبث بحقوق العباد أو يتعدى عليهم, وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى على البشر بأن يلتزموه فلا يخالفوه ويتمسكوا به فلا يتركوه .
وهو الطريق اللاحب الشاق الذي سار عليه رتل الأنبياء عليهم السلام منذ آلاف السنين ولاقوا من وراءه المنغصات وتعرضوا للمتاعب, بل إن بعضهم قُتل من اجله كيحيى وزكريا عليهما السلام, وبعضهم استُهزئ كنوح عليه السلام وبعضهم رُجم وضُرب وعُذب كلوط وإبراهيم عليهما السلام, وبعضهم أُلقي على جسده فرث جزور وقاذورات وقوتل مقاتلة شديدة كمحمد عليهم السلام جميعا.
وهو المسار الذي اتخذه الصالحون مسلكاً فصبروا عليه رغم الويلات التي لاقوها, ورغم تنكر الناس لهم.
وهو المدار الذي أفنى به الشهداء شبابهم فبذلوا حياتهم رخيصة من اجله وقدموا أرواحهم في سبيله فلا شيء أغلى عندهم ولا أثمن لديهم من أن يسيروا هذا السير ويقدموا هذه الروح.
والصراط المستقيم هو الفلك الوحيد الذي يدور حول مرضاه الله في الوقت الذي تدور فيه عشرات الأفلاك حول الشيطان والشهوات .
وهو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الجنة ويباعد عن النار, وهو طريق النجاة والفوز, والراية التي ارتضاها الله لأوليائه, والعلم الذي ركزه في الأرض لعباده .
لأجل هذا الذي سلف كله يدعو المسلم في صلاته أن يهديه الله ويعينه للالتزام بهذا الصراط فيحيا عليه ويصبر على مشاقه ثم يموت عليه أيضا.
والهداية نوعان: إعانة مثل قول موسى  حين أحاط به جيش فرعون وليس أمامه سوى البحر {كلا إن معي ربي سيهدين}462 وتبيان وتوضيح مثل هذه الآية, وقد يكون معنى الآية هنا كلا الهدايتين أقصد الإعانة والهداية .
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين : وكل من سار على هذا الطريق عبدٌ أنعم الله عليه بإعانته وتبيانه لما يؤول إليه, فلا نعمة أعظم ولا قربة أجزل منهما.
وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي  فسر المغضوب عليهم بإليهود والضالين النصارى ولورودهما هنا قصة .
فإليهود : بعد أن تمنن الله عليهم فأكثر من بعث الأنبياء إليهم, وأغدق عليهم نعمه وفضائله طغوا عن علم وانحرفوا بعد يقين فغضب عليهم وشتتهم في بقاع الأرض, فإذا قامت لهم دولة وارتفعت لهم راية فاعلم انه آخر الزمان حيث يأتي الله تعالى بموعودة الذي ذكره في سورة الإسراء .
وإذاً فهم امةٌ لا يستأهلوا هذا الفضل الذي منحهم إياه ربهم, فمن المناسب أن يدعو المسلم وفي صلاته التي يدخل فيها على ربه بان لا يكون كإليهود المغضوب عليهم .
والنصارى: تنكروا لنبيهم  وقالوا فيه قولا لا يستحقه بشر, فزعموا انه ابن اله والعياذ بالله, ولكنهم طغوا هذا الطغيان وافسدوا هذا الفساد عن جهل فسماهم القرآن الضالين463.
والمسلم يدعو ألا يصير حاله مثل حالهم.
بل هو يرجو أن يكون ممن انعم الله عليهم من الأنبياء والصاحين والأتقياء والشهداء والصديقين .
آمـــــــــين : هذه الكلمة ليست آية بل قالها النبي  بعد أن قرأ الفاتحة, ومعناها يوحي بهذا فهي اسم فعل أمر يعني استجب يا رب, فالفاتحة من أولها إلى آخرها دعاء يتوجه به المسلم لربه فإذا انتهى منها دعا بالاستجابة وهو ما تعنيه كلمة آمين .
وهذه اللفظة غريبة بالفعل فهي مشتركة بذات النطق والمعنى بين اغلب لغات العالم, النصارى يقولونها وإليهود وأجناس كثيرون ولا أظنها لفظة عربية, وهذا لا يضير, فالعربية تسبقها عشرات اللغات ومن علامات حيوية اللغة إن تؤثر وتتأثر باللغات حولها وقبلها, إلا ترى أن القرآن استخدم عدة ألفاظ ليست عربية في الأصل دون أن يُعدَّ ذلك عيباً أو نقصاً بل ذلك إشارة إلى عالمية اللغة وفعاليتها.

حديث البطاقة464
لا يعرفه كثير من الناس وهو مشهد من مشاهد القيامة, وما أحوجهم لمعرفته وسأقصه عليهم فعسى أن ينفعهم, أورده أبو نعيم وذكره الفشيري في التفسير ولا تخلوا آحاد كتب الحديث من المرور عليه .
وهو يحدث مع ثلة من الناس في ساحات الحساب الأكبر, ثلة منهم وليس جميعهم فيما أحسب.
حيث ينطلق بعضهم فيقفون أمام الموازين التي لا نعرف شكلها ولا حجمها ولا مقاييسها, وينظرون إليها خائفين وجِلين انه الحساب حيث الحسنات والسيئات في الكفَّات ولا أحد يعلم النتيجة سوى الله تعالى, وتقف الملائكة للحساب الدقيق وإذا هي ساعة جزع الإنسان ينتظر فيها الفرج أو النار والعياذ بالله.
وسنمكث مع أحدهم في حديث البطاقة وهو حديثٌ رواته مصريون, ولذا أطلقوا عليه هذا الاسم فهم يُسمُّون الرقعة بطاقة.
وتزن الملائكة الأعمال فتخف حسنات المؤمن وتطيش الكفة ذاهبة في الفضاء وتثقل السيئات بالكفة الأخرى ويوقن صاحبها انه هالك لا محالة, ولكن يأتيه رجلٌ وضيءُ الوجه مُفعَم المُحيَّا عليه ملاءة الصالحين وسيماء النبيين فيخرج بطاقة كالأنملة صغيرة الحجم أي رقعة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته .
ويقول المحاسَب ما هذه الرقعة الصغيرة بجانب السيئات التي أثقلت الكفة ؟.
وترجح سيئاته ويدور الميزان وتنقلب الكفة الطائشة الذاهبة في الهواء راجحة مثقلة وتطيش كفة السيئات وتذهب عالياً.
ويفرح صاحبنا فرحاً عظيماً فيتوجه إلى الرجل صاحب البطاقة ويقول: بابي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خُلُقك فمن أنت ؟ وما هذه الرقعة التي وضعتها ؟
فيجيبه: أنا نبيك محمد, وهذه صلاتك عليَّ .
أترى كيف إن صلاتك على رسولك في الدنيا تنجيك في مثل ذلك الموقف ؟ ألا يجدر بك أن تزيدها وتكثر منها فتجعل للسانك وردا يوميا يلهج بالصلاة عليه ؟.
نعم ودعني أخبرك إن أفضل وقت لذلك يوم الجمعة فتذكره جيدا, فقد ورد في الصحيح عنه  قال: ” خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا فيه من الصلاة عليَّ فآن صلاتكم معروضة عليَّ”465.
وزد من هذا الذكر في الساعة التي تسبق صعود الإمام المنبر ولتكن في المسجد فانه أفضل البقاع.
وقد ورد في بعض الآثار أنَّ أعمال الإنسان تبقى معلقة بين السماء والأرض حتى يتبعها
صاحبها بالصلاة على نبيه466 فلا تستهن بالأمر انه الفيصل بين قبول العمل ورده .
وورد أن في الأرض ملائكة سياحين ليس لهم وظيفة ولا شغل سوى التقاط الصلاة من أفواه المصلين على نبيهم وإبلاغه بها 467.
وورد أن الله وكَّل ملكاً يردُّ السلام على كل مصلٍ على نبيه .
وورد في حديث ضعيف ان المسلم حين يصلي على نبيه فانه الله تعإلى يحيى نبيه ليرد السلام468 .

ثم يؤتى بأهل البلاء
أي نصيب ينتظر اهل البلاء في الآخرة اولئك الذي اصابهم الله بعاهات في اجسادهم فعطَّلت جزءاً كبيراً من حياتهم, فالمكفوف صاحب بلاء والاخرس والأصم وذو القدم المقطوعة جميعهم اهل بلاءٍ, وهم اصناف كثيرون بثهم الله في أرضه رسالات إلى خلقه يُذكِّرهم بنعمة الصحة والنشاط .
وهم علامات دالة إليك أيها الكامل الخلقة بانك اجزل منهم نعمة فتذكر ذلك من ربك ولا تنساه.
ويجعل الله لهم أجورا وافية في الآخرة بل هم لا يحاسبون أصلا ولا تنصب لهم الموازين, وورد في حديث ابن عباس الذي أخرجه أبو نعيم:
يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب ويؤتى بالمتصدق فينصب للحساب ثم يؤتى باهل البلاء فلا ينصب لهم الميزان ولا ينشر لهم ديوان فيصب لهم الأجر صباً حتى إنَّ أهل العافية ليتمنون في الموقف أنَّ أجسامهم قُرِّضت بالمقاريض من حسن ثواب الله تعالى لهم469 .

حقوق الله والعباد
حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحّة, هذه قاعدة أصولية470 لا يعيها كثير من الناس,
وحقوق الله مثل الصلاة والذكر والجهاد والصوم والحج وكثير من العبادات.
وحقوق العباد مثل الدَّين وعدم الغيبة والكف عن أذاهم .
وهنالك حقوق وسط بين الاثنتين يشترك فيها حق الله وحق العبد مثل الزكاة التي هي طاعة الله وحق للفقراء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تبيان لدين الله في الأرض وحق الناس عليك حينما ينسوا ويطغوا .
وحقوق العباد أولى بالسداد من حقوق الله, أتعرف لماذا ؟, للقاعدة التي ذكرناها أولاً, العبد إن لم يسامحك في الدنيا فلن يسامح في الآخرة حتى وان كان أباك وأخاك أو اعز أحبابك فضلا عن البعيد .
فالله عفو كريم جواد غفور قد يسامح بحقوقه, أما الإنسان فلا يعرف هذه الصنعة يوم القيامة, قال الفقهاء : الله يسامح لغناه والعبد يقاضي لاحتياجه
وتأكيداً لهذه القاعدة, اسمع ماذا يقول سيد التابعين الفقيه سفيان الثوري :
انك ان تلقى الله عز وجل بسبعين ذنبا فيما بينك وبينه أهون عليك من ان تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد471 .
قال القرطبي معلقا: لأن الله غني كريم وابن ادم فقير مسكين محتاج في ذلك اليوم الى حسنة يدفع بها سيئة .
ما عملت من خير محضرا
مهما عملت من الخير وان كان صغيرا لم تهتم له سيؤتى به يوم القيامة وقد نمَّاه الله لك, وستراه عظيما أمثال الجبال, فالمحاسب الله وهو يحصي لك مثاقيل الذر من الخيرات ولا ينسى شيئا, وهذا أمر يقرره القرآن اسمع معي هذه الآية الجليلة .
قال تعالى :{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو ان بينها وبينه امدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد }472.
ولكم نسي الانسان من اعمال الخير والحسنات التي عملها في حياته, العشرات بل المئات والآلاف, نسى كل شيئ, وهل تذهب الأعمال بالنسيان؟ كلا هناك من لا ينسى, الملائكة الكاتبون والله في علاه .
سورة الزلزلة هي الأخرى تؤكد ذلك في آية واحدة { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره }473, ولا ضير عليك ايها الانسان فاعمل لآخرتك فستجزاه في الأخرة ولا تحصي على الله أعمالك الحسان حتى لا يحصي عليك الله نعمه هناك .
أخبر القشيري فقال : قال بعضهم رأيت أحدهم في المنام وكان صديقاً لي فقلت له ما فعل الله بك ؟ قال : وزنت حسناتي فرجحت سيئاتي على الحسنات فجاءت صُرَّةٌ من السماء وسقطت في كفة الحسنات فحللت الصرة فإذا فيها تراب ألقيته في قبر مسلم474 .
حتى التراب الذي نهيله على الأموات يأتي حسنات لحظات الحساب بل ويرجحها على السيئات .
وورد في الأخبار انه يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخفّ فيجاء بشيءٍ أمثال الغمام أو قال مثل السحاب فيوضع في ميزانه فترجح فيقال له اتدري ما هذا؟ فيقول: لا, فيقال : هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس475 .
لا شىء يذهب أدراج الرياح لا خير يمضي ويأفل وكل له موعد .

الصراط على جهنم
مهما وُصف فلا يكتمل الوصف الا حين رؤيته فإذا هو مهولٌ عظيم الخِلقة, ويكفي لرؤيته فزعاً وخوفاً انه منصوب على جهنم والعياذ بالله منها .
ولكن لا بد من اجتيازه وقطعه والسير عليه, وحالك في الدنيا هو حالك حين تجتازه .
وهو مثل السيف عليه كلاليب وحَسَك, يقول عنها : والذي نفسي بيده انه ليؤخذ بالكَلُّوب476 الواحد أكثر من ربيعة ومضر477.
وربيعة ومضر قبيلتان عربيتان لا أظن تعدادهما في عصر النبي  يقل عن المائة الف .
أعمال الخير تعين في عبوره وأعمال الشر تُركس في جهنم, وحديث مسلم الذي رواه ابو هريرة يقرر هذا ” فيأتون محمدا  فيؤذن لهم وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولهم كالبرق الخاطف”478.
وهذه دعوة إليك ايها المسلم ان تهتم بهذين العملين على وجه التخصيص أمانتك وصلة رحمك .
وهو حين يعبره المؤمن ليس مثلما يعبره الكافر, اذ يقول أحد الصالحين479 : بلغنا ( وهذه الكلمة تشير الى سماعها وتداولها منذ عهد النبوة ) أنَّ الصراط يوم القيامة على بعض الناس أدقُّ من الشعر وعلى بعضهم مثل الوادي الواسع .
ومهما عمل الانسان من حسناتٍ ولو أمضى عمراً مديداً في الطاعة والجهاد وعمَّر مئات الأعوام فقضاها في عبادة ربه لما كان عمله مجيزا به الصراط غير انه عفو الله الذي يناله العابدون الطائعون .
فعن ابن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمته وتقتسمون المنازل
بأعمالكم480.
حين يعبر المؤمن عليه تخاطبه النار من تحته : جُز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهيبي .
تأتي جهنم والعياذ بالله منها يوم القيامة لها أزمَّة481 تُجرُّ بها فتحيط بالخلائق كأنها إهالةٌ482 فلا يبقى طريق الى الجنة غير الصراط , فيؤمَر بالأمم أن تجوز, وأول هذه الأمم المسلمون .
وها هنا مشهد يتماثل للعيان حينما تزدحم امة محمد , مشهدٌ ترتجف له الفرائص ويستولي الرعب مرة واحدة على سامعه .
فإذا عصف الصراط بامتي نادوا …. وامحمداه وامحمداه …. يقول : فأبادر من شدة اشفاقي عليهم وجبريل آخذٌ بحجزتي … فأنادي رافعا صوتي … يا رب أمتي أمتي .. لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة أبنتي ….. والملائكة قيامٌ على يمين الصراط ويساره ينادون .. ربِّ سلِّم سلِّم .. وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال والعصاة يتساقطون عن اليمين وعن الشمال والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال483 .
انظر لِعِظم هذا المشهد, ثم تفكر بحال النبي  وهو مشفقٌ على أمته فيقدمها على نفسه ويرجو لها الخلاص, لكن العصاة يتساقطون والمذنبون لهم مسٌّ وعذابٌ وحظٌ من النار أجارنا الله واياك منها .
والورود المذكور في قوله تعالى:{ وانْ منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا }484 هو المرور على الصراط فما من أحدٍ إلا وسيمر وما من شخصٍ الا وسيعبر.
هكذا فسر كعب بن أبيّ الآية إذ قال : هل تدرون ما ورودها ؟ يجاء بجهنم وتمسَكُ للناس كأنها متن إهالة حتى اذا استقرت عليها أقدام الخلائق برِّهم وفاجرهم نادى منادي: إن خذي أصحابك وذري أصحابي فتخسف بكل ولي لها لهي أعلم بهم من الوالد بولده, وينجو المؤمنون .
وأنْ المخففة الواردة في الأية السالفة حيثما قرأتها في كتاب الله وجاء بعدها استثناء فمعناها: ما, أي ما منكم من أحد الا وسيرد النار.
أمرٌ قضاه الله تعالى في الأزل وانتهى منه ولن يغير ولن يبدل .
ويأتي عزاء المؤمن في الأية التي تليها { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا }485 فالمتقون لهم نجاةٌ والظالمون يجثون فيها ويتساقطون في دركاتها .
ولكم أفزعت هذه الآية من سورة مريم قلوب العارفين واخافت المتدبرين الصادقين, فعبد الله بن رواحة كان يبكي حين يتلوها ويقول : قد أخبرنا الله بالورود فأين الصدور, أي الخروج منها .
وقال احدهم لأخيه : هل اتاك أنك وارد النار ؟ قال نعم , قال فهل أتاك أنك خارج منها , قال لا , قال ففيم الضحك ؟ فما رُئي ضاحكاً حتى مات486.
هذا هو الصراط فما أعددت لعبوره أيها المسلم ؟, أيها الذكي , يا من تخلص نفسك من المصائب والأزمات, ها هنا عقبة الصراط هل تخلص نفسك منه كما كنت تخلصها في الدنيا؟ .

خذوها من غير فقيه
بينما كان ابن عباس يحدث أصحابه ويفسر قوله تعالى { وكنتم على شفا حفرة من النار فانقذكم منها }487 , سمعه أعرابي فقال : يا ابن عباس والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها .

فقال ابن عباس : خذوها من غير فقيه488 .
والأعرابي يفهم كلام الله على سجيته وبساطته فلا يتكلف في شرح معنى ولا إيراد تفسير, غير أنه تلمس رحمة الله تعالى فإذا كان الله تعالى أرسل نبيه وأنزل آياته بهدف إنقاذهم من حفرة النار فكيف يُركسهم فيها يوم القيامة ؟ .

هرب ثلاثة أيام
إنه سلمان الفارسي الموصوف بالباحث عن الحقيقة, وصاحب السفر الطويل من أرض فارس ليلتقي بصاحب الدين الحق بعد أن تيقن أن أديان العالم القديم عفت ودرست فما عادت تنجي أتباعها .
يسمع قوله تعالى { وإنَّ جهنم لموعدهم أجمعين }489 فيهرب على وجهه ثلاثة أيام في البيداء من الخوف والفزع لا يعقل كلاماً ولا يدرك حالاً , ثم جيء به الى النبي  فسأله وأخبره الخبر فنزل قوله تعالى { إن المتقين في جنات وعيون }490 .
ونحن نسمع هذه الآية عشرات المرات ونمر عليها مرور الكرام, والآية بذات حروفها ومعناها لم تتغير , لكن القلوب ليست واحدة .

دركات جهنم
جهنم – والعياذ بالله منها – ليست طبقةً واحدةً بل هي منازلٌ ودركاتٌ, ويقال للجنة درجاتٌ وللنار دركاتٌ, ودرجات الجنة كثيرة جداً, ودركات النار سبعةٌ, وهذا من لطف الله تعالى .
ولكل دركةٍ أصحاب وأهلون حسب العذاب والأعمال وقد احصى العلماء أسماء كل دركة.
فـأعلاها جهنم : وهي مختصةٌ بالعصاة من أمة محمد  , وهي التي تخلو من أصحابها بعد حين فتصفق الرياح أبوابها .
ثم لظى : التي تتلظى بأصحابها فلا ينفكون في عذابها.
والحُطمة : وهي التي يحطم بعضها بعضاً. وتحطم العظام وتدقها.
فالسعير : تسعر بالكافرين, وذُكر أنَّ جهنم تسعر في كل يومٍ إلا يوم الجمعة, وجهنم هنا فيما اظن تطلق على دركات النار كلها لا على طبقةٍ بعينها إذ كلها تسعر في الأيام غير يوم الجمعة .
وسقر : وهي التي تأكل اللحم دون العظم.
والجحيم : سميت بهذا الإسم لأنها عظيمة الجمر, فالجمرة الواحدة أعظم من الدنيا.
واسفلها الهاوية : حيث يهوى فيها أشد الخلق كفراً وأعتاهم على ربهم, وهي موطن المنافقين, قال تعالى :{ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار }491 نعوذ بالله منها ومن دركاتها .

أنت المنادى
سينادي عليك ملكٌ من الملائكة حين تكون مع الخلائق في عَرَصَات الحساب, وحين يجيء دورك, ومن قبل ذلك تشخص ببصرك وتسمع بأذنك الأسماء, أسماء الناس قبلك, لكل واحد دوره, وها هو دورك قد أتى , وسيأتيك واحدٌ من الملائكة عظيم الخلقة فيأخذ بعضديك ويقول لك بصوت كالرعد فلان بن فلان … هلَّم إلى العرض على الجبار, فيقطع الخوف أوصالك ويكسر الفزع صوتك .
ثم تنطلق .. وعلى مرأى من الخلائق … إلى أين ؟ … أخبرك الملك للتو…. إلى الجبار .. إلى رب الأولين والآخرين … إنه الموعد الأكبر والعرض الأخطر .
الكل ينظر إليك وخطواتك تمضي … ووجهتك الحساب ومثولك أمام الله
صدقني أنا لا أقصد إخافتك وفزعك … لكنه مستقبلك أيها المسكين .. وأنت لا تعرفه إلى الآن .. ليس مستقبلك الدنيوي .. بل الوجودي .. وهو الاهم .
وها أنت الان تتخطى الصفوف … والملك يسوقك .. هل لحظة في حياتك كلها أشد رعباً من هذه ؟ لا أظن .
ألا تستأهل هذه اللحظة أن تُصيِّر حياتك كلها لها … إن فعلت فأنت الرابح , فهو امتحانٌ واحدٌ , إما رسوبٌ وفشلٌ وأما فوز ليس بعده فوز .

لي ذنوب أخر
هذا مشهد من مشاهد الحساب في الآخرة , ورد في حديث صحيح أخرجه الأمام مسلم ورواه ابو ذر .
حيث يؤتى بالعبد تحاسبه الملائكة وتفتح كتاب أعماله , فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه وخبِّؤا كبارها , فتقرره الملائكة بذنوبه الصغار وتردد عليه : عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا , فيقر بها ولا ينكر , وهو يعلم أن ثمة ذنوب كبار أعظم من هذه .
لكن الله اراد به خيرا … وتذكر أنه لا بد من سبب لإرادة الله بك الخير في ذاك الموضع, فيقول للملائكة : أعطوه مكان كل سيئة حسنة , فيفرح العبد حينئذ وينطق بعد صمت فيقول : يارب إن لي ذنوبا ما رأيتها ها هنا492 .
قال أبو ذر : فلقد رأيت النبي  ضحك حتى بدت نواجده ثم تلا { فأولئك يبدل الله سيئاته حسنات }493 .

فليحمل من أوزاري
اورد ابن ابي الدنيا التابعي المشهور في كتابه حسن الظن بالله هذا المشهد الذي حدث النبي  به أصحابه ورواه عنه ابو هريرة حين رأه يضحك فسألوه عن ضحكه فقصَّ عليهم قصة رجلين من أمته جثيا بين يدي رب العزة .
فقال أحدهما : يارب خذ لي مظلمتي من أخي, إنها ساعة ظلامات وقصاص, والقاضي هو الله فلا شطط ولا ظلم.
فقال الله تعالى : أعط أخاك مظلمته . فقال: يارب مابقي من حسناتي شيئ .
فقل الأول وهو شديد الحرص على الأخذ: يا رب فليحمل عنى أوزاري .
قال ابو هريرة : وفاضت عينا رسول الله .
ثم قال : إن ذلك اليوم ليوم يحتاج الناس فيه إلى أن تحمل عنهم أوزارهم .
ولكن رحمة الله تسبق, ورأفته بالعباد تتدخل , فيقول للطالب حقة : ارفع بصرك فانظر إلى الجنان , فيرفع بصره ويرى ما يعجبه من الخير والنعمة .
ثم يقول : يارب لمن هذا ؟ فيقول : لمن أعطاني ثمنه . فيقول : ومن يملك ثمنه ؟ فيقول : أنت فيقول : وبم ..؟ فيقول رب العزة : بعفوك عن أخيك , فيقول يارب إني قد عفوت عنه .
فيقول الله تعالى : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة494.
أرأيت كيف تقصُر أعمال العباد عن نجاتهم فيأتي المدد من صاحب الحساب, أعلمت كم هو ربك كريم رحيم عفو رؤوف ؟…….
وتأمل أول الحديث قوله : رجلين من أمتي . هذه الأمة عزيزة عند ربها, وهي صاحبة الكرامة ونبيها صاحب لواء الحمد والشفاعة يوم القيامة .

فتفرِّج لنا الأمم
الأمة الاسلامية أيها القارئ أفضل الأمم , هكذا اختارها ربها, وقد لا يسعفني الواقع البئيس كي اؤكد لك هذه الحقيقة لكنها كذلك, أليس رسول الله  أفضل الأنبياء ؟ أليس القرآن أقوم الشرائع والرسالات ؟ وإذاً فالأمة أفضل الأمم وأكرمها عند الله ولكنه يبتليها, وسينصر الله دينه في الأرض ولكنه يدَّخر ذلك لعباده الأولياء الأصفياء .
ورد في بعض الأسانيد الضعيفة أنه ينادى يوم القيامة من تحت العرش : يا أمة محمد أما ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي495 , لكن السؤال هل يتواهبون تبعاتهم ؟ الله أعلم .
وهذه الامة رغم ضعف حاضرها وقصر أعمار أفرادها أول الأمم حسابا ودخولاً الجنة, فقد ورد في الحديث” فتفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضي غُراً مُحجَّلين496 من آثار الوضوء فتقول الأمم : كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها “497.

آية النور
{ الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم }498.
المشكاة : كلمة حبشية تعني الكُّوة والحفرة غير النافذة في الجدار.
الزجاجة : القنديل.
دريّ : منسوب إلى الدُّر , أي قمة الإضاءة.
والله تعالى يضرب الأمثال في القرآن ليقرِّب لنا بعض الصور والمعاني التي لا نستطيع فهما دون تقريب ومثل, وهي كثيرة في القرآن كما تلحظ, وآية سورة النور مثال على ذلك.
والآن تخيل معي هذه الصورة الحسية …
لندخل سويةً حجرةً مظلمةً خلت من أي ضوء, فَتَلَمسْنا الجدار ونحن على وعي بم نريد أن نفعل, فإذا كُوَّةٌ في الحائط غير نافذة, أضأنا مصباحاً ووضعناه في الكُوَّة المغلقة من الثلاثة جوانب, كيف يتجمع الضوء في هذا المكان الصغير ؟ ثم عمدنا إلى زجاجة مغلقة إلا بمقدار ما نجعل المصباح في جوفها, ما الذي يحدث؟,, إنَّ الزجاجة تُركِّز الضوء المنبعث من المصباح فيزداد توهجاً وإضاءةً, ويزداد النور حولها حتى انه ليضيء الحجرة كلها .
وتنقلب الزجاجة ومصباحها مثل الكوكب الدُّريُّ الذي يلمع في سماءٍ مظلمةٍ حتى لنراه على بعد آلاف الأميال, هذا الكوكب من شدة توهجه كالدُّر النفيس المضئ لا ينطفىء فقد خُلق مُضاء متَّقداً .
حينما نزلت هذه الآية كان وقود المصابيح الزيت, والمصباح الذي عمدنا وضعه في الكُوَّة انتخبنا له أجود زيت على الأرض, إنه مستخلصٌ من زيتونة ضربها شعاع الشمس حتى كادت تذوي فلا تضرب ظلاً لا شرقا ولا غربا, فالشمس مُسلَّطةٌ عليها مدة سطوعها في النهار .
وإذاً فالزيت من شدة وضاءته يكاد يضيء وحده دون اشتعال, فكيف به وقد وُضع في مصباحٍ تحيط به زجاجةٌ تمنع انكسار الأشعة فتركزها, وهو موضوع في مكان محصورٍ .. كُوَّة .
كيف تكون الإضاءة حينها, هذا مَثَل نور الله تعالى, والمعنى الله هادي مَن في السموات والأرض, وهديه نور, ونوره منبعثٌ كالمثال السابق, هكذا فهمها المفسرون.
قال ابن عباس: فكما ان الزيت يكاد يضئ قبل ان تمسه النار فقلب المؤمن يعمل بالهدي قبل العلم .
والزيتونة شجرة مباركة من أكثر الأشجار التي يُنتفع بها, وهي أول شجرة نبتت في الدنيا, وأول ما نبتت بعد الطوفان, فهي شديدة العشق للحياة, كثيرة الانتفاع, دعا لها النبي  فقال : اللهم بارك في الزيت والزيتون .
وورد في سبب نزول الآية الكريمة أن إليهود قالوا يا محمد كيف يخلص نور الله من دون السماء فضرب الله هذا المثل499 لهم ولغيرهم .
وهم جهلة في سؤالهم, فإذا كانت الملائكة قادرة على اختراق السموات, والجانُّ متمكنٌ من النفاذ في التراب, فكيف يعجز نور الله تعالى عن النفاذ والإنبعاث في أرجاء الكون وخفاياه .
وقد ورد في حديث: ” إنَّ الله خلق الخلق من ظلمة ثم رش عليهم النور ..”500.
قال العز بن عبد السلام عن الآية : معرفة العبد لربه هو نور الله الذي يقذفه في قلب عبده فيدرك بذلك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ثم لا يلبث ذلك النور أن يفيض عليه .

خذ بيد أخيك
ما أروعه من مشهدٍ, وما أجلَّه من عفوٍ, ويا لكرم الله وسعة غفرانه.
أتعلم أيها المسلم إنَّ رحمة الله لا تزال بالناس يوم القيامة حتى ان ابليس لعنه الله يرجو ان تناله .
لنذهب سوية في رحلة الى الدار الآخرة, حيث الحساب وأعمال الناس, نجد رجلا يقف أمام ربه يحاسبه فلا يجد له حسنة ترجح ميزانه وقد اعتدلت كفتا الميزان, الحسنات مثل السيئات, ونتيجته من أهل الأعراف, ولكن هيهات بين أصحاب الأعراف وبين أهل الجنة.
وقد لا يكون من أهل الأعراف إذ هم ناجون, ربما يكون من أهل النار, أي أنّ سيئاته زادت عن حسناته بواحدةٍ.
وتتدخل رحمة الله تعالى فيخاطبه : اذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنةً أدخلك بها الجنة, فيفرح الرجل وينطلق يجوس في العالمين, ويتخلل الزحام باحثاً عن أناس كان يعرفهم في الدنيا لعلهم يتصدقون عليه اليوم بحسنةٍ واحدةٍ هي كل ما يتمناه في ذلك الموقف.
ويبحث كثيرا بين ملايين الخلائق عن أصدقائه وأقاربه وأخلائه, فتخيل حين يلقى أحدنا أصدقائه ويخبره الخبر ويطلب منه حسنةً واحدةً, فيأبى الصديق ويقول: أنا أحوج منك اليوم.
ولكنه لا يجزع, يتركه باحثاً عن غيره, فتخيل حين يلقى بعض اقاربه وبني عمومته فيستجديهم حسنةً فلا يقبلون, ويصرُّ في الطلب, حسنةٌ واحدةٌ تحدد مصيري عند ربي, ثم يجد في الخلائق اخاه ويظن الفرج ويطلعه على الأمر عساه يتصدق عليه بحسنة, فيأبى الأخ.
وهنا يشعر بالجزع, أيعقل أنَّ الأخ لا يغيث أخاه في موقفٍ هو الأعظم منذ بدء الخليقة ؟ نعم .
ويلقى اباه وأمه : يا أبتي يا أمي ألست ولدكما ؟ أترضيان أن أهلك ؟ حسنةٌ واحدةٌ, فيقولان نحن أحق بها منك .
فبينما هو عائد جازع إذ يراه أحدهم : فيقول له : ما الذي تطلب: فينشرح ويقول: قد لقيت لله تعالى وقد تساوت حسناتي وسيئاتي فأغدق عليَّ رحمته إذ أعطاني فرصة اخيرة أُعدِّل فيها ميزاني وأني بحاجة إلى حسنة واحدة فما ظفرت بهامن أصدقائي ولا أقاربي حتى لقد رفض ابي وأمي أن يعطياني .
فيقول له الرجل :وأنا لقد لقيت ربي فما وجد في صحيفتي إلا حسنة واحدة وما أظنها تغني شيئا, خذها هبة مني.
فيفرح صاحبنا ويعلم أنها ساعة الفرج, فينطلقا إلى رب العزة, فيقول له الله تعالى – وهو أعلم بما حصل بينهما – ما بالك ؟ فيقول أي رب قد وجدت حسنةً من أخي هذا, وهبني حسنته الوحيدة .
فيقول أرحم الراحمين: كرمي أوسع من كرمك, خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة501 .
أرأيت عفواً ورحمةً أوسع من هذه ؟ تخيل لو أنك ذلك الرجل كيف سيكون سرورك وفرحك أو انك الآخر صاحب الحسنة الواحدة ودخلت الجنة بعد يأسك .
ولكن أيعقل بك وأنت المسلم الفطن ألا يكون في ميزانك يوم القيامة سوى حسنةٍ واحدةٍ, ما رأيك أن تزيدها قبل فوات الأوان .

وتنفلت من أيديهم
تُساق النار بأزمَّة شِداد, يسوقها ملايين الملائكة إلى الناس في أرض الحشر, وحين ترى الخلائق ومن شدة شغفها بهم تنفلت من أيدي الملائكة وتكاد تحرق الخلق .
“وجيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام , كل زمام يقوده سبعون ألف ملك502 فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انفلتت من أيديهم فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع .
وورد في خبر آخر
… وأنها إذا افلتت من أيديهم لم يقدروا على إمساكها لعظم شأنها, فيجثو كل من في الموقف على الرُّكب حتى المرسلين, ويتعلق إبراهيم وموسى وعيسى بالعرش , هذا قد نسى الذبيح وهذا قد نسي هارون وهذا نسي مريم وكل واحد منهم يقول نفسي … نفسي …. لا أسألك اليوم غيرها .
ومحمد  يقول : أمتي أمتي سلمها يارب ونجها503 .

من هم الجهنميون ؟
هم الذين دخلوا النار من عصاة المسلمين ثم رأف الله تعالى بحالهم وأخرجهم إلى الجنة, يُعذَّبون بذنوبهم سنينا واعواما لم نُخبَر عن عددها, أهي عشرات السنين أم مئاتها أم آلافها أم ملايينها ؟ الله اعلم .
ثم يخرجون بفضل كلمة التوحيد التي في قلوبهم, وينثرون في أنهار الجنة, وينبت الله أجسادهم كما ينبت النبات والعشب , حتى إذا استوت خِلقتهم وكمُلت أجسادهم تنعَّموا مع أهل الجنة فيها .
ويناديهم أهل الجنة بالجهنميين فيتأذون بهذا الإسم ويتوجهون إلى ربهم بالدعاء : ياربنا قد رحمتنا بان أخرجتنا من النار فأزل عنا ما ينادوننا به إخواننا, فيزيل الله عنهم اسم الجهنميين504 .

إنها عليهم مؤصدة
أي مُطبقةٌ مغلقةٌ لا منفذ لها ولا مخرج, وهي النار في آخرعهدها مع الكافرين الأشقياء.
تطول عهودهم فيه, تنقضي الأعوام تلو الأعوام, وتمر عليهم الدهور فلا يُرحمون ولا يعفى عنهم.
ويعلمون أنهم لا بثون فيها إلى أبد الآباد , خالدين فيها, فيقولون لبعضهم البعض وهم في غمرات العذاب والألم ومنتهى القسوة : لنصبر قليلا فعسى أن ينفعنا الصبر كما كان ينفع أهل الطاعة في الدنيا على طاعة الله .
ويجتمع رأيهم على الصبر, إذ لا شيء غيره, وهو آخر الحلول عندهم ويصبرون ويطول صبرهم, فينقلبوا جزعين وينادوا : سواءٌ علينا أصبرنا أم جزعنا ما لنا من محيصٍ, أي مهرب وملاذ .
فيجيبهم الله تعالى في عليائه : اخسئوا فيها ولا تكلمون. فلا ينبسون بعدها بكلمةٍ واحدةٍ505.
وفي مشهد آخر أوله من الجنة حين يقال لهم : اطَّلعوا إلى أهل النار فيطَّلعون فيرى الرجل أباه ويرى جاره وصديقه الذين كفروا واشركوا بربهم .
ويبعث الله تعإلى عليهم الملائكة بأطباقٍ من نارٍ ومسامير من نار وعمدٍ من نارٍ, فتُطبق الملائكة عليهم بتلك الأطباق وتشدُّ بتلك المسامير وتُمدُّ بتلك العمد فلا يبقى فيها خللٌ يدخل فيه روح .
وينساهم الرحمن على عرشه, أي يتركهم فلا يلتفت إليهم ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم.
ولا يستغيث أهل النار بعدها أبدا وينقطع الكلام وما هو إلا الزفير والشهيق كأصوات الحمير506 . قال تعالى : { إنها عليهم مؤصدة , في عمد ممدة }507.
يا لهذا الكرب ويا لعظم الشدة والألم, ويا لقسوة النار, والأدهي منه كله حينما ينساهم الرحمن على عرشه فلا يبقى للقوم منقذ ومهرب .
حينما تتخيل مشهداً كهذا اجعل نفسك معهم لتنطلق بعدها إلى طاعة ربك أيها المسلم وقد تقول : هذا مشهدٌ خاص بالكافرين وأنا والحمد لله مسلمٌ, لكم تجرأ مسلم على التطاول فسبَّ الذات الإلهية أو شتم الدين فخرج من ربقه الاسلام ومات والعياذ بالله على الكفر.
ثم إنك إن نجوت من هذا, فهل نجا منه أعزاؤك واحباؤك ؟ ألا تسارع إليهم فتطفئ النار المشتعلة بهم وتصبر على آذاهم فهم جهلة بما سيحدث لهم يوم القيامة في النار حينما ينساهم الرحمن على عرشه .
أنت معني بأن تنقل هذا الحديث وغيره إلى من تحب وتكره من أبناء جنسك فعسى الله أن يهديهم على يديك ولسانك فتنجيهم ويُكتبون في صحيفتك , عسى الله .

الموت كبش أملح
لا موت سوى مرةٍ واحدةٍ, قضى الله بهذا على كل المخلوقات, قال تعالى { لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى }508 وهذا في معرض الحديث عن المؤمنين, أما الكافرين فقوله تعالى : { يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن وراءه عذاب غليظ }509 .
حتى النار في الآخرة لا تميت الكافرين والعصاة, يتمنون الموت لكنهم يبقون أحياء .
بل إن الموت برمته يأتي به الله تعالى بعد أن يدخل أهل الجنة جنتهم وأهل النار نارهم يأتي به على صورةٍ حسيةٍ, كبش أملح فيذبح وينتهي .
وهذا ما أخبر به  في الحديث الذي أخرجه الترمذي ورواه أبو سعيد الخدري ” إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح, فيوقف بين الجنة والنار فيذبح وهم ينظرون, فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة, ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار”510 .
وفي رواية أخرى …. أُتي ملبيا ( أي مجيباً ربه ) فيوقف على السور الذي بين الجنة والنار511.
وهي صورةٌ مذهلةٌ لمخلوقٍ غريبٍ عجيبٍ هو الموت فيُحدِّقون به ويشرأبون نحوه كما ورد في حديث مسلم الذي رواه أبو سعيد الخدري أيضا .
“إذا دخل أهل الجنة وأهل النار النار يجاء يوم القيامة بالموت كأنه كبش أملح, فيوقف بين الجنة والنار, فيقال يا أهل الجنة : هل تعرفون هذا ؟ فيشرأبون وينظرون . فيقولون : نعم هذا الموت ثم يقال : يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم هذا الموت . فيؤمر به فيذبح ثم يقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود ولا موت”512 .
لقد انتهى عهد الموت الذي طالما روَّع الخلائق وبدَّد الجماعات وهدم اللذات, لكن انقضاء عهده رحمةٌ بالمؤمنين وويلٌ وخسارٌ على الكافرين, فهم يتمنونه على ما بهم من العذاب, وهيهات مضى أمر الله بلا رجعة .

الجنة درجات
الجنة هي دار النعيم السرمدي الذي خلقه الله تعالى وهيأه لعباده الصالحين, وهي ملاذهم في النهاية وحسن جزائهم, وهي جوار الله الذي لا يبأس جاره ولا يحزن وليه .
وهي منازلٌ ودرجاتٌ كثيرةٌ, وقد ظنَّ بعضها على ما ورد في بعض الأحاديث أنها مائة درجةٍ, كالحديث الذي أسوقه إليك, غير أنها أكثرمن ذلك, فالشهداء وحدهم لهم مائة درجة .
روي أن رجلا جاء الى النبي  فقال يا رسول الله كم في الجنة من درجةٍ, قال: مائة درجةٍ ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, أول درجة منها دورها وبيوتها وسُرُرها ومغاليها من فضة, والدرجة الثانية دورها وبيوتها وسررهامن ذهب والدرجة الثالثة دورها ……. من ياقوتٍ ولؤلؤٍ وزبرجدٍ وسبع وتسعون درجةً لا يعلم ما هي الا الله513 .
وقد يكون النبي  أخبر الرجل بدرجات المجاهدين أوصنفٍ آخر غيرهم .
وقد ورد في خبرٍ آخر .. إنَّ في الجنة مائة درجةٍ أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله514, وذكر أيضا أن قراءة القرءان تُحصِّل كل الدرجات, وقد جعل بعضهم الدرجات على عدد آيات القرءان ذلك أنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ وارتق أي اصعد فإن منزلتك عند آخر آية كنت تتلوها515 .
ودرجات الجنة على قدر الأعمال في الدنيا, والناس تتفاوت أعمالهم وأعمارهم, فهل يعقل أن يكون للشهيد درجةٌ مثل من مات حتف أنفه, أو أن يجعل للصِّديق والداعية درجةٌ مثل باقي المسلمين وهذا معنى الأثر الذي آخره ….وتقتسمون المنازل بأعمالكم516 .

مع الحارث المحاسبي517
للحارث المحاسبي كتاب اسماه التوهم أي التصور والتخيل, جمع فيه نصوص ومشاهد الآخرة ثم رتبها, وهو يتنقل من الموت وحتى يدخل أهل الجنة جنتهم وأهل النار نارهم, مروراً بالبعث والحشر والميزان والصراط وانتهاءً بالجنة والنار.
وقد عقد فصلا باسم “قنوط الهالكين من رحمة الله تعالى”, قال فيه:
يزيد الله الكافرين حسرةً فيُطبق عليهم أبواب النار …. فكيف لو سمعت أيها المسكين رجوف بابها ( أي إغلاقه بشدة ) …. واعلموا ان الله تعالى أطبق عليهم لئلا يخرج منهم أحد , فتتقطع قلوبهم عند ذلك وينقطع الرجاء لا فرج ولا مخرج .
ثم قال : فهي أحزانٌ لا تنقضي وغمومٌ لا تنفذ وقيود لا تُحلُّ وأغلالٌ لا تنفك … ثم لا يُرحم بكاؤهم ولا يجاب دعاؤهم ولا يغاثون عند تضرعهم ولا تقبل توبتهم .
ولو أنك رأيت المعذبين في قرارة النار وقد أكلت محاسن وجوههم ولم يبق سوى العظام , يصرخون بالبكاء , واطَّلعت النار عليهم فأكلت الكبد والأحشاء .
إن الخطر عظيم وأن البدن ضعيف وإن الموت قريب , فاحذر نظر مولاك عليك بالغضب والمقت .
وقال في مشهد عقده واسمه: بدء العذاب :
تخيل وقد زلَّت قدمك عن الصراط, فلم تشعر إلا والكَلُّوب قد دخل في جلدك ولحمك, وبادَرت إليك النار فائرةً غاضبةً .
ثم يقول الله تعالى: للنار هل امتلأت؟ , فتقول هل من مزيد ؟ .
وتخيل نفسك وأنت في قعرها ولها قصيفٌ في جسدك, ثم يتفطر لحمك ويتساقط ولم يبق سوى عظامك , وجالت النار في جوفك فأكلته وأنت تنادي فلا تُرحم .

الشام أرض المحشر
الشام هي البقعة الجغرافية التي تتكون الآن من سوريا والأردن ولبنان وفلسطين , وقد يكون سبب إطلاق هذا الاسم عليها وقوعها شمال ارض الحرم, فاليمن عن يمينه والشام عن شماله, وهي أرضٌ مباركةٌ فيها المسجد الاقصى الذي بارك الله حوله, وهو المروى بدماء الصحابة الشهدءالفاتحين اذاستشهد فيه مايزيد عن الثلاثين الف شهيدٍ .
وقد ورد في الاثار والاحاديث أنه ارض الحشر ,إليه يُساق الناس في اخر الزمان, حيث تخرج نار من اليمن فتفر منها الخلائق صوب الشام .
ونحن نعرف ايضا ان الخلائق يحشرون على أرضٍ بيضاء نقيةٍ لا معالم لها كالكف ولم يسفك عليها دم, وهي التي ذكرت في القران باسم الساهرة518 قال بعضهم إنما سميت بهذا الاسم لانه لا ينام عليها احد.
ولكي نفرق بين الساهرة وبين ارض الشام اذ ان كليهما أرض محشر يلزمنا القول إنهما حشران اثنان لا واحد , حشر على هذه الارض التي نعيش عليها قبل ان تُبدَّل الأرض والسموات وهي ارض الشام وحشر اخر اكبر بعد ان ينقضى هذا العالم الكوني ويبدله الله تعالى بآخر أي على ارض الساهرة .
واختيارالله تعالى للشام بان يحشر عليها الناس يدل على مباركته لها وتفضيلها على بقاع الأرض باستثناء ارض الحرمين مكة والمدينه, والدليل على ما سقناه آنفا قوله تعالى { هو الذي اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر }519 قال حبر الأمة وترجمان القران ابن عباس: من شكَّ أنَّ الحشر في الشام فليقرا هذه الآية وذلك ان النبي  قال لهم أي لليهود اخرجوا قالوا الى أين؟ قال الى ارض المحشر وأومأ  صوب الشام520 .

فمن اطعم الله أطعمه
تضيق أحوال الناس في المحشر وتطول الأعوام والسنين وهم واقفون ينتظرون الحساب, وتتكالب عليهم صنوف الألم حتى أنهم ليتمنون أن يعجِّل الله تعالى حسابهم ولو كان مصيرهم إلى النار .
ويمتد بهم الزمان خمسين ألف سنة, ويصابون بالجزع ويغرق كثيرٌ منهم في العرق, ويقاسون حر الشمس التي تُكسي حرَّ عشر سنين وتقترب منهم قدر ميل, وتكون أيامٌ عظيمةٌ لم يشهدوها من قبل .
تخيل معي أيها القارئ هذه الحال مع ما ينتظر كثيرٌ منهم من نارٍ اجارنا الله منها ومما سيقفونه في مواضع الحساب, تخيل ذلك واسأل لنفسك السلامة في مثل هذا المآل المرير الذي لا يطيقه احد .
ويضرب الله تعالى عليهم الجوع حتى انه ليعدل ما بهم من عذاب ومعاناة, ويصيبهم العطش ويبحثون عن لباس يخفف من حر الشمس فلا يجدونه.
ترى من سيكفى الجوع والعطش والعري ؟ ومن سيتكفل الله تعالى باطعامة وشربه وكسوته ؟
….. يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط واظمأ ما كانو قط وأعرى ما كانو قط وأنصب ما كانو قط, فمن اطعم لله أطعمه ومن سقا لله سقاه ومن كسا لله كساه ومن عمل لله كفاه ومن نصر الله اراحه من ذلك اليوم521.
فبادر أيها الفطن أن تطعم لله وتكسي لله وتلبس لله , ها هم الفقراء والمساكين والأيتام يملئون الأرض فكن معهم على صلة يصلك الله غدا , وانصر دين الله في الأرض لينصرك غدا , واتعب من أجل دينه ليريحك غدا .
لكن ما هو مصير المحسنين المنفقين الذي جادوا لله بأموالهم وأوقاتهم ؟ .
ورد عنه  أن الخمسين ألف سنة التي تمرُّ على الناس وهم محشورون ورد أنها تمر على المؤمن مثل ركعتين خفيفتين , تصور ذلك .
إنها دعوة للعمل قبل أن ينقضي العمر .

كلٌ وإلاهه
هذه الآلهة التي تعبد من دون الله ستتبرأ من عابديها, وسينادى عليها في عَرَصَات الحساب فلا تنقذ نفسها فضلا عمن عبدها .
كلٌ يركن إلى إلهه الذي عبده في حياته فلا يسلم أحدٌ, ولا ينجو عابدٌ سوى من اتخذ الله الإله الحق معبوداً له في الدنيا .
حتى أنه يُدعى اليهود فيجتمعون في أرض الحساب فإذا هم أممٌ لا تحصى, فيقال لهم ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : عزيراً ابن الله . فيقال لهم : كذبتم ما اتخذ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ فماذا تبتغون , فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا .
فيشار ألا ترون فيحشرون إلى النار كأنها سرابٌ يحطم بعضها بعضاً فيتساقطون.
ثم يدعى النصارى فيجتمعون … ماذا كنتم تعبدون فيقولون : عيسى ابن الله … كذبتم …ويكون مصيرهم كاليهود .
وتُدعى بقية الأمم… تخيل معي كم أمة ستحشر في النار .. كم أمة منذ أن خلق الله تعالى الأرض ومن عليها عبدت شخصاً أو حجراً أو كوكباً أو شمساً أو قمراً .. عبدت هذه المخلوقات دون الخالق … ويكون مصيرها إلى جهنم .
حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين فيقول لهم : ماذا تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد, فيقولون : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ماكنا إليهم ولم نصاحبهم … فيقول أنا ربكم .
ويكون ساعتها الجزاء الحق .. وهنيئا لمن كان الله جل في علاه معبوده بحق … وهنالك رواية أخرى للخبر وإن كانت قريبةً ذُكرت في تفسير قوله تعالى { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون }522 .
إذا كان يوم القيامة مُثِّل لكل قومٍ ما كانوا يعبدون في الدنيا, فيذهب كل قومٍ إلى ما كانوا يعبدون, ويبقى أهل التوحيد, فيقال لهم ما تنتظرون وقد ذهب الناس ؟ فيقولون : إن لنا رباً كنا نعبده في الدنيا ولم نره , قالوا وتعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون: نعم . وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبيه له , فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه تعالى فيخرون له سجدا ويبقى أقوام ظهورهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون523.
ولكن أيها المسلم .. هنالك بقيةٌ … هل اتخذت مالك معبوداً من دون الله … أم صارت قصورك وعقاراتك إلها لك … أم ارتضيت هواك وغضبك إلها فانسقت وراءه .. احذر كل ذلك الآن فلن ينفعك غدا … آن لك أن تتخذ الله معبوداً وليس غيره .. فكل ما حولك سيتركك لحظة موتك وتبقى وحدك .
الله الموعد
سيكون لك موعد مع الله وسيكلمك دون حجاب, أخبرنا بذلك النبي  في حديث المناجاة , فما من أحد إلا وسيلتقي ربه في موعدٍ كبيرٍ خطيرٍ, وسيختم على عملك وستنطق حسناتك وسيئاتك بحالك بين يديه .
يؤتى بالعبد يوم القيامة فيضع عليه كَنَفَه524 فيقول له: عبدي تذكر يوم كذا وكذا حين فعلت كذا وكذا فلا يزال يقرره حتى يرى العبد انه هلك , ثم يقول رب العزة : عبدي سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم525 .
أي فرحة سيبشُّ بها وجهك حينها ؟ وأي سرور سيصيبك وقتها .
هذا إن كنت مؤمنا طائعاً , وأما والعياذ بالله إن كان العبد خاسراً فلا تكون النتيجة في النهاية سوى النار .
وقد ورد حديث المناجاة بصيغة أخرى عندما يكون بعد الموت مباشرةً وهو خطاب الله تعالى لروحك , فقد ورد أن العبد الصالح بعد موته تمضى روحه في فترة غسيل جسده في رحلة سماوية فيستقر بها المقام أمام الحجب المضروبة عند رب العزة فيرى الأنوار فيناجيه ربه فلا يزال يدنيه ويقربه حتى يضع عليه كنفه ثم يقرره بذنوبه كلها فيظن أنه هالك لا محالة …ولكنه الله الساتر في الدنيا والآخرة .. صاحب العفو الأكبر .. والرحمة التي ليس لها حدٌّ .
يخاطبه في النهاية فيقول : عبدي هذه ذنوبك سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم .
وورد أيضا في العرض الأكبر أن الله تعالى يخلو بالعباد اقصد الصالحين الذين كانت لهم هفوات – فيعاتبهم في تلك الخلوات حتى يذوقوا وبال الحياء ويرفضَّون عَرَقاً بين يديه ويفيض العَرق منهم على أقدامهم لشدة الخجل ثم يغفر لهم ويرضى عنهم

عمر وكعب الأحبار
كان عمر رضي الله عنه كثيراً ما يحب سماع أحاديث الصحابي كعب الأحبار , قال له يوما : يا كعب خوفنا هيّجنا نبِّهنا , فقال كعب: والذي نفسي بيده لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبياً لأتت عليك تاراتٌ ولا يهمك إلا نفسك .
وإنِّ لجهنم زفرةً لا يبقى ملكٌ مُقرَّبٌ ولا نبيٌ منتخبٌ إلا وقع جاثيا على ركبتيه, حتى إنَّ ابراهيم الخليل  ليدلي بالخُّلة فيقول: رب انا خليلك ابراهيم لا اسألك اليوم إلا نفسي.
فأطرق عمر وبكى وقال: وأين نجد ذلك في كتاب ربنا يا كعب , قال : قوله تعالى { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون }526 .
وهذا الخبر الذي سقته إليك وإن كان ضعيف الإسناد إلا أنه من الأخبار المخيفة , وهكذا هو اليوم الآخر يوم القصاص والحساب , فلنخف اليوم في هذه الدنيا فعسى الله تعالى أن يؤمِّننا غداً فكلٌ بعمله وحياته .
ولدى ابن الجوزي خبر وثيق الصلة بخبرنا, فقد أورد حديث النبي  مع جبريل حين قال : خوفني جبريل من يوم القيامة حتى أبكاني , فقلت : يا جبريل ألم يغفر لي ربي ذنبي ما تقدم وما تأخر , فقال يامحمد لتشهدنَّ من هول ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة527 .
وإذاً أرأيت هول الحساب أيها اللاعب في الدنيا المتبختر فيها , أرأيت عظم المواقف يا من لم تصلِّ لله قط … احذر وتب إلى ربك قبل أن يمضى كل شيء ولا يبقى سوى عملك وربٌّ قديرٌ سيحاسب .

تجاوز عن معسر
هل تجاوزت عن معسرٍ ولو مرةً واحدةً في حياتك , هل سامحت أحداً بمالٍ كان لك عليه ؟ هل فرَّجت كربه ؟ … اسمع معي ..
ورد في صحيح الإمام مسلم قوله : “حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من شيء – أي حسنات – إلا أنه كان يخالط – يعامل – الناس وكان موسراً, فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر , فقال الله عز وجل أن احق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي”528 .
موقفٌ واحدٌ في التجاوز والعفو أنجى رجلاً لم يكن له حسنةٌ واحدةٌ , فهل تنتفع بهذا أيها المسلم ؟ أم تنساه .
إنك حين تعفو وتتجاوز تتشبه بعمل هو لله .. إن لم يكن لديك مالٌ تتجاوز به فاعف عمن ظلمك وتجاوز عمن اغتابك ونمَّ عليك , فمن يدري لعل مصيرك يكون كمصير الرجل .

النار تشخص للعيان
موقفٌ مهولٌ سيمر على الخلائق في الساحات يوم القيامة, ويبلغ الخوف مبلغه حتى لتكاد القلوب تنفجر من الصدور , وتنخلع من الضلوع .
ذلك حين يأمر الله تعالى جبريل : يا جبريل ائتني بالنار , فيمضي إلى المكان الذي خلقها الله فيه فيقول لها : أجيبي ربك , فتفور وتزمجر خوفاً أن يكون الله تعالى قد اعدَّ لها ما يعذبها فيه , النار تخاف من العذاب فما يصنع العاصي .
فيؤتى بها إلى الخلائق لها سبعون ألف زمام يجر كل زمام سبعون ألف ملك, وذلك قبل العرض والحساب , فإذا نظرت إلى الخلائق أَمِنَت من خوفها وعلمت ما يراد بها, ففارت وشهقت وزفرت نحوهم ووثبت لغضب ربها .
فيراها الناس ويصابون بالفزع ويتساقط الخلائق حينها على ركبهم وينادي الظالمون بالويل والثبور .
وأنت لن تكون في عالمٍ آخر بل مع الخلائق حينئذٍ تفزع بفزعهم وتخاف كخوفهم, فتخيّل حالك واقفاً معهم مُحدَّقاً بالنار أمامك تريد أن تلتهمهم وأنت معهم, ثم تفرُّ إلى وجهةٍ لا تعرفها, ولا تدري أين تكون النهاية والنتيجة.
ثم تزفر الثانية فيزداد الرعب والخوف أكثر من زفرتها الأولى, ويعيش الناس ساعةً لم يشهدوها من قبل.
ثم تزفر الثالثة فتتساقط الخلائق لوجوههم ويشخصون بأبصارهم وهم ينظرون إليها من طرف خفيٍ خوفاً أن تبلغهم أو يأخذهم حرّها.
إياك أن تنسى هذا الموقف الذي ستقفه يوماً وستعيشه بكل جوارحك في مكانٍ لا يعرفه أحدٌ سوى الله جلَّ وعلا.
وتذكر قوله تعالى: {وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى}529.

أسعدهم بشفاعته
إنَّ من تمام فضل الله عليك أيها المسلم مع فضله في الدنيا أنَّك على دين خليله , فلم تولد نصرانياً ولا يهودياً ولا ملحداً والعياذ بالله, ومن تمام فضله عليك في الآخرة أن يُشفِّع فيك رسوله .
والشفاعة لا تكون إلا لصاحب ذنبٍ ولمسرفٍ على نفسه.
ترى … من أسعد الناس بشفاعته , دعوا أبا هريرة يخبرنا
” قلت يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟, قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ غيرك لما رأيت من حرصك, أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصةً من قبل نفسه”530.
وكلنا وبحمد الله نقول هذه الكلمة ونعتقدها, لكن من ذا أخلص بها قلبه, أتعرف ماذا يعني الإخلاص بها؟.
يعني استشعار عظمة الله تعالى في قلبك, أن تتدبر في عظيم خلقه فيزيد إيمانك, أن تحجزك عن محارم الله, وتندفع إلى طاعته كل حينٍ, أن تصبر على بلائك في الدنيا وتعلم أنَّ الله يدخر لك أجرك, أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, أن تُفرغ وقتاً لدين الله فتدعو من حولك لإقامة شعائره وطاعاته.
أن تفكر في هموم المسلمين وتحزن لمصابهم, هذا هو الإخلاص, فهل أنت مخلصٌ بها على هذا النحو؟ فتنال شفاعته  بل وتكون أسعد الناس بذلك.
والشفاعة يومئذٍ ليست أمراً هيّناً وإنما غاية مطلوب الناس وقتها, فلو أنَّها تُشرى بالمال وكان معهم مثاقيل الذهب والفضة لو كان مع أحدهم أموال الأرض كلها منذ خلقها الله لاشتراها دون تفكيرٍ, ولكن ليس ثمّة مالٍ, المال لا ينفع يومها بل يصير عديم القيمة, المال يومئذٍ أعمالك أيها المسلم.
مع سورة العصر
ثلاث آياتٍ فقط إحداها كلمةٌ واحدةٌ, يقول عنها الإمام الشافعي: لو لم ينزل غيرها على الناس لوسعتهم, وهي سورةٌ مكيةٌ احتوت على معانٍ ساميةٍ وتشريعٍ محكم, فلو أنَّ أديباً أو شاعراً أراد أن يأتي بما أتت به لاستغرق نصوصاً طوالاً وقصائد لا حصر لها, ولن يجيد مثلها وهيهات إنَّ كلام الله لا يُدانى, ولا عجب من ذلك.
قبل أن يُسلم عمرو بن العاص زار مرةً مسيلمة الكذاب فقال له: أخبرني عما أُنزل على نبيكم, فقرأ عليه عمرو سورة العصر, فأراد الكذاب أن يأتي بمثلها فقال: وبرٌ يا وبرٌ, إنما أنت أذنانٌ وصدر… ثم قال: ما رأيك بما قلت؟, فقال عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب531.
قال تعالى:{ والعصر, إنَّ الإنسان لفي خسر, إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.
قال العز بن عبد السلام فيها: الناس خاسرون إلا في أربعة أمورٍ: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر, وهذا ما تنص عليه السورة, وهي دعوةٌ لنا بأن يكون جلَّ عملنا واحدةً من هذه الأربع.
والعصر: قسمٌ من الله تعالى, وهو كثيرٌ في القرآن, فالله تعالى يقسم بالعديد من الظواهر الكونية المبثوثة في خلقه, فمرةً يقسم بالضحى ومرةً بيوم القيامة وثالثةً بالسماء والطارق وغيرها الكثير.
وقد اختلفت كلمة المفسرين بالمقصود بالعصر, قال بعضهم: صلاة العصر, وقال آخرون: بل هو الزمان الذي خلقه الله تعالى منذ بدء الخليقة وحتى آخر الدهر, ونقصد بآخر الدهر يوم القيامة.
وقال فريق ثالثٌ: بل هو زمن النبوة باعتباره خير الأزمنة وأجلها532.
ولا نستطيع ترجيح قولٍ على آخر إذ جميعها صحيحٌ وجميعها أقسم الله بها, هكذا نفهم كلمة العصر.
ولا يصح لغير الله تعالى أن يقسم بشيءٍ من خلقه, فقَسَم الإنسان بشيءٍ من الظواهر الكونية يعني تعظيمها وتمجيدها والعظمة لله وحده.
وهذا معنى قوله : ” من حلف بغير الله فقد أشرك”533, ومعنى الشرك في القَسَم أنَّك عظَّمت ما تُسم به فصار في قلبك ندّاً لله ولا يصح ذلك في الديانة.
إنَّ الإنسان لفي خسرٍ: الإنسان بطبعه وخِلْقته خاسرٌ لا محالة, ولو تُرك وحده دون هديٍ من ربه لانكفأ عاصياً فاجراً ظالماً, فالله تعالى خلقه على هذه الجِبلَّة, فهو يطلب الشهوات ويكره التعب والطاعة وهذا يقوده نحو الخسران.
بيد أنَّ الله تعالى ومن تمام فضله ورحمته لم يترك الخلق عرضةً وصيداً للشياطين فتستهويهم وتُطغيهم فينقلبوا خاسرين, وإنما أرسل الرسل وأنزل الكتب وبثَّ هدايته في كونه ليتحقق الامتحان الإلهي بإنصافٍ وهكذا يمضي الإنسان في رحلته نحو الدار الآخرة عن شماله شياطينٌ تستهويه وشهواتٌ تطغيه, وعن يمينه رسلٌ وملائكةٌ تهديه, وهو المختار بعد ذلك, ولديه عقلٌ يدرك ويميز, وليد معرفةٌ مسبقةٌ أنه سيحاسب يوماً ما.
وحديث النبي  الذي يقول: “لولا أنَّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء”534 قريب الصلة بما نتحدث عنه.
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر: استثنت الآية الثالثة أناساً وأعمالاً, أولئك المؤمنون الذين دأبوا على الصالحات, المتواصون بالحق والمتواصون بالصبر.
والإيمان… عملٌ قلبيٌ يقوم على التصديق بالديانة كلها من أولها إلى آخرها, وخاصةً الغيبيات, إذ وراء هذا الكون خالقه الذي لا نراه بأبصارنا ولا نسمعه بآذاننا ولا نشمه ولا نحسه بجلودنا, بيد أننا ندركه بعقولنا وقلوبنا, حين تتمعن في الخلق وتتدبر في السماء وتبصر ما حولك على الأرض تدرك بما لا يقبل مجالاً للشك أنَّ ثمة خالقاً وراء هذه المخلوقات, الإيمان يعني أن تصدّق بوجوده وتقرَّ بعظمته وتنقلب بعدها عابداً له, وتطرح عنك كل المعبودات سواه, إنه الله في علاه.
وأن تؤمن بالرسالات والرسل, والملائكة الذين هم جنوده الطائعون, وتوقن أنَّه مدبّر الأحداث ومقدّر المقادير ولديه مستودع الآجال وخزائن الأرزاق فتتوكل عليه وتوقن به حتى لو لم تره ببصرك الهزيل وعينك الضعيفة.
هذا الإيمان ليس ثابتاً في قلوب أصحابه على وتيرةٍ واحدةٍ, بل يزيد وينقص, يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي, والمطلوب منك أن تزيده بالطاعة فتداوم عليها ولا تملَّها, وأن تستغفر على تقصيرك وتفريطك.
أما العمل الصالح: فهو كل خيرٍ حثَّ عليه الشرع, فالصلاة عملٌ صالحٌ والنصيحة وإماطة الأذى عملان صالحان, وقد يظنُّ كثيرٌ من الناس أن العمل الصالح لا يتضمن القول باللسان وهذا خطأٌ, فالعمل الصالح قسمان:
أولهما: أفعال الجوارح, وثانيهما: قول اللسان, ويندرج تحت الآخر ذكر الله تعالى وقراءة القرآن.
أمَّا التواصي بالحق: فالنصيحة به الحديث عنه, فالشرع الحكيم يدعونا أن نملأ مجالسنا بذكر الحق وتأيده عمَّا يجترّه العامة من آثامٍ في مجالسهم فتنقلب الأحاديث غيبةً ووقوعاً في الأعراض والحرمات ومجاهرةً بالباطل وغيرها.
وهذا التواصي أصلٌ من أصول الإسلام وواحدٌ من أعمدته العظام, فالناس ينسون ويغفلون ويحتاجون إلى من يذكّرهم, وهو ذات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين يكون قولاً لسانياً.
ويأتي الأصل الرابع وهو التواصي بالصبر, إنَّ الحياة مليئةٌ بالمصائب والآهات, زاخرةٌ بصنوف الألم والكربات, لكنها فعل الله في خلقه, فالمرض والحوادث والموت والفقد كلها من الله وحده يبتلي بها عباده فيستخلص منهم الطائعين الصابرين.
وحين نحضُّ بعضنا على الصبر ينجبر كسرنا, ونعلم أنَّه بلاءٌ من الله يحبُّ لأجله منا الصبر.
هذه هي الأصول التي تضمنتها سورة العصر, والآن هل تحتاج منا السورة الجليلة تدبراً وتفكراً عند قراءتها؟, أجل.

هل من مزيدٍ
لا تزال النار – والعياذ بالله – تجمع أهلها دون أن تمتلأ أو تشبع, يدخلها أصحابها تباعاً أفواجاً أفواجاً.
{ كلما دخلت أمةٌ لعنت أختها }535, بل يزداد زفيرها مع كل فوجٍ مقتحمٍ لها, { إذا أُلقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور}536, حتى لا يبقى أحدٌ من أتباعها خارجها وهي تتكلم وتقول: { هل من مزيدٍ}537؟.
وعندها يضع ربُّ العزّة قدمه فيها فينزوي بعضها على بعضٍ, وتقول: قط قط538, أي اكتفيت.
هذا مع العلم أنَّ أهلها أكثر من أهل الجنة مئات المرات, فكم سيدخلها من أقوامٍ؟, ويقتحمها من أجناسٍ وجماعاتٍ؟,الكافرون منذ القرون السحيقة, قوم يأجوج ومأجوج, والخلائق التي لا تُحصى من الجنِّ والشياطين.
ثم لا تمتلأ حتى يضع فيها ربُّ العزة قدمه.
الجنة كذلك لا تمتلئ بأهلها, فقد ورد في حديث مسلم… ” ولا يزال في الجنة فضلٌ حتى يُنشأ الله لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة”539.

فيُحشرون أمثال الذر
صنفٌ من الناس يُحشرون يوم القيامة مثل الذّر, والذّر هو نملٌ أحمر صغيرٌ من أصغر الخلائق التي نراها.
فالجزاء من جنس العمل فكما كانوا يتكبرون على الناس في الدنيا ويمشون الخيلاء بينهم يتضاءل حجمهم يوم القيامة, وأنت تلحظ أنَّ بقية الخلق حتى العصاة يُحشرون بنفس أطوال أجسادهم وذات أبعادهم في الدنيا فالحساب لمَّا يأتي بعد. غير أنّ هؤلاء يُصغّرهم الله تعالى فيبلغون حجم الذّر.
قال : “يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس تعلوهم نارالأنيار يسقون من عصارة اهل النار طينة الخبال”540.
فاحذر أيها المسلم أن تُحشر بهذه الهيئة وأن تُساق هذا السوق, ولا يغرنَّك رضا الناس عنك وقولهم: متواضع, فالكِبْر في القلب قبل أن يظهر على الجوارح.
وإياك أن تنازع الله تعالى في رداءه , فالكبرياء رداء الله وصفةٌ من صفاته فلا تنازع ربك في إلوهيته.

ماذا ينفع الميت في قبره
كل من مات له عزيزٌ, سأل عن الأشياء التي تنفعه بعد قبره, ولكثرة السؤال أحببت أن أعقد فصلاً في هذه المسألة عسى أن ينتفع بها الأحياء والأموات.
وأول ما يرد هنا قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}541, وهذه الآية تقرر أصلاً عظيماً من أصول الإسلام, إذ لا يؤجر المرء بفعل غيره ولا يُعذَب بجريرة سواه.
وقد أخذ بعضٌ من العلماء بهذ الأصل فقرر أن الميت لا يصل إليه شيءٌ في قبره من محبيه الأحياء.
والكثير خصص الآية بالحديث: ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: ولدٍ صالحٍ يدعو له وعلمٍ يُنتفع به وصدقةٍ جاريةٍ”542, والصدقة الجارية هي التي يُنشئها الميت في حياته وتبقى بعد وفاته بأن أجازها القائمون على التركة فلم يفرّطوا بها.
ولندع أقوال الفقهاء ابتداءً ونعرف أحاديث النبي  في الباب:
ورد بسندٍ صحيحٍ أنَّ رجلاً أتى النبي  فقال: يا رسول الله إنَّ أمي افتلتت 543نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت, أفلها أجرٌ إن تصدقت عنها؟, قال: نعم”.
وبناءً على هذا الحديث الصحيح نقرر وصول ثواب الصدقة عن الميت ونخصص الآية الكريمة, ومعنى تخصيص الآية بالحديث أن ليس للإنسان سوى سعيه والصدقة عنه.
وورد كذلك أن سعد بن عباده سأل النبي  فقال: إنَّ أم سعدٍ ماتت, فأيُّ الصدقة أفضل؟, قال: الماء, فحفر سعدٌ بئراً وقال: هذه لأم سعدٍ544.
واستناداً لهذا الحديث نقرر أن حفر البئر عن الميت وجعل ثوابه له يصل إن شاء الله تعالى ونخصص الآية كذلك.
وورد كذلك في صحيح البخاري أنَّ امرأةً من جهينة (قبيلة) جاءت إلى النبي  فقال: إنَّ أمي نذرت أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت, أفأحج عنها؟, قال: حجي عنها, أرأيت لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟, اقضوا الله فالله أحق بالوفاء545.
وبناءً عليه نقرر أن الحج يسقط عن الميت ويقبل النيابة من الأحياء, والنبي  لم يجب عن الحج فقط بل جعل جميع حقوق الله أحق بالقضاء من حقوق العباد ويصح وقوعها من الأحياء.
وإذن أنت ترى قبول الصدقة والصوم وحفر البئر والحج عن الأموات بالإضافة إلى الولد الصالح والعلم المنتفع به والصدقة الجارية وقس على ذلك بقية الأعمال فهي واصلةٌ إلى الميت إن شاء الله تعالى وهذا من عظيم فضله ومنته.
ولكن يبقى السؤال .. ماذا نفعل بالآية { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}546؟, اسمع آراء العلماء فيها.
قال بعضهم: المقصود بالإنسان هنا الكافر فقط, وهذا رأي ضعيفٌ يحتاج إلى دليلٍ.
وقال آخرون: الآية ليست لنا بل هي من شرع الأنبياء قبلنا, وهذا أضعف من الأول ويحتاج هو الآخر إلى دليلٍ.
وقال غيرهم: اللام في كلمة الإنسان تعني على, أي ليس على الإنسان إلا ما سعى, وبمعنى آخر فأصحاب هذا الرأي يقصدون المعاصي, أما الطاعات فتصل للميت, وهو رأيٌ فيه تحكمٌ بالنصوص بلا برهانٍ.
وقال جماعةٌ: الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيءٍ}547, ومعنى ألتناهم أي أنقصناهم, والنسخ يحتاج إلى برهانٍ ومصادمة نصوصٍ ولا تصادم هنا فكل آيةٍ وما قصدته, وهكذا يؤول الرأي ضعيفاً.
وبعضهم قال: المقصود بالإنسان في الآية الحي وليس الميت, فمهما عملت للحي فلا يُكتب في صحيفته, أما الميت فيؤجر من عملك إن قصدت.
وهكذا ترى ضعف هذه الأقوال وعدم إزالتها للإشكال بين الآية والأحاديث.
ونحتاج هنا إلى شيءٍ آخر, فتمعن معي.
لو أنك صليت في مسجدٍ مع إخوة لك من المصلين, يُكتب لك ولهم أجرٌ زائدٌ عما لو صليت وحدك, أليس كذلك؟, فاجتماع المسلمين في العبادة أكسبهم مزيداً من الأجر والثواب, وكان لأحدهم سببٌ في زيادة أجرك وثوابك.
فمعيتهم سببٌ في إقامة الجماعات, واستأهلت أن يزاد أجرك وأجورهم, والآن دعني أعود للحديث الأول… أليس الميت الذي قضى كان سبباً في صلاح ابنه ودعائه له؟, بلى, وإذا فيستحق وصول ثواب الدعاء.
أليس هو سببٌ في الصدقة الجارية؟, بلى, أليس سبباً في العلم الذي انتفع منه الناس؟ بلى.
نظرية السببية… قال ابن القيم رحمه الله:
المؤمنون ينتفع بعضهم ببعضٍ في الأعمال التي يشتركون فيها كالصلاة في جماعةٍ فإن كل واحدٍ منهم تضاعفت صلاته إلى سبعٍ وعشرين ضعفاً لمشاركته غيره, فعمل غيره كان سبباً لزيادة أجره كما أنَّ عمله سببٌ لزيادة أجر الآخر.
ثم قال: القرآن لم ينف انتفاع العبد بسعي غيره وإنما نفى ملكه لغير سعيه وبين الأمرين ما لا يخفى من الفرق, إذ أخبر تعالى أنَّه لا يملك إلا سعيه وأما سعي غيره فهو ملكٌ لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه548.
ولكن عبارة الحديث تقول: انقطع عمله.. فهي صريحةٌ بانتهاء أعماله, اسمع لما يقوله ابن القيم: الحديث أخبر بانقطاع العمل وليس بانقضاء الانتفاع.
وبناءً على ذلك يتضح أنَّ جميع الأعمال التي يقوم بها الأحياء من طاعاتٍ تصل للأموات إن شاء الله تعالى, فبادر أيها المسلم لتبذل بعض عملك لأبيك المتوفى أو أخيك أو زوجتك أو غيرهم.

خِطبة إبليس
يُرفع له منبرٌ من نارٍ, ويتوجه لأهلها بخِطبةٍ أخيرةٍ.
وقد اضطر إليها المسكين, فلولا تأنيب أهل النار له وشدة لومهم وإلقائهم بالأسباب عليه لما رقى, وها هو يدافع عن نفسه:
يا أهل النار… فيحدّقون إليه جميعهم, ماذا يريد هذا اللعين؟.
… إنَّ الأمر قد قُضي, فلا تجزعوا.. أتريدون أن أخبركم بحقيقة حالي وحالكم… أما إنَّ وعد الله حقٌ فما استمعتم ولا لبّيتم .. ووعدي كاذبٌ أعلنه على الملأ منكم الآن في غمرات النار.. بل أنا أكثركم عذاباً.
فلم تُلقون باللائمة عليكم؟, وأنا لم أجبر أحداً منكم على معصيةٍ, وما سقته يوماً إلى خطيئةٍ, أنتم من استجاب دعائي, ولبَّى ندائي, فجئتم تركضون, وإلى نحوي سائرون.
فيا أهل النار, ألقوا باللائمة على نفوسكم فهي التي خذلتكم, وعلى عقولكم فهي التي خانتكم, ولولا أنكم أحببتم الملذات وتعلقتم بالشهوات, لولا أنكم آثرتم الدنيا وكذّبتم بالآخرة, لما كنا شركاء عذابٍ اليوم.
فإن لم تقنعوا إلى الآن, وظننتم أنكم تنتفعون بلومي في النار, فالحق أقول لكم: إنَّ الناس حين دخلوا جنتكم غفلوا عنكم, وأهل الأعراف معرضون عنكم, والله على عرشه نسيكم.
وإياكم أن تلوموني ثانيةً, فأنتم ضعيفو الحال لا تقدرون على إيذائي فتميتوني, ولا أنا متمكنٌ منكم فأقضي عليكم.
يا أهل النار, إن المليك كتبنا في كتابه: إنّا جميعاً ظالمون, وقد هيّأ لي ولكم ناراً وعذاباً فأنتم فيها خالدون.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم, ويا خيبة من هم في النار مستغفرون, وأقم العذاب.
هذه خطبته في أهل النار, قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أليم}549.

فوجدوه قد مات
حُكي أنَّ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان يُكثر من البكاء في ذكر الآخرة حتى أنَّه يبلل لحيته ويُبكي من حوله, إذ عُرف بشدة الوجل والخوف من عذاب الله تعالى فكأن النار ما خلقت لغيره.
وها هي إحدى جواريه تحدث برؤياها.
يا أمير المؤمنين رأيت أنَّ القيامة قامت وقد حُشر الناس ومُدَّ الصراط وجاء عبد الملك, فقيل له: اعبر, فسقط في النار.
ففزع عمر واضطرب, إنَّ الجارية تُحدّث عن شيءٍ مهولٍ.
ثم جاء الوليد فسقط في النار, وكان الخلفاء كلهم مثل ذلك, ثم جاؤوا بك يا أمير المؤمنين, فصاح عمر صيحةً عظيمةً… وأتمَّت الجارية… والله رأيت أنك في الجنة وجاوزت الصراط سالماً.
فلم يسمع كلامها من شدة اضطرابه فحرّكوه فوجدوه قد مات.

اسكُتي يا لا شيء
أتعلم لمن تقال هذه الكلمة يوم القيامة؟, للدنيا.
أتعلم من يقولها؟, ربُّ العزة.
تقول الدنيا لربها يوم القيامة: اجعلني لأدنى أوليائك اليوم نصيباً, فيردّ عليها: اسكتي يا لا شيء, إنّي لم أرضك لهم في الدنيا, أرضاك لهم اليوم550؟.
تتطاول حين يوزع الله الدرجات على أوليائه فتتمنى ألا يقضي ربها بنهايتها فتطلب هذا الطلب الأخير, ولكنها لا تُجاب.
هذه هي الدنيا في الآخرة, لأجلها يقتتل الناس, ويطمع فيها الأغنياء, وتنقبض لأجلها قلوب وأيدي البخلاء, ثم تُركس هذا الركس وتُرمى هذا الرمي بين يدي خالقها, ولك عبرةٌ أيها القارئ في خطابها الأخير.

أم سليم
أم سليم بنت ملحان من نساء المسلمين في عصر النبوة, وصحابيةٌ جليلةٌ كان لها دورٌ في نشر الدعوة والذود عن الدين.
قاتلت مع المسلمين في غزوة حنين واتخذت لنفسها خنجراً تشقُّ به صدور الأعداء وهي حاملٌ خائرة القوى, وبعد أن انكشف الأفق وانتصر المسلمون قال عنها عليه السلام: لمقامها اليوم خيرٌ من فلانٍ وفلانٍ, يعرض بالمنافقين الذين انهزموا, فقالت: يا رسول الله: ألا نقاتل الفارين كما نقاتل المشركين؟, قال: بل عافية الله أوسع لنا.
شديدة الحزم تريد محاربة كل فارٍّ ومنهزمٍ وما أكثرهم في كل عصرٍ, لكن حكمة النبي  الذي يعرف طبائع النفوس, من يفرُّ اليوم يثبت غداً, ولا يريد التفريط بإمكانات المسلمين حتى من أساء.
وهي مثال المرأة المسلمة العارفة لحقوقها وواجباتها, تخرج مع الجيش لعمل النساء, فشعرت بالهزيمة وخذلان الرجال لنبيهم فأرادت أن تلقن الرجال والنساء درساً لا تنساه الأجيال, وكأنها تقول بلسان النساء: إن خذلك الرجال يا رسول الله فنحن نحميك وندافع عن دينك, وإن قصّر الرجال فنحن البدائل والاحتياط551.

الجنة دار السعادة
تعال معي أيها المسلم في عجالةٍ حيث الجنة.
هي دار النعيم الذي أعدَّ الله لعباده المتقين, وهي مكان السعادة والبقاء فلا موتٌ فيها ولا حزنٌ ولا همومٌ.
قال الإمام الغزإلى: لو لم يكن فيها سوى الخلود مع سلامة الأبدان من الأمراض والعلل لكفت, ولكنها أعظم من ذلك وأخطر.
خلقها الله تعالى لتكون ملاذاً للصابرين, ومأوىً للعابدين, وريحانةً للمجاهدين, ومستقراً للذاكرين.
وهي تاج الأصفياء الذي يلبسونه, ودرّة الأتقياء التي يمتلكونها.
خلت من الهموم, وطُردت عنها الغموم, فلا ألمٌ فيها ولا حسرةٌ, يكفيها نعيماً أنها محلُّ رضوان الله وجارةٌ عزيزةٌ لأنوار العرش.
ونحن لا نعرف عنها سوى القليل, ولكم أخفى الله تعالى من نعيمها, اسمع لقوله تعالى { فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرّة أعينٍ}552.
أي لا يعلم أصحابها أي نعيمٍ هيّأه الله لهم, وأعدّه من أجلهم.
ورد في الحديث القُدُسي الذي أخرجه الترمذي ورواه أبو هريرة قول الله تعالى: ” أعددت لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشرٍ”553.
فلو أنّ أديباً ساح في عالم الخيال وطاف بكل الأشكال والرسومات والصور, ولو أنَّ فيلسوفاً بحث في تأملات عقله, وتعمق في أرجاء نفسه, وبثَّ بصراً مديداً عارفاً بخفايا الخلق لما استطاعا أن يخبرانا بنعيمٍ أعدَّه الله للمؤمنين لم تذكره النصوص الشرعية.
فالجنة من عالم الغيب والملكوت وليست من عالم الغيب والشهادة.
فتأمل معي بعض هذه النصوص
قال تعالى: { وسارعوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعدّت للمتقين}554.
مساحتها كالسموات والأرض, وما أوسع ذلك وما أكبر امتداده.
وقال تعالى {مثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ}555.
أربعة أنهارٍ: ماءٍ وابنٍ وخمرٍ وعسلٍ, وهذه الأربعة من أجود شراب الدنيا وألذّها, لكن ما ذكرته الآية ليست كأشربة الدنيا فلا ثمّة تشابهٍ بينها سوى في الاسم.
ويقول النبي  الذي رأى الجنة: ” في الجنة شجرةٌ يسير الراكب في ظلّها مائة عامٍ ولا يقطعها”556, “وموضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها”557.
هذه الشجرة لو وجدت على سطح الأرض لغطّت سطح الكوكب البائس الصغير, ولربما تعلّقت أغصانها بالنجوم التي تبعد عنا ما تبعد, يا لهول خلق الله.
لكم شنَّف الصحابة الأسماع والنبي  يتحدث عن الجنة حتى ليتمنى أحدهم أن يُقبض على الفور اشتياقاً, بل ويسألونه وهم يطّرحون الأمانيّ, ويحقُّ لمثلهم أن يتمنوا.
يا رسول الله أفي الجنة عنبٌ؟, قال: نعم, فما عِظَم العنقود؟, قال: مسيرة الغراب شهراً لا يقع ولا يفتر (أي لا يضعف).
فما عِظم الحبّة؟, قال: أما عمد أبوك إلى جذعةٍ (الناقة الصغيرة) فذبحوها وسلخ إهابها, فقال: افروا لنا منها دلواً أي سِعْناً وهو وعاءٌ يُتخذ للبن.
قال يا رسول الله: إنَّ تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي, قال: نعم وعامة عشيرتك558.
وأظنُّ والله أعلم لتباين خلق الدنيا عن إنسان الجنة أنَّ الحبّة من العنب تُشبع العشيرة في الدنيا أما في الآخرة فلا إذ يبلغ الإنسان هناك ما يقرب من الثلاثين متراً طولاً.
والعنب مثل بقية الفاكهة والملذات ولنا أن نقيس عليه, فتخيل ذاك النعيم واعمل له منذ الآن, فلا ينال أهل الجنة منازلهم إلا بأعمالهم في الدنيا.
وورد من حديث مسلمٍ في صلاة الكسوف بينما النبي  يصلي بهم إذ تناول شيئاً في مقامه, فسأله الصحابة, يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً ثم تكعكعت, فقال: إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا559.
خيرٌ لا ينفد وطعامٌ لا ينقضي ورحمة الله ورضاه فوق ذلك كله لا يموتون ولا يتغوطون ولا ينامون بل في نعيمٍ دائمٍ.
وقد تحدثت سورة الرحمن عن جنتين اثنتين, قال تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان}560, ثم طفقت بعد ذلك تذكر بعض أوصافهما, يقول : ” جنتان من فضةٍ آنيتهما وما فيهما, وجنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما, ثم قال: ” وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدنٍ”561, رؤية الله تعالى التي هي أخصُّ نعيم أهل الجنة.
قال ابن عباس: أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تُعرض لهم عينان فيشربون من إحداها فيُذهب الله تعالى ما في قلوبهم من غلٍّ, ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتُشرق ألوانهم وتصفو وجوههم وتجري عليهم نضرة النعيم562.
وهذه أول بشاراتهم, إذ ينشؤون خلقاً آخر يليق بما في الجنة من نعمٍ, نشأةٌ أخرى تليق بجيران ربهم وخالقهم.
وفي الجنة ما يُسمى بالغرف وهي من أزهى المنازل وأجملها, وقد ورد على لسان النبي : ” إنَّ أهل الجنة ليتراءون أهل الغُرَف فوقهم كما تتراءون الكوكب الغائر في الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم, قالوا يا رسول الله: تلك منازل الأنبياء؟, قال: بلى والذي نفسي بيده, رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين”563.
وتربة الجنة مسكٌ خالصٌ يلمع كأزهى ما ترى من المناظر, وحاجتهم وفضلات أطعمتهم عَرَقٌ يفيض من جلودهم مثل المسك, فإذا عرِقوا ضَمُر البطن وعاد كما كان.
ولا غرابة فيما نتحدث عنه, فالمكان الجنة والخالق الله, والساكنون أولياؤه من خلقه, وهو تعالى صاحب القدرة المطلقة التي لا تخطر على بالٍ ولا تُكشف لعقلٍ.
إنَّ من رآها وهو النبي  مع إشفاقه على أمته يودُّ لو يسوق أمته سوقاً إلى مرضاة الله لتكون الجنة نصيبهم كلهم يوم القيامة فلا يُعذّب أحدٌ منهم.
وها هو  يقول: ألا هل من مشمّرٍ للجنة, إنَّ الجنة لا خطر لها وربِّ الكعبة, نورٌ يتلألأ وريحانةٌ تهتز وقصرٌ مشيدٌ ونهرٌ مطّردٌ وزوجةٌ حسناء564.
أما أهلها فعلى حجم آدم عليه السلام ستين ذراعاً في السماء وعرض أحدهم سبعة أذرعٍ, وعلى صورة يوسف عليه السلام, ولا يقتضي ذلك أنهم شبيهو الخِلْقة بل هم متباينون على درجة جمال يوسف عليه السلام مع اختلاف أشكالهم عن بعضهم.
وبعمر عيسى عليه السلام الذي رُفع إلى السماء وهو لم يتجاوز الثلاثة والثلاثين, إذ تثبت أعمارهم عند هذه السن فلا يكبرون ولا يصغرون565.
وعلى خُلُق محمد  الذي قال ربه في حقه: { وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ}566, فأي نعمةٍ هذه التي ارتضاها الله تعالى لسكنة جنته ومن هم برضوانه إزاء العرش.
ورد عن التابعي المشهور مجاهد رحمه الله: أدنى أهل الجنة منزلةً لمن يسير في ملكه ألف سنةٍ يرى أقصاه كما يرى أدناه, وأرفعهم منزلةً الذي ينظر إلى ربه بالغداة والعشي567.
هذه بعض أخبار أهل الجنة لا كلها, أفلا تدعوك أيها المسلم كي تمضي عمرك كاملاً في الشوق إليها, ألا يُحفّزك ما أعدَّ الله بها لتجعل من نفسك وقفاً لله تعالى كالمسجد الذي لا يُبنى لغير الله.
ألا تدعو إخوانك وأقاربك للسير إليها لعمل الصالحات, لذكر الله تعالى ونصيحة المسلمين, وأنت لو وقعت على خيرٍ لأسررت به لمن تحبّ, أفلا يكون همّك أن تطأ أرض الجنة يوماً ما, جعلني الله وإياك ممن يراعون في رياحينها إنه ولي ذلك وحده.

طعام أهل النار
وهل يأكلون؟, نعم, وكيف؟, ولماذ؟, زيادةً في عذابهم.
فما هو طعامهم؟.
الزّقّوم: طعامٌ شديد المرارة, وهي نبتةٌ لو تذوقت منها القليل لأفرغت كل ما في بطنك, وهذا نبت الدنيا وفي النار أشد مرارةً وأعظم ألماً, وصف الله تعالى الزّقّوم برؤوس الشياطين, قال تعالى: { طلعها كأنه رؤوس الشياطين}568, ونحن لم نرَ الشياطين في حياتنا حتى نعرف رؤوسها.
بيد أن الشياطين وإن لم نرها فنحن نحتفظ في ذاكراتنا بصورةٍ عنها, إنها صورة منتهى القبح والتشويه, وهذه الصورة لقبحها وغرابتها تكفي في أن يضرب الله بها المثل.
والزّقّوم من شدة مرارته يقول عنه : “لو أنَّ قطرة من الزّقّوم قُطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم, فكيف بمن تكون طعامه”569؟.
ولو لم يعذّب الله تعالى الكافرين والعصاة يوم القيامة إلا بالزّقّوم لوجدوا فيه عذاباً لا يُطاق وألماً لا يستطاع.
بل إنَّ هذه الشجرة لشدتها تأكل من الكافر عندما يأكل منها, قال أحد الصالحين: بلغني أنَّ ابن آدم لا ينهش منها نهشةً إلا انتهشت منه مثلها570.
فتصور شجرةً تأكل آكلها, إنَّ هذا لأمرٌ عجيبٌ, وهو من أهوال عذاب النار.
ومن طعام أهل النار شوكٌ مرٌّ يسمى الضَّريع, إذ أكله الكافر لم ينزل إلى جوفه بل يستقر في حلقه, قال تعالى: { ليس لهم طعامٌ إلا من ضريعٍ, لا يسمن ولا يغني من جوعٍ}571.
ومن طعامهم الغسلين, وهو فضلات أهل الزنا في الدنيا ولعاب شارب الخمر والمغتابين والكذَّابين.

أطولكنَّ يداً
قبل أن يفارق النبي  أزواجه قال لهنَّ مقالةً حفظنها فلم ينسينها, بل كنَّ يتسابقن إلى تنفيذها.
قال: أولكنَّ لحاقاً بي أطولكنَّ يداً572, لكن أمهات المؤمنين حملن الأمر على ظاهره, قالت السيدة عائشة: فكنا بعد وفاته نقيس أيدينا على الجدار, وكانت سودة بنت زمعة أطولنا يداً.
وحسبن سودة أول زوجةٍ لاحقةٍ بزوجها, ففرحت وظنَّت الأمر كذلك وتفاخرت على سائرهنَّ.
وكان يقصد خلاف ما فهمن, أول من لحقت بالنبي الأعظم  زينب بنت جحشٍ.
قالت عائشة: فعلمنا أنه يقصد أكثرهنَّ عطاءً, وكانت زينب أقربنا للفقراء والمساكين.

أيها العابدون عليكم بالصدقة
الصدقة من أفضل القربات إلى الله تعالى, فهي تعني تخلِّي الإنسان عن أغلى الأشياء, عن المال, ونعم المال الصالح للرجل الصالح.
وهي تطفئ غضب الرب, فإذا شعرت أنك عصيت فاعلم أنك أغضبته فتصدَّق على الفور ولو بأقل القليل ولكن مع الإخلاص يرضى عنك ولو على الفور أيضا.
يقول تعالى: { من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً}573,فصدقتك وإن كانت صغيرةً تلقاها يوم القيامة أمثال الجبال فالله تعالى نمَّاها وضاعفها.
وستكون صدقتك يوم القيامة ظلّاً لك من حرِّ يوم القيامة, فإن أقللتها فظلّك قليلٌ, وإن أكثرتها فظلّك وفيرٌ, فاختر من الآن أي نوعٍ من الظلِّ تنشده غداً حين تُكسى الشمس حرَّ عشر سنين, وتقترب من الخلق قدر ميلٍ, قال : “كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس”.
واسمع مقولة عمر بن عبد العزيز عن الصدقة وهو الفقيه العارف: الصلاة تبلّغك نصف الطريق والصوم يُبلّغك باب الملك والصدقة تُدخلك عليه”574.
وهل تريد أفضل من ذلك أيها المسلم, أن تدخل على ملك الملوك بصدقتك.
ولا يفوتك حين تتصدّق أنك تضع صدقتك بيد الله فلا تبخل, ولا تعمد إلى الرديء من مالك, فالقابض الله فلتكن صدقتك من أوفر مالك وأحبه لقلبك, كان ابن عمر يتصدّق بالسكر فيقال له في ذلك, فيقول: ألم تسمعوا قول الله تعالى: { لن تنالوا البرَّ حتى تنفقوا مما تحبون}575, ويعلم الله أني أحبُّ السكر576.
وكانت عائشة إذا أرادت أن تعطي مسكيناً درهماً طيّبته بالمسك وتقول: إنّي لأعلم أنه يقع بيد الله قبل أن يقع بيد المسكين.
وقد جعل أكثر ثوابه في أجواف هؤلاء الناس من الفقراء والمساكين, وبأيدي الجياع المعوزين, وحينما تسدُّ فقرهم وتجبر حرمانهم, فإن الله سيتصدّق عليك غداً وسيجبر كسرك, بقول يحيى بن معاذ: ما أعرف حبّةً تزن جبال الدنيا إلا الحبَّة من الصدقة577.
فاحرص ألا يفوتك يوماً أيها الراغب في الحسنات والراجي في أن يضمن عنك الله غداً التبعات, احرص على الصدقة كل يومٍ ولو بدرهمٍ ونصف درهم.

المسيح الدجال
من علامات الساعة وأشراطها آخر الزمان, وهو ثاني العلامات في الظهور, أولها المهدي ثم الدجال ثم عيسى عليه السلام ينزل فيقتله ثم يأجوج ومأجوج, ثم الدابة فطلوع الشمس من مغربها, وبعضهم يجعل الدابة بعد طلوع الشمس من المغرب.
وهو أعظم فتنةٍ يسلّطها الله تعالى على الخلق منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة, ورد في مسلمٍ: “ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلقٌ أكبر من الدجال”.
ومعنى كونه فتنةً عند خروجه أنَّ الناس يتحيرون أهو كاذبٌ أم صادق في دعواه؟, فمن كان حاله الصلاح عصمه الله, ومن كان الفساد أغواه وصار من أنصار الدجال.
يدّعي النبوة ثم الألوهية, ويصدّقه خلقٌ كثيرٌ لما أعطاه الله من خوارق العادات والأمور المُذهلات التي يحار لأجلها الحليم.
لا يخرج إلا بعد نسيانه فلا يعود يُذكر على الألسنة, قال : “لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر”.
وإذن فالحديث عنه في هذا الفصل ذو فائدةٍ فبالإضافة إلى إحاطة القارئ الكريم بأخباره وبعلامات الساعة التي ستحدث على هذا الكوكب, بالإضافة لذلك ففي الحديث عنه دلالةٌ ومؤشرٌ على عدم اقتراب خروجه عصمنا الله من فتنته.
وحين تجمع الأحاديث الواردة في خروجه لعنه الله تجد أنَّ له ثلاث خروجات, الأول من أصبهان كما ذكره الترمذي في الحديث الذي رواه, والثاني من خُلَّةٍ بين الشام والعراق كما ورد في حديث مسلم, والثالث من خراسان كما ذكره الترمذي.
قال القرطبي: ووجه الجمع أنَّ مبدأ خروجه من خراسان من جهة أصبهان, وعند خروجه إلى الحجاز ينطلق من مكانٍ بين الشام والعراق أسمته الأحاديث خُلَّةً.
وورد في حديث حذيفه: أنَّه أعور العين أليسرى جفال الشعر أي غزيرٌ, معه جنةٌ ونارٌ.
قال : “لأنا أعلم بما مع الدجال منه, معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماءٌ أبيضٌ, والآخر رأي العين نارٌ تأجج, فإما أدركن أحدٌ فليأت النهر الذي يراه ناراً, وليغمض وليطأطأ رأسه فيشرب فإنَّه ماءٌ باردٌ, وإنَّ الدجال ممسوح العين عليه ظفرةٌ غليظةٌ مكتوبٌ بين عينيه كافرٌ يقرؤه كل مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتبٍ”.
وبعضهم حمل نهر الماء الذي معه على كثرة ما يسوقه الله تعالى معه من خيراتٍ وأرزاقٍ يغدقها على من آمن به وصذَّقه, ونهر النار التي تأجج على العذاب والخسف والأذى والألم لمن عصاه وكذَّبه.
وهذا رأيٌ وجيهٌ غير أنَّه يحتاج لدليلٍ, وإلا فحمل الأشياء على ظاهرها أسلم وأجدى, فربما كان النهران اللذان يساقان معه نهرين حقيقيين.
وهنا يرشدنا النبي  وهو الناصح المُشفق أن نأتي النهر الذي نظنَّه ناراً, ويحذّرنا مما نظنه ماءً, فالأمر يحمل مخادعةً في طيّاته ومكراً.
ثم إنَّ المؤمن الحق في ذلك الزمان ينير الله بصيرته فلا يتبع مسخاً أعور العين وهو يزعم الألوهية, فالله تعالى لا يُرى بأبصار أهل الدنيا ولا يصيبه النقص.
وفوق ذلك يظهر للعيان ما وُسم به هذا الدجال من الكفر بين عينيه يقرؤه الأمي وغيره من المؤمنين, وهذا تأييدٌ من الله تعالى لعباده, أما الكافر فلا يرى شيئاً فيتبعه.
وهو من خوارق العادات التي لا يصدقها الكثير من أهل هذا الزمان, فقد أُخبرنا أنه حين يخرج من أصبهان وبالتحديد من قريةٍ يقال لها اليهودية يكون راكباً حماراً أبتر يشبه البغل ما بين أذني حماره أربعون ذراعاً, هكذا تحدثت عنه الأحاديث التي لا ينطق صاحبها بباطلٍ ولا يكذب بدعواه, ونحن نصدّق بلك ما ورد عنه  وإن عجزنا عن البرهنة العقلية.
ونستطيع من خلال دراسة الأحاديث والأخبار الواردة فيه أن نرسم صورته بالتفصيل, فهو عظيم الخِلْقة أعور العين اليمنى أو أليسرى وعينه الأخرى أيّن كانت ممزوجةً بالدم, طويل القامة عملاقٌ, أجعد الشعر يصيح وقت خروجه ثلاث صيحاتٍ عظيماتٍ.
ولو أنّك ركّبت هذه الأوصاف بمخلوقٍ لألفيته أحد المسوخات التي خلقها الله تعالى, ولوجدته صورةً مشوّهةً قبيحةً يمجُّ الناظر من النظر إليها.
تسبقه ثلاثة أعوامٍ شدادٍ يضيق الناس بها, ففي العام الأول تُمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث خيراتها, وفي العام الثاني تُمسك الأرض ثلثي خيراتها, وفي العام الثالث حيث يقترب خروجه تُمسك السماء والأرض كل خيراتهما, ورد في بعض الأحاديث … حتى لا يبقى ذات ضرسٍ ولا ذات ظلفٍ إلا مات.
ويجمع الله على الناس القحط الشديد وخروج الكذاب فيعيشون في أيامٍ سوداء ويحيون أعظم فتنةٍ عرفتها البشرية منذ خُلقت.
فينتشر في الآفاق ويجتاح المدن ويروّع القرى, ورد في حديث أنس: “ليس من بلدٍ إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة”.
ويمكث في الأرض أربعين يوماً, لكنَّ الأيام هي الأخر تتغير فبعضها يطول وبعضها يقصر, اليوم كالسنة واليوم كالشهر واليوم كالجمعة, وسائر أيامه كأيامنا هذه, ولو حملنا عبارة الحديث على الحقيقة وأحصينا أيام مكوثه بدقةٍ لوجدناها 430 يوماً.
366 (السنة) + 30 (الشهر) + 7 (الجمعة) + 27 (سائر الأيام) = الرقم الذي أثبتناه 430 يوماً.
أي سنةً وشهرين وأربعة أيامٍ بالتمام.
ومن المعروف أنَّ النظام الكوني لم يتغير بعد, هذا يعني أنَّ الزمن لا يتبدل, فكيف تُحسب الأيام على هذا النحو.
وهذا يسوقنا بدوره إلى الوجهة الأخرى, أيامه لا تطول ولا تقصر ولكنه الضيق في قلوب الناس, فأول يومٍ من خروجه يساوي عاماً لما يُحدثه في القلوب من خوفٍ وفزعٍ, ولما يُهلك من حرثٍ ونسلٍ, ولما يُفسد في العمران والحضارة.
ويومه الثاني يعدُّ بشهرٍ, والثالث بإسبوعٍ ثم يألفه الناس.
وقد نُقل لنا مبعث شياطينٍ معه تُكلّم الناس جهاراً, فيفرُّ الخلق إلى جبل الدخان بالشام فيمضي إليهم ويحاصرهم.
وقد رآه عليه السلام في النوم, قال: “بينما أنا نائمٌ أطوف بالكعبة فإذا رجلٌ آدم سبط الشعر ينطف شعره, قلت: من هذا؟, قالوا: ابن مريم, ثم ذهبت ألتفت فإذا رجلٌ جسيمٌ أحمر جعد الرأس أعور العين كأنها عنبةٌ طافيةٌ, قالوا: الدجال”.
يدخل جميع الأمصار ولا يبقى سوى مكة والمدينة فيزحف إليهما بجيشه يريد أن يقوّضهما ويفاجأ بملائكةٍ على أركانها فيعسكر قبالة المدينة, ويأمن من فيها بسبب ارتداده عنها, قال : ” على أنقاب المدينة ملائكةٌ لا يدخلها الطاعون ولا الدجال”.
فيخرج إليه رجلٌ مؤمنٌ فيقبض عليه بعض عسكره ويسوقونه, ويأمره الدجال أن يكفر بالله ويؤمن به فيأبى لشدة إيمانه, فيقطعه بالمنشار نصفين ويقول لأتباعه: أُرجعه مثلما كان فيجمع نصفيه فيعود ذلك الرجل حيّاً بإذن الله.
ويخيّره مرةً أخرى فيأبى فيفعل به فعلته الأولى, ثم يُخيّر ثالثةً فيقول الرجل دون خوفٍ: لأنا أشدُّ بصيرةً بك من ذي قبل, أنت الدجال الكذاب أخبرنا بك رسول الله , فيعمد إلى عنقه يريد أن ينزعها فتنقلب بإرادة الله نحاساً فلا يقدر عليه فيقذفه في الهواء.
قال : ” فذلك سيد الشهداء”.
ثم ينزل نبي الله عيسى عليه السلام شرقي دمشق عند المنارة البيضاء لقتله وإحقاق الحق ولإصلاح ما أفسد فيبحث عنه ويهرب الدجال, روي عنه  أنَّه قال: ” فإذا نظر إلى الدجال ذاب كما يذوب الملح وانطلق هارباً, فيقول عيس عليه السلام: إنَّ لي فيك ضربةً لا تسبقني فيها, فيدركه عند باب اللد الشرقي فيضربه فيقتله فيهزم الله اليهود”.
وهذا الحديث يُشعر كما ترى أنَّ عامة جيشه من اليهود وكأنها حربٌ ضروسٌ بينهم وبين المسلمين, وعلى رأس اليهود الدجال وزعيم المسلمين حينئذٍ عيسى عليه السلام.
وبعض العلماء المعاصرين يزعمون أنَّ الدجال ليس خلقاً بعينه بل رمزاً على حضارة القرن العشرين وما بعده وعلمانيته فهي عوراء البصر لا تهتم إلا بالمادة ناسيةً عالم الروح والطمأنينة وراءها, وهذا كلامٌ صادق المقال لكنه لا يعني بالضرورة دجال آخر الزمان, فهو مخلوقٌ بعينه يدير الله على يديه خوارق العادات والله أعلم.
ولعلك تعلم أنَّ هذا المسخ الذي يُفتن به المسلمون آخر الزمان فتنةً عظيمةً, ولقد تعودنا أن يُمدّنا ديننا الحنيف بعواصم من الفتن, فما الذي يقي من الدجال؟, وما الشيء الذي يدفع غائلة شروره ويردّ مكره.
خواتيم سورة الكهف, فها تحفظها أيها المسلم ليعصمك الله من فتنته لو خرج في عصرك ؟, فهي درعٌ حينةٌ تحول دون أن يصيبك هذا الداء أو يحل بك البلاء.
عصمني الله وإياك من فتنته, واحرص أن تدعو بدعائه  قبل أن تُسلَّم من صلاتك… اللهم أني أعوذ بك من عذاب النار وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات578.

حقيقة التقوى
لكي تنجو في الآخرة فلا بد من التقوى, ولكي تسلم في الدنيا فلا بد منها, فما هي التقوى؟.
تخيل معي هذا المثال لتعلم حقيقة التقوى.
لو تصوّرت ما حولك في الحياة أشياءً تتزين لك, المال شخصٌ يركض نحوك بكل اقتدارٍ يدعوك إلى التمتع به, الأولاد ينادونك بملء أفواههم لترتع معهم وتهنأ برفقتهم فتمضي ليلك ونهارك برفقتهم, الزوجة تدعوك لتحصر اهتمامك بها وتخلّي عن كاهلك واجباتك, العمل زاحفٌ رهيبٌ يجبرك على قضاء الأوقات فيه, المنصب فتاةٌ مُدللةٌ تدلف إليك تستهويك للنظر الحرام, الكلام على الناس متعةٌ في قرارة النفس تستلذُّ بممارستها.
تخيل… النوم قصرٌ من الأحلام لا يهنأ بفراقك وانفلاتك منه, الكسل أخطبوطٌ عظيم الخِلقة يمدُّ بإذرعته الرحيبة على جسدك فلا انفكاك, النساء والفتيات صورٌ ورسوماتٌ تؤنّبك عينك ونفسك عن الإعراض والهروب, الكِبْر والخيلاء حصانٌ فارهٌ يمتطيه الناس وأنت راجلٌ على قدميك وبين الحين والآخر يعمد إليك أجود حصانٍ لتركبه فترافق الناس كيلا ينظرون إليك بسخريةٍ.
تخيل فلا زال بقية… الربا سيارتك المُفضّلة لتصل إلى مبتغاك وبسرعةٍ, المساكين أشخاصٌ زائدون عن حمل الحياة ولا بد من كراهيتهم, المساجد رواقٌ مظلمٌ تتعطل حياتك كلها وتتوقف ساعة الزمن لديك حين تمكث فيها.
هذه هي الحياة بين يديك وما تراه محض مخادعةٍ وطلاءٍ, فكيف تنظر إلى أشياءها الآن؟.
هؤلاء جميعاً أعداؤك وأنت ذكيٌ على نحوٍ يكفي لتدفع عن نفسك, فكيف تفعل؟, فكر وانجُ, هذه حقيقة التقوى التي تسأل عنها منذ زمنٍ.
الأولاد زينة الحياة الدنيا فلا تُعطهم أكثر مما أعطاهم ربك, الزوجة لها ساعاتٌ محدوداتٌ فلا تدعها تأكل عليك نهارك وليلك, العمل لكي تلتقط رزقك المُقدَّر منذ ملايين السنين فلا تعطه أكثر من حقه, المنصب قَدَرٌ من الله إن كان فسيأتيك ولو تنحَّى عنك فنعمةٌ تستوجب الشكر, الغيبة مركب إبليس اللعين يدعوك أن تركبه فتسجد لعرشه المنصوب على البحر فلا تركبه وإن فعلت فاستغفر على الفور وادع لمن اغتبته, النوم لتريح جسدك بعض الشيء فلا يستهويك قصره الباذخ فأمامك واجباتٌ والعمر قصيرٌ, الكسل أول الطريق إلى جهنم فانفضه عنك وإلا سرت إليها بمحض جهلك.. وهكذا.
ما زاد عن الحلال في حياتك ودخل دائرة الحرام تستهويه النفس فتجرك إليه, ولذا فهو عدوك لأنه يسير بك إلى سخط الله.
وهذا الدفاع الذي تدافع به عن نفسك, عن مغريات الدنيا, عن الشهوات والملذات, عن المتع والمستطابات, هذا الدرع الذي تلبسه للتقي بنفسك فتنجو, هو التقوى.
أو تخيل حالك سائراً في طريقٍ ضيّقٍ شديد الانكسار والاعوجاج, وفوق ذاك نُثر على قارعته بوفرةٍ أشواكٌ وأشواكٌ, طُلب إليك أن تسير, فماذا تفعل؟, أنا أخبرك… ستعدُّ مواضع قدمك, وتتفحص موطئها ببصرٍ نافذٍ وعقلٍ راشدٍ.
حين تكون هذه الطريق هي الحياة, والأشواك الملذات, فمشيك للتوِّ فيها يعني التقوى.
أتعرف من يطلب إليك هذه التقوى؟, الله في علياءه, قال تعالى: { يا عباد فاتقون}579, وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون}580, وقال أيضا: {إنَّ الله يحب المتقين}581.
فهي التي تحجزك عن محارمه وتمنعك عما يسخطه منك, ولذا كانت طريقك نحوه.
فإن فعلت فستساق في الآخرة إلى الجنة, قال تعالى: {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً}582, وإلا فالمساق إلى النار والعياذ بالله, قال تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً}, فهما آيتان متتابعتان وستكون صاحب واحدةٍ منهما ولا ثمة آيةٍ ثالثةٍ.
واصنع كماشٍ في أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرنَّ صغيرةً إنَّ الجبال من الحصى583
وإذا سرت في طريق التقوى فلن تسيره وحدك فجسدك الهزيل ونفسك عدوتك حينها ولن تقدر على غوايتها, لن تسير وحدك فالله يعينك, منك الخطوة الأولى والباقي على الله وبين ذلك فتنٌ لتُختبر, ثم تطمئنُّ نفسك بعدها وتعرف أنَّك على الحق.

عظمة الخلق
هل فكرت في عظمة الخلق يوماً؟, هل أدركت حقيقة المألوفات حولك فتدبرتها؟, هل فكرت في عقلك الذي يفكر في الوجود؟.
ما تراه حولك وفوقك ظواهر عظيمةٌ وآياتٌ جسيمةٌ, لكنك ألِفْتَها, تخيل أنك غداً سترى الشمس لأول وهلةٍ, أو تعاين السحاب لأول مرةٍ, أو أنّك ترمق نجوماً غائرةً في السماء قد حُجبت عنك من قبل, كيف تنظر إليها؟, كيف تراها؟.
الإنسان عدو ما ألِف, نحن ألِفنا هذه الأشياء فلم تعد تستهوينا ولا تدعونا إلى التفكر والتدبر وهذه غفلةٌ من نوعٍ جديدٍ.
فالشمس وضياؤها, والقمر ونوره, والجبال وقامتها العظيمة, الأرض وسطحها المديد, الحيوانات وخلقها العجيب آياتٌ عظيمةٌ دالةٌ على عِظَم خالقها.
وهذه النجوم الغائرة المُشعّة والكواكب المنيرة والأفلاك المتسعة, وهذا السحاب المُعلّق بين السماء والأرض, وهذه الشهب اللامعة والصحارى الشاسعة.
هذه كلها خُلقت من العدم, من لا شيء, ولولا أنَّ الله عظيمٌ في عليائه, قديرٌ جبارٌ لما جاء بهذا الخلق.
والأدهى من هذا ما خفي عنَّا, إذ نحن لا ندرك إلا أقلّ القليل, انظر إلى رحابة الكون الذي لا ينتهي فوقك, إلى السماء حيث الامتداد الشاسع, ملايين السنوات الضوئية قاسها العلماء إلى الآن ولم يصلوا لنهايةٍ معروفةٍ في بناء الكون العظيم, من يدري لعلها قصة البداية بعد.
ماذا كان يعرف الإنسان في سنوات حياته منذ آلاف السنين على البسيطة, عن الأرض وخفاياها, المشهد يتكرر الآن, ليس في الأرض التي استقصيناها وعرفنا محيطها, بل في الكون, لا نزال في نقطة الصفر.
وكل شيءٍ خلقه الله, فسبحانك يا إلهنا كيف خلقت كل هذا ما نعرف وما لا نعرف؟.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ , وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}584, خلقها بالأمر الكوني, كن, فإذا السموات ممتدةٌ وإذا الأرض مبسوطةٌ.
وإذا الخلق مسبوكٌ محبوكٌ, خلقٌ على أتمِّ شكلٍ وأحسن هيئةٍ, فلو أنك بحثت عن خللٍ بسيطٍ أو خطأٍ وجيزٍ لما وجدته.
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ , الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}585.
لما نزلت تلاها النبي  ثم قال: ويلٌ لكل من قرأهنَّ ولم يتفكر بهنَّ.
ونحن مدعوون للتفكر وعبادة التدبر ولعلها تعدل كثيراً من العبادات, قال : “تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره”586, ومن ذا يوفي الله حقه.
فإذا رأيت الشمس في هاجرة النهار تلذع بسهامها فقل: الله خالقها, وإذا رنوتها تزلف للمغيب فقل: الله مسيّرها, وإذا حدّقت في القمر وهو بدرٌ يشقُّ عباب الظلام كصبيٍ وليدٍ منيرٍ فقل: سبحان خالقه, وإذا تعلّق قلبك بخفقان النجوم وعلى تشعُّ على مسافاتٍ ظامئةٍ فأعلن نفسك طارئةً, الله مشعّها وخالقها, وإذا نظرت إلى الجبال ترمق الخلق حولها صغاراً مساكيناً فقل الله رافعها, وإذا عاينت الغيوم تموج في الأفق وتزحف إلى معركتها في المشرق فقل: سبحان مجريها.
وإذا شاهدت العصافير الصغيرة تمضي من عشٍ إلى عشٍ ومن جدارٍ إلى آخر فقل: الله مبدعها, وإذا عرفت نفسك وسبرت أغوارها وعجبت من دماغك فقل: الله خالقي, وإذا تراشقت على وجهك حبات المطر وانسدلت على وجهك وقميصك فقل: الله منزله, وإذا دخلت الليل وهو يزحف بسدوله وأغطيته المعتمة فأعلنت عزاء النهار الذاهب فقل: الله مكوّره.
الله خالق كل شيءٍ ومبدعه ومصوّره.
أرأيت كم هو الخلق عظيمٌ؟, لكنك ألفته منذ كنت صغيراً, والآن أتعرف حكمة الله في أن تنمو عقولنا على هذا النحو البطيء, لكي لا نذهل من الخلق حملنا, فنحن لا نستطيع أن نعاينه مرةً واحدةً, بل يستغرق ذلك أعواماً وأعواماً.

البعوضة الصغيرة
صغيرةٌ لكن عجائب خلقها تفوقها حجماً.
قال تعإلى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فما فوقها…}587.
فما فوقها: أي فوقها في صغر الحجم، أصغر منها، وهذا من عجائب اللغة أيضا588. قال عنها العلم الحديث الحقائق التالية فتمعنها:
لها مائة عين في رأسها، عينها تحتوي على مائة خلية بصرية، أما فمها الصغير ففيه من القواطع (48) سن، ولها ثلاثة قلوب تضخ الدم إلى أنحاء جسدها الضئيل، خرطومها يحتوي العديد من السكاكين الدقيقة لكي تجرح العدو وتفتك به.
لها ستةُ أجنحة تطير بها، وهي ترى الجلد الذي ستلسعه حتى في الظلمة عن طريق جهاز حراري يطلق أشعةً.
قبل أن تلسع الفريسة تخدرها تخديراً موضعياً يشعر به الملسوع فلا يحس بالألم إلا بعد فترة، تطلق مادة مع السم لتمييع الدم فيسهل سريان الدم فيه، ويقولون كذلك أنها تشم رائحة جسم الإنسان على بعد (6كم).
وزعموا كذلك أن العلم الحديث اكتشف حشرةً صغيرةً كمضيف حيوي يعيش لصيقاً على ظهرها، هذه الحشرة لا تُرى إلا بالماسح الإلكتروني.
وإذا كان هذا صحيحاً، يصبح هناك تفسيراً آخراً لقوله تعالى … (فما فوقها) .. أي تلك الحشرة الصغيرة التي تعتليها.
ولا مانع أن يكون للآية تفسيران, التفسير القديم الذي شُحنت به كتب الأقدمين ومفاده أنّ ما فوقها أي أصغر منها, والتفسير الحديث القائم على ما يعيش على ظهرها, وهذا من الفنون الإعجازية في القرآن, وربما يوجد تفسير ثالثٌ ورابعٌ لذات الآية قائمٌ على التفسير العلمي وغيره, كله مرهون بتغير العصور وتقدم العلم, أو ليس هذا معنى ما قيل في وصف القرآن… ولا تنقضي عجائبه…
وصاحب الكتاب يتمنى لو طُرح هذا التعدد في الفنون الإعجازية في رسالةٍ أو كتابٍ يستوفي هذا النوع الإعجازي مع أنّ الآيات التي تخصه معدودةٌ على الأصابع هذا يدعونا لإعمال العقل وتركيزه في التفسير القرآني, إذ الأقدمون لم يستوفوا القرآن العظيم شرحاً وعرضاً وتفسيراً وتنقيباً.
إنّ القرآن أعجوبة العصور كلها كالمنجم مع فارق التشبيه كلما أمعنت فيه عملاً حققت إنجازاً أو إن شئت القول كالبحر المليء بالنفائس كلما توغلت فيه عمقاً لاح لك على القرب مزيداً كنوز ما تحت الماء.
فقل معي … سبحان الخالق.

هي من أهل الجنة
كان على عهد النبي  امرأةُ سوداء ملبوسةً بجان، فكانت تصرع بسببه، فجاءت للنبي  يبرؤها من مصابها ويخرج الجن منها.
فقال لها: إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت ولك الجنة. فقالت:أصبر، وآثرت الجنة على ما تعانيه من صرعٍ.
وقالت: يا رسول الله، ولكني أتكشف، أي تظهر عورتي حين أُصرع، فادعوا الله لي.
فدعا لها، قال ابن عباس رواي الحديث: فكانت تصرع ولا تتكشف، هي من أهل الجنة589.
تمعن في صبر المرأة على مصيبة هي من أدهى المصيبات وإيثارها للجنة التي لا خطر لها على معاناتها في الصرع، وقاني الله وإياك.

مؤمنون ورب الكعبة
ورد عند الطبراني في معجمه الأوسط أن النبي  دخل يوماً على الأنصار فقال: أمؤمنون أنتم؟، فسكتوا وظنوا أن النبي  يريد أن يقول شيئاً. فقال عمر: نعم يا رسول الله، فقال: وما علامة إيمانكم؟. قال عمر: نشكر على الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى بالقضاء، فقال: مؤمنون ورب الكعبة.
الشاهد في الحديث أنك أيها المسلم حين تشكر على رخاء ربك وتصبر عل بلائه فأنت مؤمنٌ مشهودٌ لك بهذا من النبي  إذ أقسم برب الكعبة.

قتله بلسانه قبل أن يُقتل بسيفه
الزمان: أواسط الدولة أموية.
المكان: قصر الحجاج في العراق.
الأشخاص: سعيد بن جبير سيد التابعين والهارب منذ زمن من أيدي الظلم الموحشة، والحجاج قاتل العلماء وسافك الرعية، وبعض الحرس بين يديه.
التهمة: سعيد يؤلِّب الناس على دولة الخلافة، ويصف الحجاج بالظالم.
المشهد الأول:
على كرسي فارهٍ وفي قصر باذخٍ على نهر دجلة, وفي مكان لا يليق بغير الملوك ها هو الحجاج على عرشه في العراق، منذ زمن يبحث عن سعيد ألدَّ أعداءه من علماء زمانه، علم أنه لاذ بالحجاز فبعث رجالاً يبحثون عنه إن لم يكن على سطح الأرض ففي جوفها أو في الفضاء.
وتعم الجلبة وتهبط أصوات الجند مرةً واحدةً على مكان كان بديعاً رتيباً, لا ريب فقد أَلِف الحجاج هذه الفوضى.
ومن باب إيوان القصر يدخل حرسٌ وجنودٌ معتضدين سعيد بن جبير حيث أنهكه السفر وظهرت على وجه تهاويل العمر والخوف من السلاطين، ورُمي بين يدي الظالم مقيداً بالسلاسل والأغلال، وضحك الحجاج وحدَّق بضيفه، وأطرق ساعةً يطرد أنفاسه ويمنِّي نفسه بدم سعيد.
وقال بعد هنيهة: من أنت؟ على سبيل التوبيخ، أو أنه نسي وجهه.
قال: سعيد بن جبير… بل أنت شقي بن كُسير. والحجاج فصيحٌ في الرد لكنه يشعر بنفسة صغيراً أمام هذا الرجل من العظماء.
قال سعيد وهو صابرٌ محتسب لا تخيفه سطوة الحجاج ولا سياطه: بل كانت أمي أعلم باسمي منك.
قال الحجاج: شقيت أمك وشقيت أنت. أي لحق الشقاء بك وبأمك لما سأنزله عليك من عقاب جسيم وألم عظيم.
ولكن هيهات لهذا الظالم أن ينال من عزم كعزم سعيد الذي يرد قائلاً: الغيب يعلمه الله.
إنما الشقاء في الآخرة وليس سيوف الجلادين في الدنيا، الشقاء سخط الله تعالى على العبد وليس سخط السلطان، وهذا من عالم الغيب لا يدري عنه أحدٌ سواه.
ويبدأ بالتحقق مع ابن جبير ويسأله بضعة سؤالات:
ما تقول في محمد؟ ويجب سعيد: نبي الرحمة وإمام الهدى، وهل يُعذَّب هذا العالم إلا لأجل دين محمد .
فما تقول في علي أهو في الجنة أم في النار؟ والحجاج سلطانٌ أموي يوإلى مؤسس الدولة الأموية الأولى ضد علي.
قال سعيد: لو دخلتها وعرفت من فيها من أهلها لأجبتك.
فما تقول في الخلفاء: يقصد خلفاء بني أمية.
قال سعيد: لست عليهم بوكيل، وسعيدٌ لا يحكم على أحد خاصةً أولئك الذي مضوا لربهم فهو العالم بحالهم يغفر لمن يشاء منهم ويعذب من يشاء.
فأيهم أعجب إليك؟ … أرضاهم لخالقي، لكم هو هذا الشيخ فصيحٌ بليغٌ جريءٌ، يجيب بسرعة بادرة وانطلاق بديهة ودون خوف.
يا سعيد فأيهم أرضى للخالق؟ … علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم.
أحب أن تصدقني … وهل تجد غير الصدق عند سعيد يا حجاج، لولا أنه صادقٌ فيما يقول فلمَ يساق إليك مكبلاً بالأغلال؟ وكان يكفيه أن يكذب لينجو من معارضة بني أمية.
فأجاب سعيد: إن لم أحبك لا أكذبك, وذهبت هذه الكلمة مثلاً، لكل من يحتذي الصدق منهج حياةٍ وطريقةً خالدة.
ما الذي يبحث عنه الحجاج على لسان ابن جبير.
سمعت أنك لم تضحك قط.. ولقد نقل عنه أنه لم يضحك، دعوه يجيب بنفسه.
ياحجاج: كيف يضحك مخلوقً خُلق من طين والطين تأكله النار؟ يالخوف سعيد وخشيته من ربه، وإنه ليحق أن يكون سيد التابعين في عصره، وإنه ليحق لهذا الشيخ أن يُعلِّم الدنيا كلها الخوف من النار بعدم الضحك.
فعجب الحجاج وقال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب.
وانتهى المشهد الأول ولملم الحجاج أشلاءه التي نثرها عليه سعيدٌ لتوِّه بهذه الكلمات العظام.
المشهد الثاني
وفكر الظالم ملِّياً كيف يستدرج مثل هذا الشيخ العارف بالله.
وأمر الغلمان والخدم بأن يأتوه بالمال الوفير، وعلى منضدة قريبة نثر الحجاج أكياساً وصناديق، فإذا باللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب تلمع لمعاناً شديداً، حتى لقد همَّ الحرس أن يلمسوا بعضها لفرط شعاعها.
وأخذ الحجاج يُقلِّب المعادن الثمينة بين يديه، إنها تلمع حتى في وضح النهار.
غير أن صاحبنا وقف وقفة البطولة في أصعب لحظاتها ونظر إلى المال من طرفٍ خفيٍ فلم يملأ منه ناظريه وقال قبل أن يًسأل:
يا حجاج إن كنت جمعت هذا المال لتتقي به فزع يوم القيامة فصالحٌ، وإلا ففزعةٌ واحدةٌ تُذهل كل مرضعة عما أرضعت.
وعلم الحجاج حينها أن الشيخ لا تستهويه الدنيا بأسرها فضلاً عن مجوهرات ضئيلة.
وأحسن بوخز الهزيمة تدقه حتى العظام وأعلن نفسه طارئةً أمام الشيخ العظيم.

المشهد الثالث
وأمر بالذهب والياقوت فجُمع وأُدخل، ودعا بالعود والناي وأخذ بعضهم يقرع بالغناء، فبكى سعيد لما سمع.
قال الحجاج: ما يبكيك يا سعيد أهو اللعب؟ أي الطرب وحسن السماع.
قال: بل هو الحزن، أما النفخ بالناي فذكرني بالصُّور (أي بوق إسرافيل عليه السلام)، وأما العود فشجرةٌ قُطعت من غير حق، وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة.
يا لفكرة الشيخ وعبرته، إنه يتحدث عن فلسفة الوجود وحقائق اليوم الآخر، يتحدث معتبراً باكياً وفي قصر الحجاج حيث مرتع الظلم ومأوى العدوان.
أيقن الحجاج ألا فائدة يرجوها من رجلٍ مثل سعيد.
اقتلوه، فتشهد سعيد، وصرخ الحجاج في أحدهم حوِّلوه عن القبلة، فصاح سعيد .. أينما تولوا فثم وجه الله.
واغتاظ الظالم.. حولوا وجهه إلى الأرض، فصاح مرةً أخرى … منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنه نخرجكم تارةً أخرى.
اقتلوه … وتوجه سعيد بآخر كلامه إلى الظالم الحجاج … اللهم لا تسلطه على أحدٍ بعدي.
وبرمشة عين انتقل سعيد الصابر المحتسب والعالم المجاهد إلى العالم الآخر، وتناثرت دماءٌ طاهرةٌ في المكان، وعظت كل من حدَّق فيها، مثلما كان يفعل صاحبها.
قتلوه خارجاً كما أمر الحجاج, ثم قرر الحجاج صائحاً…ردوه لا تقتلوه… ردوه… فدخل عليه الزبانية… وقالوا: أيها الأمير… سبق السيف العذَل.
عاش الحجاج بعدها أقل من عشرة أيام ثم مات، كان يقول قبل موته بساعات: ما لي ولابن جبير590.

حطيط الزيّات والحجاج591
للحجاج عدوًان: نفسه التي بين جنبيه، والعلماء الصادقون ومشاهده معهم تُعدُّ بالعشرات، ولقد قتل العشرات وهو يستبيح دمهم لمناوئتهم ويدين به للدولة الأموية.
وها هو مشهدٌ آخر مع أحدهم، لكنه عالمٌ صغيرٌ، لم يتجاوز العشرين إلى الآن، رجلُ يدعى حُطيط الزيات.
ومن قال أن عظمة الرجال تقاس بما يلبثونه من أعوام وما يعدَّونه من سنين؟ كلا فالعمر أصغر مقاييسهم، والمقياس الحق الإيمان والعلم وذرابة اللسان والصبر على الملمَّات والدواهي.
وعلى مقياسنا الجديد نحسب حطيط الزيات أحد عظماء الرجال في عصره.
زعم الحجاج أن حطيطاً هذا يفتن الناس بما يحدثهم عن ظلمه وظلم دولة الأمويين، فبحث عنه تحت أطباق الأرض وجاءوا به مُساقاً بأغلال الحديد فأدخلوه. وفرح الظالم لمّا رآه في الأغلال وقال: أنت حطيط؟ قال: نعم.
قال: يا حطيط إني سائلك عن أمور: فقال بثبات وعزيمة: سل ما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال: إن سئلت لأصدقنَّ، وإن ابتليت لأصبرنَّ، وإن عوفيت لأشكرنَّ.
أرأيتم كم هو صاحبنا جديرٌ بالأوصاف التي وسمناه بها، وإنه لأكثر من ذلك.
قال الحجاج: فما تقول فيَّ؟
قال: إنك من أعداء الله في الأرض، تنتهك المحارم، وتقتل بالظنَّة.
وصبر الظالم على هذا الوخز والسهام التي تكاد تقتلع قلبه من مكانه، لكنه يريد سماع المزيد قبل أن يقتله.
فما تقول في أمير المؤمنين؟ أعظم جرماً منك، وإنما أنت خطيئةٌ من خطاياه. يا لهذا المجترئ على الخلفاء كيف لا يخاف بطشهم، لعله يريد أن يعلم العلماء من بعده ما قطعه الله عليهم من عهد.
وازداد حنق الحجاج عليه، فأمر جنوده، أشعلوا القصب حتى إذا احمرَّ وتوهج دفعوا بحطيط إلى النار تلتهم بعض طعامها, وسُحب عليه ثم شدوه بالحبال فتساقط لحمه وصار في الرمق الأخير، فأخذوه ورموه في السوق أمام العامة، فتفرقوا عنه لبشاعة منظره، وتقدم أحدهم فطلب إليه حطيط ماءً فسقاه ثم مات.
رحمك الله يا حطيط، إن الدنيا كلها لتعجز أن تقدم لك أجر صبرك وجهرك بالحق، عليك رحمة الله يا سيد الشهداء، ومعلم العلماء.

أعظم العبادات
إنها القين على الله، وأنت في ظني لم تعرف حقيقة اليقين بعد، ولكنك تسمع المتحدثين بالدين يقولون اليقين ويضربون لك الأمثلة عن يقين النبي  ويقين أصحابه، وتظنه الالتزام بالدين.
وليس هذا باليقين، بل هو أبعد من ذلك، ولكي تعرفه فدعني أضرب لك مثالاً عقلياً فاصبر معي.
أنت الآن واقفٌ في خلاء، نظرت إلى الأفق الغربي فرأيت بعض السحاب فسألك بعضهم: أتمطر في الغرب؟ فقلت له: أشك أنها تمطر.
وبعد فترة وجيزة رأيت الأفق يتلبد بالسحاب ويسوَّد، فسألك ذات الشخص فأخبرته: أظن أنها تمطر. أنت الآن تمر بمراحل العلم بالشيء ودرجاته، في المرة الأولى شككت، وفي الثانية ظننت، والظن أقوى من الشك, لنتصور أن الشك (10%) فقط، والظن أكثر بقليل وليكن (30%).
ولكنك رأيت البرق يتخلل السحاب وينتشر في الأفق وقد ازدادت ظلة الغيوم وتلبدها، وزاد الاحتمال في عقلك، تقول حينها يغلب على ظني أنها تمطر.
وسمعت دويَّ الرعد وتذكرت صديقاً لك يسكن هناك، هاتفته فأخبرك أنها تمطر بغزارة، صديقك صادقٌ لم يكذب في حياته قط. تقول حينها أعلم أنها تمطر.
أي تأكد لديك بما لا يدع مجالاً للشك أنها تمطر في الأفق الغربي.
لاحظ أنك مررت بمرحلة تفاوتات عقلية قبل العلم بالمطر، الشك، والظن، وغلبة الظن، ثم العلم.
أنت لم تصل بعد إلى مرحلة اليقين. وكيف؟ امض معي.
فبينما لا تزال واقفاً تحركت الغيوم بتلبدها إلى الشرق، زحفت نحوك، شعرت بوخز الريح يلامس أطرافك، وبدأ المطر يتراشق على وجهك، أحسست به وببرودته.
لقد تيقنت أنها تمطر، وصلت إلى اليقين الآن، التي هي فوق العلم بالشيء. هذا هو اليقين.
المثال الثاني:
هنالك بلدٌ في العالم اسمه ساحل العاج لم تسمع به من قبل، سألك ولدك: هل هناك بلدٌ في العالم اسمه ساحل العاج يا أبي؟ لم تسمع به من قبل … أشك أن هناك بلداً بهذا الاسم.
وقد سألك الولد بعدها مرات متتإلىة فهو لا يصدُّق معلم الجغرافيا ولا يتفحص المعلومات إلا منك.
فقلت في نفسك: من أين جاء الولد بهذا الاسم لولا أن معلمه أخبره به.
قلت: أظن أنه يوجد.
وحين كنت في العمل تحادث زملاءك نطق بعضهم بساحل العاج، يا للغرابة يتفق المعلم والولد وأحدهم على بلد لم تسمع به من قبل اسمه ساحل العاج.
تزداد حينها درجة تصديقك فيغلب على ظنك عندها.
فبينما أنت في المساء تشاهد التلفاز إذ بدأ لتوه برنامجاً وثائقياً عما تبحث عنه منذ أيام، عن ساحل العاج، فصوروا لك سكانه وربوعه وحيواناته، فما عدت تكذب بوجوده.
بدأت تؤنب نفسك على جهلك: أيعقل أني لم أسمع من قبل عن بلدٍ بهذا الاسم لقد علمت لتوي به.
وبعد أيام جائتك تذكرة في عملك لزيارة هذا البلد لمهمة ما، فركبت الطائرة ورحلت بك هناك، ومشيت في أسواقه ورأيت أناسه وقابلتهم وتحدثت إليهم.
لقد تيقنت بذهابك بوجود هذا البلد الذي قلت عنه لصغيرك قبل أيام: أشك أنه موجودٌ على الخريطة.
مررت بمراحل التصديق، ولم تصل لليقين إلا في آخرها.
هل عرفت اليقين الآن؟
ونحن لا نقصد الغيوم والبلدان إلا للمثالين العقليين، ونريد اليقين على الله، وليس فقط العلم بوجوده، فهذا يدركه جميع الخلق، يشترك فيه المسلم والكافر، لكن المؤمن الحق يزيد عن غيره بدرجه اليقين عليه تعإلى.
واليقين من أعظم العبادات على الإطلاق، بل به مدح الله أصحابه قال تعإلى {الذين يؤمنون بالغيب}592 وقال أيضا {لعلكم بلقاء ربكم توقنون}593، أي تصدقون بلقاءه في الآخرة كما صدَّق صاحبنا في مثال الغيوم والأفق في آخر الأمر، وكما تأكد للذاهب إلى ساحل العاج.
وهذه العبادة التي لا يتقنها أكثر من ثلاثة أرباع المسلمين اليوم مع أنها مقصد العبادات ومراد الله تعالى في كثير مما شرَع لخلقه.
الصلاة توجَه جسدي وقلبي له لكي يعلمك اليقين في باقي أمورك، الزكاة تتخلى فيها عن مالك ليعلمك الثقة على ما في يده، الصوم، يجوع جسدك فيه للتقرب إليه فتتيقن به وبنعمه.
وهكذا العبادات كلها، لكي تتيقن بالخالق، بوجوده، بنعمه بموعوده في الآخرة.
ولأجل هذه العبادة العزيزة عند ربها ولتقدمها على العبادات الأخرى وأهميتها في حياة المسلم فالله تعالى قد يغير السنن الكونية والقوانين الأرضية في حق العبد الموقن. فإذا أطبقت الكربات وعم البلاء، إذا سقط الموقن بربه في وهدة الجبابرة وحكموا عليه بالموت ونصبوا له مشانق الإعدام يتدخل الله تعالى ويغير سننه التي بثّها في الأرض كي ينجو عبده ويخلص من موت زؤام.
ألا ترى أن إبراهيم  قذفوه في النار فتغيرت خصيصتها لأجله من الإحراق إلى السلام والبرد.
ألا ترى يونس  يبقى حياً في جوف حوتٍ ومن فوقه ظلمات ثلاث ثم ينجو بيقينه على ربه، بل ويبعثه مرةً أخرى إلى أهل نينوى ويبثُّ الهداية في قلوبهم فيؤمنوا عن بكرة أبيهم.
ألا ترى عيسى  يُنشئ الله على يديه خوارق العادات من المعجزات فيحيي الموتى ويبرئ الزَّمنى.
ألا ترى نوحاً  ينجو بيقينه من طوفان لم تنجو منه الطيور الغائرة في جوف السماء.
ألا ترى عمر بن الخطاب ينكشف له الأفق فيرى من المدينة وهو يخطب على المنبر جيش المسلمين الذي يقوده سارية في العراق يراه في ضيق فينادي بهم الجبل الجبل594 … فيمتد الصوت رحيباَ ويقطع الفلوات ليُلقى في جوف سارية فينحاز إلى الجبل ويكرّ على المشركين من جديد فينتصر بفضل الله وبسبب من يقين عمر رضي الله عنه.
ألا ترى العلاء بن الحضرمي يسير بجيشه على البجر فلا تبتل خفافهم595, ألم تسمع عشرات القصص التي خرقت سنن الطبيعة أجراها الله على أيدي السلف كرامةً لهم لفرط يقينهم عليه وحده.
والآن هل عرفت اليقين؟ كم بينك وبينه … إنه قمة الإيمان وذروة التصديق، إنه العبادة القلبية التي ترى من خلالها ملكوت الله وتنكشف الحجب الربانية عندها بينما الناس يرتعون دونها في ظاهر حياتهم.
حاول أيها المسلم أن تعيشه ولو مرةً واحدةً في حياتك.

سل لنا ربك
قال بنو اسرائيل لموسى  يوماً: سل لنا ربك أمراً إذا نحن فعلناه يرضى به عنا.
فأوحى الله إليه: قل لهم يرضوا عني حتى أرضى عنهم.
إن أردت رضى الله فارض عنه, وكيف يرضى الإنسان عن ربه ؟.
ما يحدث لك من أمورٍ، من بلاءٍ ومصيبةٍ، وفقد عزيزٍ، ومرضٍ وغيرها من كربات الحياة مما أجراه الله عليك، هي أفعاله جل وعلا في كونه، فإن أن رضيت بفعله وعلمت الحكمة من وراءه كي يطهرك ويرفع منزلتك في الآخرة إن فعلت ذلك ورضيت من قلبك، رضي هو عنك.
والجزاء من جنس العمل , ارض كي يرضى هو .
ورد في حديث قدسي ضعيف السند أنَّ رب العزة يقول …. أنا الله لا اله الا أنا من لم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليتخذ رباً سوائي596 .
ولكننا نعيش في كونٍ واحدٍ وندين لربٍ واحدٍ ويجري علينا قانونٌ واحدٌ ولا مناص من الرضا , هذا الرضى العقلي لا يكفي فلا بد أن يكون قلبياً من صميمك .

مع محمد بن واسع597
محمد بن واسع من وعاظ الزمان وأتقياء الخلق, يخرج في أحد جيوش المسلمين إلى المشرق تحت قيادة الظافر العظيم وفاتح البلاد قتيبة بن مسلم رحمه الله , وبينما الجيش يسير في إحدى الأدغال والغابات إذ تعرض لكمين فأوقع الأعداء بالمسلمين وانهالت عليهم السهام من كل جانبٍ وكاد الجيش يهلك.
ويتماسك القائد ويسأل عن محمد بن واسع , فيقال له: هو ذا يا أمير يصلي ويرفع سبَّابته داعياً الله تعالى للنجاة والنصر , فيردُّ قتيبة : لَذلك الإصبع أحب إلى من جيش بأكمله.
وتمر ساعةٌ عصيبةٌ على الجيش لكنهم يصبرون , والصبر رفيق النصر, وبعد ساعةٍ ينكشف الأمر وينهزم الأعداء .
لقد علم صاحبنا أن النصر بالأعمال والدعاء قبل أن يكون بالتخطيط وحسن القتال , والأمور لها أولويات .
عُرف محمدٌ بعبادة الرضا فكان رحمه الله يرضى في كل حال , إذا أصابته مصيبةٌ أو قطعه كربٌ نظر في خفايا الغيب فعلم أن ربه لطف به ابتداءً ورحمه انتهاءً .
نظر أحدهم إلى قرحةٍ شديدةٍ في رجله فقال : إني لأرحمك من هذه القرحة , فقال : إني لأشكره منذ خرجت إذ لم تتخرج في عيني .
فإذا أصابك مكروهٌ أيها المسلم تذكر أن ربك لم يصبك بأعظم منه تنقلب راضياً .

نبيك يعلمك الرضا
الرضا عبادةٌ قلبيةٌ نادرةٌ في هذا الزمان القائم على اللهث والجزع، ما أحواجنا أن نعيدها في قلوبنا وحياتنا.
ولقد كانت حياة النبي  كلها رضا من أولها إلى آخرها، لكم علَّم المسلمين هذه العبادة ودفع بها إلى قلوبهم.
لم يعش له ولدٌ، ماتوا كلهم فرضي ولم يجزع، ها هو إبراهيم فلذة كبده يموت بين يديه صغيراً لم يعقل بعد، فيدفنه على مرأى من أصحابه وتدمع عيناه ويحس بوخز فراقه ثم يصدح.. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
وها هو أنس خادمه أكثر من عشرة أعوام لم يؤنبه مرةً ولم يغضب عليه بحال, يقول أنس: فما قال لي عن أمر فعلته لم فعلته؟ ولا عن أمر لم أفعله لم لم تفعله؟ وإذا أخطأ بفهم ما يريده نبيه  سمعه يقول: لو كان قُضي أمرٌ لوقع598.
وها هو يقول في جمهرة من أصحابه: من قال في الصباح والمساء رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً ورسولاً وجب على الله أن يرضيه.

الله يتوعد عباده
وما أشد وعيده و أخطر عذابه، اسمع معي هذه الآيات.
يقول تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاةً، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير}599.
وبعد هذه الآية بواحدة يقول جلَّ شأنه {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينا وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوفً بالعباد}600.
مرتان في نفس السورة تسمع الله يقول … ويحذركم الله نفسه، ماذا يعني لك هذا، الآيتان في سورة آل عمران، فهل تدبرتهما يوماً.
ويقول في حق الوليد بن المغيرة … {ذرني ومن خلقت وحيداً}601.
مثل قول أحدنا ولله المثل الأعلى حين يريد الفتك بأحد الضعفاء وقد أخطأ في حقه خطأ جسيما، مثل أن تقول .. اتركني عليه .. فلا يبقى أمامك أحدٌ يحجز عنه ولا يدفع.
ومع فارق المثال فالقائل هو الله بجبروته وقوته وعظيم شأن قدرته يقول لنبيه … اتركني والوليد بن المغيرة فالمعاقِب أنا.
يا لهذه الصورة المخيفة المفزعة في حق من زعم أنَّ القرآن سحرٌ.
وفي الآيتين الأوليين يحذر الله عباده كلهم من مغبة عصيانه في الأولى من أن يوالوا الكافرين، وفي الثانية من اقتراف المعاصي.
واسمع لقوله محذراً عباده… {ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين}.
قال ابن عباس: ففروا من معاصيه إلى طاعته، من ذنوبكم إلى توبتكم، من أنفسكم إلى ربكم.
فهل تفر أيها المسلم؟ … احذر ربك فإنه شديد العقاب، ولا تغفل عنه فهو شديد الانتقام, وإياك أن يراك حيث نهاك ويفتقدك حيث أمرك.

لا يمَلُّ من المغفرة
مهما أذنب أيها العبد ثم استغفرت وإن تكرر ذلك مراراً فالله تعالى لا يملُّ من الغفران حتى تملَّ أنت من التوبة، فإياك والنأي عن طلب الاستغفار فأنت مذنبٌ في كل حال، وقد تذنب ذنباً صغيراً، وقد تأتي به كبيراً والاستغفار من بعده كالماء يغسل الأشياء وينظفها.
قدم أعرابُي إلى النبي  فقال: يا رسول الله، أرأيت إن أذنبت يُكتب عليَّ؟ فقال : يُكتب. قال: أرأيت إن تبت يمحى، قال: يمحى.
قال: أرأيت إن أذنبت ثانيةً يكتب؟ قال يكتب، قال: أرأيت إن تبت يمحى؟ قال: يمحى.
حتى عادها للمرة الثالثة والنبي  يجيبه: يمحى.
فقال الأعرابي: حتى متى يمحى يا رسول الله؟ قال: إن الله لا يمَلُّ من المغفرة حتى تملوا من الاستغفار.
فمهما كثرت ذنوبك أيها المسلم وتتابعت فلا تتخلى عن الاستغفار.

سيد التائبين
مالك بن دينار602، أحد عظماء التاريخ الإسلامي والعابد الزاهد والعالم المجاهد، إذا ذُكر تبادر للذهن الزهد والفقراء، وإذا تحدث تسابق العلماء والمؤرخون في تدوين ما يقوله وتسجيل ما ينطقه، ولا عجب فلكم فتح الله على لسانه فتوح العارفين وأقرً في قلبه درجات اليقين.
لكنه لم يكن هكذا في بداية حياته, بيد أن التوبة الصادقة تُبدَّل السلوك وتغير الاتجاه كما تفعل دفَّة السفينة حين تقلب مسيرها من الأمام إلى الخلف حيث المسار المضاد والطريق القويم.
من فتيان البصرة وأحد قطَّاع الطرق فيها, يقول عن نفسه حين سئل عن توبته: ما تركت ذنباً إلا وفعلته.
يا لهذا الفتى الجسور الباطش بكل من يلقاه، هاهم الناس العقلاء والمجانين على حد سواء يتجنبونه في طرقات البصرة وسككها، حتى إذا سار في إحداها حذر بعضهم بعضاً: ابن دينار يسير في الطريق.
وهو رجلٌ شغوفٌ بمعاقرة الخمر حتى النخاع لا يتلذذ بغيرها ولا يسمر وحده مع غيرها، ولكم أتت عليه الليالي الطوال وهو يعبُّ منها عبَّ الولهان الذي لا يروى والعاشق الذي لا يصيب.
واستمرت حياته بين إيذاء الناس والبطش بهم في النهار واصطحاب السكر معه إلى البيت في آخر الليل، فلا يبيت إلا مخموراً ولا يستيقظ إلا كارهاً مجدداً طاعة مشروبه.
وفي إحدى المرات بينما كان في السوق رأى رجلاً عليه ملاءة الصالحين معه بنات له صغاراً، فحدًق فيهنَّ وقذف الله في قلبه حب الولد ورغبته الشديدة فيه ففكر في الزواج.
فخطب العديد من نساء البصرة ولم يزوجه أحدٌ لسوابقه في المدينة ولسمعته الرديئة، وازداد شغف الولد في رأسه فعمد إلى حيلة.
اشترى جاريةً، والجواري كنَّ يملان المدن في ذلك العهد، ولولا مساهمة الإسلام الفاعلة في فك أسرهنَّ لبقين حتى عصور متأخرة. وبعد أن صارت الجارية مُلكه أعتقها ثم تزوجها.
وأنجبت له فتاةً أسماها فاطمة، وكلما نمت قليلاً زادت محبتها في قلبه حتى صار لا يستغني عن رؤياها في كل ساعة، وملأت عليه حياته واستقر التعلق بها في سويداء قلبه، وكبرت فاطمة حتى جاوزت الثالثة، وظهرت عليها مخايل الصلاح في تلك السن فكانت تدخل إلى حجرة أبيها وهو يشرب الخمر فتعمد بيديها الناعمتين وتزيح إناء الشراب عن شفتيه، فيشعر بالخجل لما يفعل ولكن هيهات له الكف، وهو الذي يعبُّ منذ سنين خلت.
ولأمر الله ماتت فاطمة فجأة، ماتت مولِّيةً عن أبيها بحسرات جسام وبفقد شديد، فانقلبت حال مالك إلى أسوأ مما أصلحته الراحلة الصغيرة، فكان إذا عنَّ له ذكراها شرب فأكثر من الشراب ليغيب عن الوجود فينساها.
وفي ليلة شاتية هبط ذكرها على أبيها فلم تفارق خياله فبكى لموتها، وأراد ان يخرج مما فيه فعمد إلى السوق واشترى الخمر كما يفعل دائماً وزاد في الشرب حتى أسلمته يد الإناء إلى نوم عميق.
فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وإذا الخلق في مصاب عظيم وازدحام وكظيظ، اقتربت الشمس حتى لامست الرؤوس وتدفق العرق من أجسادهم وهو بينهم يقاسي ما يقاسونه ويزيد عليهم في الخوف والفزع.
فجاءه أحدهم وقال: مالك … هلم إلى العرض على الجبار، وبلغ الوجل في جوفه أقصاه، فصار يركض سريعاً دون وعي، وحانت منه التفاتهٌ للوراء فإذا تنينٌ عظيم الخلقة خطير الطلعة يهرول خلفه، فزاد من جريه لئلا يلحقه فيلتهمه.
فأعياه التعب وأجهده التنين ولا بد من الهرب من وجهه، وإذا بعجوز خائر القوى يوشك أن يقع لفرط ضعفه، قال له مالك: أدركني يا عم مما يلاحقني، فأومأ إليه أن يسير باتجاه، وانقلب مالكٌ إلى الطريق الذي دلَّه عليها عساه ينجو.
ومضى مسرعاً، بيد أن التنين لا يزال وراءه وانتهى به المطاف إلى نار تلتهب فرجع إلى صاحبه: أسلمتني إلى نار، أدركني يا عم.
أركض إلى الجبل، وصعد الجبل، وكأن حجباً أمامه قد تفتحت ورأى خلفها صبيةً صغاراً ينظرون إليه، حتى إذا اقترب منهم صاح أحدهم وقد هاله منظر الثعبان: يا فاطمة، أباك، أباك.
وتخللت فاطمة الصبية الصغار حتى صارت على السفح فانتشلت أباه بيد وأبعدت الثعبان عنه بالأخرى.
وجلس معهم يلتقط أنفاسهم وجلست فاطمة في أحضان أبيها فسألها عن الأهوال التي رآها في عرصات القيامة وكان عندها الجواب:
أما الشيخ فعملك يا أبي، ضعيفٌ لم يستطع إنقاذك، وأما الأفعوان فمعاصيك كبرت حتى أوشكت تأكلك.
ثم قالت فاطمة بصوت رحيم: يا أبتي … ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق.
وإذا بمآذن البصرة تصدح بآذان الفجر، فقذف الله في قلبه حلاوته وأعلنها ساعة توبه، فقام كأنه من عقال فاغتسل ومضى إلى المسجد، وحين دخله رأى الحسن البصري إمام العصر في زاوية من زوايا المسجد وخوله طلبة علم متحلقين يستمعون له، سمعه يقرأ قوله تعالى … { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}603.

ليلة الخليفة
حج هارون الرشيد إلى بيت الله الحرام برفقة وزيره الفضل بن الربيع، وبينما هو ماكثٌ في فسطاطه ليلةً إذا تذكر الآخرة, فرغب في عالمٍ بليغٍ يعظه فيبكي بكاءً مراً لمولاه، عسى يدفعه ذلك لمزيد أصلاح وكثرة عباده.
فخرج ذات ليلة من خيمته خاشع القلب مضطرب النفس يحيط به حرسه, ومضى صوب خيمة الوزير الفضل، فما شعر الفضل إلا وجنود الخليفة يقرعون الباب: أجب نداء أمير المؤمنين.
فظنَّ ثمة خطب لاستدعاء الخليفة في هذا الوقت من الليل، وأسرع في الخروج فإذا الخليفة ينتظره خارجاً: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك.
فقال هارون: ويحك يا فضل خطر في نفسي شيءٌ الليلة اذهب عنها النوم فما زلت أفكر, ابحث لي عن عالِمٍ من علماء الحرم أو الوافدين إليه أسأله عسى يذهب عني ما أجد.
ومضى الاثنان يجوسان الليل حول الحرم وانتهى بهما المطاف إلى بيت سفيان بن عيينة فقرعا عليه الباب: هلم نداء أمير المؤمنين.
فخرج سفيان مذعوراً: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلى كنت جئتك, لا عليك، وسأله هارون عن بعض الأشياء وأجاب سفيان.
ثم قال هارون: يا سفيان أعليك دينٌ؟ قال نعم، فقضاه عنه، وخرجا من عنده.
فقال هارون: ما أغنى عنِّي صاحبك شيئاً، انظر رجلاً آخر.
فذهب به الفضل إلى عبد الرزاق بن همام ومكثا عنده ساعةً ثم خرجا, ولم يقنع الخليفة بعظاته هو الآخر… ما أغنى عني صاحبك شيئاً … هلم آخر.
فعلم الوزير الفضل مبتغى أميره وسار به إلى العالم المشهور الفضيل بن عياض صاحب الزهد المعروف، فلما وقفا على بابه سمعاه يتلو آياتٍ من القرآن وإذا هو قائمٌ يصلي الليل، فدخلا عليه وقال الوزير: يا فضيل أجب نداء أمير المؤمنين الرشيد.
فقال من الداخل: ما لي ولأمير المؤمنين، فامتعض الفضل، وأتبع قائلاً يتدارك ما فرًط به الفضيل: سبحان الله أما عليك طاعته.
ففتح لهما الباب ثم ارتقى فعمد إلى السراج في زاوية فأطفأه فصار الخليفة والوزير يبحثان عنه متلمسين بأيديهما, قال الفضل: فسبقت يد أمير المؤمنين إليه فسمعناه يقول: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله.
قال الفضل: فعلمت أنه سيكلمه الليلة بكلام تقي من قلب تقي.
فقال هارون: خذ لما جئناك له، أي إنما جئناك للموعظة والعبرة فأسمعنا.
فقال الفضيل: يا هارون، إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة ضاق بها ذرعاً فدعا سالم بن عبدالله صاحب عمر بن الخطاب ومحمد بن كعب ورجاء بن حيوة (وزير الأمويين والتقي المعروف) فقال لهم … إني قد ابتليت بهذا الأمر فأشيروا علي، فعدَّ الخلافة بلاءً وعددتها أنت وأصحابك نعمةً.
فقال له سالم: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك الموت.
وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة فليكن كبير المسلمين عندك أباً وأوسطهم أخاً وأصغرهم ولداً فوقِّر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك.
وقال رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة فأحبَّ للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت إذا شئت، أقول لك هذا وإني لأخاف عليك أشد الخوف من يوم تزلِّ فيه الأقدام.
وتوجه الفضيل للخليفة وقال: فهل معك من هؤلاء يا هارون من يشير عليك بمثل هذا؟.
انظر إلى ما يعظ به الفضيل خليفة المسلمين هارون الرشيد الذي كان يحكم أكثر من خمسين دولةً الآن، واسمع هذه الكلمات العظام التي تنطلق كالسهام من رجل صادق القلب حديد اللسان، وإنه ليحق لهذه الكلمات التي هي أبقى على الدهر من كل القوانين الوضعية والدساتير البشرية ليحق لها أن تكتب بمداد الذهب وتُعلَّق عند أولئك الذين يحكمون الأرض, ينامون عليها ويستيقظون عليها, أو أن تكون ورداً يومياً لكل حاكم يقرأه في اليوم والليلة عشرات المرات ويتخذها منهج حياة وسلوك حكم.
فوقعت الكلمات على أذن هارون كالعاصفة التي تعصف بأعتى الجبال وتحيله أجرداً بعد أن كان أخضراً مليئاً، سمعها فبكى بكاءً شديداً حتى أغمى عليه.
فقال الفضل: ارفق بأمير المؤمنين يا فضيل.
فقال الفضيل: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا، ثم أفاق هارون يمسح عن خديه دموعاً وفيرةً وقال: زودني يرحمك الله.
قال الفضيل: بلغني يا أمير المؤمنين أن عاملاً لعمر بن عبد العزيز شُكى إليه، فكتب إليه عمر رسالةً يقول فيها: يا أخي تذكر طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإن ذلك يطردك إلى باب الله نائماً ويقظاناً وإياك أن يُنصرف بك من عند الله إلى النار فيكون آخر العهد ومنقطع الرجاء، فوصلت الرسالة إلى عامله فقرأها فجزع واضطرب حاله وطوى البلاد تاركاً إمارته وراحلاً إلى عاصمة الخلافة حيث ابن عبد العزيز.
فما هي إلا بضعة أيام حتى رآه أمامه، فسأله عمر: ما أقدمك؟ فقال العامل وهو يرتجف فزعاً: خلعت قلبي بكتابك ثم تقول لي ما أقدمك، لا وليت لك ولايةً حتى ألقى الله، وخرج من عنده ثم لم ير بعدها.
فبكى هارون أشد من بكاءه الأول.
وأنت ترى معي أن الفضيل يرسل هذه الصواعق الشداد لهارون ذلك أنه خليفة المسلمين وكبير الرعية فلا عليه أن يبكي هذا البكاء في جوف الليل وفي جنبات بيت الله الحرام ليصلح أمر الرعية في النهار فيشد عزمه على كل خير ويقطع دابر كل شر.
وقال هارون وهو لا يزال يعالج البكاء … زدني يرحمك الله.
قال الفضيل: يا هارون، إن العباس عم الني  قال مرةً له: أمِّرني، فقال وهو ينظر إليه بإشفاق: يا عباس، نفسٌ تنجيها خيرُ من إمارة لا تحصيها، إن الإمارة حسرةٌ وندامةٌ يوم القيامة.
واكتفى هارون الليلة بسماع العظات البالغات التي تتدفق كالسيل من هذا العارف بالله، فقال له: أعليك دينٌ، فأجاب الفضيل: نعم، دينٌ لربي لم يحاسبني عليه فالويل لي إن ساءلني.
فدفع إليه هارون ألف دينار .. خذها وأنفقها.
فرد الفضيل: سبحان الله، أنا أدلك على النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا.
فخرجا من عنده وقد رزقا من الفضيل بوافر الفضل والعبرة.
وتنفس هارون الصعداء وقال: يا فضل، إذا دللتني على رجل فدلَّني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين اليوم.
رحمك الله يا فضيل وجزاك عن الإسلام كل خير.
ورحمك الله يا هارون604.

أقيمي عندي البينة
ستسافر معي أيها القارئ برحلتين .. الأولى نطوي فيها المكان إلى مدينة في المشرق الإسلامي اسمها بلخ…. والثانية نسبر فيها الزمان ونعيد عقارب الساعة عشرة قرون كاملة.
أنت الآن في بلخ التي لم ترها أبداً …. قف عند الزقاق … الأبنية قديمةٌ هنا ألم أخبرك بالعشرة قرون فلا تتعجب من شيء.. ذلك البيت الخرب أتراه… بيتٌ لعلوي فقيرٍ أولاده بناتٌ وزوجته مسكينةٌ… ليس في هذا البيت شي من خير الدنيا سوى ما حرص عليه الزوج من طاعة الله وتربية بناته على الأخلاق والعفّة والتقوى.
ولأمر الله الحكيم يموت الزوج، وتصحو المسكينة على نفسها بعد أيام فإذا هي وحيدةٌ ليس سوى بناتها، فلا تجد غير الصبر وأنعم به من وسيلة وغاية… ويصيب اليتامى وأمهنَّ الفقر ويعضهنَّ الجوع بنابٍ مسلولٍ مُشرعٍ.
وتعلم الزوجة أن أيامها القادمة أشد وطأةً من السابقة، وتسافر خوفاً على بناتها وتترك بلخ عساها تودع الفقر والجوع معها، تسافر إلى سمرقند في برد الشتاء، وتصلها بعد أيام وقد غشيها وبناتها ما غشي من الجوع والبرد في آن واحدٍ لا تعرف أحداً في البلدة الجديدة سوى أنها عَلَوية فلعل بعض المحسنين يتصدق عليها لقرابتها البعيدة من علي بن أبي طالب.
عمدت إلى المسجد ورأت داخله جمعاً من المسلمين فحدَّثت نفسها بالفرج لها وللصبايا الجياع, ومضت إلى الجمع فإذا أحدهم واقفٌ يحدثهم فجلست عنده وشرحت حالها وحال بناتها وطلبت أن يتصدَّق عليها بقوت الليلة فحسب.
فقال الواقف: أنت علويةٌ؟ قالت: نعم قال: أقيمي عند البينة أنك علويةٌ، فشعرت بضعف حاجتها وقالت: ما في البلدة كلها من يعرفني يا سيدي، فأعرض عنها، وقررت الرجوع إلى بناتها باكيةً منتحبةً.
وخرجت من المسجد فرأت مجوسياً فوقفت بين يديه وشرحت حالها وجوعها وجوع بناتها، فأشفق المجوسي لها ورقَّ لحالها… وقال بعد أن سمعها .. وأين بناتك؟ قالت.. وقد جرح البرد حلقها… في المسجد يا سيدي.
وبعث المجوسي أهل بيته من النساء يأتين باليتامى من المسجد، وشعرت الأم المسكينة أنَّ الله رأف بحالها على يد هذا المجوسي، ودخلوا جميعاً داره، وبسرعة أعدَّ لهنَّ العشاء فأكلن ثم عمد إلى حُللٍ فاخرةٍ عنده فألبسهنَّ، ونامت الفتيات مع امهنَّ في حجرةٍ مفصولةٍ, فحمدت الأم ربها على شبع بناتها وكسوتهنَّ وقبل أن تُسلم نفسها لنوم عميق دعت الله له.
أما المسلم الذي طلب البينة على علويتها فرأى في المنام رؤيا أذهلته، رأى أنَّ القيامة قد قامت وإذا باللواء الأعظم على رأس النبي  ، وقد انقسم الخلائق إلى رايات وألويةٍ ورأى قصراً عظيماً رُفع أمامه، تمعنَّ فيه فإذا هو من زمردٍ اخضرَ.
فسأل النبي : يا رسول الله لمن هذا القصر؟ فأجابه: لرجلٍ مسلم موحّدٍ، فقال الرجل: أنا موحدٌ. فقال : أقم عندي البينة انك مسلمٌ موحِّدٌ, فتحير وذهل.. ألم تقصدك المرأة العلوية طالبةً بعض طعام لصبيتها المتضوعين جوعا فلم تعطها وطلبت إليها البينة والشهود.
وانتبه الرجل من منامه يلطم ويبكي، ومنذ الصباح الباكر أخذ يبحث عن العلوية وبناتها حتى عرف أنه لدى مجوسي.
وقصد المجوسي وسأله عن المرأة، فقال: هي عندي… قال: أريدها فأجعلها وبناتها مع أهلي وبناتي، قال المجوسي: ما إلى ذلك سبيل.
فعرض عليه ألف دينار فأبى وقال: لا أفعل لقد نالني الليلة من بركاتهم الكثير،
قال المسلم: لا بد من ذلك.
فقال المجوسي: الذي تطلبه أنا أحق بك منه, والقصر الذي رأيته في منامك خُلق لي … والله ما نمت أنا وأهلي حتى أسلمنا جميعاً على يد العلوية, ورأيت في ليلتي مثل ما رأيت وبشرني رسول الله بقصر الزمرد الأخضر605.

هذا الإله ينام؟
ركب عبد الواحد بن زيد مركباً في البحر يريد بعض المدن على قبالة الشاطئ، وبعد ساعة ضربت المركب عاصفة شديدة وعلت الأمواج حتى كادت تغرفهم، فما زالت الريح بالمركب حتى دفعتهم إلى جزيرة مهجورة.
فنزلوا فبينما هم على شاطئها إذ رأوا رجلاً يعبد صنماً، فتوجهوا إليه وقالوا له: ما هذا الصنم الذي تعبده؟ قال: هذا ربي. فقالوا له: ما هذا بإله يُعبد، معنا في المركب من يصنع مثله، فهل الإله يصنعه بشرٌ؟
فاطرق الرجل ثم قال: وأنتم من تعبدون؟ قالوا: الله قال: ومن الله؟ قالوا: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي الأحياء والأموات قضاؤه.
وكيف علمت به؟… بعث إلينا رسولاً فاخبرنا عنه … وما فعل الرسول؟… أدى الرسالة ثم قبضه الله.
أترك لكم علامة؟ … بلى، ترك كتاباً… أروني كتاب الملك فينبغي أن تكون كتب الملوك حساناً،
قال عبدالواحد: فقرأنا عليه بعض الآيات فما زال يبكي.
ثم قال: ينبغي لصاحب هذا الكتاب ألا يُعصى، فعلموه الإسلام وأسلم.
وهبط عليهم الليل فوضعوا مضاجعهم ليناموا, فقال لهم: يا قوم هذا الإله الذي أخبرتموني عنه ينام؟ قالوا: لا…. قال: فبئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ينام … وتركوه وناموا.
وفي الصباح أصلحوا مركبهم وأبحروا حتى دخلوا أحدى المدن وكان معهم فجمعوا له بعض المال ودفعوها إليه… فغضب أشد الغضب وقال: دللتموني على طريق ما سلكتموها, كنت في جزائر البحر أعبد صنماً من دونه فلم يضيعني، أفيضيعني وأنا أعرفه؟
هذا رجلٌ كان تائهاً فهداه الله إلى الإسلام فسأل عنه بصدق من قلبه كما يسأل أحدنا عن شيء فقده وبحث عنه، ثم انظر إلى أقواله بعد أن شرح الله صدره لمعرفته وفقهه دينه606.

فكيف بمن أطاعك
روى ذو النون المصري فقال:
ذهبت مع جماعة من أصدقائي فحللنا على غدير ماء وجلسنا، فبينما نحن كذلك إذا رأينا رجلاً يهذي من السُّكر على ضفة الغدير الأخرى فتخبط بلسان وكلام غير مفهوم، ثم نام على ظهره لا يعقل ما يقول.
وبعد ساعة حانت مني التفاتهٌ إليه فرايته يغطُّ في نوم عميق، وإذا بعقرب يسير في الماء على ظهر ضفدع، فقلنا سبحان الله، وكأن العقرب قطع اتفاقاً مع الضفدع ليوصله إلى الضفة حيث الرجل النائم مقابل أجرٍ غير معلوم، وحدَّقنا بالعقرب وهو يسير باتجاه الرجل، ولمحنا حيةً اقتربت إليه من الجهة الأخرى فوقفنا، والرجل يشخر لا يدري عن العدوين السائرين نحوه.
وصعدت الحية على بطنه, وصادف ذلك وصول العقرب فعزمنا على إنقاذه، فاستوقفنا شجارهما على ثيابه، الحية تريد أن تلدغه، والعقرب تذود عنه بعد أن قطعت جدول الماء على ضفدع.
وحدثت معركةٌ شرسةٌ بينهما على صدره فما هي إلا دقيقة وإذ بالعقرب تتغلب على الأفعى فتميتها وتتركها جاثية عليه وتنسحب من ميدان القتال.
فهرعت وأصحابي فوقنا على الرجل وأيقظناه فقام مفزوعاً حين رآها ممدة بجانبه، فأخبرناه الخبر فتملكه العجب من العقرب الذي دافعت عنه في نومه.
وسنحت لنا فرصة تذكيره بالله الذي نام على عصيانه، فتلبب بردائه وبكى على خطيئته، وقال وهو يتوجه إلى السماء: يا رب هذا فعلك بمن عصاك فكيف بمن أطاعك، وانطلق إلى البادية وهو يقول: والله لا أعود إلى المدن أبداً607.
تأمل أيها القارئ حفظ الله لعباده حتى العاصين منهم، وتأمل رسائله المتتالية للعباد.. إنه يدعوهم إليه رغم فرط هروبهم منه، وربما حفظك أنت دون أن تدري، وناداك مراراً دون أن تسمع.

الخاتمة:
لعلك وقفت على المواعظ وعشت مع أغلبها، وعرفت الغرض منها ومعقد العزم في كتابتها، إذ أنها وقفات أيمانيةً تشحذ الهمم وتستثير النفوس وتنزع عن كاهل المسلم المعاصر الشعور بالنقص بعد أن أسلمته الأيام المعاصرة للدرك في مستنقع الخطيئة والوقوع في وحل الآثام، وألقته الحضارة والمدنية الحاضرة في أوهام وفراغات روحية لم تمر عليه من قبل.
فكان لزماً عليه أن يعود، لا للرجعية والانحطاط والسلبية, بل نظرةً فاحصةً يقارن فيها بين ما خلفه وما وعى عليه ليدرك بعدها أرواحاً ونفوساً وأخلاقاً خلت منها المجتمعات وتنازلت عنها المادية الفاقدة للروح.
فيعرف أي رجال كان السلف وأي أخلاق طواها الزمان ونسيتها الأقوام… أفلا يحق لنا عندها أن نشتمَّها ونتطلع إليها ونستظل بباقيات من روائحها.
ألا يحق لك أيها المسلم أن تبحث عن ذاتك السليبة وقد غمرتها الأمواج وغيبتها القبور وانتزعها منك الزاعم الداعي للتقدم والإباحية ونبذ القرون السالفة حتى وإن كانت معقد الخير ورحابة الحياة.
هذه رسالة المواعظ، فالأحداث التاريخية وفلسفة الوجود وسبر غور النفس الإنسانية والبحث عن مصائر الأقوام والتبصر في عواقب الأمور ومعرفة معالي الأمور التي انتظمت مجتمعنا منذ مئات السنين وعشراتها والحياة الخالدة التي بثها رجالٌ عظماء فأحيوا الرُّفات بأخلاقهم وبعثوا الأموات بأنوارهم وترنموا مع مخلوقات الكون في عبادة ربهم.
كلها تدعوك كي تعيد لباس الدين إلى جسدك وعباءته إلى بيتك، تدعوك لتعيد النظر في حياتك التي أضحت رتيبة على نحو مُملٍّ فتعقد مع دينك صلحاً ومع ربك عودة ومع أُناسك دعوةً، فتسير مع القافلة وتنتظم في الصفوف وتساهم في بناء الدين من جديد وأنت الرابح رغم الثقل والمشقة.
على انك ستدرك بعد حين كم هو العمر ثقيل حين خدعك عما ولدت من أجله، وهناك يفوت الأوان ولا يبقى إلا الحسرة والندم.
فكن صديق نفسك واجتر لها الخير قبل أن تعدمه والمعروف قبل ألا تجده، ولقد كان لك في أولئك الذين قرأت عنهم وعرفت قصصهم وحسن تبصرهم في اجتلاب العواقب وحدَّة النظر في مغزى الوجود وفلسفة الحياة لك فيهم قدوةٌ ومنهجٌ وجزاك الله خيراً, وصلي اللهم على سيدنا محمد .

المراجـــــــع

1. الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة, أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي [304هـ – 387هـ], المحقق : عثمان عبد الله آدم الأثيوبي, دار الراية للنشر, السعودية, الطبعة : الثانية ، 1418هـ.
2. الآحاد والمثاني, أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني (206 , 287), المحقق : د. باسم فيصل أحمد الجوابرة, دار الراية, الرياض, الطبعة الأولى ، 1411 , 1991.
3. الأحاديث المائة المشتملة على مائة نسبة إلى الصنائع, محمد بن علي بن أحمد بن علي بن خمارويه ابن طولون [880هـ – 953هـ], المحقق : مسعد عبد الحميد السعدني, دار الطلائع.
4. الأحكام الشرعية الكبرى, أبو محمد عبد الحق الإشبيلي,(510هـ – 581هـ), المحقق : أبو عبد الله حسين بن عكاشة, مكتبة الرشد, السعودية, الرياض, الطبعة الأولى ، 1422هـ ,2001م
5. إحياء علوم الدين, محمد بن محمد الغزإلى أبو حامد, دار المعرفة. بيروت.
6. الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين رحمة الله عليهن أجمعين, أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن هبة الله بن عساكر, دار الفكر – دمشق, الطبعة الأولى ، 1406, تحقيق : محمد مطيع الحافظ ,‏غزوة بدير.
7. الإصابة في تمييز الصحابة, أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي, دار الجيل, بيروت, الطبعة الأولى ، 1412, تحقيق : علي محمد البجاوي
8. إطراف المُسْنِد المعتَلِي بأطراف المسنَد الحنبلي, أحمد بن حَجَر العسقلاني, دار ابن كثير – بيروت.
9. الأعلام, خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى : 1396هـ), دار العلم للملايين, الطبعة : الخامسة عشر , أيار, مايو 2002 م
10. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء, أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي, تحقيق : د . محمد كمال الدين عز الدين علي, عالم الكتب – بيروت – 1417هـ,الطبعة : الأولى.
11. أمالي المحاملي – رواية ابن يحيى البيع, الحسين بن إسماعيل الضبي المحاملي أبو عبد الله [235 – 330], المحقق : د. إبراهيم القيسي, المكتبة الإسلامية , دار ابن القيم – عمان – الأردن , الدمام, الطبعة الأولى ، 1412.
12. الأمالي في آثار الصحابة للحافظ الصنعاني, عبد الرزاق بن همام الصنعاني [126 – 211],المحقق : مجدي السيد إبراهيم, مكتبة القرآن – القاهرة.
13. الإمامة والسياسة, أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري ـ سنة الوفاة 276هـ.,تحقيق : خليل المنصور, دار الكتب العلمية, 1418هـ – 1997م,بيروت.
14. إمتاع الأسماع بما للنبى من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع ،تقى الدين أحمد بن على المقريزى (م 845) ،دار الكتب العلمية ، ط الأولى ، 1420/1999. ، بيروت ،, تحقيق : محمد عبد الحميد النميسى.
15. أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور, جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى : 597هـ), المحقق : خالد عبد اللطيف السبع العلمي, دار الكتاب العربي, لبنان – بيروت, الطبعة : الثالثة,1414هـ – 1994م.
16. البداية والنهاية, أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (المتوفى : 774هـ),حققه ودقق اصوله وعلق حواشيه : علي شيري, دار إحياء التراث العربي, الطبعة : طبعة جديدة محققة / الطبعة الاولى 1408 هـ – 1988 م.
17. البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير, ابن الملقن سراج الدين أبوحفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى : 804هـ),المحقق : مصطفى أبو الغيط و عبدالله بن سليمان وياسر بن كمال, دار الهجرة للنشر والتوزيع – الرياض-السعودية, الطبعة الاولى ، 1425هـ-2004م.
18. البر والصلة , الحسين بن الحسن بن حرب أبو عبد الله المروزي,دار الوطن – الرياض, الطبعة الأولى ، 1419, تحقيق : د. محمد سعيد بخاري.
19. بستان الواعظين ورياض السامعين, جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله البغدادي المعروف بابن الجوزى, تحقيق : أيمن البحيري, مؤسسة الكتب, الثقافية, بيروت , لبنان, 1419 , 1998،الطبعة الثانية.
20. تاج العروس من جواهر القاموس, محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني ، أبو الفيض ، الملقّب بمرتضى ، الزَّبيدي, تحقيق : مجموعة من المحققين, دار الهداية.
21. تاريخ ابن معين – رواية الدوري, يحيى بن معين أبو زكريا, مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي – مكة المكرمة, الطبعة الأولى ، 1399 – 1979, تحقيق : د. أحمد محمد نور سيف.
22. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي, دار الكتاب العربي, لبنان, بيروت, 1407هـ , 1987م, الطبعة: الأولى, تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري
23. تاريخ الأمم والملوك, أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى : 310 هـ, دار الكتب العلمية – بيروت, الطبعة الأولى ، 1407.
24. تاريخ بغداد, أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي, دار الكتب العلمية – بيروت.
25. تاريخ مدينة دمشق , أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي المعروف بابن عساكر , 499 – هـ – 571 هـ, دراسة وتحقيق علي شيري , دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
26. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي, محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري أبو العلا, دار الكتب العلمية, بيروت
27. تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين للشوكاني, محمد بن علي بن محمد الشوكاني, دار القلم – بيروت – لبنان – 1984م.
28. تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري, جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (المتوفى : 762هـ), المحقق : عبد الله بن عبد الرحمن السعد, دار ابن خزيمة, الرياض, الطبعة : الأولى ، 1414هـ.
29. التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار, أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي, مكتبة دار البيان – دمشق, الطبعة الأولى ، 1399.
30. تذكرة الحفاظ, محمد بن أحمد بن عثمان الذهبى, دراسة وتحقيق: زكريا عميرات, دار الكتب العلمية بيروت, لبنان, الطبعة الأولى 1419هـ, 1998م
31. الترغيب والترهيب من الحديث الشريف, عبد العظيم بن عبد القوي المنذري أبو محمد, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الأولى ، 1417, تحقيق: إبراهيم شمس الدين.
32. تفسير السراج المنير, محمد بن أحمد الشربيني, شمس الدين, دار النشر, دار الكتب العلمية, بيروت.
33. تفسير القرآن العظيم, أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ], المحقق : سامي بن محمد سلامة, دار طيبة للنشر والتوزيع, الطبعة : الثانية 1420هـ – 1999 م.
34. تفسير روح البيان, إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي, دار إحياء التراث العربى.
35. تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير, جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي, (508هـ/ 597هـ), شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم, 1997,, بيروت.
36. التمهيد في تخريج الفروع على الأصول, عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي أبو محمد, مؤسسة الرسالة – بيروت, الطبعة الأولى ، 1400, تحقيق : د. محمد حسن هيتو.
37. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد, أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى : 463هـ), المحقق : مصطفى بن أحمد العلوى و محمد عبد الكبير البكرى, مؤسسة القرطبة.
38. تنوير الغبش في فضل السودان والحبش, أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي, (597 هـ), تحقيق : مرزوق علي إبراهيم, دار الشريف, 1419هـ – 1998م, الرياض السعودية.
39. التهجد وقيام الليل, أبو بكر عبدالله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس القرشي, مكتبة الرشيد – الرياض, الطبعة الأولى ، 1998تحقيق : مصلح بن جزاء بن فدغوش الحارثي.
40. تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار, أبي جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري [224هـ – 310هـ], المحقق : محمود محمد شاكر, مطبعة المدني – القاهرة.
41. تهذيب الكمال مع حواشيه, يوسف بن الزكي عبدالرحمن أبو الحجاج المزي [654 – 742], المحقق : د. بشار عواد معروف, مؤسسة الرسالة – بيروت, الطبعة الأولى ، 1400 – 1980.
42. التوابين, عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي أبو محمد, دار الكتب العلمية, بيروت ، 1403 , 1983, تحقيق : عبد القادر الأرناؤوط.
43. الثبات عند الممات, عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج, مؤسسة الكتب الثقافية, بيروت, الطبعة الأولى ، 1406, تحقيق : عبد الله الليثي الأنصاري.
44. الثقات, محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي, دار الفكر, الطبعة الأولى ، 1395 – 1975, تحقيق : السيد شرف الدين أحمد.
45. جامع الأصول في أحاديث الرسول, مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير (المتوفى : 606هـ), تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط, مكتبة الحلواني, مطبعة الملاح, مكتبة دار البيان ,الطبعة: الأولى.
46. جامع البيان في تأويل القرآن, محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر, الطبري (المتوفى : 310هـ), تحقيق : أحمد محمد شاكر, مؤسسة الرسالة, الطبعة : الأولى ، 1420 هـ – 2000 م.
47. الجامع الصحيح المختصر, محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي, دار ابن كثير ، اليمامة, بيروت, الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987,تحقيق : د. مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة – جامعة دمشق.
48. الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم, أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري, دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة ,بيروت.
49. الجامع الصحيح سنن الترمذي, محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي, دار إحياء التراث العربي, بيروت, تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون.
50. الجامع الصحيح, محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى 256هـ), حسب ترقيم فتح الباري, دار الشعب, القاهرة, الطبعة : الأولى ، 1407 – .1987
51. الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله  وسننه وأيامه, محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله, المحقق : محمد زهير بن ناصر الناصر, دار طوق النجاة, الطبعة الأولى, 1422هـ
52. جامع بيان العلم وفضله, يوسف بن عبد البر النمري, بيروت.
53. الجامع لأحكام القرآن, تفسير القرطبي, أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ), تحقيق : أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش, دار الكتب المصرية – القاهرة, الطبعة الثانية ، 1384هـ – 1964 م.
54. حسن السلوك الحافظ دولة الملوك, محمد بن محمد بن عبد الكريم الموصلي الشافعي, تحقيق : فؤاد عبد المنعم أحمد, دار الوطن, 1416هـ, الرياض.
55. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء, أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ( ت : 430), دار الكتاب العربي, بيروت, الطبعة الرابعة ، 1405.
56. الخصائص الكبرى, أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن أبي بكر السيوطي, دار الكتب العلمية – بيروت – 1405هـ – 1985م, دار الخلفاء للكتاب الإسلامي – الكويت, الطبعة : الأولى ، 1406.
57. الدر المنثور في التفسير بالماثور, عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت : ( 911هـ ), تحقيق : مركز هجر للبحوث, دار هجر – مصر, [ 1424هـ ـ 2003م ].
58. دلائل النبوة, الإمام البيهقي ( 384 ـ 458 هـ ), تحقيق : وثق أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه : الدكتور / عبد المعطى قلعجى, دار الكتب العلمية ـ ودار الريان للتراث, الطبعة : الأولى 1408 هـ / 1988 م
59. الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة, محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن القيم الجوزية, دار الكتب العلمية – بيروت ، 1395 – 1975.
60. رياض الجنة بتخريج أصول السنة, أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي (ابن أبي زمنين), (ت : 399 هـ),المحقق : عبد الله بن محمد عبد الرحيم بن حسين البخاري, مكتبة الغرباء الأثرية, المدينة المنورة, الطبعة الأولى ، 1415 هـ.
61. الزهد, عبد الله بن المبارك بن واضح المرزوي أبو عبد الله [118 – 181], المحقق : حبيب الرحمن الأعظمي, دار الكتب العلمية, بيروت.
62. الزهد, هناد بن السري الكوفي [152 – 243], المحقق : عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي
63. سبل السلام, محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني الصنعاني (المتوفى : 1182هـ), مكتبة مصطفى البابي الحلبي, الطبعة: الرابعة 1379هـ, 1960م.
64. السلسلة الصحيحة, محمد ناصر الدين الألباني, مكتبة المعارف – الرياض.
65. السلسلة الضعيفة, محمد ناصر الدين الألباني, مكتبة المعارف, الرياض.
66. سنن ابن ماجة, ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني, (المتوفى : 273هـ, مكتبة أبي المعاطي.
67. سنن ابن ماجه, محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني, دار الفكر, بيروت, تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي
68. سنن أبي داود, أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني, دار الكتاب العربي , بيروت.
69. السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي, أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي, مؤلف الجوهر النقي: علاء الدين علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني, مجلس دائرة المعارف, النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد, الطبعة : الأولى ـ 1344 هـ.
70. سنن النسائي الكبرى, أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي, دار الكتب العلمية – بيروت, الطبعة الأولى ، 1411 – 1991, تحقيق : د.عبد الغفار سليمان البنداري , سيد كسروي حسن.
71. السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها, أبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني [371 – 444], المحقق : د. ضياء الله المباركفوري, دار العاصمة – الرياض, الطبعة الأولى ، 1416.
72. سنن سعيد بن منصور, أبو عثمان سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني الجوزجاني, توفي227 , دار العصيمي, الرياض, 1414, الطبعة:الأولى, اسم المحقق:د. سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد.
73. سير أعلام النبلاء, شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذَهَبي, المحقق : مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط. مؤسسة الرسالة.
74. سيرة ابن إسحاق (المبتدأ والمبعث والمغازي), محمد بن إسحاق بن يسار [85هـ – 151هـ] المحقق : محمد حميد الله, معهد الدراسات والأبحاث للتعريف.
75. السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون, علي بن برهان الدين الحلبي, (975, 1044), دار المعرفة, 1400 بيروت.
76. السيرة النبوية لابن هشام, عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري أبو محمد, [ ت : 213هـ], المحقق : طه عبد الرءوف سعد, دار الجيل, بيروت, الطبعة : الأولى ، 1411
77. شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك, محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني, (سنة الوفاة 1122), دار الكتب العلمية, 1411, بيروت.
78. شرح السنة, الحسين بن مسعود البغوي, المكتب الإسلامي, دمشق, بيروت, 1403هـ , 1983م, الطبعة : الثانية, تحقيق : شعيب الأرناؤوط – محمد زهير الشاويش
79. شرح صحيح البخارى, أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي, مكتبة الرشد, السعودية, الرياض, 1423هـ , 2003م, الطبعة الثانية, تحقيق : أبو تميم ياسر بن, إبراهيم.
80. شرح مشكل الآثار, أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى : 321هـ), تحقيق : شعيب الأرنؤوط, مؤسسة الرسالة, الطبعة : الأولى – 1415 هـ ، 1494 م.
81. شعب الإيمان, أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَو ْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى : 458هـ), حققه: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد, مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض , الطبعة: الأولى ، 1423 هـ, 2003 م.
82. الشمائل الشريفة, الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي, تحقيق : حسن بن عبيد باحبيشي, دار طائر العلم للنشر والتوزيع.
83. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان, محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى : 354هـ), ترتيب : علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسي، المنعوت بالأمير(المتوفى : 739هـ), مؤسسة الرسالة.
84. صحيح ابن خزيمة, محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري, المكتب الإسلامي, بيروت ، 1390, 1970, تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي.
85. صحيح مسلم, مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري, دار إحياء التراث العربي, بيروت, تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي.
86. صفة الجنة, الحافظ ضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد الحنبلي المقدسي, تحقيق : صبري بن سلامة شاهين, دار بلنسية / الرياض.
87. صفة الصفوة, عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج, دار المعرفة, بيروت, الطبعة الثانية ، 1399 – 1979, تحقيق : محمود فاخوري, د.محمد رواس قلعه جي
88. طبقات الفقهاء الشافعية, تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح, (577هـ / 643هـ), تحقيق : محيي الدين علي نجيب, دار البشائر الإسلامية, 1992م, بيروت.
89. طبقات الفقهاء, هذبهُ: محمد بن جلال الدين المكرم (ابن منظور), المؤلف : أبو إسحاق الشيرازي, المحقق : إحسان عباس, الطبعة : 1, 1970, دار الرائد العربي, بيروت – لبنان.
90. الطبقات الكبرى, محمد بن سعد أبو عبد الله البصري 230 هـ, المحقق : إحسان عباس, دار صادر – بيروت, الطبعة : 1 – 1968 م.
91. العشرات في غريب اللغة, أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد, (توفي 345هـ), تحقيق : يحيى, عبد الرؤوف جبر, المطبعة الوطنية, 1984, عمان.
92. العظمة, عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني أبو محمد, دار العاصمة – الرياض ,الطبعة الأولى ، 1408, تحقيق : رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري.
93. العمر والشيب, عبد الله بن محمد بن عبيد ابن أبي الدنيا أبو بكر, مكتبة الرشد, الرياض, الطبعة الأولى ، 1412, تحقيق : د. نجم عبد الله خلف
94. غريب الحديث, أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الأولى ، 1985,تحقيق : د.عبدالمعطي أمين قلعجي.
95. الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي, أحمد شهاب الدين بن حجر الهيتمي المكي, الطبعة : مصطفى الحلبي الطبعة الثانية.
96. الفتاوى الحديثية, أحمد شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المكي, دار الفكر.
97. فتح الباري شرح صحيح البخاري, أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي, دار المعرفة, بيروت ، 1379
98. الفتح السماوي بتخريج أحاديث القاضي البيضاوي, زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي (المتوفى : 1031هـ), المحقق : أحمد مجتبى, دار العاصمة, الرياض.
99. الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير, جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي, دار الفكر, بيروت, لبنان, 1423هـ , 2003م, الطبعة : الأولى, تحقيق : يوسف النبهاني
100. الفتن, نعيم بن حماد المروزي أبو عبد الله, مكتبة التوحيد – القاهرة, الطبعة الأولى ، 1412, تحقيق : سمير أمين الزهيري.
101. الفردوس بمأثور الخطاب, أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي الهمذاني الملقب إلكيا, تحقيق : السعيد بن بسيوني زغلول, دار الكتب العلمية, 1406 هـ , 1986م, بيروت.
102. فضائل الصحابة, أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني, مؤسسة الرسالة, بيروت, الطبعة الأولى ، 1403,1983,تحقيق : د. وصي الله محمد عباس
103. فضائل بيت المقدس, ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن احمد المقدسي الحنبلي, (569 – 643), دار الفكر – سورية, الطبعة الأولى ، 1405.
104. فيض القدير شرح الجامع الصغير, زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي المناوي (المتوفى : 1031هـ),دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة الاولى 1415 ,1994 م.
105. القصاص والمذكرين, أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي, سنة الولادة 510 هـ/ سنة الوفاة 597 هـ, تحقيق : د. محمد لطفي الصباغ, المكتب الإسلامي, 1409 هـ -1988م, بيروت.
106. قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد, محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي, دار الكتب العلمية, بيروت, لبنان , 1426 هـ ,2005 م, الطبعة الثانية,تحقيق: د.عاصم إبراهيم الكيإلى.
107. القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد, أحمد بن علي العسقلاني أبو الفضل, مكتبة ابن تيمية – القاهرة, الطبعة الأولى ، 1401, تحقيق : مكتبة ابن تيمية.
108. الكبائر, محمد بن عثمان الذهبي, دار الندوة الجديدة -,بيروت.
109. كتاب الأوائل, أبو عروبة الحسين بن أبي معشر محمد بن مودود الحراني, (ت : 318هـ), المحقق : مشعل بن باني الجبرين المطيري, دار ابن حزم – لبنان / بيروت, الطبعة : الأولى ،1424هـ – 2003م.
110. كرامات أولياء الله عز وجل, هبة الله بن الحسن الطبري اللالكائي, دار طيبة, الرياض, الطبعة الأولى ، 1412, تحقيق : د. أحمد سعد الحمان.
111. كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس, العجلوني،إسماعيل بن محمد الجراحي, دار إحياء التراث العربي.
112. كشف المشكل من حديث الصحيحين, أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، دار النشر , دار, الوطن – الرياض – 1418هـ – 1997م,تحقيق : علي حسين البواب.
113. الكشف والبيان عن تفسير القرآن, أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبى النيسابورى, دار إحياء التراث العربي, بيروت, 1422 هـ.
114. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال, علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري (المتوفى : 975هـ)المحقق : بكري حياني, صفوة السقا, مؤسسة الرسالة, الطبعة الخامسة ،1401هـ/1981م.
115. الكنى والأسماء, أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي, (224هـ , 310هـ(, تحقيق أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي, دار ابن حزم, 1421 هـ – 2000م, بيروت/ لبنان.
116. لسان العرب, محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري, دار صادر, بيروت, الطبعة الأولى.
117. المجالسة وجواهر العلم, أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري المالكي (المتوفى : 333هـ), المحقق : أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان, جمعية التربية الإسلامية (البحرين – أم الحصم ) ، دار ابن حزم (بيروت – لبنان), 1419هـ.
118. المجتبى من السنن, أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي, مكتب المطبوعات الإسلامية – حلب, الطبعة الثانية ، 1406 – 1986, تحقيق : عبدالفتاح أبو غدة.
119. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد, نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي, دار الفكر،بيروت,1412 هـ.
120. محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, يوسف بن حسن بن عبد الهادي المبرد (المتوفى : 909هـ), المحقق : عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن, عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية, الطبعة : الأولى، 1420هـ/2000 م.
121. المحكم والمحيط الأعظم, أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي, (توفي 458هـ),, تحقيق : عبد الحميد هنداوي, دار الكتب العلمية, 2000م, بيروت.
122. المحن, أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم بن تمام التميمي, سنة الوفاة 33هـ – 944م, تحقيق : د. عمر سليمان العقيلي, دار العلوم, 1404هـ – 1984م, الرياض – السعودية.
123. المدهش, أبو الفرج جمال الدين بن علي بن محمد بن جعفر الجوزي, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الثانية ، 1985, تحقيق د.مروان قباني.
124. مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان, أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي ، دار النشر: دار الكتاب الإسلامي – القاهرة – 1413هـ – 1993م.
125. المستدرك على الصحيحين, محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري, دار الكتب العلمية – بيروت, الطبعة الأولى ، 1411 – 1990,تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا.
126. المستطرف في كل فن مستظرف, شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي, دار الكتب العلمية, بيروت, الطبعة الثانية ، 1986, تحقيق : د.مفيد محمد قميحة
127. مسند ابن الجعد, علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن الجوهري البغدادي, مؤسسة نادر – بيروت, الطبعة الأولى ، 1410 – 1990, تحقيق : عامر أحمد حيدر.
128. مسند أبي داود الطيالسي, سليمان بن داود بن الجارود, المتوفى سنة 204 هـ, تحقيق : الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي, هجر للطباعة والنشر, الطبعة : الأولى, 1419 هـ – 1999 م.
129. مسند أبي يعلى, أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي, دار المأمون للتراث, دمشق, الطبعة الأولى ، 1404 , 1984,تحقيق : حسين سليم أسد
130. مسند إسحاق بن راهويه, إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي, (161 – 238), المحقق : د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي, مكتبة الإيمان , المدينة المنورة, الطبعة : الأولى ، 1412 – 1991.
131. مسند الإمام أحمد بن حنبل, أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني, مؤسسة قرطبة, القاهرة.
132. مسند الإمام أحمد بن حنبل, المحقق : شعيب الأرنؤوط وآخرون, مؤسسة الرسالة, الطبعة : الثانية 1420هـ ، 1999م
133. مسند البزار ( المطبوع باسم البحر الزخار ), أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار,المتوفى : 292 هـ, المحقق : محفوظ الرحمن زين الله ، (حقق الأجزاء من 1 إلى 9), وعادل بن سعد (حقق الأجزاء من 10 إلى 17), وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء 18), مكتبة العلوم والحكم – المدينة المنورة, الطبعة : الأولى ، ( بدأت 1988م ، وانتهت 2009م ).
134. مسند الربيع بن حبيب, الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي البصري (103 هـ), المحقق : محمد إدريس , عاشور بن يوسف, دار الحكمة , مكتبة الاستقامة, بيروت الطبعة : الأولى ، 1415.
135. مسند الشاميين, سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني, مؤسسة الرسالة – بيروت,الطبعة الأولى ، 1405 – 1984, تحقيق : حمدي بن عبد المجيد السلفي.
136. مسند الشهاب, محمد بن سلامة بن جعفر أبو عبد الله القضاعي, مؤسسة الرسالة, بيروت, الطبعة الثانية ، 1407 – 1986, تحقيق : حمدي بن عبد المجيد السلفي.
137. مصنف عبد الرزاق, أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني, المكتب الإسلامي – بيروت, الطبعة الثانية ، 1403, تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي.
138. المطالب العإلىة بزوائد المسانيد الثمانية, أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ), المحقق : رسالة علمية قدمت لجامعة الإمام محمد بن سعود,تنسيق : د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري, دار العاصمة ، دار الغيث, السعودية, الطبعة الأولى ، 1419هـ.
139. معارج القدس في مدراج معرفة النفس, محمد بن محمد بن محمد الغزإلى أبو حامد, دار الآفاق الجديدة, بيروت, الطبعة الثانية ، 1975
140. معالم التنزيل, أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي, (المتوفى 516 هـ),لمحقق: محمد عبد الله النمر, عثمان جمعة ضميرية, سليمان مسلم الحرش, دار طيبة للنشر والتوزيع, الطبعة: الرابعة ، 1417 هـ , 1997 م.
141. المعجم الأوسط, أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني, دار الحرمين, القاهرة ، 1415, تحقيق : طارق بن عوض الله بن محمد ,‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني.
142. معجم الصحابة, أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي, المتوفى : 317 هـ, المحقق : محمد الأمين بن محمد الجكني, مكتبة دار البيان – الكويت.
143. الْمُعْجَمُ الصَّغِيْرُ لِلطَّبْرَانِيِّ, سليمان بن أحمد الطبراني, المكتب الإسلامي , دار عمار – بيروت , عمان, الطبعة الأولى ، 1405هـ ـ 1985م, تحقيق:محمد شكور محمود الحاج أمرير.
144. المعجم الكبير, سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني, مكتبة العلوم والحكم, الموصل, الطبعة الثانية ، 1404, 1983, تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي
145. المعجم الوسيط, إبراهيم مصطفى, أحمد الزيات, حامد عبد القادر, محمد النجار, دار الدعوة, تحقيق: مجمع اللغة العربية.
146. معرفة السنن والآثار, أحمد بن الحسين البيهقي, البيهقي, المحقق : عبد المعطي أمين قلعجي, جامعة الدراسات الإسلامية + دار والوعي + دار قتيبة, كراتشي بباكستان + حلب + دمشق, الطبعة الأولى, 1412هـ ، 1991م.
147. المعرفة والتاريخ, أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (المتوفى : 347هـ), المحقق : خليل المنصور, دار الكتب العلمية, بيروت
148. المغازي للواقدي, أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي, (المتوفى : 207هـ), المحقق : مارسدن جونس, بيروت-عالم الكتب.
149. المغني عن حمل الأسفار, أبو الفضل العراقي ـ سنة الوفاة 806 هـ, تحقيق : أشرف عبد المقصود, مكتبة طبرية, 1415هـ – 1995م, الرياض.
150. المقصد العلي فى زوائد مسند أبي يعلى الموصلي, للحافظ علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي, مكتبة صيد الفوائد.
151. مكارم الأخلاق ومعإليها ومحمود طرائقها, أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل بن شاكر السامري الخرائطي, (المتوفى 327هـ), تحقيق ودراسة الدكتور / عبد الله بن بجاش بن ثابت الحميري, طبعة مكتبة الرشد سنة 2006 م
152. المنامات, عبد الله بن محمد بن عبيد القرشي أبو بكر, مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت, الطبعة الأولى ، 1413 – 1993, تحقيق : عبد القادر أحمد عطا.
153. المنمق في أخبار قريش, محمد بن حبيب البغدادي, عالم الكتب – بيروت / لبنان – 1405هـ -1985م, الطبعة الأولى, تحقيق : خورشيد أحمد فارق.
154. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج, أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي, دار إحياء التراث العربي, بيروت, الطبعة الثانية ، 1392.
155. موطأ الإمام مالك, مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي, دار إحياء التراث العربي, مصر تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي
156. موطأ مالك – رواية محمد بن الحسن , مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي, دار القلم – دمشق, الطبعة : الأولى 1413 هـ – 1991 م, تحقيق : د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
157. نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم, محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (المتوفى : نحو 320هـ), دار الجيل, بيروت, 1992م, تحقيق : عبد الرحمن عميرة.
158. الوافي بالوفيات, صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، دار النشر: دار إحياء التراث – بيروت – 1420هـ- 2000م، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى.
159. وصايا العلماء عند حضور الموت, محمد بن عبد الله بن أحمد بن زبر الربعي أبو سليمان, دار ابن كثير – بيروت, الطبعة الأولى ، 1406, تحقيق : عبد القادرالأرناؤوط , صلاح محمد الخيمي.
160. وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان, أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان, المحقق : إحسان عباس, دار صادر, بيروت.
161. يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار, صديق بن حسن بن علي القنوجي, مكتبة عاطف – دار الأنصار – القاهرة, الطبعة الأولى ، 1398 – 1987, تحقيق : د. أحمد حجازي السقا.

الموضـــوع
الصفحـــة
المقدمة
1
حقائق تسبح الله
5
مت شهيداً
7
ملك الموت في البيت
8
دنيا زائلة
8
تُعرض عليه الفتن
9
لا إله إلا الله
10
ذكر الله تعالى
12
يا أبناء الستين
15
الروح, السِّر الغامض
16
القادم لا محالة
18
معنى الله أكبر في الصلاة
19
الشهيد الأعرج
20
أُحبُّ أن أسمع صوته
22
دابّة آخر الزمان
22
لو التي تفتح عمل الشيطان
23
ألا تنقطع دموعي
24
من هم الكروبيون
24
بلا إذن أمه
25
قصة سمنون
26
قارون الشخصية الكانزة
27
طاعة الزوج تنجي
29
هلك المسوفون
30
فأقول من أجلك يا رب
31
إبليس يبكي
32
الأعمال عند الله سبعة
32
لا آمن على روحي ساعة
33
ليت نساء اليوم مثلها
34
أحكام المساجد
34
أنواع الوحي الإلهي
37
فركبته الحمى
38
عرفوا الله فلم يخشوا غيره
39
نزل في قبريهما
41
لفظته الأرض, لماذا ؟
41
جولة مع الحور العين
42
كم عدد الكبائر
44
كليم الله الآخر
45
لقاتلونا عليها بالسيف
46
وليتك قضاء البصرة
47
الكتب السماوية
48
أبخل الأمراء
48
خرج من الدنيا كما دخلها
49
لقمة بلقمة
49
ذو العصابة الحمراء
50
من بيدر اللطيف الخبير
52
مصيرها إلى زوال
52
قتادة بن النعمان
53
اجمعوا لي حطباً
54
أحبُّ إلى من الجائزة
55
كل ذلك ستراه
55
أكرم الأمراء
57
حتى لا تغضب
58
المقبل على الحق
60
محتوش النار
61
هذه هي الدنيا
62
الذي لا يخاف الموت
63
إنما يجوع محمد  وأصحابه
66
محاورةٌ بألف دينار
67
للشياطين أسماء
68
مجرم لا بد من سجنه
70
الجوع فضيلة عندهم
71
القصص بعد حرام
71
مثاقيل الذَّر
72
كسفّود محمَّى
72
القبر يتكلم
73
الله ونفس المؤمن
73
قصة الحفَّار
74
خليل الملائكة
74
أبو المساكين
76
خروج الروح
77
معجزاته 
77
المعجزة الخالدة
80
لولا ثلاثٌ
81
لا تفضّل أحداً على آخر
81
فادفنوني تحت أقدامكم
83
قبر المرأة الصالحة
84
أم عمارة أميرة المجاهدات
85
هل تعرفون جُليبيب
86
كفى بالله حارساً
87
حُبسنا من أجل هذا
88
أحبُّ إلى من جزيرة العرب
88
أعظم الخلق منزلة
89
المجذوم يأكل معه
90
يا دنيا غُرِّي غيري
91
تقي مصارع السوء
92
وجعلت الليل لربي
93
معي الدنيا أجرُّها بقروني
94
العبادة البدنية والقلبية
97
سليمان والحوت
99
حتى تخرج من دينك
99
إلا الشرك
100
مسكين مع المساكين
100
صدقة ما قبل النوم
101
عيسى وسارق الرغيف
102
وما أدري أيحلُّ ذلك أم لا ؟
103
أرى الأمر أعجل من هذا
104
أمنت عقوبتك فتكاسلت
106
تدبر فضيلة حسن الخلق
106
لنظروا إلى ملكوت السماء
107
حادي الإبل
107
لا تستطيع حبس ألسنة الناس
108
صدقة اللسان
108
هذا صوت رحمته
109
هكذا كانت صلاتهم
109
هذا والله هو الخوف
110
ابتعد عنها في صلاتك
110
هذه فضيلة السجود لله
112
فاتته صلاة الجماعة
113
الصامت حكيم
113
بماذا كان الصحابة يشتغلون
114
عزير وتبّع وذو القرنين
115
حكمة من حجر
116
ما الصدق القبيح؟
116
أدنى أهل الجنة وأعلاهم منزلة
117
كيف تتخيل جبريل 
118
فأرسل الله السماء
119
الرؤيا ثلاث أنواع
120
حديث أبي ذر
121
لمن الملك اليوم
122
بوق إسرافيل
123
أعظم آية
124
لأحببتم أن تزدادوا فاقة
128
قطب الدين الأعظم
129
لك أجر خمسين صحابياً
132
حتى يدخل السخيّ
132
الزرقاء بنت عدي
133
أودية جهنم وجبالها
133
أبواب الجنة
134
جنة عدن
135
أعطيناك الكوثر
135
رؤية الله تعالى
136
الزاحفون بلا هوادة
137
طليق الله ورسوله
140
أحرم من نيسابور
141
مؤذن البيت الحرام
141
مغيرة الرأي
142
الشيخ الحكيم
144
صاحب التمرات
146
داهية قريش
147
الحبر العابد
149
شرطي النبي 
151
كسرى العرب
152
الرابح الهنيء
153
شهيد البحر
155
السائر وحده
156
خاتم المهاجرين
159
حكيم الأمة
161
المشهود له بالجنة
162
ذو الصوت الندّي
163
الفارس الهُمام
164
المصلي الخائف
165
عدو الشهرة
166
المخاصم في مال الله
167
حبيب النبي 
168
صاحب مجالس الإيمان
171
جوع أبي هريرة
173
المتحابون في الله
175
عندها يتامى فصبرت عليهنّ
176
امرأة الإسلام الأولى
176
أفضل الأيام
178
قالوا قبل موتهم
179
النار مصير الظالمين
180
من هذا الرجل
184
كرامات العلاء بن الحضرمي
185
وقد فعلت
186
يزعم أنه قاتلك
186
إنَّ له حَمَلَة غيركم
188
لمناديل سعد في الجنة
189
فتركاها جميعاً
189
ما هكذا كنا نقاتل
190
ومنكم عين تطرف
191
كما صدّقته حياً
192
من تحت الرماد النار
192
الراكب المهاجر
193
الوفي بعهده
194
فأضاءت له الظلمة
196
رؤيا حق
197
بم سبقتني إلى الجنة
197
خالد وعمرو بن عبد المسيح
198
صلاة البَرِّ
200
الخاسر
201
مستقر الأرواح في البرزخ
202
المهدي المنتظر
204
من هم الأبدال ؟
206
لا أجد له مسلكاً
207
على كثيب المسك
209
هكذا هي أجسامهم
210
أي الأعمال أفضل
210
بين الأموات والأحياء
212
ما هم بإنسٍ ولا جنٍّ
213
فسمعنا نهيق حمار
214
مسامير من الآخرة
214
فقراء ولكنهم أقوياء
214
أخرج بعث النار
215
ويحك دعيه
216
رأيناه في اليقظة
217
حتى يجيئنا نفقة
217
أينام أهل الجنة ؟
218
أولاد المشركين
218
قال صدقت
220
متى تقوم الساعة
221
إنهم يعلمون ولا يعملون
222
شرابهم في النار
223
اذكروا أبا سفيان بخواتيمه
224
يخاف من خصومة بعير
225
وتنعقد الألوية
225
والولاة يُحشرون
227
أعظم سورة
227
حديث البطاقة
232
ثم يؤتى بأهل البلاء
234
حقوق الله والعباد
235
ما عملت من خير مُحضراً
236
الصراط على جهنم
237
خذوها من غير فقيه
239
هرب ثلاثة أيام
240
دركات جهنم
240
أنت المنادى
241
لي ذنوبٌ أخر
242
فليحمل من أوزاري
242
فتُفرّج لنا الأمم
243
آية النور
244
خذ بيد أخيك
246
وتنفلت من أيديهم
247
من هم الجهنميون
248
إنَّها عليهم مؤصدة
249
الموت كبش أملح
250
الجنة درجات
251
مع الحارث المحاسبي
252
الشام أرض المحشر
253
فمن أطعم لله أطعمه
254
كلٌ وإلهه
255
الله الموعد
256
عمر وكعب الأخبار
257
تجاوز عن المعسر
258
النار تشخص للعيان
259
أسعدهم بشفاعته
260
مع سورة العصر
261
هل من مزيد
264
فيُحشرون أمثال الذَّر
264
ماذا ينفع الميت في قبره
265
خُطبة إبليس
268
فوجدوه قد مات
269
اسكتي يا لا شيء
270
أم سليم
270
الجنة دار السعادة
271
طعام أهل النار
275
أطولكن يداً
276
أيها العابدون عليكم بالصدقة
276
المسيح الدجال
278
حقيقة التقوى
282
عظمة الخلق
284
البعوضة الصغيرة
286
هي من أهل الجنة
287
مؤمنون وربِّ الكعبة
288
قتله بلسانه قبل أن يقتل بسيفه
288
حُطيط الزيَّات والحجاج
292
أعظم العبادات
293
سل لنا ربك
296
مع محمد بن واسع
297
نبيك يعلمك الرضا
298
الله يتوعد عباده
298
لا يملُّ من المغفرة
300
سيد التائبين
300
ليلة الخليفة
303
أقيمي عندي البيِّنة
306
هذا الإله ينام ؟
308
فكيف بمن أطاعك ؟
309
الخاتمة
311
المراجع
313
الفهرس
323