صُنِعة في الإسلام- دار الفلاح- د. حمزة الحبابسة

بسم الله الرحمن الرحيم.

صُنعَ في الإسلام.

د. حمزة قطيش الأزايدة.

جامعة العلوم الإسلامية العالمية.

دار الفلاح للنشر.

الإهـــــــــداء:

اللهم منك وإليك،،،

الشكر:

لزوجتي،،،،

الفهرســـــــــــت

الموضــــــوع الصفحـــــــة

المقدمة……………………………………………………………………………………………. 8

أصوات العظماء……………………………………………………………. 12

محمد يغيِّر وجه الأرض…………………………………………………. 14

القامة التاريخية……………………………………………………….. 18

الكبرياء بثمن بخس……………………………………………………. 25

استماتة لأجل من؟…………………………………………………….. 32

التيلباثي الإسلامي……………………………………………………….. 39

الصديقان بالتخاطر…………………………………………………….. 44

الرقي الإسلامي………………………………………………………….. 46

البناء الذي جاء به الإسلام……………………………………………… 46

السماء تُمطر أزهاراً…………………………………………………….. 52

دولة من غبار…………………………………………………………. 60

الذوق الإسلامي الرفيع…………………………………………………. 65

قمر ٌ آخر للأرض……………………………………………………… 75

المقاصد الخفية للعبادات……………………………………………….. 79

نظرية التفاعل الإيجابي………………………………………………… 86

المدينة الفاضلة في يثرب………………………………………………… 90

نكـهة الأرض…………………………………………………………. 93

سر الحجاب الشرعي…………………………………………………… 95

المهرجان الإسبوعي الصامت…………………………………………….. 96

الطريق إلى الله ومثال السائق…………………………………………….. 102

الوسطية……………………………………………………………… 103

التشوُّف الحضاري……………………………………………………….. 109

الوقود النووي للحضارة………………………………………………….. 110

دعوا العبيد يتكلمون……………………………………………………. 111

الدفع إلى التحرير كمضمون عبادي……………………………………….. 112

الروح التحررية في العبادات ……………………………………………. 117

محمد r يُفجِّر نهر الحرية…………………………………………….. 119

القلم الإسلامي الحر…………………………………………………… 121

رسالة الغفران في أحضان دانتي…………………………………………. 123

تألق الموهبة…………………………………………………………….. 127

ولو عدنا إلى عمر……………………………………………………… 131

الغراس النبوية الذكية………………………………………………… 136

أئمة المعرفة…………………………………………………………. 139

مبضع الجرَّاح في سرطان الخرافة…………………………………………. 142

البحث اللغوي في مفردة خرافة…………………………………………. 142

الخُرافة آكلة الرؤوس…………………………………………………. 143

الغزوة الأعظم………………………………………………………….. 147

منجم الدروس والعبر…………………………………………………. 147

رغم البطولات………………………………………………………. 149

قانون التمايز……………………………………………………….. 151

المدينة تلفظ الهزيمة………………………………………………….. 153

الحقائق التي يحتكرها الإسلام…………………………………………… 154

الروح السر الغامض…………………………………………………… 154

نظرية العوالم الخمسة………………………………………………… 156

التفسير المادي للكون…………………………………………………. 162
لسنا وحدنا في الكون…………………………………………………. 165
السيناريو الصحيح لعالم القيامة واليوم الآخر…………………………….. 168
الجنة المُذهلة………………………………………………………. 172
حقيقة الرجس المزهوم……………………………………………….. 183
ثورة المصطلح القرآني………………………………………………….. 185
الغوص في أعماق القرآن……………………………………………… 187
مأدبة الله في خلقه………………………………………………….. 189
تساؤل, لم لا نشعر بحلاوة القرآن؟……………………………………. 190
حقوق القرآن عليك………………………………………………….. 192
للقرآن هداية من نوع جديد…………………………………………… 195
الأسئلة المحيرة……………………………………………………….. 196
حساسية الإسلام………………………………………………………. .. 205
زُكام الطقس الكنسي……………………………………………………. 208
القارة الأوروبية تُبدي الإعجاب…………………………………………….. 214
موت مختصر……………………………………………………………… 219
العائلة الأميركية تتفسخ…………………………………………………. 223
لدينا في كل بيت ملكة………………………………………………….. 226
القيم الحضارية القصوى…………………………………………………… 226
القيمة الضابطة للحركة…………………………………………………. 226
الروح السارية في العظام…………………………………………………. 228
الإنسان ذلك المسكين………………………………………………….. 235
ديانة السعادة…………………………………………………………… 240
الانضباط التام………………………………………………………… 243
قسوة العقوبة أم فداحة الجريمة…………………………………………. 247
قاعدة التحليل والتحريم في الإسلام………………………………………. 249
أروع ما في الوجود…………………………………………………….. 255
المراجـــــع……………………………………………………………… 260

المقدمة
1…
الحمد لله القائل: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}1, الحمد له وحده دون غيره بما أسبغ علينا من نعم هذا الدين العظيم الذي يُعدُّ بحق أعظم النِّعم على المسلم, بل هو يتجاوز ذلك لو قلنا عنه مفخرة الإنزالات الإلهية المتتابعة على الأرض الثكلى, فكأن البشرية في الأزمنة الأولى قبله أشبه بالأطفال المراهقين, جلُّ احتياجهم بعض القوانين الإلهية الطارئة التي تُسعفهم من وقت لآخر, حتى إذا صار الناس أجيالاً راشدين وجاء عصر النبوة الخاتم ووصلت مخلوقات الأرض العاقلة إلى مرحلة النضج العقلي كشف الله عن قانونه الأخير وأبان عن الدين العظيم,دستوراً مهيمناً ناسخاً تاماً مُتقناً باسقاً لا تطاله العصور المتلاحقة حتى لو وصلت مدنية البشر إلى الكواكب البعيدة الشاردة.
والصلاة والسلام على من اصطفاه وحبَّبه إلى خلقه واجتباه وارتضاه ليكون مبعوثه إلى الخلق, ورسوله إلى البشرية لتسعد به ومعه, وجزاه الله عن أهل الأرض خير الجزاء من نبي مُكرَّم مُفخَّم, أنعم به وأسعد, وبعد…..

2…
فمن كان يصدق أن هذه الصحراء خاوية الضلوع قاتلة الوحوش بالجوع ستصنع نفيراً حضارياً مختلفاً, ستحمل مشعلاً براقاً يضيئ جنبات الكون ويُشرق خفايا السرمد؟, وكيف للحياة أن تستولد الموات؟, أو أن يختار وجه الوحي روضة جنوبية قاحلة ؟,مع أن الأرض مُترعة بالروضات الجنات, إنه محض اختيار الله.
القصة لم تبدأ من الصحراء – يا سادة – وإنما من هناك حيث السماء والعلو والرفعة.
وسيظل الأمر موهوماً إلى أن نستجلي القدرة الإلهية المبثوثة في { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}2.
على أنك تعجب كثيراً للنور المنبثق فجأة من هاتيك الفجاج القاحلة بعد أن خلت من أية مُستمَدَّات حضارية, فلو أنك طويت صحراء الجزيرة بنظرك البعيد لما رأيت سوى الرمل الذي يغلي بالسَّراب, القصة هنا قاحلة, أبطالها البدو الراحلون حين يمتطون أضلاع الجمال وصهوات الخيل، يبحثون عن شيء واحد فحسب، الطعام الذي يُقيم أوَدَهم بضعة ليال، ثم لتصنع الأيام ما تشاء.
3…
إنني لا أطمح أن أكون محايداً في هذا الكتاب إلا بالقدر الذي يحلم فيه المستحيل أن يقفز من أحلام الجان إلى واقع الأرض المعيش, بيد أني وضعت فيه العبارة المناسبة كي يخاطب الناس كلهم مسلماً وغيره, صغيراً وكبيراً, عالماً وعواماً؛ ذلك أنه يحكي مفردات الإسلام المتمايزة, فلو قُدِّر للأفكار أن تُنتج في مصانع خاصة يُعبِّر كل واحد منها عن دين أو مذهب أو نحْلة لكان لهذه الصفحات أن تبذل عناية سويَّة في تسويق ما تمايز به الإسلام عن غيره, والقارئ ذكي على نحو يكفي كيما يستشفَّ من عنوانه ” صُنع في الإسلام” أفكاراً خلاقة وعبقريات فذَّة وطموحات لا سقف لها في ظل نظام وتاريخ أضفيا من الحرية والاستقرار ما أنبتا أموراً لا تُصدَّق أحياناً, وقد نردها لهذا السبب مع أن سند روايتها مناسب لإيرادها, إذ من المعلوم أنه لا يُطلب في رواية تاريخية مثلاً من القوة ما يُبتغى في حديث وتشريع, إنَّ الأمم من حولنا أرَّخت لنفسها على هذه الشاكلة.
4…
بيد أني لم أُعنَ بما ابتكره الإسلام من مخترعات ومكتشفات مادية وعلم تجريبي، فذاك كما – كما نعلم – ذائب مغمور في مقتنيات الحضارة المعاصرة، ولا فائدة من الحديث عنه إلا على سبيل التأريخ له وللحضارة الإنسانية، فنحن لسنا مفتونين بما قدَّمه ابن الهيثم في البصريات ولا جابر بن حيان في الكيمياء ولا ابن سينا ولا الزهراوي في الطب ولا ابن بطوطة وياقوت في اكتشاف البلدان والإحاطة بالجزر البعيدة، لسنا مفتونين بما سلف بقدر ما نشعره بالإنجاز الحضاري الذي قدَّمه النبي r من ديانة السعادة لبشرية لا زالت تراوح مكانها وتبحث عن نجاتها.
لقد قدَّم النبي r للبشرية حُلُماً، ظلَّ الأقدمون يزاولون ويقاربون حوله، حُلُماً عاشه الرعيل الأُول واقعاً ملموساً وحياة رغيدة، فلو حدث في عالم الخيال أن فلاسفة اليونان وفدوا على النبي r قبيل وفاته يتقدّمهم أفلاطون ورأى ما حوله في مجتمع المدينة الصغير لهاله ما رأى ولقال بلسانه الإغريقي القديم: هذا ما كنت أتحدث عنه وأكثر.
لقد كان حُلُماً ورثته الأرض ثم راحت تفاخر به الكواكب والنجوم، كما يفعل الولد المُحبَّب لوالديه حين يتحدث بين إخوته، حُلُماً عندما يستبعد البشر – الضعفاء في تفكيرهم وأحلامهم – رحمة الله الواسعة وعنايته بهم.
5…
فيا سادة الأرض وأتباعهم، ويا أيها العابرون إلى الحضارة الأخيرة، ويا أيها الباحثون عن روح حقيقية لهذا الكوكب الذي لم يتوقف يوماً عن السير، لقد أودع الخالق العظيم في مكنون هذه البسيطة أدوات التقدم والازدهار وملأها بوسائل الإبداع والابتكار، وجعل منها منجماً فوَّاراً بالخيرات مُكتَنَزاً بالأثمان والكمائن والأثقال على أن تُعالج بنظرية الإسلام، وتُعامل بتوجيهات القرآن، وتسري فيها هاديات الرسول r، وإلا لم تُطاوع أحداً إلا كما تفعل البقرة الحلوب تحبس عن صاحبها الحليب في الأضلاع ولا تجود له بغير القطرات.
نظرية الإسلام تلك النظرية الرائعة التي سالت بها أنامل النبي r، وبذلها للزحام المُتكدَِّس فوق الأرض إلى يوم القيام، فنقَّى المدن من الكذب، وأخلى الأرجاء من الدَّجل، وأفرغ القارات من الخرافة وأسعد الأقاليم، ومهَّد للحياة، ونزع سفّود الموت من براجم القساة وأراح ظهور العبيد والضعفاء، فبالله لو لم يفعل لآل حال البشر اليوم إلى نصفين: سادة يملأون الفضاء غيظاً وقبحاً، وعبيداً يُباعون كالسلع.

أصوات العظماء
بقدر ما تحفل الحقبة التاريخية من الثراء الحضاري الذي تذكيه الحرية وتقدح زناده الثقة والعزيمة بقدر ذلك يزدحم العظماء لولوج باب التاريخ, وكل حضارة بلا شك تمر بنافيتين:
ذروة المجد والعلو.
قاع المستنقع والطين.
فكيف هو الحال حينما تكثر ذرى الأولى, نحن نعاين ذلك في الإسلام عند دراسة تاريخه دراسة موضوعية نستعين فيها بوحي المقارنة مع الحضارات الأخرى, علينا يا سادة أن ندرسه كتاريخ بشري لا ملائكي, وتعالوا نسرد المقارنات بينه وبين التاريخ الروماني, وسأُخيِّركم بين أن تبدأوا من انتصارهم الساحق على الفرس في غور الأردن إبَّان البعثة النبوية حين شعر الرومان بالنشوة الحضارية الأروع, أو إن شئتم من مسامرات القيصر في عاصمته حين يبدأ صراع الديكة بين يديه ولا ينتهي إلا بعد أن ينفرد ديك على جثة آخر, أو أن عبيد الإمبراطورية يصنعون ذلك, فإذا زهق أحدهما الآخر تعالت ضحكات الإمبراطور حوله رجال حربه الأشاوس.
أما الفرس فلحظة ركوعهم أمام إلههم النار حتى لو أكلت بالسنتها وجوههم الفارسية, وهل أبصر كسرى وجوه فلاحيه القابعين في الأطراف أم تذوق همومهم يوماً؟.
ولو خلَّفنا ذاك وراء ظهورنا ورحنا نستطلع أنباء الأمم المتطاولة في عصورنا القريبة كالحضارة الغربية مثلاً، فلن نجد واحدة أكثر تقدماً من الحضارة الأمريكية الحالية, فمن أين سنبدأ المقارنة مع الأخذ بعين النظر الفارق الظامئ بين الزمانين والتطور الإنساني اللازم؟.
سندع الأميركيين أنفسهم يتحدثون عن فوهة طائرة ” ب 52″ لحظة ألقت أضخم القنابل فتكاً على بلاد مطلع الشمس فأحرقت من المدينتين عشرات الآلاف من الأطفال المشدوهين اللاعبين وهم يتفحصون ركن السماء قد أطلَّ بشياطين الجحيم يصبُّ الموت الغرام على أفنيتهم, فضلاً عن مئات الآلاف من الشيوخ والنساء والشبان.
وعلى أية حال كن منصفاً حين تصف الحضارة الغربية اليوم بالتقدم, أجل هي متقدمة في المدنية متطورة في الآلات, وسمَّها إن أردت ” حضارة الآلة”, لكن هل هي متقدمة في الأخلاق والأدب والاجتماع, في العدل والقضاء على الفقر والبطالة؟, هل استطاعت بعد عمرها المديد أن تزيل العوز؟, العوز بكل أشكاله, خاصة العوز في مجال الشعور بالحياة؟, سأترك لكم الإجابة – أيها السادة- ولن أجزم بجواب.
فماذا بقي من الثورة الفرنسية في ذاكرة الأرض بعد أن أجاعت فرنسا أفريقيا قروناً طوالاً، وخسفت بخط الاستواء، وملأت القارة السوداء بالفراغات الجوفية بعد أن سرقت الذهب من السود بحجة أنَّ لونه البرَّاق لا يتلاءم وسِحْنَتهم الداكنة.
وماذا بقي من البلشفية والاشتراكية بعد أن حَجَر عليها الغُرَماء، وأذهبت من عمر الأرض القصير قرناً كاملاً بعد تجربة فاشلة في الحكم والسياسة والاقتصاد؟.
ومن ذا يُعطي الكرملين طواعية حكم القارة الأكبر، وقد أنَّت منهم جبال أفغانستان ولفظتهم سهول الشيشان، وملأوا الفضاء باليورانيوم القاتل وهو يتمرد عليهم من تشرنوبل.
أما الإنجليز الذين استعمروا نهار الأرض كله، واختزلتهم جزيرتهم الصغيرة في هول المحيط، فسنترك عقوبتهم لمآذن القدس وهي تجأر لقاضي السماء صباح مساء أن يملأ بلادهم الصغيرة بركام المحيطات بما اجتروه من تدنيس مدينة الرب بأنفاس الرجس المزهوم، وبثَّوا فيه من سموم الخنازير وهي تتنفس بالدخان الزاهق في أرجاء فلسطين.
محمد يغيِّر وجه الأرض
جاء النبي r في رحلة خاطفة وبُعث على حين غرّة من الظلمات التي كانت تمور بها الجزيرة العربية والعالم القديم.
لم يشعروا به إلا نوراً يتدفق في جنبات البيت الحرام ويمتد في الأفق بعد أن كانت الكربات تعصف بالبر والبحر, والفساد يشرأب في كل ناحية من نواحي المعمورة وينساح في القارات.
ففي مكة آخر باقيات التوحيد ومستودع إبراهيم الخليل u وطفولة ومهد إسماعيل u، جارت الأصنام على الناس وامتلأت الكعبة وحواليها بالمئات منها وهي تقف بنصف قامة على صفائح الذهب والياقوت ، لقد اختلط الأمر على السَّدَنة إلى درجة أن يفرشون الأرض ذهباً لأعمدة من الأنجاس.
وبيوتات مكة الصغيرة بأفنيتها الفقيرة تتعشق الأصنام وتتشوق لمغفرتها.
بقايا آدميين يخشون خسف الأوثان ويرتهبون منها فيطوفون في الأرض المقدسة عراة ويسوقون الشياه والأنعام لقرابين الأنصاب.
والأزلام المُدلَّاة من الحجر الأسود تسيّرهم كيفما شاءت وهي محض جماد فكأنما هي صلاة الاستخارة التي يصلون ووصيلتهم التي يصِلون.
حتى إذا شعر أحدهم بغربة الروح وأوار الفطرة انكفأ على الخمر وأخلد إلى الشراب يعبُّ منه إلى أن تُذهب سكرتها فكرته المتوقدة.
وفيما سوى مكة من الحواضر المنتشرة هنا وهناك ساء الحال أكثر, كلٌ دقَّ أصنامه وآلهته في الحجر الصلد وراح يُشحذها الرغبات والأمنيات ويستعيذها من شر الأيام القادمات.
وفي اليمن بلغ الفساد شأوه مع قوة جند يسحقون الحجارة, وفي الشمال قبائل متناحرة وظيفتها سد رمق أبنائها بحد رماحهم, والصحراء تشتعل بالقتال وبسيوف ملتهبة تقطف الرؤوس الجائعة, فلا غرو أن ينشأ العربي أخاً للرمال الحارقة وصنواً للقاسيات من الصخور.
وإلى الشمال البعيد دول متناثرة تخطب ودّ الدول العظمى آنذاك من الرومان بقوتهم النافذة مع أنهم يعانون سكرة الموت, والفرس الذين اتخذوا النار إلها للكون سرمدياً.
دول متطاولة بكل فج, وعقول خربة غايتها الثأر, وأعين تُبصر الدماء عسلاً والقتل نعيماً.
وقد قصَّها القرآن في آية واحدة { ظهر الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}3.
إلا بقايا متناثرون في عرض الصحراء وصوامع الرهبان ممن لا يزالون يحتفظون بدين عيسى u قبل أن يُحرَّف, ” إن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب”4.
وهذه القلّة غير قادرة على الإصلاح إلا بمقدار ما ينفذ شعاع خافت إلى كومة من الظلمات.
وولجت البشرية آنذاك نفق الشيطان واستبد الحكام الظلمة وأكل المرابون الأموال واندقَّت أعناق الفقراء بسيف الحاجة والجوع.
ومن بين هذا الركام الثقيل والأجيال المنكوبة يستريح فتى أمِّي في ظلمة كهف مكي، يشهد اللحظة الأروع حين اتصلت السماء بالأرض الاتصال الأخير وأزفت ساعة الميلاد.
لقد آن للبشرية الناضجة لتوها أن تتلقى الرسالة الخاتمة, فالبشر ما عادوا أطفالاً كي تأتيهم رسالات منسوخة مؤقتة, لقد كبروا ونضجوا على نحو يكفي كي يُبعث محمد r.
وبدأت الآيات تصرخ بأهل مكة وبالفساد الأخلاقي وتعاقبهم على تغيير دين إبراهيم u, وتسوطهم باللظى لافترائهم على الله, وشعر العرب في حاضرة مدائنهم وقبائلهم أن محمداً r يريد أن ينسف كل شيء في عقولهم وحياتهم ومعبوداتهم, إنه يريد مكة جديدة بما عهد الله إليه.
لكن الشرك والكفر لم يتزحزح عن موقفه بسهولة وبدأ الحطام يلوح في الأفق, وضاقت قريش بنبرة القرآن وتهديده, وعجزوا عن المحاجّة فلما علموا أن القوة والغلبة بأيديهم راحوا يحاربون الدين الجديد وأتباعه.
وبدأت رحلة المستضعفين في الأرض وجُلد العبيد دفاعاً عن الأصنام المنصوبة في مكة والكعبة وافترق الأقارب فإذا هم مختلفون.
وصبر النبي r ومن معه على اللظى والأوار والظلم والجلد، وعاشوا حياة قاسية حتى النخاع, لكنه r كان يبشر أصحابه الضعفاء بنصر قريب وفرج أكيد.
وعلى الرغم من النكبات والمحن وقساوة ذوي القربى ظلوا صابرين على دينهم, تشفع لهم الآيات العظام التي تُهدِّئ روعهم وتقص عليهم قصص الغابرين.
وظل أمر هذا الدين يعظم بإرادة الله إلى أن جاءت معونة يثرب.
الرحلة الأعظم
ولئن شهد التاريخ رحلات وأسفار كان لها الأثر الأعمق في الإصلاح والتغيير كرحلة موسى u ببني إسرائيل من مصر إلى أرض السمن والعسل, ورحلة ذي القرنين إلى مشرق الأرض ومغربها وغيرهما, فإن رحلة نبي الإسلام هي الرحلة الأعظم على الإطلاق.
وإنه ما من هجرة صنعت هذا الصنيع وأنجزت هذا التحول المذهل في تاريخ الأقدمين والمحدثين كهجرة محمد r إلى يثرب التي تشرَّفت بمجيئه فازدادت على الأيام تألقاً ورونقاً حتى أضحت حاضرة عالمية في أقل من عقد على الزمان.
دولة جديدة ومجتمع جديد
وامتدت يد النبي r تغير من معالم الأرض وتقلِّص من جغرافية الوثنية حتى لانت جزيرة العرب بين يديه, ويُعدُّ العام الثامن والتاسع الهجري كلٌ منهما أوج هذه الدولة, ففي الأول جرَّد النبي r مكة من الكفر وكنس الأصنام وذلَّت بين يديه الأوثان المعبودة منذ عشرات السنين, وفي الثاني قدمت الوفود المبايعة من أطراف الجزيرة معلنة إسلام العرب ونبذ الأوثان الجاثمة على الصدور منذ مئات السنين.
وبدأ المجتمع المدني يكبر سريعاً, مجتمع ينهض إلى عالم المثال, مجتمع حلم به الفلاسفة والمفكرون منذ عهود اليونان والمدن الفاضلة.
ما الذي غيرَّه محمد r
ففي مجال العقيدة بعد أن كان الناس يعبدون الحجارة والنجوم والملوك صاروا يعبدون إلهاً واحداً، ويتوجهون إليه بالدعاء وقضاء الحاجات ويلوذون بحماه ويعتصمون بعراه كلما دقَّت ساعة الحادثات.
كما صحح المفاهيم العقدية المشوبة بلوثة الجاهلية العنيدة, فالملائكة عباد الله المطيعون وليسوا بناتاً له, فالله واحد أحد لم يلد ولم يولد.
{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ, اللَّهُ الصَّمَدُ, لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}5.
وبدأ الناس يوسعون آفاقهم في تصور الحياة, فالدنيا ليست كل شيء, بل ثمة عالم آخر هو العالم الحقيقي حيث يُحاسب الفرد فيه إن كان خيراً فخيراً أو كان شراً فشراً.
وفي مجال التشريع جاء الإسلام بجملة من التشريعات الجديدة على العرب تُصلح حياتهم وتنشئ لهم حياة حافلة بالإنجاز والرقي والسعادة.
تشريع شامل لكل نواحي الحياة ويمس واقع الناس ويجعل من الإنسان شعلة دائمة في الليل والنهار, فنظَّم الناس أوقاتهم وربطوها بالفرائض الخمسة ورموا عن أنفسهم الكسل المستلقي على الأبدان والعيون، وراح كل واحد منهم يساهم في بناء المجتمع الجديد ويسدّ ثلمة منه ويبني لبنة فيه.
وفي مجال الأخلاق بتر الرذيلة التي عجَّت بها الصحراء, ونمَّى الأخلاق الحسنة وشدَّ ساق الفضيلة حتى خيَّمت على المجتمع الجديد أعواد السعادة واستظل الناس براية العدل.
ويعدُّ الظلم الذي كانت الأجيال تتوارثه جيلاً فجيلاً من أكثر الأمور التي قطع الإسلام شأفتها وحاربها بجفاء حتى صار محواً في المجتمع الجديد.
وهكذا فإن الإسلام حصر هذه النقائص وقلعها من المجتمع بفضل الخير المنبعث.
ومضى النبي بعد مجيئه الخاطف السريع, بعد أن خلَّف للصحابة الكرام مجتمعاً وفكراً وميزة حية على مدار يزهو على عقدين من الزمان, وقام الصحابة بالأعباء, وتولى أبو بكر زمام المبادرة في القضاء r على المنغصات الأولى, الردة التي اشتعلت بها الجزيرة من جديد, ورمى الخليفة بالعود الناضج من كنانته المليئة, رمى المرتدين بخالد بن الوليد فسار على جيوشه صوب الشرق وخاض الحروب والنزالات حتى قتل الكذاب مسيلمة في واقعة اليمامة المشهورة.
وفي دولة عمر ترسخ العدل, حتى إنه لا يُذكر هذا الصحابي إلا وقفز إلى الأذهان مفهوم العدل, وتوسعت الدولة في عهده وفُتحت العراق والشام ومصر ووصلت طلائع المجاهدين إلى تخوم لم يكن يحلم بها أكثر العرب أحلاماً في جاهليتهم.
ودوَّن عمر الدواوين وأنشأ المدن وطوَّع الحكام لمفاهيم الإسلام وألان الأرضين وسلس قيادة البشرية وبدأ التاريخ يسجل بحروف من نور مدينة فاضلة ومجتمعاً مثالياً هو الأول من نوعه في المعمورة.
ويعدُّ جيل الصحابة الكرام المثال التطبيقي الحي الأول وأروع العصور الإسلامية على الإطلاق رغم بعض المنغصات فهم بشر بلا ريب وليسوا ملائكة.
القامة التاريخية
لدينا في التاريخ الإسلامي – أيها السادة – قامة تاريخية كبرى, وجد نفسه يوماً على رأس الدولة, يسوس إمبراطورية عظمى تنتشر انتشاراً ذريعاً على قارتين كبريين, أو إن شئنا التقريب يحكم ما ينوف الخمسين دولة من تلك الأعضاء في الأمم المتحدة, اسمه عمر بن الخطاب, يحق له أن نصفه بعد هذه القرون المتباعدة بكونه مصلحاً عظيماً ورائداً كبيراً من رواد البشرية.
تجلَّت روعته بالتحديد حين اعتلى رأس الدولة الإسلامية وإن كان من قبلُ بارعاً في أقواله وتصرفاته, ولن أجاوز الحقيقة لو قلت:إنَّ الحكام كلهم – إلا ما ندر – لو اصطفوا فوق بعضهم البعض كما تفعل الشياطين لحظة الصعود إلى السماء بغية استراق السمع, لو فعلوا ذلك لما جاوزوا رُكبة عمر, وإنهم لأقل من ذلك لو أراد.
ولو أنَّ الناس كلهم اجتمعوا على تكذيب ذلك ورموه بالهراء, لكفى أن يصدّقه ذلك العامي القادم من مصر لما قدم المدينة ووقف أمام عمر فقال: يا أمير المؤمنين, جئت شاكيا ابن حاكم مصر عمرو بن العاص, تسابقنا على الخيول فسابقته فتبرم ثم ضربني وهو يقول: أنا ابن الأكرمين أتسبقني؟, ورأى عمر في عيون القبطي سياط ابن الحاكم وهي تنهال على ظهره, وعلى الفور أبرق عمر إلى حاكم مصر كي يأتيه في الحال ويجلب معه ابنه ابن الأكرمين, واحتشدت المدينة وحضر الخصوم, وناول الخليفة عمر السوط للقبطي وقال: اضرب ابن الأكرمين, فأخذ السوط وضربه, ولما شعر أنه استقاد منه قال له الخليفة: ضع السوط على صلعة عمرو بن العاص, لكن المصري رفض, لقد استقاد من ضاربه, ثم توجه عمر إلى حاكم مصر وابنه وصرخ فيهما صرخة مدوية لا تزال ماكثة في الرؤوس بعد أن اخترقت الفضاء الرحب: منذ متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟6.
وقفلت الحشود الناظرة راجعة إلى بيوتها، وسجَّل الناس في ذاكرتهم إعجابين, الأول لهذا الخليفة الراشدي الحازم, والثاني من ذلك الدين الذي صنعه باقتدار, وعاد عمرو بن العاص إلى مصر يحمل معه من المدينة تتمة ملف العدل على الرغم أنه قال لخليفته: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني, لكن عمر لم يعذره, إنَّ جهل الحاكم بالظلم الواقع في رعيته لا يعفيه من المسؤلية بدليل أنَّ عمر لم يعدَّ ذلك عذراً, بل هو جريمة نسميها الاحتجاب بالقصور عن حاجات الناس ورفع الظلامات عن كواهلهم.
هكذا ينطلق صوت العظماء في مهد حاضرة المسلمين ويحفر في القارات احفورة العدل والمساواة, ولا غرو لقد كلَّف عمر بهذه القصة البسيطة الدولة مبالغ طائلة تمثَّلت في سَفَر حاكم مصر إلى المدينة أياماً وربما أسابيع تاركا الدولة وراءه بلا حاكم, لكن عمر يرتضي ذلك؛ لأنه لحظة يفعل إنما يُدعِّم بناء دولته ويمنعه من السقوط مائة عام إلى الأمام.
ثم اجعلوا من مقولته الرائعة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”, بنداً عريضاً يرتفع فوق شعوب الأرض إلى يوم القيام فإنكم لن تجدوا أروع من هذه الكلمات ولا أبلغ, مع ما تحمله من ذكرى عن تلك الحادثة.
على أن عمر كان يشتري بعدله ذاك أماناً لنفسه من رعيته فلا يخشى رغم كثرتهم من حادثة اغتيال على يد أحدهم, هو يعرفهم ويأمن لهم لسبب واحد فقط, إنه يعلم ما يروق لهم ويرضيهم, بالعدل الذي قامت له السماء والأرض, فكان من الطبيعي أن يستلقي تحت شجرة نائماً بعد أن يجوب الأسواق ويتفقد الناس, فلا عليه إذا أحسَّ بالتعب أن يستلقي وها هو يفعلها, ويفد إلى المدينة في السنة السابعة عشرة الهرمزان حاكم الأهواز أسيراً في وفد من المسلمين معهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس, وصلوا به إلى المدينة، ألبسوه كسوته من الديباج المُذهَّب ووضعوا على رأسه تاجه المُكلَّل بالياقوت ليراه عمر, وبحثوا عنه فلم يجدوه ثم اهتدوا إليه نائماً, فلما وقفوا على رأسه, قال الهرمزان: أين عمر؟, قالوا: هو ذا النائم, قال: فأين حرسه وحجبه؟, قالوا: ليس له حارس ولا حاجب, فقال الهرمزان: عدلت فأمنت فنمت, ثم لم يلبث أن استيقظ عمر إثر الجَلَبَة, فلما نظر إلى الناس عند رأسه قال: الهرمزان, قالوا نعم يا أمير المؤمنين, فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه, وأمر بنزع ما عليه فنزعوه وألبسوه ثوبا ضيقا, ثم قال عمر: كيف رأيت عاقبة أمر الله فيك, فقال الهرمزان: لما خلى الله بيننا وبينكم في الجاهلية غلبناكم ولما كان الله الآن معكم غلبتمونا7.
الجليل في الأمر ما نطق به الهرمزان, ذلك أنه سجَّل حقيقة تأبى أن تظل أسيرة عصر، ما فهي أعظم من أن تحبسها حقبة تاريخية قديمة, بل هي إن شئت القول دستور ينبغي أن يحتفظ به الحكام على رؤوس أسِرَّتهم يستيقظون صباحاً على حروف كلماته, ولو شئنا تقنينها كي تصلح لفظاً لعصرنا لكانت: من العدل ينبثق الأمان والاستقرار للحكام وللرعية, ومن الأمان يتولد الرخاء نوماً هانئاً ورغد عيش, ومن أراد فليستنطق الهرمزان وقد فعل.
صار معروفاً – أيها السادة – أننا لا نتحدث عن فلاسفة الإغريق يُطلُّون على رعاياهم من أبراجهم العاجية, ولا فكراً تأملياً يمليه أحدهم في أُخريات الليل يتمنى به الأماني, ولا فازعاً من حلم يسجل في أوراقه ما أفزعه, نحن نتحدث عن واقع وحادثات رمت بثقلها يوماً على الأرض, صنعها عظماء عاشوا في تيه الجزيرة العربية أربعمائة سنة ثم استيقظوا على الوحي النبوي يرمي بهم رمياً كي يحقق ما حلم به الفلاسفة القدماء وهم يبنون في مخيلاتهم لَبِنات المدينة الفاضلة حجراً حجراً.
صنع عمر ذلك كله وهو واقف على قدميه في الأسواق والحر والرياح, ولم تنعم قدماه القاسيتان يوماً بكرسي مصنوع من وبر الإبل, قصر الإمارة المهترئ القريب من المسجد النبوي يخلو من صاحبه إلا قليلاً, وإذن فهو عمل ميداني لا بيروقراطي تُسلَّط فيه كاميرا عمرية عن قرب يشاهد أهل الأسواق في متاجرهم وأهل الضأن والإبل في أنعامهم وأهل الزروع في حقولهم يأبى أن ينقل أحدهم الصورة إلى قصره, جُلُّ ما يريده أن يرى ذلك وحده وبعينيه البراقتين اللتين تريا في الليل الحندس الجوع حينما يغُصُّ بالصغار ويأكل أشداق الكبار.
يبحث عن عمله جيداً منطلقاً من بيته, يحسُّ في خالجاته أن بوصلة الحساب الأكبر تدفعه كيما يُلبِّي واجبه نحو أحدهم, ولو أنه طاف الليلة مع غلامه “أسْلَم” لأسلمه السير أمام خيمة تُنبئ عن نفسها بالعوز, وإذا امرأة تقف أمام نارها الصغيرة تنكث في قِدْر لها, وحولها صبية صغار لها يصطرخون بمرارة, واغتصَّ عمر كما يفعل كل مرة، وسأل المرأة عن الصبية المتصارخين فأخبرته بجوعهم, فسأل عن النار والقِدْر وعَلِمَ أنها تُعلِّلهم ليناموا.
ومن فوره عاد إلى دار الصدقة وحمل شيئاً من دقيق وسمن وتمر وملابس ودراهم، فقال له غلامه “أسْلَم”: أنا أحمل عنك يا أمير المؤمنين, قال: لا أم لك يا “أسْلَم” بل أنا أحمله, حتى جاء المرأة والصغار وخلط الدقيق والسمن والتمر بالماء وجعل يسوط الخليط وينفخ النار بفمه, قال “أسْلَم”: حتى رأيت الدخان يخرج من خلل لحيته, فلما نضج الطعام جعل يغرف لهم بيديه ويُطعمهم إلى أن شبعوا ثم خرج من عندهم ورَبَضَ على مقربة منهم فلم يزل يرمقهم بنظراته حتى لعب الصبيان وضحكوا فتنفس الصعداء واستراح8.
ورواية ابن الأثير: أنه لما جاء المرأة ورآها واقفة أمام النار, قال: السلام عليكم يا أهل الضوء وكره أن يقول يا أهل النار, وسأل عن الصبية المتباكين فأخبرته المرأة بالجوع وقالت: الله بيننا وبين عمر ولم تكن تعرفه, قال: وما يُعلم عمر بكم؟, قالت: يتولى امرنا ويغفل عنا؟, ولما أراد حمل الدقيق على ظهره قال له “أسْلَم”: أنا أحمل عنك, قال: أنت تحمل عني أوزاري يوم القيامة9؟.
هل تصدِّقون أن ملكاً في الأرض يصنع هذا الصنيع وتصل به الكرامة الإلهية هذا الموضع؟, وإن لم يكن عمر يجوس بخطاه إذ ذاك في المدينة الفاضلة فأين عساها تكون؟, إن الأرض بجملتها وتواريخها السبعة تكاد أن تعجز – إذا استثنينا عصور الأنبياء – تعجز أن تلد مثل هذا الخيال, لكنه عمر ويده الطولى في العدل والرحمة.
ولقد آن لنا أن نفسِّر مقولة أبي بكر فيه بعد أن كنا نجهلها, وذلك لما أقطَع النبي r أرضاً لعيينة بن حصن لكنه ارتد فسُلبت منه, فلما عاد إلى الإسلام ووفد على أبي بكر في خلافته طلب عيينة من الخليفة أن يردَّ عليه أرضه, فكتب أبو بكر كتاباً له بالأرض وأمره أن يُشهد عليه عمر فخرج عيينة يبحث عنه، فلما نظر عمر في الكتاب تفِل فيه ومزَّقه، واستشاط عيينة غضباً وعاد إلى أبي بكر وقال: والله ما أدري أنت الخليفة أم عمر؟, قال أبو بكر يومها: بل هو لو شاء, قال: فإنه قد مزَّق الكتاب.
والسبب عند عمر أن عيينة لما أرتد فَقَدَ ما كان أكسبه إياه النبي r, ثم إن الأرض لعموم المسلمين فلا يصح لحاكم أن يُقطع أحداً حتى لو كان أبا بكر نفسه.
وإنه لصيبنا الجلل من الفزع حين نمعن النظر في تمزيق عمر للكتاب وخوفه الشديد وقدرته على إدارة أموال المسلمين وأراضي الدولة, لقد بلغت المساواة أوجها في نظر عمر حتى إنها لتختلف عن عدالة البشر وتبزُّها10.
كان عمر ليستثني من منظومة المساواة لديه لو كان الأمر يتعلق بالود لصاحب الوحي وتكرمة وأدبا مع نبيه الراحل r, أو إذا كان العدل لا يقتضي المساواة مستلهماً ذلك من تشريع القرآن في الميراث, إذ نعلم في توزيع الميراث عدلاً لازماً بالورثة مع أنه ليس بالضرورة أن يعطيهم بالتساوي, لقد استخدم القرآن في تشريعه حينها قاعدة التوازن لا قاعدة التساوي, والفرق بيِّن في أن التساوي إعطاء كل فرد مثل الآخر, أما التوازن فإعطاء كل فرد حقه, والعدالة الكاملة هنا تقتضي الثاني لا الأول.
وقد استخدمها عمر لما أعطى الأفضلية في الأعطيات لأصحاب السابقة في الإسلام, فمن حضر بدراً من الصحابة – ذلك اليوم المشهود – أعطاه أكثر ممن كان كافراً وقتها, ومن بايع العقبة زاد له أكثر ممن تأخر في إسلامه إلى يوم الفتح الأعظم, فالإعطاء حسب الجهد والسبق في الإسلام والجهاد.
وحينما يحضر الحسن والحسين يفضِّلهما على غيرهما لمكانة النبي r منهما, مثلما فعل مع ابنه عبدالله أعطاه ألف درهم وزاد الحسن, فقال عبدالله: يا أبتِ أنا هاجرت وأنفقت ونصرت وما قصرت وتأمر لي باليسير من مال الله الكثير وتعطي هؤلاء ما أعطيت، فقال: يا بني اسلك طريق الانصاف ولا تتبع الاسراف وأنا اقول لك أن كان لك جد كجدهما أعطيتك أو أم كأمهما وفيتك وإن كان لك أب كأبيهما أرضيتك, يا بني كل نسب يضمحل يوم القيامة ويختفي إلا نسب البتول11.
هكذا يصنع الحاكم رأس الدولة مع ابنه, ويفاضل عليه غيره, ولا يحمل ذريته على رؤوس الناس, ولا يُطلق لهم قيد العدل والاحتشام فيستبيحون المعمورة ويجعلون من البلاد مزارع وبقراً حلوباً يعبُّون منها حتى الضروع بحجة أنهم حاكمون, ولو كان لعمر سلطان عليهم لجمعهم جمعاً وعلاهم بدرِّته تلك التي تكسر الصخور وتزيل الراسيات, لكنه مات وبليت عصاه.
عَلَّمَنا عمر بعدد أيام حكمه أن الزعامة تُهزل الجسد لا تُتخمه، وتُتعب البدن لا تُريحه، وتملأ الرأس همَّاً وغمَّاً، عَلَّمَنا أن الحاكم خادم لرعيته يأكل آخرهم وينام بعدهم ويجمع مشاكلهم ويحشو بها رأسه الصغير إلى أن ينفجر أشلاءً، عَلَّمَنا أنَّ من أراد أن يُصاب بالسكري وبالمرض المزمن وارتجاف القدمين وارتعاشة اليدين وجفاف الحلق فلينتصب زعيماً للأمم والشعوب، ومن أراد الراحة فلينأى بنفسه فهو أوفق به.
فلو أنَّ حاكماً كلَّ وراءه قلم مداداً ليكتب عزماً وحزماً وحكمة وصبراً وإبداعاً في مجال الرئاسة وابتكاراً في خدمة الناس لرأينا الأقلام كلها ساعية جاهدة وراء ذلك الرجل الطويل الذي يحمل بيده درَّة عمر.
ولقد بلغ من حدسه وفراسته أن صار مركزاً لمشاعر الأمة، فإذا جاع مواطن من رعيته قرقرت بطنه، وإذا عطشت دابة في آخر المدينة جفَّ حلقهع، وإذا صرخت امرأة من ظلم زوجها دوَّى صوتها في ذهنه، فكأن جوع الأمة في معدته، وأصواتهم تنبعث في رأسه، وحرّ الشمس في البيداء يلسعه قبل أن تجفل منها الفصال.
إنَّ آخر شيء يمكننا إيجاده لو تفحصناه بالمجهر الماسح في دولة عمر الفسيحة، آخر شيء هو الفساد المالي الذي تترع به الدول الحاضرة، ولا غرو ولا عجب إذا كان إنما ينام ويصحو على التفكير بمقدرات الأمة المالية، يحصيها وينفقها حال نومه وسيره وصلاته، فلو أنّ درهماً فُقد بغير وجه حق لأحضره من جوف آكله ولو كان في آخر الأرض.
وهذا هو حسن المسؤولية الذي تُجلِّيه بصيرة نافذة لحاكم مثل عمر، أوَ لم يحدث مرة أن طفق راكضاً في يوم حر شديد يتعقب جملاً من إبل الصدقة؟، رآه علي وسأله، ولما أخبره عجِب منه علي: لقد أتعبت منن بعدك يا أمير المؤمنين.
الكبرياء بثمن بخس
خُلقت هذه النفس ومعها شهواتها المارقة المزيَّفة ليتحقق التكليف الإلهي بأبهى صوره وأتم حِكَمِه, ومن هذه الشهوات لباس الكبرياء الذي يتوق إليه كل ذي كبد عاقل, بيد أنَّ الإنسان لحظة يمعن في نفسه الذلول يتجلى في ذهنه صورة رائعة لِصِغَره في هذا الكون, كل شيء حوله يُنبئه أنه صغير وصغير جداً, ومهما نفخ الشيطان فيه عاد ذاك المسكين المحتاج الذي ينشد رحمة ربه في الليل والنهار.
وإذا كان الناس يفتقرون اليوم إلى معالجة نفوسهم على هذا النحو، فإن الرعيل الأُوَل والأقدمين من أجدادنا النبلاء فقهوه وضربوا أروع الأمثلة في إذلال هذه النفس اللجوج العجول وأقعدوها مقعدها المناسب الصحيح, وقد كانوا يطلقون على عمير بن سعد ذلك الصحابي مغمور الذِّكر في عصرنا, كانوا يُسمُّونه ” نسيج وحده”.
تمتد يد القدر الإلهي بعيون العبقرية العمرية كي تختار هذا الصحابي الوجِل لإمارة حمص الموسومة في عهدهم بـ “الكويفة الصغرى”؛ لأنها كانت تنافس كوفة العراق في التمرد على كل كل والٍ جديدٍ, ويرحل عمير صوب الشمال وهو كاره، ويصبح بين ليلة وضحاها ومسافة الطريق المهول أميراً على حمص, وتدور الأيام عاماً كاملاً دون أن يرفد عمير الخليفة عمر بدرهم, ويستبطئه الخليفة وترمي الشكوك برأسه صوب عمير, يُبرق إليه على الفور أن أحضر إلى المدينة.
ولما رنَّ الخبر في رأس عمير رحل على الفور حاملاً معه “جِرابه”12 المُشتمِل على قصعته التي يأكل بها وأداوته وعَنَزَتِه “عصاه” وأقبل يخدُّ الأرض صوب المدينة التي اشتاق لها, فما مرَّت سوى أيام وإذا به واقفٌ أمام عمر شاحب اللون أغبر الوجه أشعث الرأس, واهتال عمر لمنظره: ما شأنك؟, قال: ما شأني؟, ألست تراني صحيح البدن طاهر الدم معي الدنيا أجرها بِقَرْنِها,فقال: ما معك؟, وظن عمر أنه جاءه بمال, فقال: معي جرابي أجعل فيه زادي وقصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدواً إن عَرَضَ بي, فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي, قال عمر: أجئت ماشياً؟, قال: نعم, قال: أما أعطاك أحدهم دابة ترتحل عليها, قال: ما فعلوا وما سألتهم, قال عمر: بئس القوم هم, قال: اتقِ الله إني خرجت من عندهم وهم يُصلُّون الغداة.
قال عمر: فأين بِعثَتُك؟, قال: إني لما وصلت حمص منذ عام جمعت صلحاءهم وأوكلت إليهم أمر الزكاة والمغانم فكانوا يفرِّقونها على الفقراء والمساكين, ولو بقي شيء لبعثت به إليك.
قال عمر: جددوا لعمير العهد, قال: كلا, إنَّ هذا زمن ولَّى, والله لا عملت لك ولا لأحد بعدك, والله ما سلمت بل لم أسلم لقد قلت لنصراني: أخزاك الله, فهذا ما عرضتني يا عمر وإن أشقى أيامي يوم خُلقت معك يا عمر.
ثم استأذنه وذهب إلى بيته شرق المدينة, غير أنّ عمر كان شكَّاكاً في كل شيء يمسُّ أمر الرعية, قال بعد أن ذهب عمير: ما أراه إلا قد خاننا, فبعث رجلا يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار, وقال: انطلق إلى عمير حتى تنزل كأنك ضيف فإن رأيت أثر شئ فأقبل, وإن رأيت حالا شديدا فادفع إليه هذه المائة دينار.
فانطلق الحارث فإذا هو بعمير جالس يُفلِّي قميصه إلى جنب الحائط, فسلَّم عليه الرجل فقال له عمير: أنزل رحمك الله, فنزل ثم ساءله فقال: من أين جئت؟, قال من المدينة, قال كيف تركت أمير المؤمنين؟, قال: صالحا, قال: كيف تركت المسلمين؟, قال: صالحين, قال أليس يقيم الحدود, قال: بلى ضرب ابنا له على فاحشة له فمات من ضربه, فقال عمير: اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديداً حبه لك.
فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قُرصة من شعير كانوا يخصَّونه بها ويطوون حتى أتاهم الجهد, فقال له عمير: إنك قد أجعتنا, فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل, فأخرج الدنانير فدفعها إليه, قال: هذه الدنانير بعث بها أمير المؤمنين إليك فاستعن بها, قال: فصاح وقال: لا حاجة لي فيها رُدَّها, فقالت له امرأته: إن احتجت إليه وإلا فضعها مواضعها, فقال عمير: والله ما لي شئ أجعلها فيه, فشقَّت المرأة أسفل دِرْعها وأعطته خِرْقة فجعلها فيها ثم خرج يُقسّمها بين أبناء الشهداء والفقراء, ثم رجع والرسول r يظن أنه يعطيه منها شيئا, فقال عمير: أقرئ مني أمير المؤمنين السلام.
فرجع الحارث إلى عمر, قال: ما رأيت؟, قال رأيت يا أمير المؤمنين حالا شديدا, قال: فما صنع بالدنانير؟, قال: لا أدري.
فكتب إليه عمر: إذا جاءك كتابي فلا تضعه من يدك حتى تقبل, فأقبل على عمر فدخل عليه فقال له عمر: ما صنعت بالدنانير, قال صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها, قال أنشد عليك لتخبرني ما صنعت بها, قال: قدَّمتها لنفسي, قال: رحمك الله, فأمر له بوسق من طعام وثوبين, قال: أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صاعين من شعير إلى أن آكل ذلك يجيء الله بالرزق, ولم يأخذ الطعام, وأما الثوبان فإن أم فلان عارية فأخذهما ورجع إلى منزله13.
إنَّ العجب – يا سادة – ليس من عمر ولا من عمير, بل من ذلك الدين الذي يُجري هذه الصناعة التحويلية الرائعة, لقد كشط عمير الوالي من جلده آخر باقيات الكبرياء التي يعبُّ منها الأمراء عبَّاً, باع كِبْر النفس بثمنٍ بخسِ دراهم معدودة وكان فيه من الزاهدين.
ثم مات عمير وشيَّعه الخليفة عمر, وحين عاد من تشييعه قال عمر لرفقائه: تمنَّوا, قالوا: مالاً نعتق به عبيداً لوجه الله تعالى, ومالاً ننفق منه في سبيل الله, وقال ثالث: أرفع دلاء زمزم إلى أفواه الحجيج, وأطرق عمر وقال: أما أنا فأتمنى رجلاً كعمير بن سعد أستعين به في أعمال المسلمين14.
وليس غريباً البتة أن يرسم عمر في مخيلته لنفسه ولأبناء العصور من بعده كيف تنصلح الرعية, إنها سياسة الحاكم النزيه الذي يترفع عن أموال الناس ويودي بكبرياء نفسه دون تردد, هذا الصنف العزيز من الرجال الذي يميس مختالاً في ذاكرة العصور, ويطهِّر روحه من أدران الفئة العليا الحاكمة للرعية يبحث عنه عمر بحث الكلال دون أن يملَّ, ولو قُدِّر له أن يطوف أرجاء الأرض ويصعد في السماء باحثاً عن واحد منهم ثم يجده لتعنَّى السير في سبيله.
وهي ليست سياسة الفراغ وبساطة الحكم في عهد عمر, إنها صناعة للنفوس منذ العهد النبوي تُزهر على يد الصحابة ومن بعدهم وتنير ظلمات الأرض بعدما غرقت في حندس ظلوم يقطع الأعناق ويُردى بها في مهاوي الضياع تاركاً سنوات الخلق وراءه محض أيام مفلسة في الإنجاز والتحضر.
والكبرياء ذاته الذي زهد فيه صاحبنا عمير سيُلقي عصا ترحاله بعد قرون في يد خليفة عثماني متأخر هو آخر باقيات الدولة التركية, السلطان عبدالحميد الثاني، ستنازع نفسه العليَّة كبرياءً آخر يفرق طريقه بين أن يبقى سلطاناً للباب العالي أو يدع اسمه يُحلِّق بين النجوم يتطاول مع الأيام إلى ساعة لا يعلمها سوى الله حين يأذن بالقيام الأكبر بين يديه, ولقد اختار الثانية.
ففي الرسالة التي وجهها السلطان نفسه إلى أبي الشامات استاذه في الطريقة الشاذلية سنة 1329 بعد خلعه, نقرأ في الرسالة:
“إنَّ هؤلاء الاتحاديون قد أصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين), ورغم اصرارهم لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيراً وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة انكليزية ذهباً، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الاسلامية والأمة المحمدية مايزيد على ثلاثين سنة فلم أسوِّد صحائف المسلمين, وبعد جوابي هذا اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيبعدوني الى سلانيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير, هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن أُلطِّخ العالم الاسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة فلسطين”15.
ولقد انتهى عهد الدولة العثمانية ومات السلطان عبدالحميد وأُقيم لليهود دولة في فلسطين, وتحقق ما نافح من أجله ذاك السلطان لكنه كتب لنفسه المجد في أن هذه الرذيلة التاريخة لم تُنسب إليه, فالآن وبعد أكثر من قرن زماني يُذكر السلطان على شمعات من نور بعدد الأيام والساعات بيننا وبينه, وما ذاك إلا لأنه لم يعبه طرفة عين بكبرياء النفس الزاهي الغرور واختار البقاء في تاريخ العظماء كنجمة مضيئة تصدح في السماء لا تمَّحي بل تزداد تألقاً كلما اربدَّ الليل واهتال بأبناء العالم السفلي.
أو إن شئت أن يتنفس الصبح المُكتنَز في أرواحهم قلت هو إيثار العلياء على لعنات التاريخ والأمم فبدلاً من أن يلعن أطفال فلسطين تلك الروح التي باعت حياتهم وأرضهم لأنفاس الرجس المزهوم صاروا كلما ذكروه أبلغوه من دموعهم حباً يستجلي الرَّحمات العظام ويستنطقون القدرة في السماء أن تُثري تلك الروح الطاهرة بضروب السعادة والبقاء.
فحنانيك يا الله على تلك العظام في “سلانيك” أن تكتبه عندك من الخالدين وأجداده الأقدمين في مراقي الصعود, حقاً نشهد نحن العرب أن آل عثمان لم يبيعوا فلسطين ولم يُفرِّطوا في هباء القدس وضنّوا بها على حساب كبريائهم.
والإيثار بالنفس حكمة عربية قديمة، اختلفت إليهم بعد أن أسلموا، فهل شعرت أن صناديدَ ثلاثة ممن كانوا أطماراً في الجاهلية يذودون عن أصنامها ويقاتلون الجن من أجل كعب هبل, يجمعهم صعيد الإيثار في موقف جسور على سهل اليرموك في بلاد الشام.
عكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمر والحارث بن هشام وكلهم من بني المغيرة يُبلون في موقعة اليرموك مع خالد وينتصرون لدينهم على الروم, ثم ينكشف الأفق عن غبار نصر في المعركة وثلاثة أبطال مجندلين جرحى يتلهفون للسماء, أُتي عكرمة بالماء فنظر إلى سهيل بن عمرو ينظر إليه، فقال: ابدؤوا بذا، فنظر سهيل إلى الحارث بن هشام ينظر إليه فقال: ابدؤوا بهذا، فماتوا كلهم قبل أن يشربوا، فمر بهم خالد بن الوليد فقال: بنفسي أنتم16.
ولولا أن العظمة في أسمالهم لما اختار جريح منهم أن يؤثر صاحبه بشربة ماء قد تردُّ إليهم أرواحهم, لكنما الأمر يزيل الراسيات بنفوس لا تعدو أن تكون من جلد ولحم ودم.
والحق الجزيل الذي ليس به هراء أننا نحتفظ للمعتمد بن عباد الأمير الأندلسي بصورة متألقة رغم ضعفه التاريخي, نبع ذلك عقب وصول رسالة الإذفونس الملك الإسباني إليه يطلب فيها من المعتمد تسليم البلاد, فاستشار المعتمد أركان دولته فأشار بعضهم بالمهادنة وآخرون بالحرب والاستعانة بملك المغرب آنذاك يوسف بن تاشفين, فقام غير واحد من الأعيان بتخويف المعتمد من الاستعانة بابن تاشفين خشية أن يبتلع بلاد الأندلس إذا ما دُحر الإذفونس, فقال المعتمد: رعي الجمال خير من رعي الخنازير17.
أي أنه بعبارة حضارية يُفضِّل أن تظل الأندلس إسلامية حتى لو خرجت من سلطانه, فلأن يستولي ابن تاشفين على بلاد الأندلس وتبقى في حوزة الإسلام خير من يحكمها المعتمد تحت ظل الإسبان, ولولا أن المعتمد هزَّ بدنه وروحه عنيفاً وألقى الكبرياء الأرضي الزائف عن نفسه لظل اسمه مقروناً بخيانة الدين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إنَّ هذا الوجيف الحضاري يذكِّر بما كان قاله صفوان بن أمية لحظة الوقيعة بالمسلمين يوم حنين وكانوا قد انهزموا بعد أن كمنت لهم قبائل الطائف في الوادي وتزحزح المسلمون عن مواقعهم وهربوا ولم يتبق في ميدان المعركة سوى أقلية منهم النبي r, فقال أبو سفيان بن حرب الذي أسلم عن قريب: لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ, وقال كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ – وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ مُشْرِكٌ فِي الْمُدّةِ الّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ- : أَلَان بَطَلَ السّحْرُ, فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اُسْكُتْ فَضّ اللّهُ فَاك، فَوَاَللّهِ لَأَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ18.
ثم أسلم صفوان بعدها وحسُنت سيرته وطفق مجاهداً منافحاً عن بيضة الإسلام وكانت له يد طولى يُكفِّر بها ماضياته السالفة.
والقرار الذي اتخذه كل من المعتمد وصفوان قرار جريء صعب لا يعلم كُنه صعوبته إلا من مرّ بتجربتيهما أو قريباً من ذلك, ذلك أن الدواعي حول الإنسان تُخيِّل إليه أنه مسلوب الاختيار وأن الأمر مفروض عليه فرضاً, وهل الرجولة وكمال الإيمان إلا أن تتمرد عن واقعك المحيط وتتخذ القرار السليم الذي يجعل كفَّة الدين راجحة في نظرك على كفَّة الدنيا؟.
وعلى الرغم أن بَيْرُحاء تُمثل أزهى ما في المدينة من بساتين، وقد تشوَّفت فيها العيون طويلاً وموقعها قبالة المسجد زادها جمالاً وسعراً، بالإضافة إلى مائها العذب المنير الذي كان النبي r يدخل إليه ويستعذب سقياه إلا أنَّ صاحبها أبو طلحة لحظة رنَّ في مسامعه قوله تعالى: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}19, فكَّر فيها كأحبّ أملاكه لديه من البساتين الكثيرة التي يمتلكها ثم شدَّ الخطو صوب نبيه بعد أن صرع كبرياء النفس في الذات والتملك وقدَّمها صدقة يرجو ذخرها في اليوم الآخر, النبي r هو الآخر نفر منها وأمره أن يضعها في الأقربين فتنازل عنها إلى رجلين من أقرباءه هما أبيّ بن كعب وحسان بن ثابت.
والسبب في ذلك عائد إلى وَقْر التربية الإيمانية التي بثَّها النبي r في نفوس الأصحاب ثم سرت إلى قرون المسلمين اللاحقة، تلك الهاديات الزارعة في العقول إقلالاً من حظ الهوى حين ينازع النفس كبرياء الحياة وحب التملك، وبذْل ذلك كله إلى الزهد، ولقد كانوا سادة بحق في تمثِّل سيرة رسولهم r الذي عاش ومات فقيراً، رغم أنَّ الدنيا كانت تعرض نفسها مُتزيِّنة كل يوم بضع مرات، لكنه كان يروم جاهداً أن يبني من الزهد حضارة ليست كالحضارات، حضارة يشعر روَّادها بالإمتلاء والوفرة والغنى رغم أنهم يفتقدون لرغيف خبز صلد كالجلد.
ولو لم يكن للكبرياء سوى أن يُحشر صاحبه في عرصات الحساب أمثال الذَّر فيطؤه الناس بأقدامهم، لو لم يكن من جزاء سواه لكفى أن ينتزعه أمثال هؤلاء، ولو كان كالجلد ملتصقاً بقوة، وإنَّه ما من أحد شوَّف نظره صوب عالم الدار الآخرة واشرأبَّ بالعنق إلى مقتنيات القيامة إلا وتخلَّى عن الكِبْر؛ لأنه: ” لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ”20.
استماتة لأجل من؟.
إنَّ ذكي الشعور لا يحتاج إلى قدح نار صاخبة، بل يشتعل فيه الأوار لمجرد نداء, والعظائم من الرجال والنساء هم أولئك الذين يستبيحون لأنفسهم الكرامة رغم أنها قد تُكلِّفهم حياتهم أحياناً, وسيظل أصحاب النفوس العليّة مقترنين بشعور رقراق يفرض عليهم مسؤولية العمل والإنجاز, لعلهم لم يُخلقوا كسالى, يهدّهم الارتعاش لو تخيلوا مرة أرواحهم تذوى كما يفعل الخَمَل تحت الشمس.
على أنهم حين يفعلون، يستلّون مرادهم وراحتهم بالبذل, فلأجله يعملون وبسببه يتعبون, فإن لم يكن ذلك مزدحماً في رأس المعتصم يعصف به عصف السَّافيات، فإي شيء كان يُخبئه ذهنه حين دخل عليه شيخ عربي هرِم تطاولت عليه كآبتان؟, الأولى محض السفر من بلاد الشمال حيث تخوم الروم, والثانية غُصَّة بَرَمَت فؤاده الشجي الذي أدام طيلة سفره صورة المرأة الهاشمية تقتادها سواعد غليظة من الجنود الرومان وهم يُزجّون بها قفصاً مظلماً في قبو أرضي, صرخت في نكستها من فم سائل بالعذاب: وامعتصماه, ونالت الصرخة من المعتصم حتى كأنها شدَّت كل عرق فيه إلى حتفه وأجابت العروق رغماً: لبيك لبيك, قام المعتصم يستشيط في قصره، وبكلمات مقطوعة بأنفاسه اللاهثة أعلن بغداد كلها تعبئة عامة ونادى بالجنود والقادة: الرحيل الرحيل.
وقبل أن يسير على جيش من الجيوش الذي تجهَّز على عَجَل، جمع القضاة والشهود وأعلن فيهم أن ماله إن استشهد ثلاثة أثلاث: ثلث لله تعالى وثلث لولده وأقاربه وثلث لمواليه, ثم تعجَّل الخروج فكأنما المرأة الهاشمية تتنفس في صدره المائج, وتخيَّل عشرات الصور لامرأة تستنجد به من الروم, حتى إذا وصل الثغور علم أنَّ مدينة عمورية هي أشد حصونهم فسار نحوها، وبمعركة خاطفة كإعصار ليل دخلها وانتصر على حاميتها، ثم سار من حصن إلى آخر حتى وصل حصن زبطرة وحرَّر المرأة الهاشمية, واستراحت نفسه وسكنت عروقه وعاد إلى بغداد يضمّها بين جفنيه وكذلك هي فعلت فأراحته من الهزال21.
وتطاول أبو تمام شاعر العربية الأكبر يهزُّ لسانه بهذه الاستماتة مخلداً أثر المعتصم في عمورية
السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَـــــاءً مِنَ الكُتُـبِ في حدهِ الحدُّ بينَ الجــدِّ واللَّعـــــبِ
فَتْحُ الفُتوحِ تَعَالَى أَنْ يُحيــــــطَ بِهِ نَظْمٌ مِن الشعْرِ أَوْ نَثْرٌ مِنَ الخُطَـــــبِ
بصُرْتَ بالرَّاحة ِ الكُبرى فلمْ ترهـا تُنالُ إلاَّ على جسـرٍ منَ التَّعــــــــبِ
أَبْقَتْ بَني الأصْفَر المِمْرَاضِ كاسِمِهمُ صُفْرَ الوجُوهِ وجلَّتْ أَوْجُهَ العَـــــــرَبِ
فلا نعلم إلى الآن, أهي قصيدة أبي تمام من خلَّد ذكرى المعتصم أم أنّ الحادثة هي التي خلَّدت القصيدة؟, لعلها المرأة الهاشمية أو ذاك العجوز الذي زلزل كيان المعتصم بينما هو جالس مُنعَّم في بغداد, ومهما يكن من أمر فقد دوَّى صوت عريق انطلق من بغداد يبثُّ في الجنبات غَيْرة على عزَّة تلك المرأة التي مثَّلت في قبوها المظلم الإسلام كله.
ولو أنَّ المعتصم لم يفعل ذلك خاصة بعد أن استنجدت به الأسيرة الهاشمية من سجنها, لو لم يفعل لذاب ذكره في عصوره اللاحقة رغم ما قدَّمه في الجهاد والحكم, لذاب كما يذوب النحاس بعد أن تَسْجُرَه في نار تأكل الفولاذ.
وجدير بالذكر هذه الغرابة الحضارية التي نتلمسها الآن في عصورنا ونحن نستوحي ما جلبناه من حديث المعتصم وعمورية رغم أنَّ ثنائية الأثافي22 لا تزال لكن غاب ثالثها, إذ الشيخ الذي ينقل الضيم موفور موفور, والصرخة تعجُّ بها الديار لا صرخة امرأة بل شعوب مترامية يخدُّ على جلودها أحافير الموت الزؤام, يغيب المعتصم على الدوام فمن ذا ينكث عن قبره ويُبلغ عظامه عن صرخات متلاحقة ثقبت آذان الملوك والزعماء.
اسمعي نوح الحزانى واطــربِ وانظري دمع اليتامى وابسُمـي
رُبَّ وامعتصماه انطلقــــــــت ملء أفواه البنات اليُـــــــــتَّم
لامست أسماعهم لكنهــــــــا لم تلامس نخوة المعتصــــــــم23
ولو قُدِّر للمعتصم أن يخرج من ركام الموتى ويشاهد الحال لاختار العود إلى قبره مع أبي تمام, كذلك الشاعر لن يبقى بحجة الإفلاس الشعري متعللاً بخلو الأعصار من الممدوح.
ومن قريب العهد فقدنا النسب الحضاري بأمثال هؤلاء الأجداد العظام الذين ما إن رضعوا لبانات الإسلام حتى أحدثوا نقلة نوعية في شؤون الحياة، فتجد الواحد منهم سيداً هصوراً يغيِّر الدنيا بيمناه, ولقد سطَّروا للأجيال اللاحقة أمثالنا ما يُعدُّ مخزوناً دائماً لا ينضب إلى يوم القيام.
فكأن دماءهم ما عادت تسري فينا, فمن أين انقطع ذاك النسب ومتى توقف؟, والحق أقول لكم إن مثل هذه الاستماتات التي أودت بالعظماء أجدادنا أينعت بالحياة لمن بعدهم, ودعوا لمن يرتاب أن يسمع من البراء بن مالك ذاك الذي أبرق عمر لأمرائه رسالة ضمَّنها اسمه: لا تستعملوا البراء على جيش فإنه مهلكة للمسلمين24,ولقد بلغ من عظمة الإسلام فيه أنّ المسلمين لما زحفوا صوب اليمامة بقيادة خالد واشتد أوار المعركة بين الطرفين وخسر المسلمون مئات الشهداء انتهى بهم الأمر إلى محاصرة أتباع مسيلمة في ما يُعرف بحديقة الموت، وهي حصن منيع استعصى على المسلمين لصلادة أبوابه وجدرانه, وخشي خالد وجيشه أن المعركة انتهت دون أن يستأصلوا شأفة مسيلمة وأتباعه من بني حنيفة.
وركب الهمُّ صاحبنا البراء، وحدَّق بعينيه المتعجلتين في أنحاء الحصن واستولى على قلبه أن المهمة كلها منوطة به، وفكَّر مليَّاً وقرر أن يستميت دفاعاً عن الجيش وحمى الدين, وعلى الفور طلب إلى أصحابه أن يرفعوه على أسنَّة الرماح ويقذفوه فوق الجدار من جهة باب الحصن ورفض أصحابه ثم لانوا تحت عزمه ورفعوه عالياً على الرماح والأسنَّة في منظر بهيٍّ بديع يُنبئ عن أروع الأمثلة في البطولة والفداء، وألقوه ونشبت داخل الحصن عند بابه معركة شرسة بين فرسان تترى والبراء وحده, وتجمهر المسلمون أمام الباب يسمعون الصيحات وقرع السيوف ولا يرون شيئاً حتى إذا هدأ القرع فُتح الباب على عجل وأشرق وجه البراء بأسارير البشرى وانساح المسلمون داخلين والبراء ممسك بباب الحصن، ولما دخلوا عن آخرهم في حديقة الموت أغلق البراء الباب ورمى بالمفتاح خارجاً, واستوت الحديقة مُغلقة الأطراف فيها جيش خالد وبنو حنيفة من أتباع مسيلمة وتجدد القتال وانكشف الأفق عن نصر مؤزر واعتلت راية المسلمين الحصن وقاسى البراء جراحه الثمانين وأقام خالد عليه شهراً يداويه حتى برئ من جراحاته25.
فلو كانت الاستماتات تقرِّب أجلا لقضى البراء منذ أن رفعوه عالياً وقذفوه تحت عشرات السيوف اللامعة العطشى لكل من زعم يومها أنه من جيش خالد، ولكن { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}26 لأنه لا علاقة البتة بين الحرب والقتال والموت, ذاك أمر لا يعلمه سوى الله {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}27, مضى البراء مجاهداً بعدها تكلح وجهه الشمس في صحراء الجزيرة والعراق وحاصر مع المجاهدين في حصار تستر الشهير، واختبأ العدو داخل مدينة مُحصَّنة وتكرر ما قاساه المسلمون في اليمامة، وجاء أبو موسى الأشعري على عجل إلى البراء يطلب إليه أن ينتدب معه رجلاً قوياً من المسلمين لأنهم اهتدوا إلى سرداب تحت الأرض يوصل إلى المدينة, والتقى البراء بمجزأة بن ثور وسأله أن يدلَّه على رجل جسور, فقال مجزأة: أنا صاحبك, ودخل الاثنان السرداب وقتل البراء.
وكان قبل أن يُقتل وضاقت الأحوال على المسلمين توجَّه بعضٌ منهم إلى البراء وقالوا: يا براء أتذكر حديث النبي r فيك؟, وما هو؟ قالوا: ” كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرَّ قَسَمَهُ، منهم البراء بن مالك “28,فقال البراء: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك.
فهذه الأصوات والفعال التي صنعها الإسلام في رجل فقير نحيف أمدَّت في عمره التاريخي حتى صار ينبو على الألف عام, وصار لازماً على الأجيال تلو الأجيال أن تقص عبقريات حكاياته في أول الليل وآخره، وتجعل منها معيناً لا ينضب يرفد مسيرتنا الحضارية بنفير متواصل لا يخمد بتاتاً.
إنَّ الأوزان الحضارية للرجال التي حفل بها تاريخ المسلمين زادت كمَّاً ونوعاً عمَّا علمناه في الدول والحضارات الأخرى لكل من قرأ وقارن بموضوعية, بل إنَّ الفارق حينئذ يمثل البون الشاسع بين ديانة الإسلام كمُنزلة من عند الله تعالى وبين أخريات اعتورها التحريف وأصابها خطل التزييف أو لا تعدو أن تكون فلسفات أرضية وأفكاراً وضعية تشطح بعيداً عن حاجة الإنسان فضلاً أن تأخذ بلبِّه.
وما قدَّمه البراء وغيره في مجال العمل الفدائي في الإسلامي لا يقف عند حدود تلبية طموح نفس ونيل شهادة ومقام عريض في الآخرة, لقد كان البراء يدق مسمار بناء في حضارة ستُطبِْق الخافقين واقعاً معيشاً من بعد أن كانت يقينية في رأسه المثير.
ومثل هؤلاء الذين ندبوا أنفسهم للفداء وأقاموا ظلاً فسيحاً لبني الإنسان على جماجمهم تتربع الحضارة الكريمة التي بدأت تُذلِّل ثمارها وجناها منذ أن اصطف عبدالله بن جحش وبرفقته سعد بن أبي وقاص قبيل غزوة أحد تلك الغزوة التي تمثل منجماً من العبر والدروس فإنه ما من معركة في الإسلام أثرى في الدروس والعبر من أحد دون أن نستثني يوم الفرقان بدر.
وسيمرُّ لاحقاً فصل عن أُحد نُجلِّي فيه كنائز ومكامن هذه الغزوة الجديرة.
وتداعى الرجلان إلى الدعاء وبدأ سعد: اللهم رجلاً من المشركين يقاتلني وارزقني الظَّفر عليه, وقال عبدالله: اللهم لقَِّني رجلاً شديداً من المشركين قوي المراس يقاتلني ثم يقتلني فيجدع أنفي ويشقُّ أذني ثم آتيك يوم القيامة فتقول لي لم صنعت ذلك؟, فأقول من أجلك وأجل رسولك يا رب فتقول لي: صدقت, كان سعد يحدث بهذا الحديث إلى ولده ويردد: لقد كانت دعوة عبدالله خير من دعوتي, فلقد رأيته مصروعاً في آخر المعركة وأذنه وأنفه معلقان في خيط29.
لقد بلغ طموح هذا الرجل أن صار ينسج في مخيلته سيناريو يتجاوز عالم الدنيا ويطير عابراً الأفلاك نحو السماء ولا ينتهي إلا هناك حيث الحضْرة الإلهية القدسية, ولقد وقفنا على رواية أبانت أن نصف طموحه تحقق فعلاً يتراءى من خلال أذنه وأنفه المقطوعين المعلَّقين بخيط ونطمح مثله أن يقع ما تمناه هناك حيث عالم الآخرة والجزاء الأوفى, ولم لا وقد احتكر المخلصون من العُبَّاد الآخرة كلها.
فلأجل من قدَّم عبدالله نفسه رخيصة يبيعها بالمجان من ثمن عاجل؟, ولأجل ماذا رمى بها في كفه ينادي عليها نداء المستميت؟.
والجواب الحافل أنه عقد عقداً بإيجاب وقبول تامّين في صفقة هنيئة أركانها مكونة من العاقدين وهما: الله في علاه وهو المشتري, ثم العاقد الآخر بائع النفس, والمعقود عليه من الثمن وهو الجنة, والسلعة نفسه المكونة من دم ولحم وعظم وقلب يتلألأ إشراقاً بصفقته, أما الركن الثالث وهو صيغة العقد المشتملة على إيجاب وقبول فقد أذِن الله بها منذ أن أنزل كتابه العظيم نجد ذلك في: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}30.
وقد ورد عند الواحدي والسيوطي: لما بايعت الأنصار رسول الله ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً, قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا قال:الجنة, قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت هذه الآية31.
وقد يقدِّم مثل هذ الاستماتة في الله الحي اللصيق بالميت فكأنما يقاسي من النوى والألم بعد موت صاحبه ما ينوف عمَّن مات، كصفيَّة بنت عبد المطلب عمَّة النبي r لما قُتل أخوها حمزة في أحد, استشرفت ميدان المعركة تبحث عن أخيها بعد أن تناهى لمسمعها استشهاده, أقبلت كإعصار ذابل ورآها النبي r وخاف أن تعاين أخاها وقد مثَّل به المشركون وتركوه أوزاعاً مُقطَّعة الأوصال, وأمر النبي r ابنها الزبير بن العوام أن يتعرض لأمه ويصرفها كي لا تشاهد أخاها حمزة بهذه الحال فقالت: إنه بلغني أنه مُثِّل بأخي وذلك في الله قليل فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن, فأعلم الزبير النبي r بذلك, فقال: خلِّ سبيلها، فأتته وصلَّت عليه واسترجعت وأمر رسول الله بحمزة فدُفن32.
ورواية البزار أنه لما أخبرها ابنها بأمر النبي r وأخرجت ثوبين معها, فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فإذا الى جنبه رجل من الأنصار قُتل وقد فُعل به ما فُعل بحمزة فوجدنا غضاضة وحياء أن يُكفَّن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له, فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدَّرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر, فأقرعنا بينهما فجُعل كل منهما في الثوب الذي صار له33.
إنه لا يُقدِّر عظمة صفيّة إلا من علم مبلغ حبها لأخيها حمزة الذي كان يملأ حياتها, ومع ذلك ترمي نبأ موته بـ: وذلك في الله قليل لأصبرنَّ وأحتسبنّ, ولقد بلغ الأمر بالمسلمين الثكالى عقب خسارتهم في أحد أن يقتطعوا من أكفان موتاهم ما يُسجّون به غريباً عنهم في لحمة النسب, لكن أخوَّة الدين غالبة، فما أعظمه من ميدان حرب تنتشر فيه رائحة الموت وتبوح فيه أشلاء الشهداء بالسر الأعظم, لقد صرف الدين هؤلاء الأعراب من رعاة إبل وسدَّان أصنام وآل بهم الأمر أن يتبوؤا منزلاً رفيعاً في الأخلاق والإيثار وأن يُسجّلوا في ذاكرة التاريخ ما تضفيه جلودهم العارية ووجوههم الكالحة من عبقريات فذَّة تعجز عنها أوفر الأمم الحضارية المُنعَّمة.
وقد آن لنا أن نسأل الأخوين عمر بن الخطاب وزيداً لم ترك الاثنان درعاً تُبعِد عنهما – ما استطاعت – غائلة القتل والجراح يوم أحد؟, قال عمر لأخيه: خذ درعي, فأجابه زيد: إني أريد ما تريد من الشهادة, فتركاها جميعاً وقاتلا دون درع.
وقد كان المنطق يقتضي أن يلبسها أحدهما, وإذا كان زيد رفضها كان على عمر العاقل أن يرتديها, لكنهما آثرا بها عفونة الصحراء وحرق الشمس, لقد تجاوز الرجلان بأحلامهما منطق الدرع والاحتياط والسلامة الوقائية وخاضا قتالاً شرسا بصدرين مكشوفين.
واستشهد زيد يوم اليمامة الذي انتصر فيه المسلمون بقيادة خالد مع أنَّ الغلبة ظهرت في بادئ الأمر لبني حنيفة واستشاط زيد غضباً وقال: أما الرجال فلا رجال, وجعل يصيح بأعلى صوته: اللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة ومُحكِّم اليمامة وجعل يسير بالراية يتقدم بها حتى قُتل.
وفقده عمر وحزن عليه فكان يقول: ما هبَّت الصَّبا إلا وأنا أجد منها ريح زيد, ولقي عمر الشاعر مُتمِّم بن نويرة وأنشده مراثيه في أخيه مالك وأجابه عمر: لو كنت أحسن الشعر لقلت في أخي مثل ما قلت في أخيك, قال متمم : لو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه فقال عمر: ما عزَّاني أحد بأحسن ما عزيتني به34.
التيلباثي الإسلامي
التيلباثي مصطلح غربي يشير إلى التخاطر عن بُعد، أو يمكن أن نسميه الحاسة السادسة للإنسان, بمعنى أن من يتقنه يزعم الوصول إلى معلومة خارج نطاق الحواس الخمسة المُدركَة لدى البشر, ويمكن أن يطلق بعضهم عليه اسم الحدس, ولغرابته يُنكره أكثرهم بحجة أنَّ العقل يُحيله.
وعلى الرغم من ذلك فهو علم يُدرَس ويُدرَّس والقائمون عليه يقولون: إنه لا يزال قيد البحث وفي بداياته والمستقبل كفيل أن يثبته فلا يبقى منكر له البتة, فهو أشبه بمن أنكر الطائرة في القرن التاسع عشر أو الخلوي قبل خمسين عاماً.
أياً ما يكون الأمر فسنجد له تقاطعاً غريباً لدى واحد من أعلام المسلمين في القرن الخامس الهجري وهو الإمام الغزالي ( ت505 هج) الذي يقول: “وهذا هو العلم الرباني وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وعلمناه من لدنا علما}35, مع أن كل علم من لدنه ولكن بعضها بوسائط تعليم الخلق فلا يسمى ذلك علما لدنيا بل اللدني الذي ينفتح في سر القلب من غير سبب مألوف من خارج”36.
أي أنه يُقسِّم العلم إلى علم كسبي وهو علم الحواس أو العلم الطبيعي المعروف, وآخر وهو العلم اللدني, وهو المقصود بالآية: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}37,والإشارة إلى الخضر الذي لقيه موسى u عند مجمع البحرين, ويستقيم الكلام في أنّ ما علمه الخضر من أمر السفينة والمساكين أولاً والطفل الذي سينبت كافراً ويرهق والديه المؤمنَين ثانياً والجدار الذي يُخفي تحته كنز حفظه الله تعالى للغلامين بسبب صلاح أبيهما, هذه العلوم الثلاثة ليست من العلم الكسبي في شيء وإلا كيف عرف الخضر بها وهي ليست في متناول البشر فضلاً عن أن بعضها مُغرَق في عالم الغيب الذي لا يطَّلع عليه سوى الله؟.
وإذا كان الخضر نبياً فمعرفته وحي, وإن لم يكن فكيف توصل إليها38, وبعيداً عن الخوض في ذلك فهو علم رباني لا يشترك فيه بنو البشر بل هو محض فيوضات إلهية.
تماما هو الحال مع صاحب سليمان u الذي ذكر الله في حقه: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}39,قالوا: هو آصف بن برخيا من الإنس، وكان يعلم اسم الله الأعظم، لما رأى حاجة سليمان u لإحضار كرسي بلقيس التي أوشكت الوصول إليه في الشام قادمة من اليمن لما رأى ذلك قال: أنا أُحضر لك الكرسي قبل أن يرتد إليك طرفك, واختلف المفسرون في ارتداد الطرف هل هو قبل أن يأتيك رسولك الذي تبعثه في أمرك؟, أم قبل أن تُلوِّح بطرفك إلى منتهى ما تستطيعه؟, أم قبل رمشة عين؟.
لكننا نلاحظ القصة تنطوي على قدرة عجيبة تُمكِّن صاحبها من أن يحضر كرسياً ملوكياً من مسافة تزهو عن ألفي ميل وليس مجرد علم, ومن هنا رجَّح المفسرون أن آصف أو غيره دعا باسم الله الأعظم.
على أنك ستجد في ثنايا تاريخ الأعلام لدينا أموراً جمَّة لا يمكن تفسيرها علمياً حتى في هذه الأوقات التي تبعد عنهم أكثر من عشرة قرون، على الرغم من التقدم العلمي المذهل الذي مكَّن البشر من أن يتسامر اثنان أحدهما في شرق الأرض والآخر في غربها, بل وأن تُنقَل الصورة مباشرة لما يحدث الآن على بعد عشرات بل مئات الآلاف من الأميال.
على أنَّ المسافة بين المسجد النبوي الذي كان يخطب به عمر والعراق، حيث جيش المسلمين بقيادة سارية بن زنيم أقل من ذلك بكثير، فهي لا تعدو الألف ميل, خطب عمر مرة المسلمين ووقع في ذهول وفجأة قال: ياسارية الجبل الجبل ثم عاد إلى موضوع خطبته واستغرب الصحابة من سارية والجبل وسألوه بعد الصلاة فأجاب: لا أعلم ولكن خُيَّل إلي أن بعث المسلمين ألجأهم العدو وكاد يُحدث فيهم مقتلة عظيمة فرأيت أن الجبل خير عاصم لهم ولا أدري من أين جاء كل ذلك؟, وجاء الرسول r من العراق بعد أيام يحمل نبأ انتصار المجاهدين في بعث سارية وسألوه فأخبر: انتصرنا عليهم وحدَّث بالمعركة فقال: كاد العدو أن يهزمنا فسمعنا مناديا ولا نراه يقول: الجبل الجبل ففطنا إلى الجبل حولنا فجعلناه إلى ظهورنا ثم فتح الله علينا, قال عبد الرحمن بن عوف وهو يدافع عن عمر لما ثار عليه بعض الكلام من الدهماء: دعوا الرجل فإنه مصنوع له40.
ولو صدَّق علماء التيلباثي الغربي هذه القصة عن عمر وسارية لقالوا: تماماً هذا هو ما نقصده بالتخاطر عن بعد ” علم التيلباثي”, إذ ليس في وسع عمر حسَّاً أن يبلغ بصوته العراق فما حدث هو تخاطر بين الرجلين، وهو الذي سمَّاه الإمام الغزالي العلم الرباني, والفارق بين نظرية الغزالي وأرباب العلم الغربي, أنهم يجعلون ذلك قدرة أودعها الله تعالى في البشر أو في المخلوقات وليست خاصة بأصحاب ما يُسمَّون بالأولياء أو الصالحين في حين أنَّ الغزالي يُصرُّ أنه علم رباني لا يحدث إلا مع أولياء الله الصالحين وهو يندرج تحت ما يُعرف بالكرامة.
والذي نسميه تخاطراً أو تخاطباً بين نفسين أو روحين أو فراسة أو حدساً واقعاً أو كرامة أو فيوض إلهي لا يستبعده علماء الإسلام فقد ورد عن نبيهم r: ” إن لله عز و جل عبادا يعرفون الناس بالتوسم”41 أي بالفراسة فيدركون بعض الأشياء لا عن بصر ولا سمع ولا أيٍ من المدركات الخمسة, وتفسير مجاهد لقوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}42 أي المتفرسين43, وربما يكون المعنى أنه يحصل لهم من التأمل ونقاء الباطن ما يتكشف لهم بعض ما يغيب عن مدركاتنا.
وقد ذكروا أن رجلاً خرج من بيته فوقعت عينه على امرأة شزراً ثم دقَّ الباب على عثمان الذي خرج وحدَّق فيه وقال: يدخل أحدكم وفي عينه أثر الزنا, قال الرجل: أوحي بعد رسول الله؟, قال: لا, ولكنها فراسة المؤمن44.
والعلم التجريبي لا يستطيع إلى الآن تفسير ذلك ويحاكمه بالسلب والنفي؛ لأنه يعتمد في حساباته على أن المدرِكات المعقولة لا تتجاوز الخمسة المعروفة, وهذا فعلاً ما اعتاده الناس ودعمه المنطق والحس والمشاهدة.
لكننا نعلم من نبينا الذي نصدر عنه في الرؤى والأفكار والتصور أن الذنوب والمعاصي هي التي تحجب عن المكلفين المعرفة بما تُنكته في القلب والعقل فتشوب صفوهما، ولو حافظ الإنسان عليهما صقيلين غير مشوبين لرأى من العجائب ما يفوق الحس والعادة.
يتضح ذلك جلياً فيما رواه أبو هريرة في حادثة المعراج عن النبي r: ” فلما نزلت وانتهيت إلى سماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات! فقلت: ما هذا يا جبريل u؟ قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ولولا ذلك لرأت العجائب” 45, أي أن الشياطين لها صنعة في تضليل رؤية الآدميين إلى عالم الملكوت المُذهل، كما أنَّ لها بصمة في الإغواء وإبعاد الخلق عن خالقهم بطرق تزيين الذنوب وتهوينها وتحقير الطاعة.
بل في حديث حنظلة الصحيح ما يؤيد أبعد من ذلك في أن المداومة على الطاعة والذكر تُحدث من عجائب الأمور ما تستنزل العالم الملائكي على الأرض إلى درجة أن يراه البشر ويتصافحون معه, فقد خرج حنظلة الأسيدي من بيته ولقيه أبو بكر فسأله عن حاله فقال: نافق حنظلة, وكيف ذاك: إنَّا نكون عند النبي r فيحدثنا عن الجنة والنار حتى كأننا نراها رأي العين فإذا خرجنا من عنده وخالطنا الأزواج والدنيا والأولاد نسينا, فذهبا إلى النبي r فقال: ” والذي نفسي بيده ان لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات”46,والحديث صحيح لا يُردُّ فهاتِ من بعدها ما قام عليه العلم التجريبي الغربي من أسس علمية رشيدة كيما يفسر ذلك لنا تفسير مقبولاً يصدُّقه العقلاء, لأننا سنحكم بعدها أنَّ العلم يعجز في أحايينه عن تفسير بعض ما يحدث في العالم السفلي فضلاً عن العالم العلوي.
والسبب في ذلك أنَّ العلم الحاضر أقام أسسه وقواعده على الماديات والتجريب، مع أنَّ الدنيا حولنا فيها ما هو غير خاضع للمادة كالروح مثلاً، فما هو تفسير العلم التجريبي للروح؟، الحق أنه لا يقدُّم تفسيراً واحداً لها، ولا يستطيع الحديث عنها إلا بإسلوب فلسفي قديم، ذلك أنه حين يزعم عن الروح بأنها مادة الحياة أو طاقة من نوع خاص بها حياة الكائنات العاقلة والحيوانات لا يكون قد قدَّم تفسيراً علمياً، بل هو هروب منها؛ لأن حقيقة الروح بهذا الوصف معلومة منذ فجر التاريخ،وقل إن شئت مثله عن الحَدَس أو الحاسة السادسة أو التنبؤ.
بل ويمكن لك أن ترمي العلم الحديث بالعجز عن تفسير الأحلام والرؤى، وجلُّ ما يقوله عنها انطباع في عالم اللاشعور أو العقل اللاواعي، حيث يستحضر الإنسان في نومه صوراً وأحداث مُجتزأة من الواقع اختُزنت في ذاكرته لعدم قدرة صاحبها على القيام بها في يقظته، بسبب ظروف اجتماعية واقتصادية، وهذا يصدُق على نوع من الأحلام، تلك التي أفصح عنها الحديث الشريف بما يحدِّث نفسه في اليقظة، أما الرؤى التي تكشف شيئاً من عالم الغيب، كأن يرى الإنسان حُلماً ثم يحدث بعدها واقعاً ملموساً، أو يرى رموزاً وصوراً مقطوعة فيحدث معه بعد أيام أمراً واقعاً فلا يداخله الشك أنَّ الحلم الذي رآه يدل على هذا الواقع، هذا النوع من الأحلام يعجز العلم الحديث عن تفسيره لقاعدة أنَّ الإنسان غير قادر على معرفة الغيب الزماني.
أما في ديننا فيستطيع تفسير ذلك بسهولة، وذلك أنَّ النبي r أخبرنا عن الأحلام والرؤى وقسَّمها إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الرؤيا، ومصدرها الملَك حيث يُلقي في ذهن النائم أمراً غيبياً، ولما كان الغيب لا يعلمه سوى الله فإن مصدره القدرة الإلهية، فهو إذن لا يتنافى مع جهل الإنسان بالغيب لقوله تعالى: { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}47، فيكون الرسول هنا هو الملَك، { جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا}48، فبالإضافة إلى كون الرسول هنا إلى عامة البشر فالكشف عن الغيب في رأس النائم يكون بإذن الله وحده.
الثاني: حُلُم الشيطان، إذ له سلطة الوسوسة برأس النائم كما له الوسوسة بالمتيقظ، فيُري الإنسان ما يخيفه ويعكِّر صفوه كإخافته من مرض أو مصيبة أو غيرهما، ولكي يتخلص الإنسان من هذا المؤثر الذهني ينفث عن يمينه ثلاثاً ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن فعل لم يضرُّه بشيء، كما أخبرنا النبي r ذلك في الحديث49.
النوع الثالث: ما يحدِّث به في اليقظة، وهو الذي يعترف به العلم، وتقسيمنا للأحلام أخبر به النبي r: “الرؤيا ثلاثة : منها تهويل من الشيطان ليحزن ابن آدم ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فرآه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة”50.
الصديقان بالتخاطر
منذ اللحظة التي حدَّث بها النبي r أصحابه عن أفضل التابعين أويس القرني، ذاك الذي يُدخل الله بشفاعته الجنة عدداً جمَّاً كربيعة ومضر, بل وطلب إلى من يدركه من أصحابه أن يستغفر له مع أنَّ لهم القِدْح المُعلَّى, وسبب ذاك كله كما نعلم برُّ أويس بأمه, منذ أن نثر النبي r على أصحابه أخبار الغيب هذه علِقَت عينا عمر الشغوفتان أويساً فما زال يرنُّ في ذاكرته أن سيراه يوماً.
حتى إذا قضى النبي r ومضى إلى ربه، ظل يحدو بعمر وهو يحدُّق في حُجَّاج اليمن رؤية خبار الغيب هذه عل~قت عينا عمر
البارِّ مستجاب الدعوة أويس, وإنّه لحريٌّ بعمر الذي كان يطلب من الصغار أن يستغفروا له وهم لا يزالون غضَّاً طريفاً حريٌّ به أن يبحث عن صديقه المستقبلي.
ومضت أقدار الله تعلو بعمر وتُحقق أحلامه بعزمه الحديد حتى إذا اعتلى سدَّة الخلافة, وحجَّ مراراً ظلَّ يتشوَّف أهلَ اليمن: أفيكم رجلاً يقال له أويس؟, لا, ويردُّد في نفسه: عساه يكون معهم عام قابل, حتى إذا شاء الله أجابوا بنعم, هو ذا في عرفة, وانطلق الخليفة ومعه علي, فوجدوا رجلاً من أغبار الناس كالعبد وسألوه عن اسمه ولم يكترث حين أجاب: رجل من الناس, وصدحوا: قد علمنا أنك من الناس والخلق فما اسمك؟, قال: أويس القرني، ومن أنتما؟, أنا علي بن أبي طالب وهذا عمر الخليفة, وشعر أويس أنّ بهجة عظمى تتخلل عظامه الرقيقة واستوفز على الفور وقام كالريح, جزاكما الله عن الإسلام خيرا,قالا: وأنت جزاك الله خيراً, قال عمر: استغفر لي, وأجاب: بل أنت أحق بذلك, وأصر عمر وحدَّثه بحديث النبي r: أخبرنا رسول الله ” أنه سيكون في التابعين رجل من قرن يقال له: أويس بن عامر، يخرج به وَضَحٌ فيدعو الله أن يُذهبه عنه فيُذهبه فيقول: اللهم دع لي في جسدي ما أذكر به نعمتك علي، فيَدَعُ له ما يذكر به نِعَمَه عليه، فمن أدركه منكم، فاستطاع أن يستغفر له فليستغفر له ” فاستغفر لي يا أويس51.
قال: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، قال: وأنت غفر الله لك يا أويس بن عامر.
واشتدَّ أوار الصداقة بعد اللقيا رغم أنَّ عمر نال مبتغاه باستغفار صديقه له, ورحل أويس إلى العراق وعاش عيشة الفقراء المُعدمين وصار الناس يتندرون به وبفقره وقلة ماله دون أن يكترث.
وكان له قريب قدم معه إلى موسم الحج حاول أن يهوِّن من أمره حين رأى عمر يسأل عنه مراراً وحين علم أي رجل هو أويس رحل وراءه إلى العراق وبحث عنه واعتذر منه وطلب أن يستغفر له فشاع أمره في الكوفة.
وعلم به رجل آخر وجاءه فصدفه على شاطئ دجلة يغسل ملابسه واستغفر للرجل وتذاكرا عمر وأخباره في الرعية وعدله, وفجأة بكى أويس بكاءً مراً وتجهَّش: رحم الله صديقي عمر, قال الرجل: عمر لم يمت تركته في المدينة يأمر وينهى, قال أويس: بلى مات اليوم, ورحل الرجل إلى المدينة وعلم أنّ عمر مات في اليوم الذي ضربه أويس.
الرقي الإسلامي
كلنا يعلم بلا ريب مبلغ التقدم الذي أحدثه الإسلام في البشرية جمعاء, والنفير الحضاري الذي استدعاه على حين غفلة من البشر, لقد جاء منقذاً لرؤوس حبسها الظمإ إلى جادة الموت ونفوس استبدَّ بها الذابح صوب التصفية تماماً كالمعدن الرخيص الذي انتهى عمره الافتراضي منذ عقود وجاء أوان تحويله إلى صناعة أخرى من أدوات الحرب القاتلة.
ولج نازلاً من السماء فإذا الكوكب الشيخ مفلس ينتظر الموت, مفلس على جميع الصعد في عالم الاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم, وبدأ البشر قبلها بيسير يُسلسون قيادهم لمخلوقات الجن والشياطين يتلقَّون عنهم ما يرومونه بغية الأمان والعيش والأحلام.
هذه كله وغيره نتلمّسه من وحي قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}52, والفعل ظهر يدل أنَّ الفساد موجود منذ القدم لكن أن يظهر ويعتلي رؤوس العباد ويحكم بطواعية فهذا هو المعيب الذي يريق غضب الرب على الأرض.
البناء الذي جاء به الإسلام
الحياة التي نعيشها تتكون من ثلاثة أمور:
_ عالم الأفكار.
_ عالم الأشياء.
_ عالم الأشخاص.
والسؤال هنا ما الذي بدأ به الإسلام لحظة مجيئه؟, أهو عالم الأشخاص أم الأشياء أم الأفكار؟.
فلو كان سبب مجيئه عالم الأشخاص لكانت رسالة النبي r رسالة رياضية وصحية بحتة, ولو كان عالم الأشياء لدعا النبي r إلى نهضة صناعية والخروج من جاهلية العلم التي عاش فيها العرب متأخرين عن ركب الدولة الرومانية والفارسية.
فلماذا لم يدعُ منذ أن جهر بالناس إلى التقدم العلمي واستكشاف نواميس الكون ونبش العلوم الطبيعية والتشجيع على التجربة المادية مما ييسر على الناس ويأخذ بأيديهم نحو حضارة مادية ينتفعون بها ويتقدمون على الأمم الأخرى.
إذ كان بالإمكان أن يصطلح النبي r مع قريش والعرب قاطبة فيُبقيهم على عقائدهم وأديانهم بحيث يختار كل واحد ما شاء من دين ويتفق معهم أنه ما جاء إلا كي يُحدث ثورة علمية تتقدم على الأمم في عصرهم, وتجعل من العرب قوة ضاربة في القتال والطب وشتى العلوم الدنيوية الأخرى.
بل لو فعل النبي r ذلك لما حدث الصراع الحتمي مع الوثنية القابعة في عرض الصحراء والعالم القديم.
لكن هذا ليس شأن الرسالة الإسلامية بالدرجة الأولى, فالنبي r ما جاء ليغيِّر عالم الأشياء ويصنع منهم حضارة علمية متقدمة.
وإنما جاء كي يبني عالماً من الأفكار جديداً يلغي من خلاله الأفكار القديمة المتعفنة التي ما جرَّت العرب إلا إلى مزيد من التخلف الفكري.
ففي مجال الاعتقاد
طرح عليهم أفكاراً عقدية بسيطة هي الحق, فالكون كله مخلوق لله فينبغي أن يكون هو المعبود لا سواه, وأنه هو النافع الضار, ولا نفع ولا ضرر بغير مشيئته, وأنه رب كل شيءٍ ومليكه, أما الأصنام والأوثان والمعبودات الأخرى فلا وجود لربوبيتها وإلوهيتها, وإنما هي مزعومة موهومة فهي غير عاقلة فضلاً أن تكون آلهة.
والملائكة مخلوقات نورانية, جند الله لا يعصونه بتاتاً وليسوا بناتاً, فالله في علاه لا أولاد له ولا صاحبة ولا أقارب, وهؤلاء نقص في الإنسان, وإنما يحتاج الإنسان إلى ولد كي يتوكأ عليه غداً حين يشيخ ويعجز, والله في علاه لا يشيخ ولا يعجز.
ثم هذه الحياة التي نعيشها حياة مؤقتة وتكليف، وبعدها حياة كبرى وحساب, ولا بد من اتخاذها مزرعة لتلك, وليس الموت عدم محض وإنما هو مرحلة من مراحل الانتقال الطويل.
وأنّ لله تعالى سنن ابتعاث الرسل والأنبياء إلى أهل الأرض, ومحمد آخرهم جاء بشريعة خاتمة مهيمنة وناسخة لما قبلها من الشرائع.
وهذه المعتقدات تعاكس تماماً الأفكار المبثوثة في رؤوس القرشيين, فلا يتفق محمد معهم إلا في توحيد الربوبية
{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ }53.
وفي مجال التشريع
جاء ليغيّر فكرة عنيدة في الرؤوس مفادها التقليد الأعمى وإعظام الأموات والأخذ بما كان عليه الأسلاف, يغيرها إلى فكرة جديدة, أنّ المُشرَّع هو الله وحده, والحاكمية لله دون سواه { إن الحكم إلا لله }54, فالمرجعية التي يرجعون إليها في أحكام الحلال والحرام ما يأتي به التشريع الإسلامي.
وهذا التشريع مصلحي, فعلاوة على ما فيه من رضا الله والنجاة في الآخرة, علاوة على ذلك ففي تطبيقه مصلحة عظمى, إذ تتحقق به سعادة بني الإنسان في أن يعيش في مجتمع هادئ آمن غني يوفِّر كل متطلبات الحياة الكريمة لكل أفراده.
وفي مجال الأخلاق
جاء كي يصحح الفكر الأخلاقي, فأخلاق الجاهلية أشبه ما تكون بشجرة ذهبت فروعها كل مذهب فشابكت الفضاء دون انتظام, فجاء النبي r ليُنسِّقها ويُهذِّبها ويُشذِّبها ويحيلها إلى بديعة منسجمة في المرأى جائدة بمخزونها من الثمر على أنضج ما تكون وأوفر ما تكون, ” إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”55.
هذا هو البناء الذي جاء الإسلام لإقامته, تغيير وتبديل في عالم الأفكار, فعالم الأفكار هو المهم بين عالمي الأشخاص والأشياء.
وبطريق اللزوم يُعرف أنه متى ما استقام عالم الأفكار استقام معه عالما الأشخاص والأشياء, فحين يبسط الإسلام عقيدته على الخلق وشريعته في مجتمعاتهم وأخلاقه بينهم, يتحقق التقدم في عالم الأشياء, فتزدهر الأسواق وتقوم الحضارة ويسعد الإنسان, ويتفنن العلماء والمفكرون في إقامة الصروح العلمية, إذ أنّ مقتنيات الحضارة الراسخة إنما هي نتاج عقول متفتحة, فمن نواميس الله في كونه أن جعل التقدم العلمي والتقني بين يدي العقل, وبقدر ما يكون هذا العقل متساوقاً مع الكون يُفرز وينتج حضارة مديدة يفيد منها الإنسان والحيوان والكائنات الأخرى.
أما إذا كان العقل أسيراً للخرافات والأساطير فسيظل مكبّلاً مقيّداً بلا نتاج, وهذا ما حدث مع الجاهليين.
سيطرة الخوف والأوهام على عقول الجاهليين
ومما غيّره الإسلام في رؤوس هؤلاء النظرة إلى قوى الكون, إذ انحرف الإنسان في تاريخه انحرافاً عبودياً فصار يخزّن عقله – مع ابتعاده عن جادّة الأنبياء والرسل- قوى عظمى في داخله, وأخذ يعبّر عن مخاوفه بطرق شتى, فراعه ما رأى من القوى حوله وراح يجهل.
فإذا رأى البرق لامعاً في السماء ظنّه إلهاً وسمَّاه إله البرق, شرارته تدل على غضبه، فسارع للتقرب من هذا الإله عن طريق القرابين المذبوحة.
وإذا سمع دويّ الرعد مزمجراً في الأرجاء, ظنّه إلهاً آخر فخاف منه وسارع في ذبح الشياه للأصنام.
وإذا امتدت المجاعة والجفاف فأكلت الحقول والأشجار, انطلق يفسر ذلك بأن إله الخصب غضب من أهل الأرض, فذبح مزيداً من الأنعام له كيما يكفّ غضبه.
وهكذا صار لكل واحدة من الظواهر الطبيعية حوله إلهاً, فالحرب لها إله, وهيجان البحر إله, ومع مرور الأيام عَبَدَ ألف إله كي يتقي شرها, وجهلوا أن الإله الحق رحيم رؤوف ودود إلى عباده.
فمن ها هنا بُعثت الرسل ونزلت الشرائع, ووجب الرجوع إلى العقل كي يمايز بين الإله الواحد الحق والآلهة الدعيّة المزعومة.
فجاء الإسلام وحرر العقول والطبائع من نير الخوف وسجن الأوهام, وربط القوى الكونية بنواميس وقوانين كلها مملوكة للإله الواحد، هو من ينبغي أن تتوجه إليه القلوب بالدعاء والأيدى بالذبح.
ومن العادات الخربة التي سيطرت على مجتمع قريش والعرب عامة, تلك الأقداح المُدلَّاة التي عقدت بكفِّها مصائر الناس, وهي ثلاثة أقداح, كُتب على الأول إفعل, وعلى الثاني لا تفعل, وعلى الثالث أعد المحاولة, فإذا أراد الجاهلي أمراً ذا شأن, كأن يتزوج أو يسافر أو يشارك في تجارة أو أن يُحدث أمراً في قومه, عمد إلى الكعبة ووقف عند أقدامه فضرب الأزلام, فهي بمثابة دعاء الاستخارة عند المسلمين, فنهوا عن ذلك بقوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ}56, والحاكم في هذه الأمور ميزان الشرع, فما وافق الشرع ودعا إليه صلح الإقدام إليه وما نهى عنه وجب الإحجام عنه.
وندب إليهم المشورة كي يتفحصوا جملة الآراء فيغدوا الشخص على بينة من أمره.
فلولا الأديان وعلى رأسها الإسلام لظلت البشرية أسيرة الخوف والشعوذات والأوهام, ولأُلغي العقل من الوجود لأنه لا حاجة إليه, فلا ثمة تعقل يريده الإنسان بعد أن أسلم نفسه للخداع.
التشوّه الذي أصاب العقل في الجاهلية
ولقد بلغ التشوه في العقل والتفكير مدى بعيداً لدرجة أن الحقائق البدهية غدت معكوسة, فبدلاً من أن تنقاد عقول القوم وتلين بين يدي محمد راحت تطلق على ما جاء به من التحرر اسم أساطير الأولين.
{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}57، { ِإنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ }58
وحصروا هذه الرسالة التي هي سجية التعقل بكونها أساطير لا غير.
وغدا العقل الجاهلي غير قادر على قيادة المجتمع لما أصابه من قصور واعتوره من خطل, كذلك أضحى غير قادر في الحكم على عالم الأفكار وذلك أنه ألغى نفسه بنفسه, فقد حبسوا عقولهم في قفص التقاليد الموروثة البالية, وسجنوا فكرهم في دائرة الكهانة والعرافة والشعوذة الضيقة, فلا غرو أن يتعنتوا هذا التعنت وأن يثبتوا على باطلهم بعض الوقت.
ومن أبرز مظاهر التشوه العقلي الذي أصابهم في الجاهلية أنهم جعلوا العقل مقرراً لهم في مجال الاعتقادات, مع أن المعتقد لا بد أن يأتي من الخارج, أقصد ما يخص الدين, فهذا عمرو بن لحي يزور الشام وبالتحديد منطقة البلقاء, وهي تطلق قديماً على المنطقة الممتدة من جبال جلعاد شمالاً في الأردن إلى معان جنوباً, فوجد أهلها يطوفون على أوثان من حجارة فسألهم عنها فقالوا: نستشفي بها مرضانا ونستمطر بها السماء, فأخذ معه بعضها وعبّد الناس لها.
وجعلوا من إساف ونائلة الزانيين معبودين بعد أن أمرهم سيد مكة ذاته عمرو بن لحي أو أحد أولاده, أي أنهم كانوا يُشرِّعون لأنفسهم في مجال الاعتقاد.
وفي مجال أحكام الحلال والحرام وصل بهم التشوه العقلي أنهم كانوا يشرعون لأنفسهم ما يأكلونه وما لا يأكلونه حسب أهوائهم وشياطين رؤوسهم.
فإذا نتجت الناقة خمس بطون أخرها ذكراً بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها فلا تُركب ولا تُحلب, وكان الرجل منهم يقول: إن شُفيت فناقتي سائبة.
وإذا ولدت الشاة أنثى فلصاحبها وإذا ولدت ذكراً فللآلهة, وإن ولدت ذكراً وأنثى, قالوا: وصلت أخاها فلا تُذبح.
وإذا نُتج من صلب الفحل عشر بطون حرّموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى59.
فجاء تصحيح هذه التشريعات بمجيء الإسلام, قال تعالى: { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ }60.
وتذييل الآية بقوله تعالى { وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} بلغ مؤداه في مدى التشوه العقلي الذي وصلوا إليه, ومثله قوله تعالى { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }61.
ومن قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} نتلمس في أن تشويه العقل وجعله حاكماً في الحياة على هذا النوع إنما هو ظلم له ولصاحبه, فهو بعيد كل البعد عن هداية السماء.
والعقل إنما يتلقى الهدي والمعتقد والتشريع من السماء, ثم بعد أن يتلقاه ويسلِّم بمصدره يُعمل نفسه فيه على مقتضى الاجتهاد, ويفرّع أحكام الحلال والحرام بناءً على الأصل الذي تلقاه, أما أن يجعل نفسه أصلاً في التشريع فينتابه حينئذٍ التشوه المقيت.
السماء تُمطر أزهاراً
ومن أفدح الأمور التي أضنكت يسير العيش آنذاك القسوة الرامحة, فالأمم كلها في شرق الأرض وغربها تشترك في هذا القاسم, بل صار لزاماً على الدول والمجموعات البشرية أن تتنافس في أعظمها قسوة, وبلغ الحال بالعرب أن يُقذف بالفتاة بين عشرات الأيدي منذ لحظة سلبها من قبيلتها إلى أن يستقر بها الحال جارية عند أحدهم مروراً ببيعها وشرائها والنيل من شرفها؛ ذلك أنها تحولت فجأة وبقانون الصحراء منذ أن سُلبت على يد فارسها انتقلت من طور الحرية إلى قيد العبودية وقد تظل هكذا إلى أن تموت, هويتها وعنوانها خدمة السادة أو التخلص منها في سوق الجواري” النخاسة”.
ولدى الروم تُنتهك مزارع الفلاحين وقوت الفقراء كيما يدرُّ الرزق والشراب على ساسة روما والقسطنطينية, أما الفرس فيستعبدون المدن والقرى بالجملة ويحيلون الأمم من حولهم إلى عبدة نار رغماً عنهم أو أن الفرس سيحرقونهم بذات النار المقدسة.
والأمم شرقاً وغربا يتيهون، يستقون شريعتهم من كواسر الطير وجوارح الوحش ويُدمنون القتل والسفك بلا رادع, أي أن الأرض تمور بالظلم والقسوة على نحو لم تشهده من قبل.
ومن بين هذا الركام الهائل والزحام الطائل يُنبت الله غرس المسلمين ويُطلُّ نبيهم r, يجمع حوله القساة ويقذف في رُوعِهم:” إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ”62, فلئن كان الأتباع ذاهلين فلوفرة الرحمة والرفق تندى بهما كفَّا هذا المُخلِّص, إنَّ المرأة لترضى أن يبكي طفلها بين يديها طوال العام على أن ينصلح حال الصحراء الشغوف وقانونها الظالم في الأسر والسبي والاستعباد, فإنها لا تعلم متى يُفرِّق القدر بينها وبين الباكي في حضنها.
فصار لزاماً على كل حيٍّ يُدقق النظر داخل نفسه اللجوج أن يتبع هذا الدين وبشغف لأنه يُلبِّي حاجة مكينة أصابها الظمأ وبدأت الذبول.
وكما أنَّ الإسلام أينع زهرة تحتفل بألوانها الزاهية داخل أتون لفَّه الخراب والعمى من كل جانب, فقد تجاوز برحمته الباسقة عنان السماء حين تجاوز بني البشر وأعلن الرحمة بالحيوانات ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”63, فأي دين هذا الذي يستعلي على النزوات ويُحكم أبواب الرفق والعطف حول الأحياء ويوصدها بإتقان؟.
وإذا كان قد شرّع في قضية الرفق بالحيوان في أوقات جُلد فيه الناس من قِبَل الحكام والأغنياء والأمراء بسياط الموت والعبودية فإن المستقبل يُنبئ بالخير الوفير عمَّا قريب ولقد حدث هذا تترى في أعصار لاحقة.
وجدير بدين كالإسلام أن يدير الرحمات على الخلق كسحاب مُعلِّق بين السماء والأرض لا يدع أحداً بلا قطر, وقمين به حين جاء منقذاً للبشرية من أيدي القساة أن يزرع الرحمة في كل مكان حتى لدى الكلاب اللاهثة التي لا تجد من يسقيها إذا ما غار الماء في جوف الأرض, “بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَا خُفَّهُ مَاءً فَسَقَى الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّه وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا فَقَالَ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ؟64.
فيا سادة القرون الحاضرة هل تجدون في تشريعاتكم ما يبلغ هذا النُّبل؟, وهل أنتجت حضاراتكم التي تجاوزت الفضاء وقهرت الرَّحب مثل هذه المعاني السامية التي تجعل الجنة كلها في شربة كلب ضالِّ؟, فإن كان الجواب لا, فلقد صار معروفاً لدينا منذ أربعة عشر قرناً أن البسيطة تفتقت عن الرحمة وتفجرت تُخرج من قيعان البحار أطروحة العطف ببني الإنسان وبجنس الحيوان, فلا غرو لو قلنا: أنَّ السماء أمطرت أزهاراً على يد محمد ذلك الرجل الصحراوي الذي يحمل أدوات القتل ويُكدِّس النساء ويطأ عليهنَّ بسنابك الخيل ثم يقتل الرجال ويحمل السيف في الأرجاء.
فهل نُصدِّق أفلامكم وإعلامكم عنه أم نصدِّق فيه:” الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ”65, أو: “لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ”66, وهو الذي قال: “مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا”67.
على أننا نعلم من قضية الاجتباء والإصطفاء الإلهي أن الله تعالى يختار أنبياءه من المصطَفَيْن {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}68, {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ, إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ, وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ}69, أي من أفاضل الخلق فالأنبياء هم أوفر الناس أخلاقاً، ونبينا r أعظمهم فيها فهو بكل فخر أرحم الخلق, فلو جُمع أرتال الخلق من لدن آدم u وحتى آخر خلق الساعة وهم عدد لا يُحصى لكان هو المُقدَّم بلا منازع, ولو كان لنا أن نستلَّ قلوبهم من جوانحهم وننثرها في مقياس أعظم يوزِن مقدار الرحمة في القلوب لكان مؤشره الأعلى, بل إن حظ الشيطان في قلبه من القساوة والاضطهاد قد انتُزع منذ حادثة شق الصدر.
ولو كذَّب الناس كلهم ذلك لما كذّبَه الشيخ الذِّمي الذي لقيه عمر يسأل الناس عند المسجد وقال له: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك في كبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه70.
وعمر إنما يجري من معين النبي r ويصدر عن رِوائه ويستلهم بصيرته, وعمر إنما يُنزِل ما تعلَّمه من الدين على واقع الناس, وهل وظيفة الحاكم في رأيه إلا تلك؟, فعلام الرَّجْم بظاهر الغيب والجهالة حيناً والعداء والكراهية أحياناً أخرى وقد صار متواتراً لدى أهل الأعصار من المسلمين وغيرهم أنّ الدين الخاتم قد ارتدى بإحكام سوار العطف وتقلَّد قلادة الشفقة وأدار في أقفال الظالمين القساة مفاتيح الرحمة واللين.
وقد رَأَى عمر مرة رَجُلاً يُجَرُّ شَاةً لِيَذْبَحَهَا فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: سُقْهَا – لاَ أُمَّ لَكَ – إِلَى الْمَوْتِ سَوْقًا جَمِيلاً71.
فلو كان الإسلام محض غابة يافعة تتراقص فيه الأشجار بعلياء لكان مشتملاً على كل طريف منها، ولكانت الباسقة فيه التي لا تعلوها أخرى شجرة الرحمة, ولو فتشنا عن ثمار الغابة وجناها لحفلت تلك الشجرة بأكثر من غيرها, كيف لا وهي ميزة الإسلام وانفرادته وعبقريته التي يتمايز بها عن أديان الأقوام حتى لقد جاءت المقولة صادقة بأتمها: الإسلام دين الرحمة.
وبسبب تلك الرحمة تجمع الأتباع حول نبيهم r وبنوا دينهم { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}72, والباء هنا باء السببية والمعنى فبسبب رحمة الله كنت ليناً معهم ولو أنك كنت قاسياً لما تجمعوا حولك يفادون دينهم بأرواحهم, فكأنما الآية تؤسس لكل مجتمع متحضر بأن يدور حول محور الرحمة ويتخذها فلكاً.
وعلى قدر الحاجة إلى الرحمة يدفع الإسلام الناس لها كعادته في إكمال النقص وإصلاح العوار, فإذا كانت مُلحَّة رتَّب عليها من الأجر الجزيل ما يضمن استمرارية كفايتها فاليتيم الذي فقد الأب وارتاع لمنظر الصغار حوله وهم يملؤون أحضانهم بآبائهم ويجدون في الأبوَّة ما يصبون إليه من حاجاتهم الصغيرة, يستشعر بانفعالاته أنَّ المجتمع حوله يسلبه طفولته ويستعجل القضاء عليه في الصغر, فكان من المناسب أن تُلفت تشريعات الإسلام العباد إلى أن يقفوا بعيون متأنية صوب هذا الفاقد فأعلن على الملأ جهاراً نهاراً: ” مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى”73.
والمسافة قريبة قريبة بين السبَّابة والوسطى إلى درجة التلاصق فإنهما ينتهيان في كفِّ واحدة, ومنزلة النبي r في الجنة أعلى المنازل, وما هذا الأجر الزائد إلا بقدر إشباع حاجة اليتيم ثم تدبَّر فيما يعانيه اليتيم في صباه من الفقد على قدر مكافأة سد حاجته.
فلا عليكم أن تحلقوا رؤوس الأيتام ودعوهم بلا حَلْق ذاهبة رؤوسهم في السماء، فعلى قدر ذي الشعر الكثِّ تزدحم الحسنات في يد الماسح فكيف بمن يولي عنايته يتيماً ويقف من وقته لله ما يُسعد حاله.
لقد وصل الإسلام في تشريعه لليتيم حالة ذهبية، يتلمسها بعضهم في واقع مثير مفاده أنَّ غير اليتيم يتمنَّى اليتم لحظة إقبال المجتمع والسعادة على هؤلاء الذين فقدوا آبائهم, وما كان للدنيا كلها ولو أقبلت برؤوسها السبعة أن تعوِّض الصغير عن بنان أبيه ولكهنم الصغار وما يجهلون.
إنَّ باب الرحمة لا يوصد أمام أحد حتى أولئك الذين طعنوا المجتمع في خاصرته وجاسوا في الأرض فساداً, فالمجتمع لا يدعهم مخافة أن يستحوذ عليهم الشيطان بل يوفِر لهم فرصة أولى وأخرى إلى أن يستبين لهم الهدى، إذ البشر كلهم يخطئون وهذا لا يعني نهايتهم, وقد جلَّ نبي الإسلام r ذلك وأتقنه الصحابة من بعده, قال عبدالله بن مسعود إِنِّي لَأَذْكُرُ أَوَّلَ رَجُلٍ قَطَعَهُ النبي r, أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ وَكَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ, قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَأَنَّكَ كَرِهْتَ قَطْعَه,ُ قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي لَا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ حَدٌّ أَنْ يُقِيمَهُ, إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }74.
ففي إشارة النبي r ألا يستعجلوا رفع الحدود إليه فلعل صاحب الحق أن يسامح رحمة بمخطئ وأي خطأ, السرقة التي تُعدُّ من معضلات المجتمع وتنسفُّ أمانه الاجتماعي وتودي به إلى الفقر النفسي قبل المادي.
ولولا أنَّ الأمر جسيم عند أبي بكر لسامح مِسْطحاً، ذاك الذي رمى ابنته عائشة زوج النبي r بالزنا في حادثة الإفك المعروفة, ومنطق العقلاء من الرحماء أن القريب حين يرمى ابنة قرابته بالفاحشة تنقطع على إثرها وشائج الصلة والمودة والقربى، وهذا ما فعله أبو بكر أرحم الصحابة, بيد أنَّ نظرة القرآن كانت مغايرة تماماً, فبعد أن حلف الصِّدِّيق ألا ينفق عليه أبداً وبانت براءة السيدة الأولى نزل قوله تعالى مع جبريل u تتغشاه سحائب الرحمة اللدنية: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}75.
أي أنَّ الأمر عاد على حاله قبل الإفك، فقد بلغ التوجيه الإلهي غايته وتمكَّن من النفوس وطاب المراد, فمن تاب عاد إلى جادته ومن لا فالعقاب الإلهي يتولاه في الدنيا والآخرة, وسُدل الستار على لبِنة جديدة تزيد في بناء المسلمين وتصقل ذاكراتهم للقادمات من الأيام.
وحتى أولئك الذين لا يزالون في الأحشاء تطالهم رحمة الإسلام وتُغدق عليهم السماء عطفاً وشفقة بهم وبذويهم، بل وتعصمهم من العقاب حتى إذا جاء رجل إلى عمر قال: يا أمير المؤمنين إِنِّى غِبْتُ عَنِ امْرَأَتِى سَنَتَيْنِ فَجِئْتُ وَهِىَ حُبْلَى, فَشَاوَرَ عُمَرُ نَاسًا, فأشاروا عليه بالرجم لأن السنتان دلالة بالغة على زناها, وجيء بالمرأة واستعدَّ الناس للرجم، وقدم معاذ بن جبل وتصدَّى لعمر وقال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيلٌ فَلَيْسَ لَكَ عَلَى مَا فِى بَطْنِهَا سَبِيلٌ فَاتْرُكْهَا حَتَّى تَضَعَ, فَتَرَكَهَا فَوَلَدَتْ غُلاَمًا قَدْ خَرَجَتْ ثَنَايَاهُ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ الشَّبَهَ فِيهِ فَقَالَ: ابْنِى وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ لَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ76.
ومعاذ يستلهم فقهه من فلك راسخ في الشريعة تُبنى في مداره الأحكام، ذلكم هو فلك الرحمة عماده مئات الآيات وآلاف الأحاديث وما جُبل عليه العقلاء واستقرَّ في أذهان الناس وحفلت به العوائد, فالطفل الذي لا يزال في أحشاء أمه حماها من عقوبة الرجم، أو هو على الأقل أخَّر تطبيق الحد إلى أن يُولد فلو رُجمت أمه بعدُ لكان مما يخفف عنها المُصاب أنَّ الحي يخرج من الميت.
رغم أنَّ العلم الحديث أثبت بما لا يدع مجالاً للشك استحالة بقاء الحمل طيلة السنتين فهو في أحواله الغالبة تسعة شهور وإن زاد فإلى عام، وفي حالات ضئيلة قد يظلُّ إلى سنة وشهر أو شهرين, وأهل ذلك العصر والفقهاء من بعدهم معذورون، خاصة أولئك الذين تحدثوا في مدوناتهم أن أطول مدة حمل قد تصل إلى أربع سنوات, هم معذوران لأن المعطيات العلمية في عصرهم لم تتوصل إلى ما كشف العلم النقاب عنه في تحديد أطول مدة حمل.
وعلى أية حال فقد حضر الدين برحمته ذلك المشهد الذي أوشكت المرأة فيه أن تُرجم, وسجَّل ترنيمة رائعة يقف أمامها أهل العصر صاغرين وهم يعصرون أرواحهم فلا تجود إلا بمزيد من القسوة والضيم معلنين أنَّ الأرض أذَّنت بخراب.
وريثما تنتهي الطائرات العاصفات من براكين الفضاء الهاطلة على المدنيين والأطفال والشيوخ كيما يربح الساسة في البيت الأبيض والكرملين والإليزية حربهم، ويتوِّجون فتراتهم الرئاسية بمنجز حضاري رحب يستذكرونه جليَّاً في شيخوتهم ويسطِّرون به الصفحات الأولى من مذكراتهم باعثين العلل والأسباب الواهية والكاذبة, وريثما ينتهي تجار السلاح وأرباب المصانع في القارات التي تصنع الموت صناعة رائدة ويُكدِّسون ثرواتهم الضخمة في البنوك وتعتلي النياشين على القتلة الوافدين من السماء, ريثما يحدث ذلك كله ويروق لهم في آخر الليل أن يفكروا في نفوسهم ويستثيرون حماسات أرواحهم ويستشعرون ثقل النداء الخفي في فِطَرهم فلا علينا حينها أن نرحل سوية إلى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي صوب قلعة الكرك لنرى جيشاً جراراً يمتد أمام قلعتها يحاصر أرناط الصليبي الذي استولى عليها منذ زمن يسير.
إذ في اللحظة التي صمَّم فيها صلاح الدين أن يدخل القلعة ويقتل أرناط الذي استباح حمى الحُجَّاج في قوافلهم , يُطلُّ عليهم كأشباح الليل من الجبال المحيطة يغتالهم وهم ملبّون, في تلك اللحظة التي أمر فيها القائد صلاح الدين القائمين على المجانيق البدء بدكِّ أسوار القلعة الحصينة، وبدأت النار والحجارة تُحيل ليل الكرك إلى نهار مضيء معلناً خراب الحصن, في تلك الساعة من الليل وفد من القلعة إلى جيش المسلمين بعض الغلمان والخدم يحملون معهم حلوى لصلاح الدين وحينما سأل عن سبب الإهداء أخبروه أن القلعة تشهد الليلة عرس ابنة الحاكم وقد بعثت أمها بحلوى للقائد ترجوه فيها ألا يُكدِّر عرس ابنتها وأن يكفَّ عن الرمي بالمجانيق ولو لساعات.
وسأل صلاح الدين عن مكان العروسين وأخبروه أنهما في الطرف الفلاني، وعلى الفور أمر جيشه ألا يضربوا تلك الناحية من القلعة بسبب زواج الأميرة، وامتثل الجيش وأسلمت الأم نفسها إلى الراحة وفرحت بابنتها وسجَّلت في ذاكرتها سؤالاً عصيَّاً كيف يفعل عدو نحتل أرضه مثل ذلك؟.
فما أجلَّ الرحمة بالقادر على غيرها, وما أجمل العفو بمن استباح الشيطان عقله بالعقوبة,
وصلاح الدين هذا الذي يُعدُّ مفخرة المسلمين وخيطاً من لباسهم الزاهي ولحظة تاريخية ناصعة في جبين البشرية المكفهرِّ هو من ملأ الدنيا بأخباره العظام حول التسامح المذهل الذي صنعه حسُّه المترف مع الصليبين الغزاة الذين ملأوا وديان الشام بدماء أهل البلاد، فبعد أن انتصر عليهم تمثَّل الإسلام نهجاً حضارياً رائداً وأبى كل الإباء أن يُعامل بالمثل رغم أن له مندوحة في ذلك لكنه اختار أن يظل أحاديث السُمَّار كلما جُلب التسامح إلى الآذان وتندر الناس به إلى قيام الساعة.
والغريب أنه بعد أن ملك الشام ومصر وهما دهِقتان بالأموال والنفوذ مات على فراشه ونفضوا قاصته فلم يجدوا تركة له سوى دينار واحد وسبعة وأربعين درهماً ستظل شاهدة له كلما عبَّ الملوك والرؤساء وملأوا قبورهم ذهب خالصاً من ثروات الشعوب وامتصوا خيراتها ورجموا بعلم الغيب أن الميت يمكن له أن ينقل معه بنوكاً جرارة إلى عالم الدار الآخرة.
إنَّ جهود صلاح الدين – رحمه الله – في رعاية المسلمين وإصلاح شؤون الدولة لا تقلُّ عظمة عن جهاده وسماحته ونتاجه الحضاري الخصب، كيف لا وقد خصَّص ركناً قصيَّاً في قصره لبيع الكتب يُفتح مرتين في الإسبوع حيث تُباع الكتب فيه بأرخص الأثمان، ذلك أن يدرك مبلغ العلم في بناء الأمة والانتصار على عدوها.
ولو أننا تركنا صلاح الدين مفخرة الأيوبيين، ذلك الذي يتطاول به العصر الأموي على العصور سواه ألفينا أسارى ابن الأشعث بين يدي معاوية، وكان قد طلبهم طويلاً بعد أن ثاروا مراراً في أطراف دولته وفرح معاوية بأسرهم وفُرش النِّطع وأمر السيَّاف أن يجزَّ رؤوسهم وحانت ساعة من ساعات المنية اللاحبة, فتكلم أحد الحاضرين بعد أن استأذن الخليفة: يا أمير المؤمنين إنَّ الله قد أعطاك ما أردت من الظَّفَر بعدوك فأعطه ما أراد من العفو وعفا معاوية.
فهل رأيت مرة سماءً تمطر أزهاراً على هذا المنوال؟, وهل عاينت من الرحمات في حضارة من الحضارات ودولة من الدول سحائب تجرُّ بذيولها وتُغدق بخيرها العميم سيلاً جرَّاراً يُغرق قساة القلوب وتحيلهم رحماء؟.
دولة من غبار
عَلَّمَنا التاريخ بقساوة بالغة أنَّ من يحكم الشعوب والأجناس بمحض الظلم والقهر إنما يبني لنفسه دولة من غبار, دولة ذات نسيج بارد سيتفسخ عما قريب, فهي برَّاقة المظهر في ذهنه قوية الأركان في معتقده لكنها أشبه ما تكون بخيوط العنكبوت المهترئة التي تمزقها فراشة قوية.
فهو يشيد حكماً من الكرتون وقانوناً من قصاصات الورق ومهما يكن متغطرساً لوَّاحاً بالحديد فلا يعدو أن يكون خفَّاشاً يحكم بالمقلوب كهفاً سفلياً تودي به أشعة قليلة من الشمس لو أرادت.
ذلك أنه نسي قانون الله في خلقه, إنَّ القوى المعنوية لا المادية هي من يحمي الحمى ويدفع عنه غائلة الزمان, وقد قالوا مرة: إنَّ الله يديم الدولة الكافرة العادلة ويُهلك الدولة المؤمنة الجائرة.
وبالعدل وحده تصفو الأرض ويشتد البنيان ويهرم الصغير سعيداً, وتجود الحياة بالإبداع والتطور وتسمو المعاني الهانئة وتحلو الحياة, فمن رام هذه السالفة فليعلم أنَّ العدل سفيرها, ولئن كان العدل يحتفظ بقصته القصيرة على هذه الأرض فإن جزءها الأعظم في تاريخنا كمسلمين, وسأدلِّل على ذلك رغم من ينكره وينكر براهينه ومهما يكن فالحقائق تقال وأنت كاره لها.
ففي آية الأوامر والنواهي: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}77, ثم يقرر أنّ مناط الحكم: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}78, وعند اشتداد الخصومة واستبداد النفس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}79.
وأول صنف يستظل بعرش الله يوم القيامة لحظة أن يأكل الحر الأجساد ويُلوي الأعناق إمام حاكم عادل, وفي أولئك الذين يفضِّلون بعض الأولاد على غيرهم وهي سجيّة في النفس: “اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ”80, وغيرها مما لا حصر له من النصوص الدالة على أنّ العدل هو الركن الركين في الحياة.
وإن كان ذلك مجرد تشريع يُنادى به والمعضلة في تنفيذه، فما بال عقولنا إذا ذُكر العدل قفز إلى الأذهان عنوة خليفة المسلمين عمر حتى لقد التصقا التصاقاً لا انفكاك معه فكأنهما وجهان لعملة واحدة, فلقد علمت أدمغتنا وسجَّلت في خلاياها مئات القصص التي تدل على براعة الرجل وقدرته الفائقة في ركوب العدل وتجشِّم عيشه.
والغريب أنَّ كل جزءٍ في الرجل يحفظ قصة في العدل، فبطنه التي تقرقر عام الرمادة فيخاطبها بقوله: قرقري أو لا تقرقري فوالله لا تشبعي حتى يشبع جياع المسلمين، أيقنت أنها مصابة بداء عدل عمر فلتستمرئ الجوع وتديمه, ويده التي أتعبها حمل الدُّرِّة كي يحمل المسلمين على الجادة والحق عكفت على الصبر, ورجلاه أوشكتا الهزال وصارتا تجريان خلف كل بعير لأن عمر سيحسبه من إبل الصدقة.
أما عيناه الشغوفتان بالسهر والبحث في أطراف المدينة عن الجياع واللصوص فقد تهدَّلتا وأصابهما سقام, وجلده شحب وبانت عروقه وانطفأ قلبه من العيش ولا عليه أن يلحق بصاحبيه بنصف جسد طالما أنَّ روحه سامقة كنخلات المدينة.
ولكي لا يظل العدل مفردة عمرية رغم أنه يأبى فسينحدر النَّسل إلى بعض أحفاده من تلك الفتاة التي اختارت أن الله يراها ناهرة أمها عن خلط الحليب بالماء, زوَّجها من ابنه وأينعت البركة الإلهية من ذريّتة بعمر آخر يقف على سدة حكم الدولة الأموية في نهاية القرن الهجري الأول.
ولقد تقلّد جده وتربَّى على أحاديثه الجسام، وجاءه وفد من سمرقند في شرق الأرض يشكو إليه أن القائد قتيبة دخل أرضهم ظلماً، فأبرق عمر بن عبدالعزيز إلى سليمان بن السَّري أنَّ حكِّم قاضي سمرقند في ظلامتهم، وجمع سليمان الطرفين وحكم القاضي أن يخرج جيش قتيبة من سمرقند بعد أن عانى الأمرّين في دخولها وخسر من الجنود وتكاليف الحرب ما خسر, ثم عنَّ لأهل المدينة أن لا تُجدَّد الحرب مع المسلمين ورضوا بهم وفُتحت سمرقند بالعدل81.
وإنَّ من العدل ما يُصلح الخليقة ويُفسح المجال للأمان, فتزدهر الأرض ويعمُّ الوئام كما حدَّث مالك بن دينار قال: لما ولي عمر بن عبدالعزيز قالت رعاة الشاة في رؤوس الجبال: من هذا الخليفة الصالح الذي قد قام على الناس, فقيل لهم وما أعلمكم بذلك؟, قالوا: إنه إذا قام خليفة صالح كفَّت الذئاب والأُسد عن شائنا82.
ونحن سنقيس على عدوان الذئاب والوحش بسبب الظلم والغطرسة مصائب الناس اليوم من بطالة وفقر وعوز وجوع وأمراض عضوية ونفسية وركود اقتصاد وإفلاس الدول ومديونيات وتضخم وغيرها من الداءات العضال التي أصابت الأمم والأجناس والجماعات بجامع الظلم وتفلّت العدل من الحكومات المتعاقبة التي تسوس الناس, وعليه فينبغي أن يبدأ التخطيط الحكومي في أي دولة بأن يُدرج في أول برامجها إركاز العدل كبرنامج إصلاحي في سياسة العصور الحاضرة, وأنَّ يظل العدل هو المهيمن والثابت الذي لا يتغير, بل وأن تجعل منه فلكاً تدور عليه في الحكم والتخطيط.
وإذا كانت الحكومات لا تعي ذلك وتعتبره محض هزال، فإن نور الدين الحاكم التاريخي الفذّ أدركه ببصيرته، فأقام دولته على بناء العدل الراسخ وشمخ به وأسس لمشروع نهضوي شامل بدأه هو وأنهاه أحد قادته صلاح الدين الأيوبي، واستطاع بهذا البرنامج التنموي الهائل أن يسترد بيت المقدس, فصلاح الدين برمته حسنة من حسنات معلِّمه نور الدين آل زنكي.
وعلى الرغم أنه كان يلاعب فرسه بالكرة ويدرَّبه على فنون القتال كي تكون مطواعة في سجالات المعركة محتالة لنفسها في الحركة السريعة إبَّان تلاحق الفرسان، فقد رأى في إحقاق الحق والعدل أولوية على التدريب، فها هو يمضي مع رجل يزعم أنَّ له حق عليه ويجلس الاثنان نور الدين والرجل أمام القاضي الشهرزوري, ويفصل القاضي بالخصومة ويحكم ألا حق للرجل على نور الدين، ورضي الرجل لكن عقَّب نور الدين بقوله: إنما جئت معه لئلا يتخلف أحد عن الحضور إلى الشرع إذا دُعي إليه، فإنما نحن معاشر الحكام أعلانا وأدنانا لرسول الله ولشرعه فنحن قائمون بين يديه طوع مراسيمه، فما أمر به امتثلناه وما نهانا عنه اجتنبناه، وأنا أعلم أنه لا حق للرجل عندي، ومع هذا أشهدكم أني قد ملَّكتُه ذلك الذي ادَّعى به ووهبته له83.
ومن قبله صنعها عمر وعلي وغيرهم من جهابذة الإسلام كي يُركزوا في أذهان الناس أنَّ الجميع تحت العدل ولا يخرج أحد عن حكم القاضي.
وإذا كان نور الدين مشغولاً بالتدريب والتجهيز لقتال العدو ثم تركه لأجل العدل، فقد كان النبي r يسوِّي الصفوف في بدر ولم يتبق عن الخوض والقتال سوى هنيهة حين طلب منه سواد بن غزيّة أن يقتص منه.
استعرض النبي r صفوف المسلمين في بدر وبيده قدح ينظّم به سمت الرجال، وكان معهم رجل اسمه سواد بن غزيَّة من الأنصار برز عن الصف فضربه النبي r بالقدح وقال: استوِ يا سواد ومضى إلى غيره, فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله وقد أمرك الله بالعدل فأقدني من نفسك, وأوقف النبي r تسوية الصفوف رغم أنَّ المعركة حضرت وأعطى سواداً القدح وقال: استقدَّ يا سواد, فقال سواد: ضربتني وأنا حاسر البطن يا رسول الله, فحسر النبي r عن بطنه الشريف كي يقتص منه سواد, فانهال الفتى الحاذق على بطن النبي r بالتقبيل ولما سئل قال: حضر القتال وقد لا أخرج منه حياً فأحببت أن يكون آخر شيءٍ أمسَّه من الدنيا جلد النبي r84.
فصار لزاماً أن تُعرف الأولوية التي قدّمها النبي r من القصاص والعدل على تجهيز المقاتلين, وذلك أنَّ النصر أقرب إلى العدل منه إلى التعبئة المادية, وهل يُنصر الجيش إلا بعدل الحاكم؟,
وسواد لم يكن تُعنيه هذه الاستراتيجية التي يشحذ به النبي r النصر والفوز على قريش, وإنما كان مغرِقاً في التفكير فيما يخلِّص نفسه ويظفر بأعلى المنازل في جهاد العدو، وهو فقه عزيز على كثير من الرجال, والأهم منه التوجيه النبوي في استلال وقنص الظفر في ميادين الحروب.
إنَّ النبي r يُعلِّمنا – أيها السادة – بعبقرية فذَّة مُستلهمة من الدين الخاتم الطريقة المختصرة في استنزال النصر الإلهي, وهو إذ يفعل يدير المفتاح الصحيح في أقفال السموات فتنفتح بيسر ويتنزَّل الفرج على ثلاثمائة مقاتل يحاربون بصدور عارية جحافل وصناديد مكة الذين يزيدون على الألف.
وقد مرَّ بنا من قبلُ صنيع عمر بابن الأكرمين حين أخلى مصر من حاكمها عمرو بن العاص وأمره بالحضور وابنه إلى المدينة فأقام القِصاص العادل للقبطي على ابن عمرو ثم أمرهما بالرجوع إلى مصر، وذلك أنَّ عمر يُبصر شرخ بنيان الدول المسؤول عنها، الظلم والقسوة على الرعية وهو لا يرضى به البتة.
أي أنَّ النبي r وعمر وأرتال الصحابة الكرام والصالحين في خزائن القرون يؤسِّسون للعدل كعنصر سياسي حاكم وحضاري قائم متمثَّلاً بالمساواة بين الأفراد في كل شيء،ومنه تكافؤ الفرص الذي يمنح كل فرد من الرعية حقاً لازماً له لا يزيد ولا ينقص عن غيره من الأفراد.
وتكافؤ الفرص هذا هو من يبعث في الرعية التفكير الحر والإبداع واستحثاث الذهن على الابتكار والاختراع والاكتشاف؛ لأن لكل فرد الحرية في ذلك، فتعصف عقول الرعية بالمذهلات من موجودات الله في خلقه، ولا يخشى الواحد منهم مجتمعه في سرقة إبداعه، فتظلُّ المكافأة والتعزيز هدفاً وغاية للأفراد وينصلح الحال في نشدان الأفضل لواقع الحياة، ويحدو الرجاء مستقبلاً مليئاً بالآمال العظام، وهل التطور والتقدم والأخذ بسبل الحضارة والإنجاز إلا خطوات ما سلف.
الذوق الإسلامي الرفيع
للإسلام طريقته الخاصة في الحياة التي تختلف عن بقية حيوات الأرض، تتوائم والمنهج الشامل الذي جاء به، فهو حينما جاء كشط القشرة الأرضية وأبدلها بأخرى من صنعه, وبعبارة أخرى هو لا يؤمن إلا بيديه المقتدرتين في تغيير الأشياء وتبديلها فلا يوكِل أمراً لغيره.
ولا غرابة في ذلك؛ لأنه الدين الوحيد الذي لا يزال مخطوطاً بحروف إلهية في الوقت الذي طال التحريف والتزييف فيه بقية الأديان المنزلة, واليد الآثمة الخاسرة التي امتدت إلى كتب الأنبياء السابقين وطبعتها بطابع البشر وحوَّلتها إلى نصوص قاصرة ستظل بمنأى عن هذا الدين إلى يوم القيام مصداقاً لقول الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}85, ثم لا يخفى على أحد دلالة اللزوم في الآية الكريمة المفيدة بأنَّ من لوازم حفظ القرآن حفظ الأمة التي تحفظها, ففي الآية كما تلحظ حفظان أكيدان, الأول: حفظ القرآن من التحريف, والثاني: حفظ الأمة الإسلامية من الزوال؛ لأن الماء لا يكون محفوظاً إلا بالإناء الذي فيه.
من هنا فلا غرو أن تكون تشريعاته متضمنة حفظ الضروريات التي بها قوام العيش, والحاجيات التي يحتاجها بني البشر ثم التحسينيات التي تُضفي على الحياة معنى النعيم والأناقة والذوقية.
ولئن صار معروفاً في الطب اليوم أنَّ المتكئ إذا أكل أضرَّ بجسمه وعانى من عسر الهضم وغيره فنحن نعلم قبله حديث أبي جحيفة فيما يرويه عن نبيه: ” لَا آكُلُ مُتَّكِئًا”86, فصرنا كقول المتنبي
علمت الليالي قبل ما نزلت بنا فلما دهتني لم تزدني بها علما
ولقد بلغ بأدبه r في الطعام أنه لم يعِب طعاماً قط, فعن أبي هريرة: ” أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا عَابَ النَّبِيُّ r طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ”87.
لقد وضع الإسلام العظيم لمساته السحرية في كل معيش لبني الإنسان، فكان كمهندس الديكور الرائع الذي دخل لتوِّه قصراً فسيح القاعات والحجرات فصار يفكِّر في إحالته إلى فن بديع تزهر بعده الأركان والأطراف والممرات، وتتراقص الأفنية والنوافذ والحجرات، وآل بعد ذكاء الإضافة والتحسين إلى قطعة من عدن يتمايز عن بقية القصور والدور كما يتمايز ماء الذهب عن الفحم والتراب.
فلو انتهى الذكاء البشري إلى طائفة من الفلاسفة والمفكرين، وعقدوا مؤتمراً جلسوا فيه يفكرون أياماً وأعواماً كي يقننوا للبشرية ذوقاً وإتيكيتاً رقراقاً يتفاخرون فيه على العصور السالفة لما زادوا عمَّا أبرمه الإسلام رشداً من قبل مئات السنين, بل الفارق أعظم من ذلك وأجلّ، لأننا نتحدث عن فكر وتشريع جُلب من السماء أيام محمد.
ففي وقت ترامت الفوضى في كل الأنحاء، جاء يعلمهم الاستئذان وحرمة البيوت والأشخاص، فلا يحلُّ لأحد أن يقتحم خلوة ماكث ولا يبدد استقلال العائلة ولا يدخل على الزوجات والنساء, { ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}88, كان ذلك في بداية الإسلام ثم نُسخ وصار الاستئذان واجباً في جميع أوقات الليل والنهار, ” الاستئذان ثلاث مرات فإن لم يؤذن لك فارجع”, جاء رجل إلى النبي r وسأله: استأذن على أمي, قال: نعم, سأله ثلاث مرات وفي كل مرة يقول له:نعم, ثم بين له علِّة الحكم بقوله: أتحب أن تراها عارية؟, قال: لا, قال: فاستأذن على أمك.
فالحكم كما ترى يحمل ذوقية عالية والعلة تحمل ذوقية رفيعة، والأسلوب النبوي يلاميس قناعة عقول المخاطبين, هذه الذوقية المرموقة نجدها موفورة الحضور في النصوص القرآنية بما لا يدع مجالاً للجدال والرد, ألا ترى ذلك في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }89, وكان من عادة العرب أن يفعلوا ذلك حتى أنساهم الحرمات، فجاء النص كي يجدد نداء الفطرة في حرمة البيوت, ومعنى تستأنسوا أي يحصل الأنس بكم من جهتهم بأن يرتدوا ملابسهم ويتهيأوا لاستقبالكم, وفي قوله وتسلموا نلحظ معنى الأمان الذي يحمله السلام من قِبَل الداخل.
فمن ذوقية الاستئذان التي جاء بها الدين يشعر الماكث في بيته بالطمأنينة والأمن فلا يدخل أحد دون طلب الإذن,بل ويشعر به الزوج والأب الغائب عن بيته في أن لا يقتحم أحد على زوجه وبناته فيستشعر الأمان وهو في سوقه بما أضفاه الدين الجليل على البيوت من الحرمة والأمان.
وهكذا صار الرعيل الأُول من الصحابة الكرام يطْعَمُون لبانات الذوقيات القرآنية والنبوية يوماً بعد يوم بما يُضفي مسحة من التحسينات والكماليات على هذه الحياة الصاخبة العاتية، فكأنما حَلُم به أفلاطون ذات يوم في مدينته الفاضلة يتحقق مرة واحدة وأكثر منه في مجتمع رملي بسيط حوالي المسجد النبوي.
ولو ظل العرب في صحرائهم ألف عام وعام لما تسنى لواحد منهم أن يفكر مرة واحدة في الرفق الذي يمثل آخر أنفاس الحضارة الكريمة, وذلك لما جُبل عليه الأعراب من جلافة وقسوة، والصفة هذه لم تكن حكراً على العرب وحدهم بل العالم القديم يتزيّا بها بسبب شظف العيش وقلة الحاجيات.
فمن كان يصدق أن يحيل الإسلام أمثال هؤلاء القساة الذين تشتكي منهم صخور البيداء ووحوش الصحراء أن يحيلهم إلى أنامل وادعة مُترفِّقة بتلك الحُمَّرة بعد أن أخذوا فرخيها، فجاءت على لهف تطير فوقهم, وعلى مقربة منهم نبيهم r: من فجع هذه بولدها؟, أعيدوا ولدها إليها, فتسابقت الأيادي كي تعيد الفرخين إلى طائر الحمّرة الضعيف, إن من يفعل ذلك في أواننا تحتفل إليه القنوات الفضائية والصور كي يظهروا عمله الفريد ونحن نعيش في أعالي بحار الحضارات.
ولكي يكون الأمر جديراً فقد أراد النبي r أن يبعد الشَّيْن عن أصحابه ويرسم في تفاريق جباههم خصلة الرفق وهو يعدُّ كلماته العظام عليهم: ” ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الفحش في شيء قط إلا شانه”90, فمن يومها عَلِمَ الصحابة الكرام سجيَّة الرفق فألبسوه أياديهم قفَّازاً حضارياً وسواراً مدنياً ثم صاروا يُصدِّرونه بالمجان إلى الشعوب الأخرى فزخرت الأرض مشرقها ومغربها وصارت تتراقص على ألحان دينهم المجيد.
أما المرأة الممتهنة التي خرجت من رحم الجاهلية القديمة متاعاً سوقياً يتحكم به الرجل يبيعه ويشتريه ويهبه ويزدريه, المرأة الممتهنة التي آلت بها حضارة القرون الحاضرة العاثرة إلى أن تكون على رأس السلع، فما من سلعة أخرى إلا ويُدلل لها بالمرأة إلى درجة أن العالم اليوم تفنن في طريقة عرضها فباعها كلها حتى لحمها وعظامها، ونصبها في كل مكان كي ترضي نزوة الرجل الشيطاني, هذه المرأة التي تمثل قسيم مجتمع الرجل أذاع لها الإسلام من الذوقيات الخاصة ما لبى طموحها الكبير وأرضى شخصيتها الكريمة، ودعنا نرى ذوقية الدين البطل في بشرية زادت أسواق النخاسة فيها على أسواق الخبز والشعير, تلكم هي ذوقية الرجل الناشط في حبها.
فعائشة المُدلَّلة تسأل زوجها النبي r: كيف حبك لي؟, فيقول: مثل عقدة الحبل, ثم لم تنس بعدها أن تسأله مراراً: كيف العقدة؟, فيقول: على حالها, يشير أن العقدة لم ولن تُحلّ, وأنتم تعلمون يا سادة أن الزوجة لا يصيبها الأوار لو نقص الخبز والماء من بيتها, لكن ستظل تحرقها النار لو علمت يوماً أن حب زوجها خفت وانماع, فهي بجبلتها مشعلٌ وتنُّورٌ لا ينطفئ عن استقبال شعور الرجل بالحب إلا إذا قررت النار يوماً أن لا تأكل هشيماً ذوى من صفرته ونضج على سوقه في بيداء لا تعرف السحاب.
ولقد بلغ الأمر بالنبي r في ذوقية الحب والاعتناء بمشاعر نسائه أن يبتكر أموراً قلما يتنبه إليها الأزواج المحبون, يحدثنا بذلك طرف الإناء الذي كان يضع النبي r فمه الشريفة في ذات الموضع الذي شربت وطعمت منه زوجه عائشة.
وقالوا بعدها – ولست أصدِّق – أن بعض المفكرين الفرنسيين كانوا يتجادلون في نقاش محموم في أوائل القرن العشرين وبعد ثورتهم المجيدة بعشرات السنين كانوا يتجادلون عن المرأة أهي مخلوق شيطاني أم أنسي؟, فإن كان الأمر صحيحاً وأخبرتموهم عن النبي r وعائشة وطارت عقولهم وشُدهوا من تلك الحادثات التي مرت بها الأرض قبل عشرات القرون, لكن من يأبه؟, أنتم تتحدثون عن محض خيالات أيها المسلمون وتفترون على سجالات التاريخ البائس القديم.
بيد أن من ينكر ذلك، فهل عساه يفعل لو أرجعنا الساعة إلى الوراء مئات الأعوام الظامئة ثم دخلنا حجرة النبي r الصغيرة وقد دخلت فاطمة ابنته للتو، وانظر كيف قام أبوها النبي r مستوفزاً لا لقتال بل ليفعل أمراً يتكرر كلما دخلت فاطمة عليه، يقوم ويقبّلها بين عينيها حتى صار ذلك مألوفاً لفاطمة ولنسائه.
والإطعام في الإسلام والصدقة يستتبعان أجوراً عظاماً حتى أنَّ أحد أبواب الجنة الثمانية موسوم بباب الصدقة، ومن هنا ينشط كثير من الناس في الصدقات ويختارونها دون سواها لما يعلمون من انطفاء غضب الرب عندها، خاصة ونحن نعيش في أرض تستفز غضب الخالق كل لحظة، فلولا أن الخالق صبور علينا لأودى بها إلى غير ذات الرجع ولأمر بعض ملائكته الجسام أن يريح كوكبنا المستقر من عناء الدوران حول الشمس ولأخرج علينا من جوفها المصهور براكين كالجبال تأكل الراسيات من الصخور قبل أن تحرق اللحم والعظم, فالصدقة تُطفئ من غضب الإله فيعطينا الفرصة تلو الفرصة عسانا نصلح ما نفسده.
فإذا كانت الصدقة بهذا الجمال الكوني فإن نبينا حدثنا ذات مرة فقال:”إن أعظم الصدقة لقمة يضعها الرجل في فم زوجته”, وفي ذلك مراس دائم على نشدان التوافق بين الزوجين بما يحمله الزوج من شعور رقراق يبتغي الأجر فيه وهو يُطعم أهله وزوجه.
على أن النبي r كان يُعلِّم أصحابه والمجتمع من حوله والإنسانية جمعاء نوعاً جديداً لم تألفه جزيرة العرب بعد, ذلكم هو النظر إلى شخصية الزوجة باحترام شديد وذوقية عالية حتى عند خطأها، ففي إحدى المرات بينما النبي r جالس عند عائشة وحوله بعض أصحابه إذ جاءه إناء طعام من عند زوجة أخرى, قامت عائشة وأراقت ما فيه وكسرت الإناء، وقام النبي r بيديه الكريمتين يجمع باقيه وهو يقول: “غارت أمكم”91، ولم يقل غارت عائشة, وكان العهد من رجال الجزيرة إبَّان البعثة النبوية وقبلها أن تلقى المرأة حتفها جزاء لفعلها هذا، وقد تُطلَّق عند رجل كريم لم يتعود إهانة النساء، لكن في بيت النبي r وفق ما يقرره من دين، ثمة مساحة لحرية الزوجة مع خطأها الجسيم، إنه نوع من التغافل عن ذنوبها وهذا شيء تطير به المرأة من الفرح لأنه يُعبّر بوضوح عن مدى تقدير الزوج وحبه العميقين, ومن كان أجدر بالنبي r أن يفعل ذاك بل ويعلمه المسلمين من بعده.
إن مثل هذه الحادثات هي من جعل عمر صاحب القسوة البالغة والحزم الجاهلي المعروف ينطوي على نفسه بينما تُعلي زوجته من صوتها لو صحَّت الرواية عنه حين خرج رجل من الصحابة مغاضباً زوجته وعزم أن يشكوها إلى عمر، ولما وصل بابه وأراد أن يقرع باب بيت أمير المؤمنين سمع من وراء الباب صوت زوجة عمر تعلو صوته فآثر الانسحاب وفتح عمر الباب واستنطق الرجل وأخبره بمجيئه، وسُجِّلت حادثة غريبة وثار تساؤل كيف يسكت عمر على زوجته وهي تهدده بصوتها العنيف، ولكنه محض التعامل السامي الذي ارتداه الناس مذ أسلموا.
لقد عاب القرآن على الجاهليين النظرة التشاؤمية التي ترسم على مفارق جباههم أخاديد الجبِّ والحَزَن إثر هبة الله له بنتاً، فقال في تصوير ذلك: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}92, فمن حكم على الفتاة لحظة ميلادها بهذا السوء والله وحده هو الواهب؟, ولم يختفِ الأب عن قومه كأنما جاء بقبيح الأفعال والصفات؟, وكيف تسنى له أن يصبح قاضياً فجأة ينصب التهم لهذه المجرمة الصغيرة، بل وأن يتولى عقابها إعداماً ويردها إلى الأرض التي خُلقت منها وهي لا دخل لها في صنع الحياة؟.
لقد نزل الإسلام على رجال عاشوا على الأرض فرفعهم إلى السحاب, ونزل على نساء كن يعشن تحت الأرض فرفعهنَّ إلى الجوزاء, وجمَّد النظرة الجاهلية المقيتة والحزن الذي يملأ صدر الأب لحظة يُبشَّر بفتاة فصدع في هؤلاء الجاهليين: ” ما من مسلم له بنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه إلا أدخلتاه الجنة”, فمن الطرق الاستثمارية الرابحة التي يعالجها أهل العقول التجارية أن يتخذوا من بنياتهم صفقة رابحة تُمكِّنهم من ربح الجنة, وبمعنى وجيز فقد جعل الإسلام الجنة كلها في كفة ميزان عظمى طرفها المقابل كفة أخرى تملأها فتاة صغيرة لا تزيد عن بضعة كيلو مترات.
ولو تسنّى لي أن أخاطب المرأة الأمريكية والأوروبية أو أسأل زوجة في مشرق الأرض لقلت: ماذا لو كان ذلك حقيقياً؟, ما الذي يتغير في داخلك لو علمت أن ديننا بهذه الصفات الرائعة؟.
إن محض الافتراءات والدجل والكذب البواح الذي يزيد في خرق طبقة الأوزون ويصمّ الأذان بثقله الرديء ويهيض جناح الحقيقة ويجعل من البشر أبالسة بامتياز، تنطفئ بسببه المصابيح المعلقة في السماء ويخفت ضوء الكواكب قهراً ويحزن لأجله القمر المتسق بدراً وهو يضيء التلال ويحيل الليل إلى نصف نهار هو ما تُصوّره الأبواق والفضائيات والأفلام وهي تُحمِّل محمداً قنبلة يكرهها وسوطاً يمقته وسنابك خيل يرتديها فيمزّق بها أطراف الرجال والنساء والولدان على السواء.
فأي شيطان استحضرتموه كان سليمان u حبسه في الوثاق؟، وأي عفريت نفث في وجناتكم الحمراء دجلاً بلونها وأنتم تفترون الكذب على أمهر الرجال في التعامل مع النساء زوجة وبنتاً وأختاً وامرأة أجنبية؟, وكيف تبدَّى لكم أن تحرفوا وتزيفوا أطهر الأنفاس على الأرض بتواريخها السبعة وتصوروها رجساً مزهوماً؟.
ولا غرابة في ذلك فلقد علمنا بعدد الأيام بيننا وبين محمد أن كهنة اليهود القدماء برعوا في ذات الشأن وهم يُحرِّفون الكلم عن مواضعه ويحيلون كلام الرب إلى شعر بشري رديء الصنعة بعد أن امتدت أياديهم الآثمة وعاثت فساداً في التوراة أس الرسالات القديمة فبدلوا من الأحكام الإلهية واشتروا بها ثمناً قليلاً دون رقيب أو حسيب فحلّت عليهم لعنات الله ولم تزل.
ولما كان الإسلام هو دين التفكير والتأمل فقد نشد على الدوام مجتمعاً هادئاً بعيداً عن الصخب والإزعاج؛ لما بين التفكير والصخب من العداوة البغيضة فحرص على ذوقية الهدوء وأقام أتباعه على التؤدة والوداعة, وسجَّل لنا في حادثة وفد بني تميم مادة دستورية تظل عَلَمَاً في هذا الشأن.
فبعد غزوة الفتح الأعظم دخل الناس في دين الله أفواجاً، وتعاهدت كثبان الجزيرة الرملية وفود العرب وهي تشق طريقها اللاحب صوب المدينة، وكان من ضمن الوفود قبيلة بني تميم حتى إذا حطَّت رحالهم حوالي المسجد شرعوا منادين بأصواتهم العالية: يا محمد اخرج علينا، فاستاء النبي r لصوتهم ونبرتهم مع أنهم كانوا من الاعتياد بمكان، غير أن الإنسان عدو ما أَلِف, فالفعل القبيح يظل قبيحاً حتى لو أَلِفَهُ صاحبه, وكان ينبغي عليهم أن ينادوا النبي r بطريقة تليق بمقامه, وتمعَّن في تذييل الآية الأولى: أكثرهم لا يعقلون, وتـأمل في ذوقية القرآن العالية وهو يقول: إن الذين ينادونك …ولم يسمِّهم,فالسامع والقارئ يعيب ذاك الفعل كلما قرأه أو سمعه دون أن يربطه ببني تميم, فالآية تعلمنا الابتعاد عن التجريح وذكر الأسماء والأشخاص فالمعيب لدينا الفعل لا الشخص, وقد جرى النبي r على هذا المنوال فإذا أراد أن ينبه أصحابه على فعل مشين فعله بعضهم قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا دون أن يسميهم, وتلك كما ترى ذوقية عالية في التعامل والنهي عن المنكر نستجلي سمتها من شعور المعنيِّ، فلو ذُكر اسمه لغلّفت قلبه عداوة المتكلم دون أن يعبه بالخطأ, أما إذا أُبهم اسمه فإنه يُكبر ذلك في نفسه ويكون أول المنتهين عن المراد.
إن مما يميز الإنسان عن باقي عجماوات الأرض هدوءه ورزانته فلا عجب أن يمدح الله أولياءه بهذه الخصلة لما قال: { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}, وهوناً أي متواضعين هادئين لا يعرفون الصخب ولا الإزعاج، تراهم يلبسون الوداعة ويرتدون التؤدة فكأنهم ملوك الأرض بخصالهم, ولما كان الإنسان بطبعه صخَّابا يحب إثارة الانتباه وجلب النظر فقد شدَّت الآية الكريمة السامعين إلى ضرورة التحلي بهذه السمات النادرة والصفات الجليلة, بل والآيات بعدها قرنت هذه الخصلة بمقامات رفيعة من العبادات والطاعات ورؤوس الأخلاق في الاسلام.
ولقد دأب القرآن على حفر الرؤوس بهذا السمت والذوق، فتراه مرة على لسان لقمان الحكيم يوصي ابنه فيقول: { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ }93, فالبعد عن الاختيال الذي يُنسي الانسان حقيقته والنأي عن الفخر المذموم الذي يحيل المرء إلى شيطان مملوء كبْراً، سجيتان محمودتان يُشار إلى صاحبهما ببنان الدين والفضيلة, ثم رسمت لنا الآية صورة مُنفِّرة لأولئك الصاخبين الذين ينفخون أشداقهم برذائل الكلام ويملؤون الفضاء بالصراخ العاتي ويهتكون حق الآخرين في الهدوء ويخرقون منظومة الأدب العام، أنهم مهما برَوا ألسنتهم وأوسعوا حناجرهم لن يبلغوا معشار نهيق حمار ناعس، فلا عليهم لو فعلوا، إنهم يقلدون صوتاً منكَراً يمجُّه الذوق ويربأ عنه العرف.
ولقد عمَّم الإسلام هذه الذوقية كما فعل في غيرها، فنصبت لنا طرق السنن النبوية الهادية أن نرتع مع جيراننا الأدنين وفق ذوقية ذات حدين, حدها الأقصى ألا نتعرض لهم بالأذية والإعتداء وحدها الأدنى أن لا تطال أنوفهم – إن كانوا فقراء – شيئاً من روئح طعامنا إلا وأهدينا لهم, نجد ذلك خصباً في قول نبي الإسلام: ” وإذا اشتريت فاكهة فاهد لهم منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً, ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده, ولا تؤذه بقَتار قِدْرك إلا أن تغرف له منها”, بمعنى أن من كان فقيراً فتحصَّل له بعض المال فأراد أن يوسع على أهله وأحضر لهم فاكهة ينبغي أن يخطط مسبقاً لذوقيته مع جيرانه فإن كانت الفاكهة يسيرة لا يستطيع أن يُطعم منها جيرانه فليفكر في طريق يدخل بها إلى بيته سراً فلا تطال عيون صغار الجيران الفاكهة المحمولة وهم غير قادرين على شرائها, واحرص بعد أن تُدخلها بيتك فيأكل صغارك ألا يخرجوا بها فيراها الصغار اللاعبون حول بيوتهم فإن ذلك يُدخل حسرة في قلوبهم بسبب عدم مراعاتك لفن التعامل مع الجيران.
واحبس رائحة طعامك الشهي إن استطعت وهي تفور على القِدْر كي لا تتناهى إلى أنوفهم وهم محتاجون معوزون إلا بأن تجعل لهم منها حصة, وبعبارة وجيزة لا تجرح شعور الجيران بأدنى أذية، فإن الله ابتعث دينه الخاتم لينظم التعامل بين الجيران ويجعل بينهم ذوقاً خاصاً في التعامل، وهذه طريقة سامية تبني المجتمع بناءً سريعاً متكاملاً وتجعل منه لبِنات ذات نسيج قوي فيهنأ الناس في عيشهم ولا يُكدِّرهم ضرب من الكدر قلَّ أو كثُر.
فالمسلم – بما يعلم من دينه – حريص على التعامل بإيجابية بالغة مع جيرانه، فلو حدث خلل بتعامل أحد الجيران كان على الآخر أن يدفع بالتي هي أحسن, { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}94, وهل أليق بالجيران إلا أن ينقلبوا أولياء حميمين, إن أجمل صور التطبيق لهذه المفردة السامية المحلقة في سماء البشرية ما كان يفعله النبي r بجاره اليهودي الذي حرص أن يملأ فناءه بالقاذورات فيخرج إليه وينظّفه دون أن يُحدِّثه بشيء حتى إذا مرض اليهودي وخلا الفناء من الأكوام تفقده النبي r، وشعر جاره بسمو التعامل ولا أعلم إن كان قد أسلم بسبب هذا التعامل الرائع.
ولقد شهدنا في العصور الحاضرة ممن يزعم الرقي ويحيا في أكثر العواصم تقدماً ورقيا وبلغت به الآلة أن تسقيه قهوة الصباح وهو نائم على فراشه الوثير ثم لا يعلم عن جاره شيئاً، فلو حدث أن جاره مات لوصلت رائحة عفونته إلى أقصى المدينة قبل أن يعلم جاره به فأين ذلك من جار اليهودي وهو يتفقده؟.
وفي الكوفة وبعد مضي قرن من الزمان حيث الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان يصلي في الليل ويعالج مسائل الفقه، يفد إليه صوت صلق من جاره الشاب الذي ما فتئ منذ أيام يؤذي جيرانه بقوله:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فيصبر أبو حنيفة على أذاه أياماً, حتى إذا جاءت ليلة خلت فيها صوت الفتى, عمد أبو حنيفة إلى تفقده في الصباح، فعلم أنه شاب مخمور يعبُّ من الخمر كل ليلة ثم ينطلق مزمجراً بشعره المعهود وأنه ما بات الليلة الفائتة في بيته, ومضى الإمام الأعظم إلى دار السجن وتشفَّع للفتى بالخروج وعاد معه فأوصله إلى بيته, وفي الطريق ردَّد الإمام على مسامع الفتى شعره أضاعوني…, وقال: ما أضعناك يا فتى, ومن يومها صلُح حال الشاب لما رأى من التعامل الأمثل بين الجيران.
وإذا كان المسلمون اليوم مقصرون في هذا الجانب، وقلة منهم فقط يفقهه ويطبقه في عالم امتلأ بالأذية بكافة صنوفها, فسنظل خطباء ودعاة نردد على مسامعهم مثل هذه الإضاءات اللامعة التي تسمق كالنجوم المتلألئة إلى أن تخرق آذاناً صمَّا ويسيل بها واقع المسلمين الناعس المثقل.
إن الإسلام – يا سادة – يقدم الأشياء على طريقته اللائقة، فكأنك دخلت لتوك في مطعم راقٍ يحفل بالزبائن الأثرياء لقاء ما يدفعون, فتجد بهو المطعم وقاعاته على أتم ما يكون المستراح والمكوث، ثم تأتيك الابتسامات من كل جانب ويقدَّم لك من الطعام الفاخر بوجبات متلاحقة، فأولها المقبلات التي تستتبع حاسة الجوع لديك، ثم يحطُّ بين يديك ما تشتهي ثم تتلاحق الفاكهة والحلويات فيشعر المرء بالشبع الهانئ, وهذا هو تماما ما يفعله الإسلام بأتباعه باستثناء أمرين, أولهما: يفعله بالمجان, وثانيهما: لا يقودك إلى التخمة المفرطة ولا يحيلك إلى الأمراض، بل يملؤك رضا ويشدُّ عليك ثياب العافية بإتقان.
أو إن شئت القول كمن جاء إلى مُعبِّر بعد أن رأى في منامه أن أسنانه الأمامية تساقطت وسأله عن تفسيره فقال المُعبِّر: تشهد موت جميع أقرابائك فحزن وانزعج وذهب إلى مُعبِّر آخر فأخبره بما قاله الأول ثم ذهب إلى ابن سيرين فقال له: ستكون أطول أقربائك عمراً فاستراح وأبدى الرضا، فابن سيرين مثَّل الإسلام في ذوقياته رغم أنه لم يخرج عن تعبير سابقيه.
قمر ٌ آخر للأرض
يملؤها ضياءً ونوراً في العتمات إذا كان الأول الذي خُلق معها منذ بدء الخليقة لا يكفي أن يبدد ظلام الشتاء بعد أن يغرب مصباح النهار, إنَّ هذه السنن التي تمثل ذوقيات الإسلام العامة لهي بحق أشبه ما تكون بقمر آخر يرنو وجه البسيطة ويذكرها بضوء الشمس الماكث خلف كرويتها.
ولكي لا يفوتنا التنويه أن أغلب مصنفي كتب الأحاديث أفردوا في كتبهم باباً يُعرف بباب الأدب، فإن هذا الباب اشتمل على عشرات الآداب والذوقيات التي تُحسِّن وتُجمِّل حياة البشر، وإذا أردت أن تسميها إتيكيت التعامل مع الآخرين فلك ذلك فلا مشاحَّة في الاصطلاح، المهم لدينا أن نستذكر سوية شغف الدين وتشوّفه بإبراز هذا الجانب الإنساني المتكامل.
والذوق كما نعلم من أجمل فنون التعامل مع الآخرين، وهو ليس هامشياً في الإسلام بل هو نُقرة نواة التمرة لديه، وهو المفردة التي أضفى عليها هالة من التبريك والقداسة وأشعلها باستمرار في جل نواحي الحياة وجوانبها.
ولما كانت النظافة أول مدارج الحضارة الراقية فقد ألانها الإسلام بأيدي أتباعه, فالصلاة مثلاً التي هي ركنه الركين وعموده المتين يُشترط لها الطهارة الكبرى أو الصغرى, فالكبرى هي الاغتسال والصغرى هي الوضوء وفي حال انعدام الطهارتين أو العجز عن استخدام الماء فلا بد من التيمم الذي هو طهارة بديلة, ومع أنََّ التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب وهو ليس نظافة بالمعنى المادي على خلاف استعمال الماء إلا أنه طهارة معنوية، وكأن التشريع يخاطبنا بلسان الحال: إذا انعدم الماء فلا عليكم أن تشعروا بشعور الطهارة المعنوية قبل أن تدخلوا على الرب في صلاتكم ومحادثتكم له.
لم تكن البشرية تهمل ولا تزدري شيئاً كالنظافة، وما العرب إلا سجية العالم القديم, إذ كان من عادة الأعراب الذين يحضرون الجمعة مع النبي r أن يأتوا بلباسهم الاعتيادي ويزدحموا في المسجد النبوي، وبفعل حرارة الشمس العالية ينتشر العرق على أجسادهم وتفوح رائحته، فأمرهم النبي r بالاغتسال يوم الجمعة ولبس أفخر ما لديهم من الثياب حتى إذا ركُز ذلك في أذهانهم نقل الحكم من الوجوب الى الاستحباب، فغسل يوم الجمعة استقرَّ على الاستحباب بعد أن كان واجباً في حقهم ” من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل”95, ولما دخل عثمان المسجد وعمر يخطب تعجب لتأخره فقال عثمان: وصلت المدينة فما زدت على أن توضأت, قال عمر: والوضوء أيضا96.
وتجيء نظافة الطريق والبيئة التي نعيش فيها مبرزة عناية الإسلام الرائقة بالتحضر في وقت أُهمل فيه الجانب كلية عن العالم الأرضي فجاء الإسلام لينبه على واحدة من ثمار الاستخلاف الإلهي لبني الإنسان، فتعامل مع الطريق كأنها كائن حي له شعور وأحاسيس وجعل لها حقاً مع الجمادات مع أنهاتخلو من الذمة الشرعية والمالية, ” إماطة الأذى عن الطريق صدقة”97, والصدقة تطفئ غضب الرب98، فمن عصى وشعر أن الله غضب عليه فبرفع أذية عن الطريق يزيل هذا الغضب، فكان ذاك جدير بأن يحمل الناس على الاهتمام بالأرض وما عليها وأولها الطريق التي يسير عليها الناس, ” إياكم والجلوس في الطرقات… فإن أبيتم فأعطوا الطريق حقه….غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”99, وتخيل معي لو عكف الناس على هذه الأربعة كيف تغدو الطريق بعدها؟، واحدة من الجماليات التي تحيل دنيا الناس إلى قطعة من عدن, إن واحدة منها لكفيلة بأن تثري أهل المجتمع وتجعلهم في رخاء دائم.
بل إن في رفع غصن شوك عن الطريق وإزالة بواقي ما يرميه الراكبون وإصلاح ممر أقدام الناس في كل هذا السالف وغيره تتجلى روعة الدين الخاتم في أن ضمَّنه مرتبة من مراتب الإيمان ” الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق”100, فلا غرو أن يكون دين الحياة والتعامل والطريق.
والإنسان مخلوق سويٌّ، صنعه الله تعالى بأبهى الصور وأحسن السجايا وزوده الإسلام بذوقيات عالية المدى تجعله سيد الطبيعة من حوله, وهو حينما يتثاءب يظهر للرائي بصورة منفِّرة تخدش وحدة التآلف المنشود بين بني البشر ولذا فقد سُنَّ له أن يكظم ما استطاع وأبان له أنَّ التثاءب من الشيطان كما في حديث ” التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع”101, وفي حديث آخر ” .. فإن الشيطان يدخل”102, ومعنى كونه من الشيطان أنه مدعاة للكسل والتراخي وهذا تفسير دخول الشيطان، ففي لغة الشرع قد يُعبَّر عن أية صفة غير مرغوبة بالشيطان, أي أنَّ الكسل مراد الشيطان من الإنسان كي يخمل عن الطاعة وأداء الحقوق, أما العطاس فيُنشِّط الجسم ويشدّه بقوة فيندب للعاطس بعدها أن يقول: الحمدلله.
لقد وصل الإسلام أتباعه بعضهم ببعض حتى كأنهم سلك منظوم أو عقد من الجواهر الرصينة التي يشدها خيط لؤلؤي متين، فما من مزية أو ذوقية تُعين في هذا الوصل إلا وقد حفل بها ورتَّب عليها من الأجور الزائدة ما يكفل نشدانها من قبل أفراده, فدعا أول ما دعا أتباعه إلى أن يرموا المحبة بينهم ويبذلوها بذلاً سخياً فـ” لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ “103, و” تبسمك في وجه أخيك صدقة”104, ولما كان التهادي من أمتن الجسور الموصولة بين القلوب ندب إليها وجعلها طريقاً إلى الجنة ” تهادوا تحابَّوا”105, إنَّ ما يريده الناس من بعضهم ليس عصياً على أحد، المطلوب فقط أن يتنازل الإنسان عن كبرياءه وينحدر من جبروته ويلين بيدي إخوانه ويفرش لهم جناحاً لا تذلل فيه.
ومن الذوقيات الجليلة القدر التي يترع بها كأس الإسلام الدَّهِق ذوقية التغافل، وهي سجية قلما تنبت في عالم الرجال إلا حينما يكونون أسياداً، ويجمعون إلى السيادة صفتي الكرم والبراعة في فهم الحياة, ولذا فإنَّ سيد المسلمين في عصره وهو الحسن البصري لما تحدث عنه قال: التغافل من فعل الكرام, وقال إمام أهل السنة احمد بن حنبل: تسعة أعشار الخلق في التغافل.
وقد ركَز الإسلام ذوقية التغافل من خلال اعترافه بواقعية الإنسان المجبول على الخطأ والنسيان, وقد يفعل التغافل من التقويم والإصلاح ما يعجز عنه مائة لسان مزمجر وألف سيف مسلول لأنه يخاطب عقلاء يعرفون قصد المتكلم من المرة الرابعة.
وينبغي لمن يحسب نفسه سيداً أن يفعِّل في حياة قومه وأمته هذه السجية المنسية وإلا لفظه الناس ومجَّته الألسن، كما تفعل أشجار الخريف وهي تتخلى عن أوراقها وتلقيها في فم الرياح.
قال الشاعر
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي106
وليس غريباً أن يُربِّي النبي r أصحابه على ذوقية كالتغافل, فكم مرة تناسى أخطاءهم اليسيرة التي لا تخدش الدين, وكم مرة قبِل عذر المنافقين وهو يعلم حقيقة قلوبهم؟, أو لم ينزل القرآن بهذه في قوله: { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ }107, وبعد غزوة حنين التي انهزم فيها جيشه بداية المعركة ووصلت بعض خيول المسلمين المدينة، وقفت امرأة معه على أبواب المدينة وقالت: يا رسول الله أفلا نعاقب الفارِّين, قال: لا ولكن عافية الله أوسع لنا.
المقاصد الخفية للعبادات
عقد الإمام الغزالي في كتابه المعروف إحياء علوم الدين فصولاً في أسرار العبادات تعرض فيها لأسرار الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها, كما حاول الأقدمون التوصل إلى حِكَم العبادات.
فالصلاة كما تحدثوا عنها وقوف بين يدي الرب وانخلاع من رِبْقة الدنيا وزهد في الفانيات من متع الحياة, والركوع والسجود يعلِّمان العبد الذّلة لله تعالى, والجلوس إعظام العبادة.
والطهارة تنقية للمرء من الأرجاس وتعليمه النظافة.
والزكاة تنشد من الإنسان الإحساس مع الغير ومسح دمعة المسكين.
والصوم إمساك عن المشتهيات.
والحج حضور لمهرجان سنوي عظيم.
مثل هذه الأسرار والحِكَم تداولها العلماء في كتبهم وسالت بها قرائحهم بعد التفكر والتدبر فيها.
وسأضيف جملة من المقاصد الخفية التي لاحت لي بعد التدبر فيها.
المعنى اللغوي للصلاة وعلاقته بالمعنى الاصطلاحي
وهل كانت كلمة “الصلاة” معروفة متداولة في لغة العرب قبيل الإسلام؟, الحق أنها موجودة في أشعارهم نثرهم, قال الأعشى وهو شاعر جاهلي:

تقولُ بنتي، وقد قرّبتُ مرتحــــلاً ياربّ جنّبْ أبي الأوصابَ والوجعا
عليكِ مثلُ الذي صلّيتِ فاغتمضــي يوماً فإنّ لجنبِ المرءِ مضطجعــــــا108
ومعنى صليت هنا أي دعوتِ ورجوتِ, إذ معنى الصلاة في اللغة الدعاء109, فلما جاءت الشريعة الحكيمة أحدثت معنى جديداً وهو الصلاة المعروفة, وهي عبارة عن جملة من الأقوال والأفعال المخصوصة يمارسها المسلم وهي صلة العبد بربه.
والعلاقة واضحة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي, إذ الصلاة دعاء من أولها إلى آخرها, ويبدو أن الشارع الحكيم اختار المعنى الأقرب للناس قبل الإسلام.
والمعنى الاصطلاحي يرتكز عن المعنى اللغوي ارتكاز البناء على الأساس, وهذا يتضح في المفردة.
وهناك معنى لغوي آخر للصلاة وهو اللزوم كما قال الزجاج110: يقال صلى واصطلى إذا لزم, والعلاقة واضحة إذ الصلاة لازمة على الإنسان وواجبة لا تنفك عنه.
المعنى الثالث: ومنهم من قال: الصلاة مأخوذة من الصَّلَوين وهما العِرْقان الذان يصلان الفخذ ببقية الجسم, هذان العرقان ينثنيان أثناء الركوع والسجود, فظهرت المناسبة بين المعنيين.
المعنى الرابع: وقال بعضهم هي كلمة عبرانية مأخوذة من صلوتا وهي الصلاة عندهم أو معبد الصلاة, وهذا المعنى بعيد كون اللفظة تمتد عروقها في لغة العرب ولها آحاد الاشتقاقات.
المعنى الخامس: المصلي هو الثاني من خيل السباق, وفي الحديث: ” سبق النبي r وصلّى أبو بكر”111, أي جاء أبو بكر ثانياً في السباق, وسُمِّيَ الجواد الثاني مصلِّياً لأنه يضع رأسه ملاصقاً للجواد الأول على هيئة الخيل إذا أرادت أن تسبق تطأطأ رأسها نحو الأمام.
وهذا يوحي بمعنى الذّلة التي ترتسم على المصلي بين يدي الله تعالى.
المقصد الخفي للصلاة: الصلاة من أولها إلى آخرها انضباط تام واستسلام وانقياد على ما يأمر به الشارع الحكيم, فلا يستطيع المصلي أن يخرج منها وإذا فعل بطلت، فهو بين قيام وركوع وسجود وجلوس, يمكث هذا الوقت متنقلاً من ركن إلى آخر سواء كان الركن فعلياً أم قولياً.
فالشارع يأمر المكلف أن يضبط حركته في هذا الوقت كلما أراد الدخول في الصلاة, يأمره أن يضبط حركته خمس مرات في اليوم والليلة, ولو أضفنا صلاة الضحى وقيام الليل والنافلة فهو بلا شك يزيد من أوقات الانضباط والانقياد.
والحياة كلها ينبغي أن تكون انضباطاً تاماً لما يأمر به الله تعالى, وكأنه تعالى يقول لنا بلسان الحال: قد افترضت عليكم أن تضبطوا حركاتكم لي خمس مرات في اليوم والليلة كي أعلّمكم وأدرّبكم ضبط إيقاع الحياة كلها, فالصلاة تدريب جزئي لزمن الحياة كله.
وهذا المعني في ظني من أولى مقاصد الصلاة الخفية.
فالعبادات وعلى رأسها الصلاة شُرعت كي تعلم الإنسان كيف يجعل من الحياة كلها صلاة واحدة، يُحرِم فيها بمجرد البلوغ بل من قبله ويتحلل منها تسليماً بالموت.
وهذا يجعل من حركاته إيقاعاً لما يبتغيه الشارع ويأذن به فتصلح حياة المجتمع المصلي كله, ويعرف كل واحد منهم حدود حركاته وانضباطاته.
أو إن شئت القول الفرائض والسنن التزام وانضباط لما يجب أن تكون عليه حركة الإنسان في الحياة, وقمة الانضباط يكون في عبادة الصلاة, ولاحظ كيف أن الشارع أقام حمى حولها وأبطلها بأقل الحركات الخارجة عنها.
المقصد الخفي للطهارة: الطهارة هي النظافة, حيث يؤمر مريد الوضوء أن يغسل أطرافه ويمسحها امتثالاً لأمر الله تعالى { أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}112,وهذه هي الفروض الأربعة وهي أقل حد الطهارة والنظافة في حق المكلف، ثم زادها النبي r المضمضة والاستنشاق وغسل الكفين ومسح الأذنين وهي سنن الوضوء المعروفة ليصل بالمكلف إلى حد الكمال في التطهر.
أما الغسل فتعميم الماء على أنحاء البدن، وأقله أن يفعله المكلف عند الجنابة وغيرها على ما هو معلوم لدى الفقهاء, وحد الكمال الأغسال المسنونة من غسل الجمعة والعيدين وغيرهما.
فيجب على المكلف أن يتوضأ كلما أحدث عند إرادته الصلاة كما ذكرت الآية { إذا قمتم إلى الصلاة}، أي وأنتم محدثون, وعليه أن يغتسل كلما أجنب إذا أراد الصلاة, فعبادة الطهارة تعلمنا النظافة، فهي قائلة بلسان الحال كما أن الله افترض عليكم الوضوء والغسل عند الأحداث, فهو تدريب لكم أن تجعلوا النظافة لصيقة بكم في الحياة كلها, فالمسلم نظيف يحب النظافة, ويحدِّث نفسه بالنظافة, فلا معنى للتحضر والرقي والتطور دون نظافة فهي مهمة لأجسادكم وصحتكم وعبادتكم كي تظلوا بعيدين عن النجاسات والأوساخ التي لا تناسب هذا الإنسان المستخلَف في الأرض المناجي ربه مرات عديدة في اليوم الواحد.
بل من السنة أن يظل المسلم على وضوء حتى لو لم يُرِد عبادة, ومن السنة أن ينام على وضوء حتى وإن ختم صلاته بالوتر.
ولو صدف أن فقد الإنسان الماء واحتاج إلى الوضوء أو الاغتسال فإنه لا يستبيح الصلاة إلا بالعبادة البديلة وهي التيمم بتراب الأرض، فيلصق يده بغبارها ثم يمسح وجهه ويديه إلى المرفقين, وهذه لها حكمة أخرى مفادها أنه يشترط للصلاة الطهارة من وضوء أو تيمم وعند فقد الماء يتيمم، وهما تهيئة العبد نفسه قبل الوقوف المقدس بين يدي الله تعالى, فصار لدينا من فوائد استعمال الماء قبل العبادة النظافة والتهيئة, ومن التيمم فائدة التهيئة, ومن يدري لعل العلم الحديث والمستقبلي يكشف النقاب عن علاقة وثيقة بين النظافة والتيمم بالتراب على الرغم أن ظاهر الأمر يبدو مضاداً ومعارضاً، إذ كيف يجعل غباراً على أطرافه ثم يقال هذا نظافة, لا شك أن هناك فائدة طبية وصحية لأن التكاليف لا تخلو منها عموماً.
المقصد الخفي للزكاة: أودع الله تعالى حق الفقير لدى الغني, فليعلم من زكّى ماله وأخرجه إلى فقير أنه لا فضل له في ذلك سوى امتثال الأمر الإلهي, وذلك أن حصة الفقير محبوسة عنده ابتلاءً, فهو ليس متفضلاً بل حابس, ومن رحمة الله تعالى أن جعل في الزكاة أجراً وإلا فهي أمانة مودَعة، ولذا سنستلُّ من حق الضيافة معنى مهماً يرِد هنا نتمثّله من قول الشاعر
والضيف يأكل رزقه عندي ويحمدني عليه
والزكاة متنوعة المقدار حسب المال, ففي الذهب والفضة والأموال النقدية 2.5%، وفي الزروع والثمار 10% إن كانت بعلية و5% إن كانت مروية, وفي الأنعام من الإبل والبقر والغنم شياه على قدر مخصوص، وفي الركاز 20% وهكذا ..وهذه المقادير ليست كبيرة على نحو تستأصل تعب الغني، وليست قليلة على نحو لا تسد جوعة الفقير113.
والمال كما هو معلوم محبب إلى النفس فهو رغبتها الأولى , وإنما سمي مالاً لأن الطبع يميل إليه, ولذا نجد البخيل الشحيح يجد صعوبة في إخراج المال للفقراء, فالمال في قلبه لا في جيبه، أما الكريم فلا يكاد يستقر المال في يده من كثرة الإنفاق.
ولما كان الناس كلهم مجبولون على حب المال والشقاء في تحصيله، أمرنا الله تعالى أن نتنازل عن بعض شهوته وتعلقه في القلب, فالزكاة هي الأخرى تدريب آخر للتخلي عن المال عند الحاجة وإيداعه حركة الاقتصاد الكبرى في الحياة لا أن يظل مكنوزاً في القاصات والبنوك, فكما أن الشارع الحكيم أمرنا أن لا ننسى إخواننا من الفقراء بجزء بسيط من المال فهذا تعليم لنا في أن يظل المال رائداً في قضاء الحاجات أقصد تلك التي تنتاب المحتاجين إليه.
فانظر إلى عظيم التكافل الذي جعله الله تعالى في الزكاة, ففي تعبك وشغلك ثمة حق للناس فيه, فإياك والظن أنك تعيش وحدك, كلا أنت تعمل كي تجعل من المجتمع متكافلاً سادَّاً لحاجات بعضه بعضاً.
فالزكاة ضبط لعلاقتك مع المال كيلا ينفرد بملء حياتك, وإياك أن تتعلق به على النحو الذي ينسيك أنك طارئ على هذه الحياة وسترحل عنها عما قريب.
المقصد الخفي للصوم: وكما أن الله تعالى أمرك أن تُمسك عن المشتهيات والمرغوبات من المطعومات والمشروبات شهراً في العام، فهذا تدريب آخر لِتُعلِّم نفسك الإمساك عن المرغوبات والمشتهيات من المحرمات, وليكن لك في هذا الصوم القليل عبرة في أن تجعل الحياة كلها صوم عن محارم الله تعالى.
فلا يغتر أحد ببهرجة هذه الدنيا وما فيها من الناعمات والملذوذات، فإن موعود الله أعظم من أن يؤول إلى هذه الفانيات, إن الإفطار الحقيقي للمسلم يبدأ عند حلول الموت.
وإن في الجنة من الحور والسعة والطعام والشراب والمرغوبات ما يليق بالمسلم الذي جعل من حياته كلها صوماً واحداً للآمر الأعظم جلّ وعلا.
المقصد الخفي للحج:في هذه الملايين التي تتزاحم معك في مناسك الحج، فتجدها أمامك واقفة على عرفات وفي منى لرمي الجمرات, وتجدهم حواليك وأنت تدور بالأشواط السبعة حول البيت, ويسعون معك بين الصفا والمروة, وكلهم يلبسون لباساً لباساً واحداً متجردين عن المخيط والتعقيد, في هذه الملايين تكافل اجتماعي حقيقي للأمة الإسلامية التي اجتمعت في صعيد واحد تصنع كلها ذات المناسك والعبادات.
وذلك تدريب للمسلمين في أن الأصل اجتماعكم لا تفرقكم فأنتم إخوة, قال تعالى { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }114.
وعلى الرغم من الزحام الذي يشهده الحجيج كل عام والمشقات التي يغالبونها، فلا بد من الحج مرة واحدة في العمر, هذا الزحام الذي تشهده في هذه العصور كان معلوماً عند الله تعالى ولا يزال, ومع ذلك جعل الحج أشهر معلومات, قال تعالى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ }115,بل إن بعض أركانه لا بد أن تُفعل في يوم واحد كالوقوف بعرفة.
هذا لأن تواجد الحجيج في وقت واحد مقصود شرعاً بلا شك رغم الزحام والمشاق، إذ لا بد من هذا النوع من التكافل وهو تدريب عملي للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كيما يتكافلون ويتحدون اتحادهم في المناسك.
وعلى نبل المقصد وأهميته يكون الفضل والأجر, وهل تجد فضلاً أعظم من ” من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”116.
إن من تدرب هذا الوقت اليسير على الاتحاد والاجتماع والتكافل الموجود في الحج غفر الله ذنوبه ورجع صفحة بيضاء كيوم ولادته.
والمشاق التي يلاقيها الحاج ويغالبها كلها مغمورة بالمصلحة الكلية التي ينشدها الحج.
بالإضافة إلى أنَّ مكابدة الزَّحام خاصة في الطواف والرمي، فيه من مقاصده العليا ما يُذكِّر المسلم على الدوام بكظيظ القيامة الأعظم، حيث يتكدّس الناس بالمليارات في ساحات الحساب والحشر وغيرهامن مشاهد القيامة، فيجعل من قلب الحاج مِرْجلاً يغلي بالقلق لحظة معاينة الحجيج، هذا القلق سيدفعه دفعاً إيجابياً في حركة الحياة، منهمكاً في إرضاء ربه على نحو يُخفِّف عنه ما يلاقيه غداً في عالم الآخرة.
فكأن الحج قيامة صغرى، يشرأبُّ فيه الحاج بعنقه صوب الدار الآخرة وجسده في المناسك، وأي تطلّع إلى يوم الحساب أعظم من هذا، فعبادة الحج تفعل إذن ما لا تفعله غيرها في هذا المقام.
نظرية التفاعل الإيجابي
يحفل الإسلام بجملة من النظريات العاكسة لواقعيته ومرونته وتميزه عن بقية الأديان والشرائع والملل والنحل والمعتقدات والفلسفات الأخرى, ومن هذه النظريات ما يمكن أن نسميه بنظرية التفاعل الإيجابي.
معنى الإيجابية
نحتاج كي نوضح معنى الإيجابية في الإسلام إلى مثال بسيط يقوم على تجربة، مفرداتها لوح من زجاج وآخر من خشب مُعتم, فلو عرَّضنا اللوح الزجاجي إلى شمس ساطعة لا يلبث أن يعكس كل ما وقع عليه من أشعة الشمس, ولذا نُصنّف الزجاج بأنه عاكس للأشعة.
ولو عرَّضنا لوح الخشب ذا اللون الأسود لذات الأشعة فسيمتصها كلها دون أن يصدر عنه شعاع واحد, فمن صفات الألوان المعتمة كالأسود امتصاص الأشعة.
وعليه فإننا سنُصنِّف الزجاج أخلاقياً بأنه كريم سخي ينبذ الأنا ويذوب في الآخر.
ونصنف الخشب واللون الأسود أخلاقياً بأنه بخيل شحيح أناني يميل إلى النرجسية.
وهذا هو معنى الإيجابية بأبسط التعبيرات, إذ درسنا أكثر من مرة بأن من صفات الشريعة الإسلامية والعقيدة والأخلاق والفكر الإسلامي من صفاتها الإيجابية.
فمن تذوق حلاوة الإسلام وملأ قلبه الإيمان فلا شك أنه سيفيض إلى الخارج, وكأن هذا الفرد الشاعر بلذة الإيمان يأبى إلا أن يتذوق الآخرون ذات الفرحة الغامرة, فيسعى جاهداً أن ينقل هذا الشعور مصاحباً بالدعوة إلى غيره, فإذا أفراد المسلمين خلايا نحل تنقل العسل إلى كل مكان, وتملأ الأرض بالشهد أشهى مشروبات الحياة.
أبو بكر الصديق والإيجابية
ويظهر مثال الإيجابية جلياً في السابقين للإسلام, أولئك المتذوقون حلاوة الدين, وعلى رأسهم أبو بكر الصديق صاحب النبي r في الجاهلية والإسلام, دعاه النبي r فلبّى الدعوة وكان أول المسلمين من الرجال.
ولما خالطت بشاشة الدين قلبه وملأت عليه جوانحه وتذوق الحلاوة الإلهية, هبَّ مسرعاً يحكي قصة الإيجابية ناقلاً كريماً جواداً يودُّ أن يتذوق الناس حوله ما طَعِمَه من أُكُل جديد شهي هو أبقى لديه من المنِّ والسلوى التي كانت تتنزل على بني إسرائيل جهاراً نهاراً من السماء وهم ينظرون.
فطفق يدعو من حوله إلى الإسلام, فأسلم على يديه الرجال السابقون الأُول أمثال عبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وجملة من العبيد, إذ لم يفرّق في دعوته الغضّة الطرية بين السادة والعبيد.
وأبو بكر الصديق يمثل عنصراً نشطاً في جدول العناصر الطبيعية بل من أنشطها, كثير الحركة والتجوال أشبه ما يكون بشعلة نشاط بفعل تأثير الإسلام عليه، دفعته الإيجابية ليكون أُنْشوطة في البذل والعطاء، بَذَل المال واللسان والجهد كي تقف الدعوة الأولى على قدميها، أي أنه وهب حياته كلها في سبيل الدين والرسول r، وجعل من جسده وقفاً لله تعالى كالمسجد تماماً يُلبِّي طاعة الله في جميع أحواله.
التفاعل الإيجابي عند أبي ذر
من السابقين إلى الإسلام, فلعله رابعهم أو خامسهم كما حكى ابن الأثير117, أي أنه أسلم في ذروة الدعوة السرية, وطلب إليه النبي r أن يُبقي الدعوة سراً ريثما تنفرج الأمور, ولكنه من يومه متمرد بطبعه على الطواغيت والكنوز, فقال: والله لأصرخنَّ بها عند البيت, مضى والغلبة في مكة كل الغلبة لقريش, حتى إذا وصل الكعبة قال بصوته الصلق: يا معشر قريش أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, فاجتمع عليه الرجال وضربوه وأوقعوه أرضاً حتى كادوا يقتلونه, ولم يستله منهم سوى العباس الذي قال: يا معشر قريش هذا رجل من غفار وهم يسكنون على طريقكم التجاري، فكيف تأمنون على قوافلكم إن قتلتموه؟, فأحس القوم بمسحة عقل فيما يقوله عم النبي r وانفضّوا عنه.
كل ما في الأمر أن أبا ذر لم يغالب تلك الفرحة القاهرة التي باشرت قلبه، فراحت تفور على لسانه غير آبه بقوى قريش ولا جبروتها.
ولولا أنه تفاعل إيجابياً وبشدة مع الدعوة الجديدة لما سجل لنفسه هذا الموقف الشموخي، خاصة أن النبي r أمره أن يُبقي الأمر سراً, ولا نقول أنه عصى الأوامر النبوية, لأنه فعل شيئاً بغير استطاعته حاكياً بذلك التفاعل الإيجابي مع الإيمان الجديد، أو أنه فهم الأمر النبوي مُعلَّلا بصيانته من الأذى، فإذا كان الحق له لا يعدوه، فإنه يملك اختراقه دون أن يكون عاصياً لأمر نبيه.
عروة صاحب يس
كذلك الحال عند صحابي آخر, أسلم متأخراً قبيل وفود قبائل الطائف إلى المدينة معلنين إسلامهم, لما أسلم طلب إلى النبي r أن يأذن له بالدعوة في قومه الذين لا يزالون كفاراً, فقال له النبي r: إنهم قاتلوك, قال يا رسول الله: لأنا أحب إليهم من أولادهم.
فلما رجع إلى الطائف رقي سوراً ودعاهم إلى كلمة التوحيد فجاءه سهم قضى منه.
ما الذي دفع عروة كي ينطلق هذه الانطلاقة سوى فوران الإيمان بين جنبيه, وسوى التفاعل الإيجابي الذي تمازج مع قلب هو إلى الفطرة أقرب.
روح سارية
وهكذا فإننا واجدون أمثال هذه القصص ذات تكرار في جيل الصحابة الكرام وبالعشرات, فبمجرد أن تتمازج الدعوة الجديدة مع أحدهم، يعلن التمرد بصوت عالٍ على الحجارة المنصوبة المعبودة وعلى عابديها وعلى تقاليد العالم القديم القائمة على الوثنية ونبذ دين التوحيد.
فابن مسعود – أول من جهر بالقرآن – تفاعل إيجابياً وصدح بسورة الرحمن بين جنبات الحرم، فانهالت عليه شكيمة قريش وقطعوا أذنه يومها, ولو أراد لعاودها في اليوم التالي.
وعمر في قصة إسلامه يخرج إلى قريش يعلن أنه اعتنق الإسلام رافضاً إلا أن ينعكس ضوء الشمس كله على قريش فيضربهم ويضربونه.
فالتفاعل الإيجابي مع معطيات الدين الجديد غدت روحاً سارية في نفوس الصحابة الكرام, والدعوة الإسلامية كلها تقوم على هذا الوقود النووي الذي لا ينفد, وهو من مقومات الإسلام وخصائصه الكبرى الذي لا يمكن أن يقوم بغيرها.
التفاعل الإيجابي في المجتمع الإسلامي المعاصر
وهناك تفاعل إيجابي نفتقد إليه في هذه العصور لدى مجتمعاتنا, ذلك أنّ الإسلام قائم على الإحسان إلى الناس, وهو دين البهجة والسرور, دين الواقعية الذي ينشر السعادة في الدنيا ويكفلها في الآخرة, وهو يقبل التناول من متع الدنيا وأرزاقها المباحة { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ }118, وقوله تعالى { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }119.
فللناس أن يستمعتوا بمباحاتهم, وكل فرد يجب أن يتفاعل معه الناس في هذه الزينة والمباحات.
فالذي شيّد بيتاً مزركشاً ينتظر أن يقول له آخر: ما أجمل هذا البيت, ما شاء الله.
والذي اقتنى سيارة فارهة يبتغي من إخوانه أن يمدحوا السيارة في عينه.
وإذا استضافك أحدهم في بيته الثري يحب أن يسمع منك كلمة إعجاب عن الأثاث.
فالإنسان في طبعه يميل إلى الإطراء والثناء على صنعه ومنجزاته ومشترياته.
وهذه صفة للمسلم في كل مكان وزمان فهو يتحبب إلى الناس فلا يغدو جاف اللسان نائياً بفمه عن الكلمات العِذاب.
ولنا في النبي r قدوة وأسوة حسنة فحين ألبس أسامة بن زيد حلّة ذي يزن وخرج بها أسامة فرآه قال: تلبس حلّة ذي يزن يا أسامة, قال: وما لي لا ألبسها وأنا خير منه وأبي خير من أبيه120, فالنبي r كان يحب أن يتفاعل مع شعور أسامة وفرحه لدى لبسه الحلّة.
والتواتر المعنوي قائم في تفاعل النبي r مع أفراح أصحابه ومقتنياتهم لا يحتاج إلى إيراد, كي نعلم بعدها أن هذا الدين هو دين التفاعل الإيجابي مع الآخرين.
مثال العصفور الجريح
مرَّ رجلان صالحان بغابة، وتعلّقت عيونهم بعصفور يحمل في فمه طعاماً يأوي إلى عش في أعلى إحدى الأشجار, وكرر العصفور ذلك أكثر من مرة أمامهم, فأصابهم الفضول للنظر في العش, فلما رقوا لمحوا عصفوراً آخر جريحاً يأتيه الأول فيضع في فمه بضع لقيمات.
فقال الزاهد الأول: أتمنى لو كنت مكان هذا العصفور الجريح, أنعزل من الدنيا ثم يأتيني طعامي فلا أحسب له همّاً.
وقال الآخر: أما أنا فأتمنى أن أكون العصفور الآخر الذي يطعم هذا ويمضي في تعب الحياة يحصّل بعض القوت.
فكِّر في أن تكون المُعيل لا المُعال, أن تكون صاحب العطاء والنشاط والعمل لا صاحب الكسل والمرض والنوم.
فكِّر في أن تكون صاحب إنجاز في هذا المجتمع، فتقوم على العائلات الميسورة لا أن تكون واحداً من أفرادها, أن تكون الداعية لا المدعو, الآمر لا المأمور, الناهي لا المنهي.
بهذا يعظم الرجال وتنتصب القامات ويُجزل لهم العطاء والأجر، فالمؤمن القوي خير عند الله من المؤمن الضعيف.
مثال الجزرة والبيضة والقهوة
قالوا مرة أن طبَّاخاً أراد أن يُعلِّم ابنه معنى الإيجابية بمثال صارخ, فدعاه إلى المطبخ وأحضر ثلاثة أوانٍ, وضع في الأول جزرة, وفي الثاني بيضة, وفي الثالث قهوة, ثم أشعل النار تحتها والابن المتبرم ينظر إلى أبيه, وبعد فترة وجيزة سأل الابن أباه: أين هي الإيجابية في المطبخ, فما كان من الأب إلا أن قال لابنه: هذه التجربة البسيطة تنمُّ عن معنى كبير في الإيجابية, فكل واحد من الأواني تعرَّض لنفس الظروف وأُشعلت تحته ذات النار، لكن اختلفت طبيعة التفاعل في كلٍ منها, فالجزرة لانت مع الحرارة؛ لأن طبيعتها أن تتأثر, أما البيضة فقد وقاها غلافها الخارجي من الذوبان وأبت الانصياع والوقوع تحت التأثير إلا بالتصلّب, أما القهوة فقد أثّرت تأثيراً كبيراً بأن غيَّرت لون الماء.
فنقول: القهوة أكثر إيجابية من البيضة, وهي اكثر من الجزرة..
المدينة الفاضلة في يثرب
المدينة الفاضلة تلك المنسية من أحلام الفيلسوف اليوناني أفلاطون، أيام كان يتمنى وهو يطلُّ على الناس من أبراج رأسه العاجية، يتمنى مدينة تحكمها الفلاسفة يجد فيها المواطن والزائر والمسافر أرقى أنواع الخدمات وبإسلوب حضاري يتلاءم مع رتبة الإنسان في الطبيعة حوله, مدينة فاضلة بكل ما تحمل الفضالة من معنى، حيث يزخر المجتمع فيها بأسباب السعادة والراحة, السعادة المادية والروحية والعقلية.
ثم أفِلت هذه المدينة عن الفلسفة اليونانية لما شعروا أنهم يرومون إحالة السراب ماءً, فالمجتمع المثالي كما عنَّ للفلاسفة لا وجود له إلا في أدمغة الشعراء والمتأملين ومن هم على شاكلتهم.
لكننا سنقف – يا سادة – على قبر أفلاطون وتلامذته ونصرخ فيهم دون أن نُسمعهم: إنَّ ما حلمتم به ذات مرة تحقق في روضة جنوبية أسمها يثرب حيث تتقاطع طرق مكة مع الشام, فعلى الرغم من لسع الرمال ووخز الشمس هناك ووفرة كثبان الرمل إلا أنه بعد هجرة ذاك القادم من مكة تحقق ما كنتم تصبون إليه في زمن أشبه ما يكون بالخيال.
وما نقصده هنا الممؤاخاة التي شدَّ بها النبي r مجتمع المسلمين في المدينة، فبعد أن انتهى من بناء المسجد أمر أصحابه من المهاجرين والأنصار أن يتآخوا في الله اثنين اثنين, وبهذا القرار المُخطط له قضى النبي r على المشكلات العاتية أمامه وأسس دولة جديدة, دولة ليست من غبار كما يقول الحبيب بورقيبة، بل هي وحدة وطنية راسخة ستظل تكتنف الرعية حتى وفاة نبي الإسلام وزيادة.
فمما حققه النبي r من قرار المؤاخاة أنه قضى على الفقر فقر المهاجرين الخارجين من مكة بعد أن تركوا أموالهم ودورهم خلفهم وصفُرت أيديهم وخلت جيوبهم من متاع الدنيا، وصارت بساتين الأنصار شركة مع المهاجرين الذين يعملون فيها لقاء طعامعهم وقوتهم.
ومن جهة أخرى أنهى النبي r غربة أصحابه الوافدين معه ووحشتهم وملأت الفيوضات الإلهية أنفس المهاجرين سكينة وطمأنينة بعد أن استشعروا أنهم يقدِّمون شيئاً في الدولة الجديدة من خلال رعي أشجار النخيل.
عضَّد ذلك وقوع التوارث بينهم، فلو خلا ورثة الأنصار من أرحام وأقرباء، ورثه أخوه المهاجر، وظل نظام التوارث معمولاً بينهم حتى غزوة بدر لما نزلت الآية الكريمة { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ}121, التي ردَّت توزيع التركات إلى الأقرباء والأرحام, فكان في ذلك الحكم المؤقت المنسوخ نزعاً للغربة التي شعر بها المهاجرون لحظة وصولهم يثرب.
وعلى الرغم أن حجم المؤاخاة لم يزد عن تسعين رجلاً من الطرفين إلا أنَّه خطوة جبَّارة للإنسانية جمعاء، لأنه تمَّ البرهنة على أرقى وحدة وطنية شهدتها الأرض مذ دبَّ عليها هذا المخلوق النافر.
آخى بينهم النبي r في دار أنس بن مالك فخرجوا منها وقد ذابت الأواصر كلها سوى آصرة الدين والعقيدة, واحتفى الأنصار بإخوانهم حفاوة بالغة وبرهنوا على صنف جديد من التضحية والود والإيثار إلى درجة أنَّ سعد بن الربيع الأنصاري عرض أن يظلق زوجته الأخرى فيتزوجها أخاه المهاجر عبدالرحمن بن عوف لكنه لم يفعل.
صار لزاماً علينا أن نًنبه على القدرة التخطيطية الرائدة والعقلية الفذَّة التي فكَّر فيها النبي r، فقد استطاع أن يقدِّم استراتيجية لامعة في حل المشكلات خاصة مشكلتي الفقر والشعور بالغربة، كما أن الدولة الوليدة جرت بين يديه بتنظيم بالغ الدقة رغم هشاشة المال وقلة المواطنين فلا غروا أن يصير ذلك مثالاً يُحتذى لكل أمة ناشئة ودولة وحكم.
والحق أن المؤاخاة كانت سهلة ميسورة بفضل البناء العقدي الرصين الذي بُدأ بتشييده منذ لحظة الدعوة الأولى، فكان من السهل على أفراد المجتمع الفقير أن يقبلوا بالتنازل عن نصف أموالهم لرجال غرباء لم يرونهم في حياتهم, وكيف لا تصبح المؤاخاة ميسورة المنال وهم يقفون على عقيدة راسخة الجذور موغلة المدى قادرة على التأليف بين الجبال الصمّ؟.
إنَّ الوحدة الوطنية التي فكّر فيها النبي r طويلاً مهمة جداً لأنها العاصمة من التردي في وديان الشرذمة والتهالك، حين تعدو العوادي وتعصف السافيات ويُثغِر العدو ويخطط في تدمير الدولة والمجتمع, والدول المعاصرة اليوم تعجز عن معشار ذلك بسبب تهاوي العقيدة في نفوس أبنائها، فلو كان المسلمون سبَّاقون في هذا المضمار فلثراء عقيدتهم التي تفعل الأفاعيل في رصِّ الصفوف وترميم الخلل حين يضربهم العالم بأسره عن قوس ونشّاب واحد.
وإذا كان أقرب تعريفات الذكاء هو القدرة على التكيّف، فقد ترجمه المهاجرون والأنصار إلى واقع معيش، فعلى الرغم من قلة أدوات العيش وندرة الموارد إلا أنهم تكيّفوا في واقعهم الجديد، بل وعاشوا بهناء وسعادة، فلقد استلّوا نكهة جديدة للحياة لم تكن معروفة من قبل،أحالوا شَظَف الأرض والجوع إلى جنة بطعم جديد.
نكـهة الأرض
من المفروض أن تكون للأرض نكهة سوى هذه التي نتذوقها, نكهة الأرض مختلفة تماماً, فما نراه ونسمعه ونشمّه لا يعبّر – أيها السادة _ عن النكهة الحقيقية للأرض, لقد أودع الله تعالى الأرض غير هذا الطعم.
إنها نكهة الدين والإسلام والشريعة, فإذا حكمت الشريعة واستظل الناس بسلطانها أحسوا بطعم الحياة المختلف عما نستشعره الآن.
فأين غابت هذه النكهة التي لا ندركها إلا في عالم الأحلام؟, ومن الذي أقصاها؟, ومن ذا شوَّه الأرض وسرق نكهتها؟.
لعلنا نعيش في زمن الاستثناء, الزمن الشاذ.
وهذه النكهة – أيهذا القارئ – لصيقة بالمسلم أينما حلَّ وحيثما ذهب, فإذا عزَّ المسلم أفَلَت رائحة الحياة, وإذا ذلَّ سلَّط الشيطان روائحه المزكومة في الأنوف وعبّأ وجه البسيطة بها.
ورائحة الشيطان مؤذية رغم كثرة من يستمرئها, كالكلب يرى في الجيفة عِدْلاً عن الدنيا في عالمه الصغير.
ولو علت شعائر الله فوق الرؤوس, وطُبَّق الدين في بلاد المسلمين, ونشر العدل عباءته الفضفاضة, ورتع الكرام بسماحته ويسره لانبعثت هذه النكهة من جديد تنشر رائحة المطر في الشوارع والطرقات الجافة.
ففي كل شعيرة من الشعائر الدينية, وكل فرض من الفروض, وسنة من السنن, أودع الله في مفردات دينه نكهة خاصة عند التطبيق والامتثال, وإذا عزَّ عليك أن تتذوق هذه النكهة في المجتمع الجاهلي الذي نعيشه في الأوقات الحاضرة, فإيَّاك أن يخلو بيتك منها, فهو كل شيء بقي لك.
إنَّ الأوامر الإلهية المُنْزَلة من عبادات وفرائض، وهاديات النبي r ثمثِّل روحاً سارية لكوكب الأرض الجسد، فحيثما عكف الإنسان على هذه الأوامر سَرَت روح السعادة في حياة الأرض، وإلا غدت جسداً بلا روح، وشاع فيها المؤذيات من الاضطرابات الفكرية والسلوكية والعقدية، وعلاها الخواء الروحي المقيت والفراغ النفسي القاتل، وصار أيسر أحوالها ما نعانيه من فقر وعوز وبطالة وجوع، ومن هنا تعظم قيمة الداعية فيما يدعو إليه، إننا حينما نطالب بتفعيل الإسلام وإعادته إنما ندعو لإرجاع روح الأرض الميتة إليها.
النكهـة الباقية
لعلي أُقرِّب لك تذوق هذه النكهة حينما أذكّرك بعبادة الصيام, فهي مثال حي مجتزأٌ عمَّا نقصده بالنكهة, ففي هذا الشهر يشعر المسلمون بطعم للحياة مختلف, ولعلك تقارب الشعور بهذه النكهة, وقس عليها لو أحسنَّا تطبيق بقية الشريعة الغراء, فقد جعل الله سبحانه في كل شعيرة نكهة تختلف عن الأخرى, فجملة العبادات أشبه ما تكون بألوان الطيف, كل لون يختلف عن الآخر,أو هي – إن شئت القول – أشبه بمكونات الطعام من التوابل والتحسينات، فكل مفردة عبادية تمثِّل نوعاً إضافياً جديداً للطعام تُضفي عليه ما يزيده شهية وطعماً، وإلا غدا الطعام جافَّاً لا يبلُّ حلقاً ولا يُمتِّع آكلاً، فتخيّل ماذا يبقى من شهية الطعام لديك لحظة تناوله بلا ملح.
نكهة البيت المسلم
بوسعك أن تبعث في بيتك نكهة الدين, وذلك بإعادة ترتيبه من جديد, بعثر مجريات حياتك اليومية وأعد تركيبها وفق ما تفهمه من الدين, أعد رسم علاقاتك مع زوجتك وأبنائك وجيرانك وأقربائك, قنّن القنوات الفضائية لديك, انشر القرآن والأذكار واعقد حلقات العلم الصغيرة في جنبات بيتك, اكنس الشياطين مرة واحدة, أعد صلتك بالله, ابن بيتك على علاقة رضيّة مع الخالق الهادي, حتماً ستجد نتائج مذهلة, اجعل بيتك وقفاً لله كالمسجد تماماً ليس فيه معصية واحدة, تتذوق حينها النكهة التي تبتغيها.
بوسعك أن تُبدع في مجال النكهات هذه بأن تفكِّر في إضافات جديدة تزيد يوماً عن يوم، وإلا تكفَّل الملل والسأم في أن ينزع عنك روائع الأيام واللحظات، هذا هو الإبداع في مجال استئناف الحياة الإسلامية، أن تبدأ من بيتك، وحتى يكون للإبداع مجاله هنا لا بد من إشراك أفراد الأسرة في صنعه بالتفكير فيه والبحث عنه، فقد يُبدع أحدهم أمراً مرغوباً محبوباً لديك، حينئذ تتعد أدوات البحث، وقد يخرج من أنامل صغيرك ما تسعد به بقية حياتك، أوَ ليست هذه البراجماتية في التربية والتعليم الي ينادون بها؟، وذلك بأن تكون الحياة مصدراً للتعلم.
سر الحجاب الشرعي
مما يُعلي من شأن المرأة أن تعلم بأنها فتنة الله في خلقه, والفتنة هنا بمعنى التكليف, فالمرأة بحجابها إحدى التكاليف الشرعية التي يُطالب بها الرجال.
ولما كان مصدر جمال المرأة إبداع إلهي, واقتضى هذا الجمال أن يكون مصوناً, أوجب الإسلام على أتباعه ألا ينظروا إلى الأجنبيات, قال تعالى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ..}122, ومن هنا إما تبعيضية فيكون المعنى غض البصر عن بعض النساء وهن الأجنبيات, أو أنه يحرم غير النظرة الأولى, وإما أن تكون زائدة فيكون المعنى الغض عن جميع النظر والمقصود عن الأجنبيات لا المحارم123.
وأياً ما يكون الأمر فالواجب على الرجال ألا ينشغلوا بهذا الجمال لوازع الشهوة فيهم, إذ الكون مليء بعناصره الجمالية التي تؤلِّف بمجموعها ما يعلمه الإنسان من طلاقة القدرة الإلهية في الإبداع.
ولكن ما السر وراء الحجاب؟, وما الذي تقتضيه الحكمة الشرعية من الإرتداء؟.
من المعلوم أنه يجب على الفتاة ستر جميع جسدها ما عدا الوجه والكفين, أن تصون فتنتها عن الناظرين, وتجعلها مُخبَّأة عن أولئك الذين لا يمتثلون لحرمة النظر, وذلك من أجل أن تظل الفتاة على صلة بالصيانة والستر وأن تحافظ على نفسها، فثمة جياع شهوة ولصوص نظرات يختزلون دور المرأة في الحياة إلى مجرد شهوة.
ولما كان الإسلام يربأ بالمرأة أن يُختصر دورها على هذا الجانب أقام حوله حمى الحرمة, فالمرأة أكبر من ذلك وأجلُّ، فهي شريكة الرجل في إعمار الكون والقيام بدور الخلافة والتطور المنشود على سطح هذا الكوكب, فاختصار دورها بأن تصير تسلية للرجل ولشهوته إقصاء لها عن مهمتها الكبرى في الحياة.
فالمرأة كالأرض الحياة مُحتاجة إلى غلاف جوي حولها كي تُبعد عنها الأشعة الضَّارة المنبعثة من الشمس، فلو لم يكن للأرض غلافها الجوي لاخترقت أشعة الشمس إلى سطح الكوكب، ولآذت مخلوقاتها وانعدمت الحياة، كذلك الحال في الفتاة المتبرجة تنزع عن جسدها غلافها الحامي لها من أشعة الناظرين المؤذية.
المهرجان الإسبوعي الصامت
إذا كان شهود الصلوات الخمسة في المسجد سنة مؤكدة أو فرض على الكفاية124, فإن حضور صلاة الجمعة وأداؤها في المسجد فرض عين على كل ذكر بالغ عاقل غير عاجز ولا مسافر.
الشاحن الأسبوعي
نحن كأجهزة التلفون المحمول التي تحتاج إلى شحن باستمرار وإلا نفذت طاقتها وصارت عديمة الفائدة, نحتاج إلى شحن باستمرار, هذا الشحن متنوع بعضه أسبوعي, يتمثل في الحضور إلى صلاة الجمعة والإنصات إلى الخطيب باهتمام شديد بحيث لا يفوتنا توجيه ولا إرشاد, ساعين إلى امتثال ما يُذكِّر به ويدعو إليه, إلى درجة أننا نستمد منه طاقة معنوية كما يفعل التلفون لحظة وصله بالشاحن, واجب عليك حينها أن تنتظر حتى يستكمل شحنه ثم لا تلبث أن تديره معك يوميا وتستخدمه الاستخدام الذي صُنع من أجله.
لكل تلفون شاحن خاص
نلاحظ كذلك أن التلفونات الخلوية متنوعة بماركات عالمية متعددة, كل نوع له شاحن خاص, فلو استبدلت الشاحن بنوع آخر لما تمت المهمة البسيطة, بل يتعين عليك أن تصل المتماثلات ببعضها.
يتمثل هذا في خطبة الجمعة من خلال أمرين:
1. عليك أن تختار الخطيب المناسب الذي يروق لك, وتشعر أن لكلماته نفاذ إلى داخلك, أي أن تكون مقتنعاً به وبقدرته على ارتياد المنابر وإيصال رسالته الخاصة, والناس كما نعلم متفاوتون في ذلك، فقد يختلف اثنان على قدرة ومهارة خطيب ما, فيُعجب أحدهم دون الآخر, لا ضير, ليكن ارتيادك للمسجد الذي تشعر أنك متوافق مع خطيبه ويقع موقع الإعجاب لديك.
2. على الخطيب الشاحن أن يكون ماهراً في اختيار نوع الشحن المناسب, وذلك بأن ينتقي من الموضوعات التي يحتاج إليها جمهور الأمة, بأن يلامس جراحاتهم ومشاكلهم الكثيرة, وأن يكون موفَّقاً في ذلك, وهذا عنصر من عناصر نجاح الخطيب والخطبة, ولنضرب أمثلة تطبيقية على ذلك لأهميته.
أمثلة تطبيقية
المثال الأول: قالوا لنا في التاريخ المديد: أن المسلمين لما حاصروا القسطنطينية حصارهم الأخير بقيادة محمد الفاتح ذلك القائد العثماني الفذ بجيشه النجيب125, أن علماء النصارى وأحبارهم كانوا مشغولين في خطبهم وحواراتهم في مسألة فلسفية جدلية مهمة مفادها: كم من الملائكة العظام يمكن أن يرقد على رأس الدبوس, حصل ذلك في الوقت الذي كانت مجانيق المسلمين ومدافعهم تدكُّ حصون أمنع المدن العالمية.
وحين ندرس ذلك الفتح العظيم الآن ونُحلِّله نجد، أن بوادر الانهزام لدى سكان القسطنطينية بدأت من ذلك الاهتمام الغريب بالدبوس والملائكة، بدلاً من أن يكون اهتمامهم في كيفية الدفاع عن المدينة الحصينة.
المثال الثاني: لما اقتحم المغول بغداد حاضرة الدنيا وقتها، والمدينة التي كانت تُضاء بالمصابيح وتُرى أنوارها على بعد عشرات الأميال, كان أحد العلماء المرموقين وأصحاب الأقلام التي تُعبِّر عن الأمة بحق, كان مشغولاً في تأليف جليل يبحث فيه دية العبيد والأرقاء, وذلك بدلاً من أن يترك الأقلام ويستنفر الأقدام للدفاع عن بيضة الإسلام وحياضه, ويُعيد تشكيل الأمة في موسم الدفاع عن عاصمته المشرقية.
فالهزيمة لم تبدأ مع أول جندي مغولي وصل الدجلة بل من أول الكلمات التي خطَّها ذلك المؤلف المرموق وهو يعقِد مسائل العبيد والأرقاء.
المثال الثالث: وفي واقعنا المُشاهد نرى كثيراً من الخطباء غير موفَّقين البتة في اختيار الموضوع المناسب للخطبة، فبدلاً من إصلاح المجتمع والنظر بعين متأنية إلى فساده وإرجاع الناس إلى ربهم ودينهم بالأولويات الكبرى المتمثلة بتطبيق الشريعة وإحلال الدين ومحاربة غول الجاهلية المعاصر, بدل ذلك كله نجد الخطيب مشغولاً ببعض الآداب الإسلامية المتأخرة الأولوية عن تلك التي ذكرناها.
إن الخطيب المنشغل بالترهات أو بالأمور البسيطة الصغيرة علاوة على كونها لا تسير بالأمة نحو الجادة, علاوة على ذلك, هو يُدلِّس ويلبِّس على الأمة بإيهامها أن لا مشكلة كبرى نعانيها وأن الأمور تامة أو قريبة من الكمال, وبعبارة بسيطة هو مخادع بقصد أو بدون قصد, الأمر سيَّان, فهو كالطبيب الجاهل المتجاهل الواقف على رأس مريضه, يوهمه بأن مرضه حمى أو رشح بينما المريض يئن تحت وطأة مرض عضال يُمزِّق أوصاله ويأكله تلوا تلواً, فبدلاً من أن يصارحه بمرضه ويوصي له بالعلاج المناسب المركون على رفوف الصيدليات, بدلاً من ذلك راح يخاف عليه من صدمة المرض ويراعي شعوره في أن تظل نفسيته طبيعية إلى أن يفارق الحياة بهدوء وليرحمه الله.

المهرجان الصامت
تمثل صلاة الجمعة بخطبتها مهرجان أسبوعي يجتمع فيه المسلمون في أقدس الأمكنة, بيوت الله, لكن هذا المهرجان صامت على نحو لا يتكلم فيه سوى شخص واحد هو الخطيب, ولو أن أحدهم تحدث للغا لقوله r: ” إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ”126, وهذا أمر يعدُّ مقصداً لتشريع الجمعة, فقد أمرهم الدين أن يحضروا في هذه الساعة كي يتلقوا المواعظ من أحد العلماء ثم ينقلبوا إلى بيوتهم راجعين بعد أن استمدوا شحناً أسبوعياً ومعرفة دينية.
وبقدر أهمية الجمعة ينبغي الاهتمام بمقدرة الخطيب, ويقع على كاهل وزارات الأوقاف في هذا الشأن مسؤولية كبرى إذ تستطيع توجيه الناس في هذه الساعة الأسبوعية.
غير أن التقصير مكين من قبل الأوقاف، إذ لا نجد عُشر الخطباء الموزعين على المساجد يُشبعون نهم السامعين, حتى أضحى هذا الهم المؤرِّق أحد الهموم الكبرى الذي يعوق دون استئناف الحياة الإسلامية, والمؤلف يبعث برسالة تدق نواقيس الخطر برؤوس المسؤولين في وزارات الأوقاف في العالم الإسلامي أنهم بتقصيرهم في هذا المضمار وقفوا عائقاً في طريق الدين والدعوة مُذكِّراً إياهم بالواقع الميداني البئيس للخطباء.
ما الذي يريده الناس من الخطباء
الإنسان مفطور بطبعه على التمييز بين المتكلمين، خاصة حين يكون المتكلم خطيباً يرتدي المنبر, فمن بين خطيب يُبهر جمهور السامعين ويضع على آذانهم كل كلمة يتفوه بها, وبين خطيب لا يُعبه به ولا بكلامه يتمنى السامع أن ينتهي سريعاً من خطبته فيصلي ويقفل راجعاً إلى بيته.
ماذا لو أخبرتكم أن غالبية الخطباء من النوع الثاني؟, ألا يمثل ذلك مرارة تصعق صدور مرتادي الجمعة والجماعة؟.
إن القادم إلى الجمعة لا يريد خطيباً يُخرج ورقته الزاهية الطويلة ويبدأ بترتيلها على الآذان, لو كان الأمر كذلك فليخبرنا الخطيب من أي كتاب نسخ كلمات الخطبة ثم نقوم بتوزيعها على الناس ولا داعي بتكليفهم عناء الحضور, وإذا كانت الخطبة مُجمَّعة من عدة كتب فلننسخ ورقة الخطيب وسنجد متبرعاً متبرماً بأمثال هؤلاء وآخر يقوم بإيصالها إلى البيوت, وهل كان السلف يخطبون على هذا النحو؟, هل ورد مرة واحدة أن النبي r وخلفاءه الراشدين وسواهم من خطباء الرقي الإسلامي خطبوا مرة واحدة بالقراءة عن الورق؟, إن هذا بلا شك يمثل انتكاسة للأمة يقود زمامها المسؤولون عن هؤلاء الخطباء.
وإذن ما الذي يريده الناس بالضبط؟.
أنا أخبركم يا سادة, إن فلسفة الحضور والاستماع قائمة على أن الخطيب يتفحص مشاكل الأمة وآلامها, ويراقب الوضع العالمي والداخلي وهموم المسلمين ثم يختزنها في ذاكرته ويجري لها صنعة تحويلية, فإذا جاء وقت صعود المنبر تحدث ارتجالياً عما اختزنه طيلة الأسبوع, نعم نحن نريد خطباء يعبّرون عن مشاعرهم بقوة, عما رأوه وسمعوه في أسبوعهم, خطباء يصعقون رؤوس الناس ويزلزلون أفئدتهم, ويجعلون من هذه الساعة طارئة في الحاضرين.
نحن نريد خطباء يُبصِّرون الناس بمستقبلهم الحقيقي, فيحضرون معهم مشاهد القيامة العظمى فكأن الناس يحاسبون واحداً واحداً في المسجد, ويقفون سراعاً أمام الميزان, ويعبرون لتوهم درجات الصراط, ينفضون عن الموتى تراب السنين ويخرجون معهم من قبورهم نحو الصوت الصلق الذي يُحدثه إسرافيل u وقت البعث, نريد خطباء يُسمعون الحاضرين الصوت الملائكي وهو يسأل الأموات الأسئلة الثلاثة الكبرى فيجيب بعضهم ويخسر آخرون.
نريد خطباء يُحلِّلون مشاكل الأمة ويضعون أيديهم على محل الداء, يكشطون الجراح ويكشفون عن الالتهاب والورم ثم يصبون عليه بلسماً شافياً وترياقاً مداوياً.
نريد خطباء يبرهنون للأمة بألف دليل ودليل أن العلاج الناجع يتمثل في استئناف الحياة الإسلامية, وأن كل واحد من السامعين يجب عليه أن يساهم في ذلك شاء أم أبى, نريد خطباء يصنعون من الناس دعاة ويبرمجونهم هداة, يُصلحون البيوت الخربة ويُكنسون منها الشياطين المعشعشة منذ آحاد القرون.
خطباء يُفرِّقون بين العرض والمرض, وأن الأمة مليئة بالأعراض السوداء من الفقر والبطالة والعوز والجوع والنكسات المتتالية والإنهزامية أمام أعدائها، والانحلالية والإباحية والفساد والظلم والربا والغيبة والنميمة وركود الاقتصاد وتراجع السياسات وغيرها الكثير, بين كل السالفة وبين المرض الحقيقي الواحد للأمة وهو عدم تطبيق الدين والشريعة.
فإذا فعل الخطباء ذلك ووعوا دورهم كان كل واحد منهم نبراساً يُضيئ العتمات ويكشف الغاشيات عن طريق الأمة اللاحب.
ولن يكون الخطيب كذلك إلا إذا تحدث من وحي مشاعره وقلبه لا من مشاعر الأوراق المنسوخة, وأنا سأزعم عن الناس هنا أن الخطيب لحظة إخراجه ورقته من جيبه يكون قد سقط سقوطاً مريعاً من أعين الحاضرين, حينئذ سيقلِّب كل واحد ساعته وتفكيره ويستعجل الصلاة كيما يخرج من المسجد إلى بيته.
وسأزعم عن نفسي لو قُدِّر لي أن أفزع يوم جمعة إلى أحد المساجد التي سيخطب فيها الإمام الشافعي ذلك الإمام العلم الجهبذ في اللغة والفقه والأصول والتفسير وعلوم أخرى جمة, ثم أخرج ورقة يخطب بها لنزل الشافعي من عيني درجة ولن يفعل, لأنه يعلم أن ذلك معيب في حق الخطيب.
وأعلم علم اليقين أنني سأجد معارضة من كل خطيب يُدرج ورقة يستنفر بها يوم خطبته, لكنني أظن من خالجات نفسه أني لم أعدو الحق.
إن الناس – أيها السادة- يكتنزون في نفوسهم وأعماقهم مشاعر جياشة دفينة تمثل طاقة عظمى للأمة, فإن لم يكشف الخطيب النقاب عنها ويزيل الستار ويُخرجها، فمن عساه يفعل؟, هذه المشاعر الفيَّاضة هي التي نريدها وهي الخير الدفين الذي يُخبِّئه كل واحد فينا, وهي الفطرة السليمة التي تُعبِّر عن عبودية الإنسان, وهي المجهر والمنظار المناسب الذي يرى فيها كل شخص حقيقته من الداخل, فلو أفلح المتكلم في نفض الغبار العالق عنها ووجَّه أنظار وعقول السامعين إليها فقد صنع لهم معروفاً لا يُقدَّر بثمن وسيحكم كل سامع بذلك وأنا الكفيل الزعيم الضامن الحميل.
ثم إني أعذر الخطباء لعدم قدرتهم على الارتجال في الخطبة, ولأن الخطابة هبة ربانية لا يتقنها كل أحد, فبعضهم يولد خطيباً ماهراً بما أسبغه الله عليه من نعم, وبعضهم قد يجول في هذا الميدان سبعين سنة لا يأتي بالحظ الأقل فيه.
فإن كان الأمر كذلك وعلمنا أنه هبة ربانية, فلنبحث عن أولئك الموهوبين وهم كثر ثم نعمد إلى تقليدهم هذه المهنة العظيمة وندعهم يبدعون من وحي مواهبهم, أو ليس الرقي والتقدم مُستمدَّاً من الموهوبين؟.
وعليه فالواجب على أوقافنا والمسؤولين عنها أن يراعوا في تعيين الخطباء هذا الجانب لا مجرد الاكتفاء بشهادة البكالوريوس والدبلوم.

زلزال في المسجد
مثل هؤلاء الخطباء الذين يتقنون فن مخاطبة الناس ويعرفون الطريق إلى قلوبهم ومشاعرهم، هم أولى الناس بارتياد المنابر والعلو بكلماتهم على آذان المستمعين, مثل هؤلاء يتحصَّل بهم المطلوب وترتقي الأمة في استئنافها لحياتها الإسلامية, ويبلغون الغاية القصوى في الوعظ والإرشاد والدعوة الحقيقية المرادة لأنهم يعكسون واقع المجتمع ويرتادون به إلى بغيته وغايته فينصلح الحال ويُصنع الرجال.
ذلك أنهم يُنشؤون زلزالاً عنيفاً يُخلِّف وراءه ضحاياً ومنكوبين من العاصين وآكلي الربا والقائمين على أمر الفساد, ويحيلون الظلمة إلى أشلاء مبعثرة يلملمون على إثره بقاياهم فيقوم أحدهم من مقامه تائباً ناصعاً صادقاً بعد سياط لاسعات لاذعات تحمله حملاً على التغير والإصلاح يبيع الدنيا برمتها لنيل رضا مولاه ومغفرته.
فإذا لم يحدث هذا الزلزال الذي يعصف بالنفوس ويزيل عنها رانيات القلوب ويزحزح الصدأ الآسر للصدور, هذا الزلزال المُحبَّب الذي تحار فيه العقول وتذهل لأجله المشاعر فيعيد النفوس المنفلتة من أصحابها ويلبِّي نداء الفطر السوية فيكتشف معها الإنسان نفسه بعد رحلة مضنية من التيه والعذاب والنأي ويقاسي المسافة الظامئة التي انحرف بها مداره عن الفلك الإلهي الرقراق, إن لم يحدث هذا الزلزال في المسجد وعلى المنبر الذي شُرع لأجل ذلك فما الذي يحدث في مساجدكم أيها المسلمون؟.
ولماذا تكثر المساجد ولأي غاية تُبنى؟, وما المفيد من ملئها بالسواكن الكوائن؟, لقد آن لنا أن نصيِّر صلاة وخطبة الجمعة لهذا الشأن ونحذو بها هذا الحذو, وإن حدث فالأمة على الجادة وستبلغ عما قليل.
الطريق إلى الله ومثال السائق
طريق الفرد إلى الله منوط باليقظة والمراقبة, فلا يصح للسائر في هذا الطريق أن يغفل، إذ الغفلة مُهلكة ومنحرفة به عن جادة الطريق.
فهي أشبه بطريق السائق, والسائق المسرع لو غفل لحظة عن مركبته أين يمضي به الحال؟, خاصة إذا كان الطريق محفوفاً بالمخاطر وحوله وديان سحيقة فيها مقابع الردى, إن الغفلة مع السرعة العالية مقتل لهذا السائق.
فلو قرر لحظة أن ينام أو يغفو أو يغمض عينيه أو يلتهي بشيء دون النظر أمامه جيداً أو المنعطفات أو السيارات حوله ووراءه فلا شك أنه سيعرِّض نفسه إما للاصطدام أو الانحراف عن جادة الطريق فلا يعود سائراً مع السائرين.
كذلك هو الطريق إلى الله تعالى، على أطرافه شياطين تتربص بالسائر لحظة غفلة إو إغماضة كي تحرفه وتبعده عن مسلكه, وفي بعض هذا الطريق انعطافات حادة تُلزمه أن يقبض على المقود بيدين مقتدرتين ويتنبه أشد الانتباه عساه يفلح في تجاوز المنعطف.
وفي بعض الأحيان تكون الطريق أمامه مبسوطة مستوية معبَّدة، فلو غفل قليلاً فلن يخرج عن سمتها, وهذا شيء من الاسترواح في الحياة والأخذ بالمباح وساعة اللهو التي تعينه على الساعات الأخرى.
ثم هذا السائق لا يقف إذا توقف الزمن وهو مستحيل لكنه قد يُهدِّئ السرعة أو يجد الطريق واسعاً خلو من المركبات الأخرى فيشعر بالرفق وفي آونة أخرى تتزاحم حوله المركبات.
وتضيق الطريق ويقع الإنسان في فتنة وبلاء لا بد من الصبر عليها مع المحافظة على البقاء في الطريق فما هي سوى دقائق فيتكشف هذا الضيق إلى طريق أفيح.
ثم قد لا يكون وحده في السيارة بل ربما رافق معه أهله ولو زلّ لوقع الخطر على مجموعهم, أو أنه أركب معه أصدقاءه وجعل مستقبلهم بين أنامله على مقود المركبة, من هاهنا ينبغي أن لا يستقل أحداً سيارة إلا إذا كان السائق إلى الله ماهراً فأنت تسلِّمه روحك أغلى شيءٍ لديك.
التشوُّف الحضاري
الإسلام مُتشُّوف بطبعه إلى جملة من الأمور الصاعدة في سُلِّم التحضر إلى منتهاه, فهو لم يعالج عصره فحسب بل خطَّط بشكل مُذهل للحياة والأعصار كلها, وبنى لَبِناته المستديمة على أسس راسخة متينة, وأتقن بنباهة لعبة استبعاد الخطط الطارئة فهو يسبق الزمن بخطوة فلا يعسره عنصر المفاجأة إذ كان في حسابه جميع الاحتمالات, ومن هنا برزت فيه سمة صلوحه لكل زمان ومكان.
ولئن كان الزعيم الألماني يتبجّح إبّان عنفوان النازية ويتندر بمقولته: إنَّ دولة الرايخ ستستمر ألف عام فاعتمد في تخطيطة على الماكينة والذاتية الألمانية, فلقد بدأ الإسلام مشروعه منذ حراء وصار يصعد في حساباته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها نافياً أن يعتوره ذات يوم إفلاس فكري أو حضاري أو مادي.
ولقد قنِع عبدالله بن عمرو وهو يحدث عمَّا سمعه ذات مرة من رسوله: “فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ تَظُنُّ أَنْ لَنْ يَمُوتَ أَبَدًا، وَاحْذَرْ حَذَرًا تَخْشَى أَنْ تَمُوتَ غَدًا”127, وعلِم لغة الإسلام في التفاهم مع العصور اللاحقة مما حدا بأصحاب النبي r أن يمتدوا بتفكيرهم في رحابة الأزمنة كلها.
وهل تجد أكثر دويَّاً في نظرية البقاء والتشبَّث بالإنجاز وإشعال الأرض بالبصمة الإسلامية الباقية والاقتران بالأرض الحياة حتى غدت كلها أحفورة تحمل أصابع العاملين أكثر من: ” إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ”128, مع أن الساعة بأحداثها تصعق الراسيات من الجبال وتودي بالأفلاك إلى غير ذات الرجع، لكنه العهد الإلهي لبني البشر في الاستخلاف الأرضي كي يُكملوا أمر الرب إلى آخر رمق قبل أن تستلَّ نفخة إسرافيل u الأرواح الباقية.
إنّه ليس بسيَّان أن تذوى الأديان الأخرى وتتقوقع على نفسها وتُحبس في مُكعَّبات كنسية, وأن تشهق الفلسفات والأفكار الوضعية شهيق الموت لعدم قدرتها على مواكبة الامتداد الحضاري المُذهل, وأن تتفجر في الإسلام كل حقبة روح جديدة تنطوي على جوهره الأخَّاذ وتنساح مع تجليات العصر فتبهر العالم بهذا الوليد الذي لا يموت أبدا.
الوقود النووي للحضارة
الحضارة كائن حي يدوم بثنائية الروح والجسد, والجسد هو هذا الركام الهائل المودَع في الأرض مذ خُلِقت, أي أنه جملة الخامات والمعادن والمصادر الرئيسية اللازمة للصناعة وهو موفور وفرة الماء على وجه البسيطة.
أما روحها الذي لا تعيش بسواه فحرية الآدميين؛ ذلك أنَّه لا إبداع البتة ولا جرياً في مدارج السمو والرفعة والتقدم بلا حرية, وسأخبركم نبأ الحرية منذ ميلادها.
الحرية – يا سادة – تُنبت إبداعاً كما تفعل الأرض الخصبة بعد أن نثر فيها الفلاح بذور القمح والحياة ثم تعصفها رياح كانون المُحمَّلة بالغيوث، ثم لا تلبث شمس آذار الدافئة أن تلسعها برفق فإذا هي في نيسان وأيار مورقة تنشق أخاديد التراب عن السنبلة الوليدة ثم تذهب في رحلتها التي تنتهي برغيف الخبز.
هذه هي قصة الحرية والإبداع, وإنه لا انفكاك مطلقاً بينهما فقد أودع البارئ فيها من سننه ما قرنها بالإبداع الإنساني.
ثم فليقيّدها من أراد وليكبّلها من شاء؛ لأنه لحظة يفعل يجعل من البشرية هاجرة لمبتغاها فإذا هي راجعة القهقرى حيث المستنقع والطين والركود والتأخر.
ولن يغيب عن الذهن ما أجراه الإسلام من أنهار الحرية الفيحاء، والمساهمة البالغة في التاريخ البشري العام حتى يصدق أن نزعم: إنَّ أكثر الأديان والفلسفات والأفكار نهوضاً بهذا المرسوم الإنساني هو الإسلام بلا منازع, وحتى لا يكون مقالاً تنظيرياً بحتاً صار لزاماً علينا البرهنة العملية بحق.
الوسطية
البحث اللغوي
1. وسَطُ الشيء ما بين طرَفَيْه, ويقال جلست وسْط القوم بالتسكين لأَنه ظرف وجلست وسَط الدار بالتحريك لأَنه اسم, وكلُّ موضع صلَح فيه بَيْن فهو وسْط وإِن لم يصلح فيه بين فهو وسَط بالتحريك.
2. وأَوسط الشيء أَفضله وخياره كوسَط المرعى خيرٌ من طرفيه, وكوسَط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب, وواسِطةُ القِلادة الدُّرَّة التي وسَطها وهي أَنْفَس خرزها, وهو من أَوسَطِ قومِه أَي خيارِهم129.
فصار لدينا معنيان: الأول, منتصف ما بين الطرفين, والثاني: الأفضلية والخيرية, ويلاحظ أن المعنى الثاني انبثق من الأول؛ لما دللوا عليه أنه لما كان الغالب في وسط الطرفين أنه الأفضل والأحسن؛ أُطلق عليه وسطاً.
المعنى الاصطلاحي
لا يخرج عما سبق من المعنى اللغوي, فمعنى كون الفكر الإسلامي فكراً وسطياً أنه يقع في نتاجه ومنهجه في الوسط ما بين نقيضين, وقد استخدم القرآن هذا المعنى في إطعام كفارة اليمين, قال تعالى: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}130, أي من طعامكم المتوسط لا أعلاه ولا أدناه131.
لما كان موقعه في الوسط فهو الأفضل والأكمل, قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}132, ومعنى الوسط هنا أي الخيرية؛ لأن الأمة الاسلامية ليست في منتصف الأمم زماناً, ويدلل عليه قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}133, وقد استأهلت الأمة هذه الخيرية بثلاثة أوصاف:
الأمر بالمعروف. 2. النهي عن المنكر. 3. الإيمان بالله.
الوسطية في الاعتقاد
يقف الإسلام في طرحه للقضية الكبرى وهي تصور الخالق موقفاً وسطاً بين متناقضين, فقد جاء بعقيدة التوحيد, وهي عقيدة تتوسط طرفين, هما:
1. الإلحاد الذي يقوم على إنكار الصانع والمصادفة الغريبة التي صنعت هذا الكون دون أن يكون وراء صنعه أحد.
2. والشرك الذي يقوم على تعدد آلهة الكون, ومنهم المشركون زمن النبي r, والنصارى الزاعمين بإشراك عيسى u مع الله في الإلوهية, واليهود الذين قالوا عزيراً ابن الله وأنكروا جملة الأنبياء.
فالعقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد وسط بين متعارضين فلم تقم على إنكار الإلوهية مطلقاً, وبالمقابل لم تأتِ بتعدد الألهة.
ويظهر ذلك جليَّاً في الدين, فظاهرة الغلو والتفريط موجودة لدى أتباع الديانات القديمة, فاليهود طولبوا باتباع عيسى u فتجاوزوا إلى بغضه, والنصارى طولبوا باتباعه فألَّهوه وزعموا أنه ابن الإله, وتظهر الوسطية والاعتدال في فكر وعقيدة المسلمين, فنظرتنا إليه أنه نبي الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول, قال تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}134.
والمسلم الذي يقرأ الفاتحة آحاد المرات في اليوم, يقرأ فيها: { اهدنا االصراط المستقيم}135, يطلب من ربه أن يهديه الطريق الواضح المستقيم المعتدل بين طرفين:
أحدهما: غير المغضوب عليهم, وهم اليهود الذين عرفوا الحق وتركوه.
وثانيهما: النصارى, الضالون الذين لم يهتدوا للحق أصلاً136.
الوسطية في التكاليف
أي أن التكليف يأتي وسطاً بين نقيضين: عسير ويسير جداً, غلو وتقصير, ولدينا على ذلك أمثلة عدة, من أبرزها:
قصة الثلاثة الذي تقالُّوا عبادة النبي r, ورده عليهم بأنه: يصوم ويفطر, ويصلي ويرقد, وهذا كما تلحظ وسط بين أمرين, حيث رآهم النبي r قد شطَّوا فردَّهم إلى حد الاعتدال.
2. في الصلاة التي هي خمس صلوات في اليوم والليلة تظهر سمة الوسطية والاعتدال, حيث لم يفرض الإسلام صلوات على مدار الساعة بحيث يصعب على المكلف القيام بهذه العبادة, ولم يجعل الصلاة مرةً واحدةً في الإسبوع أو في الشهر, بل جاءت الصلوات على النظام الوسط.
وفي صلاة الليل لا يُعلي المصلي صوته كثيراً ولا يُسرّ به كثيراً, بل يكون بين الأمرين, قال تعالى: { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}137.
وقد ورد في سبب نزولها ما رواه ابن عباس قال: ” نزلت ورسول الله r مختف في مكة وكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فكان المشركون إذا سمعوا القرآن سبوه ومن أنزله ومن جاء به فنزلت”138.
3. الزكاة, فزكاة الأموال النقدية 2.5 %, وهي نسبة معتدلة بين أن تكون عالية كـ 50 % فلا يتشجع الناس على الكسب بحجة أن أموالهم سيذهب نصفها إلى الفقراء, وبين أن تكون نسبة منخفضة كـ 001% مثلاً حيث يضيع حق الفقراء ولا تتحقق وظيفتها الاجتماعية.
كذلك يحرم على جامع أموال الزكاة أن يأخذ كرائم الأموال كي لا يضرّ بالأغنياء, ولا يأخذ الرديء كي لا يضرّ بالفقراء, بل يأخذ الوسط.
4. الصيام, فرض الله علينا صيام شهر رمضان في العام, وهو زمن مقبول لدى المكلف, فكيف لو افترض علينا صيام نصف العام سيشعر الناس حينها بالمشقة, أو أن يفرضه يوماً في العام, فلا يُشبع نهم العابدين.
5. الحج, مرة واحدة في العمر وهو اعتدال بين أن لا يُفرض نهائياً وبين أن يُفرض كل عام.
6. الإنفاق, بين نافيتين, الإسراف والتقتير, قال تعالى:{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}139, والقوام هو الوسطية التي تسري في التكاليف سريان الروح في الجسد.
7. ولو تناولنا التشريع بصفة عامة لوجدنا أن الإسلام لم يُشرِّع في كل شيء, وفي المقابل لم يتركه للعقول, بل شرَّع في الأمور التي لا يمكن للعقل أن يتوصل إليها كالعبادات والمواريث, أي أن الأمور تنقسم بهذا الاعتبار إلى:
– ثوابت: وهي التي لا يمكن اختراقها والاجتهاد فيها.
– متغيرات, وهي المتروكة للعقل المسلم يشرع فيها وفق ما تعلمه من التشريع الرباني في الثوابت.
وبهذين السابقين تتجلى صفة الوسطية في فلسفة التشريع العامة في الإسلام.
الوسطية في التفكير
وهو وسطي التفكير فلا يجمد على ما علم, ولا يجعل ما توصل إليه مسلَّمات إلا إذا ثبتت بشكل قطعي, قال ابن القيم: ” والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين”140, بل يسعى إلى تمحيص ما عرفه, ولا يُغلق منافذ التجربة والمعرفة, ولديه ميزان كاشف يبصر به في دياجير التيه الفكري فلا يتبع كل ناعق ويقلده تقليد الببغاء.
وهو في تفكيره وسط بين:
من يتبعون الخرافة والأساطير, ويتبعون سبيل الكهَّان مهملين العقل والدليل ومصدِّقين كل شيء بالتقليد الأعمى.
الماديين الذين يقدّسون العقل ويؤلهونه ويسجدون على أعتابه منكرين كل شيء وراء عالم الحس والمادة.
قال تعالى: { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}141, فمن أين جاؤوا بهذه المقولة وما هو دليلهم؟, وكيف يقيسون الملائكة الذين هم عباد الرحمن على البشر الذين يتناسلون, وتناسلهم صفة نقص ذلك أنهم يحتاجون إلى الأولاد عند عجزهم وشيخوختهم, والملائكة لا تشيخ فلا يقاسون على البشر.
وفي قصة كسوف الشمس التي رواها المغيرة: ” كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ كَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ”142, تعليم للعقل أن الظواهر الكونية حولنا لا ترتبط بالأحداث الأرضية بتاتاً, ولا تتأثر بموت العظماء ولا ميلادهم, وأنها سنن كونية متغيرة وفق قانون إلهي خاص يجب على العقل أن يدرسها دراسة علمية تجريبية.
هذه وغيرها نتائج التفكير الوسطي الذي لا يهين العقل ولا يقدسه ويجعله دائراً في مداره الصحيح, فهو ليس منفياً ولا مهملاً في مجال التلقي عن الوحي وفهم ما يتلقاه ويدركه, وهو كذلك ليس الحكم الأخير.
الوسطية في الأخلاق
لو تأملنا الأخلاق التي دعا إليها الإسلام لوجدناها وسطاً بين طرفين, فالشجاعة وسط بين الظهور والجبن, والعفّة وسط بين الفجور والخمود, والحكمة طرف بين الخبث والبلادة, وما من خلق دعا إليه الإسلام إلا وهو وسط بين أمرين متضادين غير مطلوبين.
هذا أولاً وثانياً, فالأخلاق الحميدة مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامي, يُدلِّل على ذلك قوله r: ” إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ”143, وذلك أن العرب كأي جنس لا بد أن يكون لديهم أخلاق من وحي اجتماعهم, هذه الأخلاق منها الحسن ومنها السيء, فلم يأت النبي r كي يلغيها ويكنسها خارجاً, ولم يأخذ بها جميعها صالحها وطالحها, بل وقف موقفاً وسطاً, فأخذ ببعضها وطرح البعض الآخر, فهو أشبه بالمزارع الماهر الذي عمد إلى شجرة مورقة مثمرة غير أن أغصانها وأوراقها ذهبت كل مذهب, تتراءى لك غير منسجمة في المنظر, حوت بسبب قلة العناية بها على الثمر الجنيب والرديء, فما كان من المزارع إلا أن قام بالعناية بها فحرث أرضها وسقاها بالماء الوفير, ثم عمد إلى تقليمها وتهذيبها وتشذيبها, فلما انتهى منها, قامت كأبهى ما يكون ثمراً ومنظراً.
هكذا فعل النبي r بالأخلاق العربية, فعل التهذيب والتشذيب.
دعوا العبيد يتكلمون
إنَّ أكثر من خمس أهل الأرض الآن ينحدرون من آباء عبيد, يعلم ذلك كل من درس واقعها المخيف قبل مجيء الإسلام بعد أن وصل الحال بالعبودية البشرية أن تكون متطلباً للحياة على الأرض.
فالأغنياء والأثرياء لا يستغنون عنهم يوماً واحداً, ولا بد من تصريف السبي الناتج عن الحروب إلى أسواق النخاسة, فازدحمت المعمورة بهم حتى صاروا جزءاً لا ينفك عن الاقتصاد العالمي مثلما أنَّ الربا اليوم هو خلاصة الاقتصاد المعاصر.
ولما جاء الإسلام راعه أمران, الأول: كثرة العبيد, والثاني: تجذّر النظام العبودي في الحياة العامة, فتعامل معها بحكمة اقتضت منه خطة طويلة الأمد تمتد على مدى قرون، فالعبودية لها آثار اجتماعبة واقتصادية وأبعاد سياسية ونفسية وتربوية, أي أنها أزمة في السياق الإنساني وقلق بشري عارم, ولو أنه أصدر فرماناً تشريعياً فورياً لما استطاع القضاء على المشكلة فاستعمل علاجاً بديلاً, يّذكِّرنا هذا بما فعلته الولايات المتحدة الأميركية حينما سنَّت تشريعاً على يد رئيسها إبراهام لنكولن يلغي العبودية ويعلن أنَّ الناس كلهم أحراراً، فتأزمت الحياة لديهم وثار البعد النفسي والاقتصادي وتكدَّس العبيد في الشوارع وفرحوا لأيام بحريتهم ثم اكتشفوا أنهم بلا مأوى ولا غذاء ولا عمل وضاقت سبل العيش بهم إلى درجة أنهم طالبوا بالعودة مرة أخرى إلى العبودية التي صارت ضمانة اجتماعية واقتصادية في حقهم.
إنَّ العبيد يتشوَّقون إلى الحرية بلا شك لكنها ليست تلك التي تأتي فوراً دون سابق إنذار إلا بالقدر الذي يعينهم النظام الاجتماعي من حولهم لا أن يتخلَّى عنه ويرميهم في الطرقات.
وفي اللحظة التي تبرَّم بها عبيد أميركا بالحرية أدركنا صنيع الإسلام في التحرر التدريجي طويل الأمد، وعَلِمْنَا مبلغ الحكمة التي ينطوي عليها, وقفزت الإجابة فجأة على أولئك الذين تساءلوا طوال تاريخ الإسلام, لمَ لم يأتِ الدين الخاتم بنص قاطع يُحرِّم فيه العبودية كما فعل في الخمر؟.
ولقد تبدَّت معالجة الإسلام لنير العبودية من خلال عدِّة محاور رئيسية أبرزها نظام الكفارات لديه.
الدفع إلى التحرير كمضمون عبادي
تشير مفردة “كَفَرَ” في معاجم اللغة إلى الستر والتغطية, ومنه الكافر لأنه يغطِّي الحقيقة الكبرى وهي الإيمان والتصديق, والكافر البحر لأنه يستر ما تحته بأديمه الواسع, والكافر الزارع لأنه يستر البذر ويواريه الأرض.
وسُمّيت الكفَّارات بهذا الاسم لأنها تُكَفِّرُ الذُّنوب أي تَسْتُرها, وهي عبارةٌ عن الفَعْلَة والخَصْلَة التي من شَأْنِها أن تُكَفِّر الخَطيئة، أي تَمْحُوها وهي فَعَّالَة للمُبالَغة144.
أما “شرعا”: فما يستغفر به الآثم من صدقة، وصوم، ونحو ذلك145, أو الاعمال التي تُكفِّر بعض الذنوب وتسترها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الاخرة146.
ولحرص الإسلام وتعشِّقه إلى تحرير العبيد فإنه تعامل معه كمفردة عبادية خالصة يدفع المسلمين إليها دفعاً لازماً, فالكفَّارات لديه مشتملة على خصلة العتق من الرِّق تصطف مع الصدقة والصيام.
ومن هذه الكفارات:
أولاً: كفارة اليمين, فمن حلف على يمين منعقدة وهي المستقبلية، أو يمين غموس وهي الماضية ثم حنث فيها, واقتحم اسم الله أو صفته على ما هو مذكور في فقه الأيمان استوجب أن يُكفِّر عن حِنْثه بجملة خصال منها أن يحرر عبداً, قال تعالى: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}147.
والآية كما تلاحظ أوجبت على الحانث أن:
– يُطعم عشرة مساكين من الطعام الوسط لا اللحم ولا إدام الفقراء، بل ما يأكله الناس في غالب الأحوال, أو كسوة عشرة مساكين مماا يُطلق عليه عُرفاً كسوة ولباساً, أو تحرير عبد من العبيد, فإذا فعل خرج من الذنب الذي عمله من انتهاك الاسم بالحلف.
– فإن كان فقيراً على نحو لا يستطيع الإطعام ولا الإكساء ولا التحرير عمد إلى صيام ثلاثة أيام.
والحِنْث باليمين من المسائل العملية كثيرة الوقوع في حياة الناس, وقد أحسن الشارع اسثماره محققاً فائدتين, الأولى: أركز في الذهن سماحة الشريعة ويسرها في أن جعل كفارة لهذا الذنب العظيم، إذ هو في أصله انتهاك لعظمة اسم الله تعالى وصفته, والثاني: أجرى سيلاً واسعاً من تحرير العبيد يتبدَّى ذلك لو أجربنا حساباً تقديرياً إبَّان التاريخ الطويل كم من شخص حنث بيمينه ثم أعتق عبداً؟.
بل ويرشدنا الدين الحنيف في أن الحلف إذا منع الحالف من خير فلا عليه أن يحنث ثم ليكفِّر عن يمينه, كأن يُقسم أحدهم ألا يعين محتاجاً ثم يرى أنه تسرَّع لكن يثقل عليه أن يحنث بيمينه كما حدث مع أبي بكر الصدِّيق لما حلف على أن لا يعين قرابته مسطحاً الذي رمى ابنته عائشة بالفاحشة ونزل على إثرها قوله تعالى: : {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}148, ثم حنث بيمينه وكفَّر عنها.
وقد أعلمنا النبي r أنه أول من يفعل ذلك: “.. وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي”149.
وأصل ذلك آية: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}150, أي لا تجعلوا الحلف بالله معترضاً وعائقاً بينكم وبين الخير والصلاح, ولا تعتذروا بسبق اليمين.
ثانياُ: كفَّارة القتل الخطأ, وذلك أنَّ من قتل مؤمناً خطأً، لزم عاقلته أي قرابته الأدنون دفع دية لأولياء المقتول، ولزمه كفَّارة أفادتها الآية الكريمة: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}151.
– فإن كان مؤمناً يحيا معكم في مجتمعكم فعليكم كفَّارة بأمر واحد دون تخيير كما رأينا في اليمين وهو تحرير عبد مؤمن, وتشوَّّف المعنى السامي الذي يسمو به الإسلام ويبني على أساسه الأحكام في أنَّه اعتبر العتق إحياءً, فكما أن القاتل المخطئ أعدم نفساً مؤمنة حقيقة فعليه أن يعوَضه بإحياء حكمي وهو إخراج أحد المؤمنين من دائرة الرِّق إلى دائرة الحرية.
كذلك الحال لو كان المقتول خطأ لا يحيا مع معاشر المؤمنين بل مع غيرهم لكن ربط بين الطرفين عهد وميثاق وهدنة.
– أما إن كان يحيا بين ظهراني عدو فالواجب حينها كفارة الإعتاق دون دية حتى لا يستعين أهل الكفر بها في حرب المؤمنين.
– فإن كان القاتل فقيراً على نحو لا يجد ما يعتق به عبداً صام شهرين متتابعين.
وقد خلت الأرض اليوم من الرِّق وقضت الكفارات أمثال هذه على أكثره فلم يتبق سوى الصيام.
ثالثاً: كفارة الظهار, قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ, فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}152.
والظِّهار أن يقول الزوج لامراأته: أنت عليّ كظهر أمي, أي يشبِّهها بأمه في التحريم, فإذا ندم وعاد حَرُم عليه أن يمسَّ زوجته إلا بعد كفَّارة مشتملة على تحرير رقبة, فإن كان فقيراً لا يجد فيصوم ستين يوماً, فإن لم يقوى على الصيام فليطعم ستين مسكيناً, وانظر كيف أن أول الخصال تحرير نفس من ذلِّ العبودية يتحملها زوج تفوَّه بكلمة الظهار.
رابعاً: كفَّارة الإفطار في رمضان عمداً, فمن اقتحم صوم الفرض بجماع على اتفاق, أو بطعام وشراب على اختلاف بين السادة الفقهاء وجب عليه كفارة نسميها كفارة الإفطار في رمضان جاءت في حديث أبي هريرة: ” بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ r إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لَا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ r فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ r بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ r حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ”153.
ويلوح في الحديث يسر الإسلام في أن الرجل أكل كفَّارته التي تولى النبي r دفعها إلى درجة أن قال بعض الفقهاء أكله للكفارة هنا خاص به, فمن شابهه في الإفطار تعلَّقت بذمِّته كفارة إلى أن يوسر.
ويلاحظ تقديم الحديث للعتق على الصيام والإطعام رغم أنهما عبادتان من الأمهات.
هذه الكفَّارات السالفة تُدلِّل بنفسها على تشوّف الدين الخاتم إلى الحرية كتشوّفه إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور, بل الأولى من لوازم الثانية؛ ذلك أنَّ العبد لا يملك نفسه ولا يمتلك حرية الإرادة بل هو وقف وحبس على مالكه، فكان لزاماً على الدين الجديد أن يطلقه من الأسر قبل أن يخاطبه بالهداية والارتقاء.
فصار معلوماً سبق الإسلام غيره في التعامل الناجع والتخطيط طويل الأمد وحكمته البالغة في الشفاء من الرَِّق، فلأن كانت الأرض مُثقلَة بالعبيد فقد آل بهم المطاف إلى أن يحيوا بكرامة ويتنسموا عبير الحرية على كتف الكرة الأرضية الغضِّ.
ولم يقف الإسلام عند حدود الكفَّارات كي ينال العبيد حريتهم وتخلو الأرض منهم، بل فتح الباب على مصراعيه ورتَّب من الأجور والفضائل ما تتشنَّف لأجله الأذان, فمن رام الأجر والإحسان وابتغى العمل الصالح فللحرية نصيب مهول منه, نجد ذلك في قوله r: “مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ”154, فالعبد المعتوق التام الخِلْقة يُعتق مُحرِّرِه من النار, فما أصاب به العبد عاتقه من الخير والفضيلة أضعاف ما تكلَّفه المُحسن من أمر الدنيا، فلا ينبغي أن يتمنَّن محررو العبيد جرَّاء صنيعهم, وفي ذاك كما ترى بُعد نفسي يحفظ للعبيد كرامتهم أثناء التحرير, ولا فضل إلا لله ثم لدينه.
وفي لفتة عجيبة من هذا الدين العظيم وفلسفة رائدة تحدوه يجعل تحرير الأرقِّاء مقياساً للأعمال والفضائل، فتراه يحثُّ الناس على عمل آخر ويجعل أجره كأجر إخراج الرقيق من ضنك العبودية, “من رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة”155, ” مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ”156, “من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل”157.
يُخلَص من ذلك أن الإسلام استخدم طريقين في إعادة الناس أحراراً كما خلقهم الله:
فالطريق الأول: عن طريق الكفَّارات، إذ يجد المسلم لازماً عليه أن يساهم في تصحيح حركة التاريخ التي أودى بها بنو البشر فيحرِّر من العبيد بقدر ما أخطأ في جملة التكاليف الشرعية.
والثاني: أنه جعل ذلك نافلة, ويُستنتج من هذا أن طريق التحرير واجبة من الواجبات التي فرضها الدين على الأتباع, وفيه من حيث الجملة سموٌّ في استراتيجية التعامل الإسلامي مع الكيان الإنساني, إذ لا يخفى أنَّ الرق البشري عوار في جبين الإنسانية ومُركَّب نقص يقضُّ في مضاجعها ويدعها أوزاعاً هائمة مُقطَّعة الأوصال مفتوتة العضُد, هذا يُنبئ عن عظيم ما تُكنُّه الشريعة بنا ونظرة الاحترام السامية التي تتفتق من خلال نصوصها وهي تخاطبنا بحكمة.
الروح التحررية في العبادات
حيث أمعنت النظر الحاذق في العبادات – خاصة أمهاتها – لاح لك على القرب سريان روح الحرية في مقاصدها الخفية, حتى لكأنك تُبصر أن جملة العبادات هذه ما جاءت إلا لكي تُعلِّم العابد فنَّ الحرية الغائب, ونحن لا نقصد الحرية عن ملك السادة والقساة بل الحرية بمفهومها العام تلك التي تُكبِّل النفس الإنسانية بالأغيار والشوائب وتصنع منه إنساناً مُحلِّقاً في الفضاء لا سلطة لشيءٍ عليه البتة.
ولو أنك أمعنت النظر في تركيبة الروح والجسد ألفيت الجسد بحدِّ ذاته قيداً أكبر اقتضاه التكليف الإلهي وصنعته في الإنسان, وعادة الله الجارية في التكليف أن يخلق أشياء يعلقها الإنسان ثم يطلب منه أن يتفلت منها لمقصد سامٍ نبيل أن يُثبت هذا المخلوق الأرضي حبَّه الخالص لله, وأنَّ خالقه العظيم هو مبتغاه وهدفه الأسمى في الحياة, هذا الذي ذكرناه فلسفة الخلق الكبرى.
فسبحان من جعل العبادات معينة للإنسان في الوصول إلى هذا الهدف الأكبر, ولنرى ذلك.
فالصلاة مثلاً نبذ للدنيا وللوقت من حولنا كي لا يظلَّ أسيرهما, ولا يكتمل الوقوف بين يدي الله تعالى أثناء الصلاة إلا إذا بدأها صاحبها برمي دنياه خلفه والإقبال عليه صفواً من الشوائب والمكدِّرات.
ولمَّا كان المال لصيق الإنسان وقرينه المُحبَّب إليه ويقف عائقاً بينه وبين طريق الصفو لمولاه، جاءت الزكاة وجملة الصدقات والنفقات كي تنزع عنه الحب الجمَّ لهذا الذي يميل إليه الطبع, وحين يجعل المزكِّي حصة من ماله للفقراء والمساكين ولوجوه الخير المختلفة يكون قد برهن على حريته من أسر وقيد المال، وحلَّق مختاراً مع الأمر الإلهي القُدُسي, وطبع نفسه بطابع الحرية الدائم, وهو حينما يألف الطريق إلى المحتاجين ويشعر برغبة عارمة في إصلاح حالهم من ماله يضع نفسه الكبيرة الحرَّة أمام المال لا وراء قفصه، ويعلن أنَّه في يده وجيبه لا في قلبه, وأي حرية أسمى من أن يتطاول الغني على ماله رغم أنه يحقق له السعادة الدنيوية العاجلة؟.
أما الصوم فهو حرمان من الطعام والشراب والجماع وسائر المُفطِّرات سائر النهار, مع أنَّ هذه السالفة محبوبة مشتهاة للنفس البشرية تعصرها عصراً في معترك الحياة اليومية بل بها قوام الإنسان وحياته, ففي الصوم كما ترى استغناء عنها جزئياً وشعور بنشوة الحرية البالغة إن لم يكن في الحياة الجسدية الأرضية ففي الحياة العقلية والروحية السماوية.
وفي الحج يُحرم العابد متخليَّاً عن المحيط والمخيط، ويرتدي لباساً بدائياً ينمُّ عن بساطة عيش الإنسان في ضروراته وأنَّه يستطيع بلا كُلفة التخلي عن المُرفِّهات والتحسينيات يجد ذلك من خلال أيام الحج القليلة.
وهو يقبل على مولاه ملبياً مُكبراً حُرَّاً تاركاً الدنيا وراءه، ينتقل من منسكٍ إلى آخر في مهرجان سنوي عام مبرهناً على حريته من وعثاء الدنيا متمرداً على أسرها وسجنها, ونتيجة لذلك يُغفر له ويرجع كيوم ولدته أمه إذا أمِنَ الجدال والفسوق.
أما الجهاد فيبلغ التحرر فيه ذروته لأنه تمردٌ على الحب الأعظم حب الدنيا, يقدِّم حياته رخيصة في سبيل الله والدين.
وهكذا تجد أن الجامع بين العبادات أنَّها تتضمن الاستغناء عما يهواه الإنسان ويكدُّ من أجله ليل نهار, الاستغناء بسهولة من أجل نيل رضا الرب
محمد r يُفجِّر نهر الحرية
وليس بمستغرب القول أنَّ نهر الحرية جفَّ حتى أوشك الاضمحلال وآل رمالاً عاجزة عن الحراك، حتى جاء محمد بالساقيات وشقَّ عنه الروافد المحبوسة وعلاه بمَعينٍ لا ينضب فإذا هو صاخب جرَّار عميق درَّار لا يقدر أحد على ردِّه، وذاك محض اختيار الله ورحمته بأهل الأرض.
على أنَّه من أول يوم صار يُرضع أصحابه لُبانات الحرية ويُركزها في أدمغتهم ويُحكم الصلة والاقتران بينها وبين الفلسفة الكبرى التي لأجلها نزل هذا الدين, يُعِّلمهم إياها ويتخذ منهم أساتذة كباراً كي يمتدوا بها عبر الأجيال.
ولقد تحقق له ما أراد منذ اللحظة التي صدح فيها بقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}158, ولقد جاء الإسلام كي يبُثَّ في الأرض الظالمة حرية المعتقد, وهو لا يريد أجسادهم ولا رؤوسهم ولكن يريد قلوبهم تلك التي خلقها الله ولم يجعل لأحد سلطان عليها إلا لصاحبها.
في ذاك الزمن الذي خلا من الحرية الفكرية، يسمح لهم نبيهم r بأن ينتقدوه ويحاوروه يستشيرهم دون أن يفرض عليهم رغبة الزعيم السلطان كما فعل الفرعون عدو الحرية حين قال: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}159,بل : “أشيروا عليَّ أيها الناس”.
إلى درجة أن عارضه عمر في جملة من الأمور فيما يُعرف بموافقات عمر, ونزل القرآن برأي عمر ولم يحجر عليه النبي r طرفة عين، بل كان يرى فيه عبقرياً فذَّاً يستجلي العتمات ببصيرته ومُحدَّثاً مُلهَماً يتنزل الوحي على رأيه وكلماته.
ففي أسرى بدر استشار النبي r أصحابه فيما يفعل بهم، فأشار جملة منهم على رأسهم أبي بكر بأن يعفو عنهم ويقبل الفداء منهم، ومن خلا من الفداء كان فداؤه أن يُعلِّم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة, وأشار عمر بقتلهم حتى يعلم المشركون ألا هوادة وشفقة في الحروب, وأخذ النبي r العطوف بطبعه برأي أبي بكر, فنزل العتاب من السماء بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ, لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}160,وهو رأي عمر, فأية حرية في عالم الفكر إلى درجة أن توسَم بأثر السماء.
وقد كان بالإمكان قبل نزول الوحي بموافقة عمر أن يأمره النبي r ألا يعارضه وأن يُسلِّم له مقام النبوة الذي يقتضي الاتباع, لكنه r لم ينهَ عمر مرة واحدة, تعليماً لأصحابه أن لا قيد على الفكر في الإسلام على أحد طالما أنه ملتزم بأصول الديانة.
وفي قضية الحجاب: ” وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ161.
ومقام إبراهيم u: ” فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ u مُصَلًّى فَنَزَلَتْ{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}162.
ولولا أن عمر عبَّ من الحرية النبوية حتى ارتوى لما كان له أن يعلو بسوطه رأس عمرو بن العاص ويصدع به وبابنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً163.
ولأجل ذلك كله استطاع الصحابة الارتقاء بمفهوم الحرية إلى أبعد مدى حتى في اليوم الذي أظلمت فيها المدينة بموت نبيهم r إلى درجة أن ارتقى الصاحب الخليل أبو بكر الصدِّيق منبر المسجد وأيقظ المصابين بقوله: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”, فذكِّر السامعين بأن نبيهم r جاء في جولة طارئة كي يحرر الفكر الإنساني من العبث ثم مضى, ولو كان وجوده ضرورياً لبقاء الدين والأمة لبقي مخلَّداً, غير أن الإنسان كما خلقه الله تعالى لا يحتاج حتى إلى وصاية نبي على الأمد البعيد.
ثم بعد ذلك الزمان البعيد الذي مرَّ على الأرض وغيَّر وجه العالم, بعده بأكثر من ثلاثة عشر قرناً يهتدي أصحاب العقول اللامعة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء في المادة “18” منه: ” لكل شخص حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه، أو معتقده، وحريته في إظهار دينه، أو معتقده، بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده، أو مع جماعة، وأمام الملأ، أو على حدة”, ويا ليته جاء صائباً لأننا لا نزال نصرُّ على عقوبة قتل المرتد.
فالمرتد في نظر ديننا مجرم اقتحم ما هو أشد من الخيانة العظمى التي تعاقب عليها الدول المتمدينة, وإذا كانت الخيانة العظمى أمثال قلب نظام الحكم وإفشاء أسرار الدولة والتعاون مع العدو الخارجي تستوجب قتل صاحبها بهذا الجرم، فالمرتد اتخذ من الدين ألعوبة يتفلت منه وقتما يشاء مع أنه لم يُجبر على الدخول فيه بل اختاره بمحض إرادته.
القلم الإسلامي الحر
قدَّم العلماء المسلمون للعالم في أعصارهم ولمن بعدهم قلماً رائعاً في الحرية الفكرية، لدرجة أننا سنزعم أنَّ ذلك كان الخطوة الأولى في المدنية الحديثة التي ننعم بها الآن, ولم يتأتَ ذلك إلا بسببٍ من الفكر الإسلامي ذاته ذاك الذي لم يحجر عليهم يوماً بل أطلق لهم العنان بكل اتجاه, وستظل يقينية مُسلَّمة المفارقة العجيبة بين الفكر الغربي الكنسي حارق العلماء وقاتلهم وبين الفكر الإسلامي الشرقي, فمن ها هنا وصم الفكر الكنسي بأنه كان ينحت من صخر في حين أنَّ الفكر الإسلامي كان يغرف من بحر.
ذلك أنه امتداد طبيعي لتشوَف الفطرة الإنسانية الرحبة, ونداء قريب لمكنون الإنسان ذاته فلا غرو أن ينمو مُحلِّقاً بلا عوائق.
ولن يغيب عن البال الخوف الرامح المقيت الذي استبدَّ بعقول العلماء أمثال غاليلو إلى درجة استئصال مباشر لفكرة البحث العلمي المنصف, هذا في ذات الوقت الذي كان ابن الهيثم مُغرَق في بصرياته دون رقيب بل يحفُّه تشجيع الحكام والملوك والأغنياء, وابن النفيس في أبحاثه التشريحية مكتشف الدورة الدمويه وغيره العشرات ممن ساهموا بل شقوا طريق العلوم وقدَّموها على طبق من ذهب لمن جاء من بعدهم.
فلا ريب أن يُنظر إلى مقام الحضارة الإسلامية آنذاك مقام المغري والمُذكي لروح التحرر العلمي، حيث جادت أوروبا على نفسها بعد ذلك بما يُعرف بالثورة على الكنيسة والخروج العنيف من إرث القرون الوسطى المظلمة.
على أية حال، إنَّ تجوالاً بسيطاً في كتب السادة الفقهاء ونشوء ما يُعرف بينهم بفقه الاختلاف المذهبي والفكري يُدلِّل ببساطة على اختفاء الرقابة الآثمة على القلم واللسان.
فديدن الفقيه في البحث عن الحكم التكليفي صار ملاصقاً لوجهة السداد في رأيه حتى لو خالف إمام مذهبه أو شيخه المباشر حتى امتلأت كتب السادة الفقهاء بالآراء والآراء المضادة وصار يلوح لك في معظم المسائل الاجتهادية عدة آراء يحدوها المصلحة الراجحة القريبة من روح النصوص التشريعية ومقاصد الشريعة العظام.
بل إنَّ مصطلح الاجتهاد ذاته مبني على هذا المفهوم, فالاجتهاد هو بذل الوسع في استنباط الأحكام من الأدلة بصرف النظر عن ضيق الآراء أو رحابتها، وصار العلماء يعلِّمون المجتمع المعيش التعددية الفكرية التي سينبثق عنها بعد قرون مفهوم الأحزاب السياسية في تعدد رؤى حكم الناس.
ومن الغريب فعلاً أن ترى في الأزمنة الحاضرة بعد هذه الدلالة التاريخية اللامعة من ينقد المذهبية، ويعتبرها هدَّامة للوحدة الإنسانية في الكيان الواحد, صار علينا أن نُذكِّره بما قدَّمته المذهبية لأبناء عصرنا من مقتنيات حضارية راسخة يعتنقها مفكرو العصر.
ونشأ في الفقه منذ أزمنة بعيدة اختلاف نوعي يُعرف باختلاف الأزمان لا اختلاف البرهان, فصاحبا أبي حنيفة يخالفان الإمام الأعظم ويستسيغون ذلك بوحي تغير الأزمنة وتبدل نمطية الحياة مما يُلزم الفقه المواكبة الحضارية وإلا صار حبيساً لعقول القدماء, هذا كله يحدو بفقيه الحنابلة الشهير ابن قيم الجوزية أن يصدح بـ : ” والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين”164.
وابن تيمية وهو من أبناء القرن الثامن يقاسي الأمرّين وهو يصرُّ على أنَّ طلاق الثلاث في المجلس الواحد يُحتسب طلاقاً واحداً، ولولا أنه نما وترعرع على ما يتيقنه من الحرية الفقهية اللازمة ونبذ الحجر على العقل الفقهي الإسلامي لما صبر هذا الصبر وهو يقرر ما اهتدى إليه, ثم صار رأيه راجحاً على المشهور في المذاهب الأربعة في معظم قوانين الأحوال الشخصية الحاكمة في القرون الحاضرة على الأقل165.
وانظر بنفسك إلى ما كتبه ابن قيم الجوزية في كتابه الرائع “الروح” ثم تخيل لو أن كاتباً أوروبياً خطَّه تحت عين الكنيسة إذا لاغتيل قبل أن يُكمل أول فصوله أو لأُحرق على هتاف بهجة الجماهير الأوروبية آنذاك.
إنَّ ظاهرة الخروج عن المألوف ومحاربة العادة والتحليق بالفكر الأخَّاذ, كل هذه السالفة لم تخلوا منها القرون الإسلامية السالفة يوم أن كانت مُبدعة سائرة على الجادة السويّة, ففي الشمال الإسلامي حيث معرَّة النعمان يتمرد أبو العلاء المعري على نمط كُتِّاب الأدب التقليدي في عصره ويخرج عليهم بروايته الخيالية ” رسالة الغفران” يعقد فصولها خارج الزمان الأرضي حيث عالم القيامة وما بعده, ويبعث من خياله أموات الشعراء وينثرهم في ساحة الحساب ويحاسبهم على طريقته.
رسالة الغفران في أحضان دانتي
يستمع أبو العلاء الشاعر الأعمى إلى رسالة صديقه ابن القارح علي بن منصور بن طالب ثم يردُّ عليه برسالة مطوَّلة على نمط الرسائل الإخوانية – لو أداما التراسل لكنهما لم يفعلا – حيث يجوب الفضاء صوب السماوات في رحلة افتراضية ويدخل عالم الآخرة, يقابل مشاهير الشعراء الذين قضوا في الجنة والنار والأعراف, ويملي من ذاكرته المُعبَّاة مسائل في اللغة والشعر والأدب, ولا ريب أنَّ تصوره الكلي مستوحىً من مفهوم الإسلام الشامل عن الدار الآخرة والبعث والحساب.
واشتهرت رسالة أبي العلاء التي تمثل نمطاً جديداً من الكتابة الإسلامية والإبداع العربي، بوصفها خروجاً عن المألوف وتحليقاً في عالم الخيال وتُرجمت إلى اللغات الأخرى، فيتلقَّفها أديب إيطالي اسمه دانتي إليجيري الذي قام بسرقة الفكرة وصياغتها وفق معتقداته اللاهوتية، ثم خرج على الناس بكتابه الشهير ” الكوميديا الإلهية”, ويذكرون أنه استغرق في تأليفها ثمانية وعشرين عاماً مع أنَّ السارق لا يسرق إلا لاختزال الزمن, وقام بتقسيمها إلى ثلاثة أجزاء: الجحيم والفردوس والمُطهِّر, والثالثة توازي عند أبي العلاء أصحاب الأعراف.
وبعد أن اشتهرت الكوميديا الإلهية تمَّ تكريم دانتي مع أنَّ السرقة واضحة جليّة فجلُّ ما فعله أن غرَّب رسالة الغفران ونقلها بصياغة أخرى إلى لغته.
وهذا الفعل الشائن مثال صارخ على إنكار الحضارة الغربية لفضل وأثر الحضارة الإسلامية, ولو أنَّ دانتي أبدى مجرد إشارة إلى أصل العمل لكان أديباً بحق, أما وإنه لم يفعل فسيظل موسوماً بالافتيات على الحضارة الشرقية متطفلاً كالطفل الذي يصبو أمام أعين الكبار كي يحملوه على سواعدهم وقد فعلوا لكنه لحظة كَبِر تنكَّر وتنصَّل وزعم أنه إبداع ذاتي.
وذلك أنه لا يمكن بحال أن تتوارد الخواطر بين الكاتبين على هذا النحو المذهل, ولأن ثمَّة فارق كبير بين التأثر الأدبي والسرقة الأدبية, وعلى أية حال فقد طعن دانتي الحضارة الغربية في خاصرتها وظلَّت الطعنة تنبو أو أنَّهم يقرّون بذلك جهاراً.
وهو لم يكن فريداً في فعله فثمة افتيات آخر يتولَّى زعامته دانييل ديغو صاحب “روبنسون كروزو” الذي سلَّ فكرة ” حي بن يقظان” من فيلسوف الإسلام “ابن طفيل”.
حي بن يقظان
من هو ابن طفيل: من فلاسفة المسلمين, اسمه: محمد بن عبد الملك بن محمد بن طفيل الأندلسي, تعلم الفلسفة ودرس الطب في غرناطة, وكان طبيباً للسلطان أبي يعقوب يوسف في دولة الموحدِّين, توفي سنة 581 هج, 1186 م.
موجز قصة حي بن يقظان: في واحدة من الجزر الهندية ينجب زوجان طفلاً بعد أن تزوجا دون علم الملك, فأرادا الخلاص منه خوفاً من الملك, فوضعاه في قارب صغير.
هذا الطفل الصغير تلقي به المقادير على جزيرة مهجورة بين الحيوانات, تحنوا عليه ظبية وترضعه, لا يؤنسه أحد, يجابه التحديات وهو يبحث عن الطعام والشراب والملبس والمسكن, يكبر شيئاً فشيئاً ويتعرف على الظواهر الطبيعية حوله محاولاً تفسيرها, يتعلم ربط الأسباب بالمسبَّبات, يتوصل أخيراً إلى الإيمان بالله, وهذا هو مغزى القصة أن يتوصل بدليل الفطرة لديه إلى وجود الله تعالى, يتفكر في عظمته من خلال الكون المرئي ويتأمل في وحدانيته, ويتوصل إلى فكرة الثواب والعقاب في الآخرة.
يصنع حذاءه وأثوابه بنفسه, يدرس النجوم, يشرِّح الحيوانات الميتة, ثم يتنقل من العلوم الطبيعية والأحياء إلى الفلسفة وعلوم الدين, يُثبت لنفسه خالقاً قادراً, يُحرِّم على نفسه أكل اللحم لنظرته الخاصة إلى الحيوانات.
يأتي إلى الجزيرة شخص اسمه ” اسال” باحثاً عن الوحدة والعزلة ويلتقي بحي بن يقظان ويعلّمه لغة الكلام, ويخبره عن عالم البشر وما فيهم من قسوة وغلظة وظلم, وعلى ضوء ذلك يقرر حي مغادرة الجزيرة ليهدي ذلك الشعب الجاهل إلى دين أكثر رقياً من دينهم.
يهاجر إلى عالم البشر ويبدأ بدعوتهم إلى دينه الجديد, غير أن الناس ينصرفون عنه ولا يفهمونه, يستنتج بعدها أنهم لن يفهمون الدين إلا إذا خُلط بالمعجزات والأساطير, فيندم على مجيئه ويقرر العودة إلى جزيرته ليعيش مع أسال في مرافقة الحيوانات الوديعة, وظلا على هذه الحال يعبدون الله تعالى إلى أن ماتا.
تحليل القصة
القصة خيالية وليست حقيقية, لكنها ممكنة الوقوع فهي ليست ضرباً محضاً من عالم الخيال, أي أنه يقاس عليها ويستنبط منها ويستدل بها فهي مثال الواقع.
ليس كل ما ورد في القصة وخاصة على لسان بطلها حي بن يقظان يتوافق مع معطيات الفكر الإسلامي العام.
تمثل شخصية أسال الرقي الروحاني الذي لا يسعد إلا بالبعد عن الماديات.
تقوم القصة على فكرة إمكانية التوصل لمعرفة الله ابتداءً من الفطرة البشرية وانتهاء بالعقل, فدليلا الفطرة والعقل يتعاضدان في معرفة الحقيقة الكبرى.
في القصة كذلك قدرة الإنسان على العيش وحده في مجابهة الصعاب, والتدليل على أنه يتعلم لغة الكلام عن طريق تفاعله مع بني جنسه.
تصوير لعلاقة أمومة خاصة, وهي علاقة حي بأمه الظبية التى إن غابت بكى على فراقها وإن حضرت فرح ولعب واطمأن.
صاغ المؤلف بطل القصة حي بن يقظان صياغة رمزية, فهو المدرك الواعي لتصرفاته الذي يجعل لنفسه أهدافا وغايات, المستخدم لحواسه وفطرته وعقله.
هدف ابن طفيل من نسج القصة
أراد ابن طفيل من خلال قصته أن يجري مصالحة بين الدين والفلسفة ويحقق توافقاً بينهما, ويثبت للقارئ أن الدين والفلسفة يمكن أن يلتقيا, فكلاهما يبحث عن المعرفة الموضوعية ولا تعارض بينهما.
والقصة موجَّهة لخدمة غرض فلسفي انشغل الناس به في عصر الكاتب, ويلاحظ فيها نزعة ابن طفيل الفلسفية.
والفكر الإسلامي لا يوافق على ذلك بكامله, فالدين والفلسفة قد يتعارضان, والصواب أن يظل الدين حاكماً على الفلسفة؛ لأن مرجعه أوثق ومصدره أصح؛ ذلك أنه يتخذ من الوحي نوراً كاشفاً.
روبنسون كروزو
تقوم فكرة روبنسون كروزو على ملَّاح بريطاني تحطَّمت سفينته في المحيط الهادئ, تشبَّث بقطعة خشب كبيرة تسوقه إلى شاطئ جزيرة خالية, يكتشف نفسه وحيداً عن عالم البشر ثم يتخذ من الحيوانات أصدقاء له, ببغاء وقرد وعنزة, وبعد أن يمكث زماناً تجري فيه أحداث القصة تنقذه سفينة عابرة وتعيده إلى مدينته.
أي أنَّ الفكرة نفسها, ولا ضرر في أن تكون القصة ذاتها بشرط أن يُشار إلى الأصل من قِبل صائغها ومُطوّرها, لكن دانييل ديغو لم يفعل وحذا حذو دانتي في الكوميديا الإلهية.
وقد تتابع في العصر الحديث صياغات أخرى للقصة، وأُنتجت تلفزيونياً بأفلام كرتونية للصغار وأخرى للكبار كطرزان وماوكلي ” فتى الأدغال”, وهذه السلسلة المُطوَّرة تدين كلها لنبضات أفكار ابن طفيل الذي قضى منذ قرون مضت.
فلا غرو أن يجيب فيلسوف العصر مالك بن نبي لما سئل عن الفارق بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية أجاب: تماماً كالفارق بين حي بن يقظان وروبنسون كروزو.
تألق الموهبة
صار لزاماً علينا أن نُميط اللثام عن بعض الإبداعات الكبرى التي أثارها الفكر الإسلامي العام وأودعها كمفردة سامية من مفردات الحضار الإسلامية, فعلاوة على ما أمطر به الإسلام من وابل سماوي يُمثل خزين الأرض العلوي كي يسعد العالم السفلي، علاوة على ذلك وجَّه الإسلام نظراً قويماً على ما تحفل به المعمورة من سنن الله وقوانينه المبثوثة في ثناياها, وعلى رأس ذلك قوة خفيّة مودعة في جُلِّنا إن لم يكن جميعنا.
تلكم هي الموهبة, مع أنني أميل إلى أن كل فرد عاقل من بني البشر يمتلك رصيداً من هذه الطاقة التي تُعدًُّ بحق روح الإبداع والتقدم, والدليل الذي أُقدِّمه بسيط مُقنع مفاده استحالة خلونا من بعض أسرار عظمة الخالق العظيم, إذ لا بد أن يظهر فينا بعض تجليات العظمة الإلهية في الصنع.
من هنا صار متساوقاً القول: كما أنَّ الأرض تحمل على ظهرها تراباً وفيراً لا يوزن، كذا هو الحال في عقول البشر وإمكاناتهم يحملون بنفس الوتيرة مواهب جمَّة بعضهم مُكثر وآخر مُقلّ.
جاء الإسلام على بشر طمسوا هذه القدرات وأحالوها إلى ما يُشبه أطلالاً نادمة, ولم يتبق حاكم لديهم سوى القوة المتغطرسة مع أنه قد آل بهم الحال إلى ضعفاء خائرين لا يقيمون عدلاً ولا ينشرون حرية وغرقت الأرض في الظلام.
وبدا الأمر مشوقاً بعد أن خرج النبي r من حراء يداعب بأنامله الحريرية الناعمة مواطن القدرات الخفية لدى أصحابه, وصار الأمر يحدوه في أن يكون صائداً مقتدراً لمواهب من حوله مُنمِّياً لها كيما يفيد منها المجتمع الإنساني الضخم الذي علته حجارة صلدة تقبع فوق الرقاب.
فلا غرو أن يُفجِّر النبي r هذه القدرات ويُسيلها أنهاراً متدفقة يستعجل بها مجتمع المدينة الفتي بعد أن هاجر إليها من مكة, إنها ليست سفراً تقطع فيه أربعمائة كم ولكنها مسافة ظامئة بين مجتمع متحجر بدائي وبين آخر يسمو إلى السماء, وعلى أية حال أنتم تعلمون الفارق الحضاري بين يدي أبي جهل السائطة أكباد عبيده الضعاف وبين الشِّفاه الرحيمة التي صدحت ذات مرة: رفقاً بالقوارير.
أثار الإسلام النفوس المرتاضة وهزَّها هزَّاً عنيفاً لتخرج ما فيها من قدرات ولتُبين أن البشر مخلوقات مرنة تستطيع أن تتكيف مع أصعب الظروف وهل الذكاء إلا ذلك؟.
وإنَّا لنلمس علاقة رابطة بين جمهرة العبادات في الإسلام وبين الموهبة الداخلية الدفينة, فكأن هذه التكاليف تستثير العابد ليكتشف طاقته الكامنة، ثم تظل تشحذ فيه روح الصقل والبناء فإذا الموهبة ظاهرة على صاحبها يتعامل معها بيسر وإذا الشخص يتعامل بإيجابية من خلالها مع بيئته ويفيدها.
فالصلاة لحظات من التأمل المتقطعة الموقوتة تقسم اليوم خمسة أوقات يتوجه فيها المسلم إلى ربه مُعلناً الخضوع والخشوع والتمسك بالقدرة الجبارة التي تُسيّر هذا الكون العجيب، فيتأمل نفسه وما حوله ويتفرس في قلبه وعقله ونفسيته فهي أشبه بالغاطس الذي يلج أعماق المحيط باحثاً عن الثروات المغمورة.
والصوم الذي هو قرين الصبر يُجهد النفس والجسد إجهاداً مشروعاً ليس خارجاً عن نطاق قدرة البشر, فكأنما يعصر فودها كي يُخرج أحسن ما فيها وهو شحذ قويم كما يفعل السفر في أخلاق صاحبه.
والحج مناسك معطاءة تروق للنفس وتُجردها من غيها, وهو لحظات صفاء بين النفس والعقل, تعود من خلاله النفس البشرية إلى وتيرتها الأولى قبل أن تُكدِّرها شوائب الصخب اليومي العاتي, فإذا هي مُسلَّمة من العيوب لا شية فيها, فلا غرو يؤول بالغفران على صاحبها.
وقل مثل ذلك عن الزكاة والصدقة والذكر وسائر ضروب العبادات.
فمن أدَّى العبادات كما ينبغي أن تؤدَّى، لاح له على القرب طاقات النفس وقدرات العقل واستشفَّ من خُلَل الظلال مواهب نفسه التي بين جنبيه.
ولما كان العابد مُقصِّراً في ذلك، فالإسلام يُرشِّح بديلاً لاكتشاف مواهبه وها هو النبي r يدلنا عليه.
نشط النبي r في معرفة أصحابه والناس حوله، وصار يدلهم على مواهبهم حتى الكفار منهم، فها هو يُرسل بالرسائل العجال إلى عمر قبل إسلامه فيقول: اللهم أعزَّ الإسلام بأحد العمرين, والعمران هما عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام أبو جهل، ووصلت الرسالة إلى كليهما فواحد قرأها بعينه وآخر بعقله, فأما من قرأها بعينه فحالت بينه وبينها حواجب العناد وران الكفر والكِبْر, وأما عمر فلم يزل يتسائل عن السر الذي دفع النبي r كي يرشحه عن غيره فلم يلبث التساؤل أن أسلمه إلى الدين الحق, ثم راح يُرعرع مواهبه الجسام في ظل دين يقيم الاعتبار الكافي للحياة الصحيحة من خلال قدرات البشر.
ورسالة أخرى إلى خالد بن الوليد ذلك الفاتك بالمسلمين في أحد: إنَّ لخالد عقل, واستقام الميسم في عقل خالد وأسلم في السنة الثامنة, حتى إذا خرجت جموع المسلمين إلى أرض البلقاء في غزوة مؤتة استلم قيادة الجيش بعد أن قضى قادته الثلاثة, ونقل النبي r أحداث المعركة نقلاً مباشراً إلى أصحابه وهو يرتقي منبر المدينة وقال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه.
ثم تمعن لو شئت في قراءة النبي r لخالد, ومن أعرف الناس بخالد من النبي r؟, أجرى له مسحاً جيولوجياً وصوَّره تصويراً دقيقاً فعلم أن خالد ينطوي على عبقرية عسكرية قيادية فذّة وذكاء متقد, فلو أنَّ خالداً عاش في غير ذاك العصر لغيبته الرمال دون أن يعلم به أحد, لكن مراد النبي r فوق العادة، لقد كان يخطط بأن يستفيد من خالد استفادة قصوى ويستثمره استثماراً معاصراً بعيداً عن حروب الجاهلية القبلية, لقد كان يجهّزه لمناطحة أقوى إمبراطوريتين عرفتهما الأرض في ذلك التاريخ, وفي غزوة مؤتة وحدها عززه النبي r بثلاثة أمور جسام
أغدق عليه لقباً رائعاً سيف الله المسلول166, كالجنرال الذي يُرفِّع جندياً إلى رتبة نقيب, بل لقب خالد الذي ظل يلعب به طيلة التاريخ أبلغ من الترفيع الميداني, وليس أي لقب بل سيف الله المسلول.
فتح الله على يديه, فكأنه أقرَّ له بالنصر على الرومان مع أن المسلمين لم ينتصروا بل خرجوا من المعركة منسحبين, والفتح أعظم من النصر.
قال عن الجيش العائد بقيادة خالد: بل هم الكرَّار إن شاء الله167, وذلك بعد أن تلقَّفهم صبية المدينة بالحجارة قائلين: يا فرّار أفررتم في سبيل الله. 168
وسنشعر سوية لو كنا قريبين من خالد لحظة استراح في بيته من سفر مؤتة وكنا قريبين منه كجلده, سنشعر مرغمين أن نفسه امتلأت شحناً وتعزيزاً إلى درجة الدِّهاق, وسيظل مشحوناً بالكلمات الرائعة الرائقة التي تفوَّه بها نبيه حتى فتوحات العراق واجتيازه صحراء الأردن ووقوفه أمام جيش اليرموك يخطب فيهم خطبته الأخيرة قبل المعركة الفاصلة.
ولقد ظل مرجلاً يغلي ويفور إلى أن أسلمه القضاء أن يموت على فراشه بعد مئات المعارك والزحوف, وليته رضي بذلك بل هو القائل: ها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام169
وتفرَّس النبي r في حسان بن ثابت فوجد بين جنبيه موهبة شعرية حصيفة, وإذا هي مُطلقة لا تحتاج إلى اكتشاف فراح يُنمِّيها ويصقلها ويشجعه وها هو يقول: ” اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ”170, ويقيناً يقال راجت بضاعة الشعر لدى حسان، وراح يدير المعركة الإعلامية بين مكة والمدينة بعد هذا الاهتمام المباشر من القائد وتقديمه الدعم الاستراتيجي واللوجستي المطلوبين, ولا غرو في ذلك فالشاعر إذ ذاك يمثِّل قناة إعلامية كبرى ينوب عن الحكومة في إعلاناتها وتعبئتها العامة في السِّلم والحرب.
ولو عدنا إلى عمر
لوجدناه موهوباً من رأسه إلى اخمص قدميه مع أنّ الجاهلية لم تسوّقه بما يتناسب مع قدراته, فعلى الرغم من أنه يطفو على بحر من المواهب، لم تُظهر فيه الجاهلية سوى صفة الشدّة والغطرسة والظلم, بيد أنَّ فيه من القيادة الفذِّة ما يُرشِّحه لمنصب الخليفة مع أنه لم يكن من نفر دار الندوة في مكة, وهنا أمر بالغ الأهمية لا بد من الحفر عنده بمعاول فجاج لأننا نعيشه في عصورنا الحاضرة، نلمحه في ذلك المجتمع المكي الذي لم يكن فيه عمر شيء يُذكر, هذا يعني يا سادة أن المجتمع كان يعيش خللاً كبيراً ينطوي على مُركِّب نقص باهض الثمن حين يستبعد عمر من حياته السياسية، فلولا أنّ النبي r انبرى لإصلاح الخلل لقضى عمر صغيراً كحياته الجاهلية المكية, نحن نعاني هذه الأيام من تلك النافية، فكم من شخص مقتدر يتنفس كل صباح هواء العبقرية؟، غيَّبه التردي السياسي والفكري في مجتمعاتنا مع أن اللائق به أن يتبوأ منزلاً رفيعاً، وفي ذلك كما ترى تقزيماً للكفاءات وتقديماً للرويبضات, فمن المسؤول عن ذلك سوى الخلل المترامي الأطراف الذي يعانيه كلنا؟.
وعلى أية حال فعمر يتصف بصفة الحزم الذي يحتاجها الأفراد الذين لا ينضبطون دون نظام, فالناس بفطرهم لا بد لهم من راعي ونظام وقانون وإلا انفلتوا، إذ عادة الإنسان الانفلات ونشدان الحرية المطلقة, وما أجمل مقولة عثمان: ” إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”, وفي نفس الوقت رؤوف شفوق بالناس, وقد ظهر ذلك في خلافته, والتاريخ يسجل لعمر مئات القصص التي تدل على شدة إشفاقه بالرعية, وهو رجل مقدام لا يرضى الذّلّة ولا يهاب العدو ولا يحابي في الله, ومع هذا كله فهو فقيه شديد الحرص على العلم والديانة والصلاح والالتزام, وهذه بعض مواهب عمر وكفاءته يكتشفها النبي r مرة واحدة ويرمي بها إلى العصور.
إنّ مكانة عمر كما حددها الإسلام لامست شغاف قلبه وأخذت بلبِّه، فراح يبدع في جميع الاتجاهات إلى درجة أننا لا نستطيع الاستغناء عن ذكره في كل ملف نرومه, وبعبارة وجيزة ظل عمر مستمتعاً بحياته رغم تعبه وجهده كما لو أنك أسلمت ريشة سحرية وألوان زاهية ولوحات تعكس الهواء إلى رسام مبدع وظل يرسم طوال النهار.
ولقد امتهن الرجل العدل بصورة رائعة حتى أننا نجد في تاريخنا تلاصقاً جديراً بينهما، فما نكاد نذكر هذه الصفة الراسخة في ديننا حتى يقفز عمر عنوة إلى أذهاننا، كما لو أن أديباً أنجليزيا رام التحدث عن مقدمات الأدب الإنجليزي فسوف يكون “شكسبير ” حاضراً بقوة, أو أراد الفرنسيون التأريخ لثورتهم لحضر مع أنفاسهم ” جاك روسو”.
ثم الرجل رشيق المبادرة، في نفسه روح ابتكارية إبداعية انتفع المسلمون منها في زمنه وبعده، وسأدلِّل هنا منذ لحظة إسلامه حيث أشار على النبي r بالخروج في أول مظاهرة إسلامية، وافق النبي r على الفور ونظَّم المسلمين صفين، على الأول منهما عمه حمزة وعلى الآخر عمر، وخرجوا من دار الأرقم على جبل الصفا صوب الحرم، ساروا في طرقات مكة مُهلِّلين موحّدين حتى استقرَّت أقدامهم قبالة الكعبة، وتصدَّت قريش لهذا الصخب الذي فتَّ في عضُد وحدتها الوطنية، وتناطح الطرفان وكثُر الأذى بالمسلمين من وراء مبادرة عمر، كل ذلك كان متوقَّعاً في رأس النبي r لكنه لم يحجر على شغف عمر في الصَّدْع بدين الله ومنذ يومه الأول.
إنَّ موافقات عمر القرآنية تُعدُّ كلها مبادرات وابتكارات فكرية بحيث أننا نُكرّمه على بُعد القرون ببراءات اختراع، والمدهش أن النبي r وافق في أغلبها على اقتراحاته وابتكاراته، ولم يحجر على طاقاته الإبداعية التي تمور بها نفسه العمرية.
تمعّن ذلك في تدوين الدواوين وترتيب الإدارة الإسلامية، حتى صارت الدولة في عهده تُضارع دول الرومان والفرس في حُسن التنظيم والدقة، وتمعّنه في تشييده المدن كالكوفة والبصرة وغيرهما، وفي طريقة اختياره للولاة وتنظيم شؤون الولايات التي تدل على سبق إبداعي، فلا يَدَعُ والياً أكثر من سنتين على ولايته إلا ما ندر، وذلك حين يُثبت الوالي كفاءته الإدارية والدعوية والسياسية، كذلك الحال في مراقبته لشؤون الولاة وتقصِّي أخبارهم ومحاسبته لهم، حتى لكأنما يجوس بلاد الفتح الجديد بكاميرات تنقل له الحذافير، يسأل ويستطلع إلى أن يطمئن على سيرة الحكام وإلا ساطهم بسوطه.
وسنترك عمر كما نفعل كل مرة, نتركه إلى غيره لنرى أن النبي r كان معنيَّاً بتتبع مواهب أًصحابه، ويجعل للواحد من الوقت والجهد بمقدار ما يزخر من مواهب وقدرات, يتفحصهم بعينه المتأنية فكأنما رأى أنَّ من واجبات النبوة والرسالة والزعامة الدينية والدنيوية إيفاء هذا الجانب المهم قبل أن يترك الأرض ويلحق بربِّه, وسترى من الأمثلة على هذا الآنف ما لا حصر له إلى أن تقرَّ بالنبوغ النبوي, وبعبارة بوجيزة لقد كان النبي r موهوباً باكتشاف مواهب من حوله وتنميتها، أو إن شئت القول ذاك دعم سماوي ملقى على عاتق الوحي.
حتى في أحلك الظروف والطوارئ يتنبه نبينا لهذا الأمر، ففي غزوة حنين التي كمن فيها العدو بالمسلمين في الوادي وتفرَّق الصحابة عن نبيهم r وفرَّ أكثر الجيش ولم يتبق معه سوى العشرات, يعصف برأس النبي r حلاً سريعاً يستمد فيه صاحب الموهبة القريبة، فيأمر العباس أن ينادي بالفارِّين ويذكِّرهم ببيعة الرضوان التي حدثت قبل عامين.
العباس دون غيره لأن لديه موهبة صوتية إذ كان جهوري الصوت, وانبرى العباس بصوته الصَّلق، يملأ به الوديان المحيطة ويعلو به صوب الهضاب، حتى إذا سمع الفارُّون وتذكّروا بيعة الرضوان قبل عامين عطفوا خيولهم وجمالهم وازدحموا نحو الصوت, وتجدد القتال واستبسل النبي r ومن معه وعادت المعركة على أشدها، واستلَّ المسلمون النصر من تحت الشِّفار، وانكشف الأفق بعد اأن انقشع ضباب حنين عن نصر مؤزِّر يُخفي تحته صرعى وأسرى من قبيلتي ثقيف وهوازن, وشعر العباس بنشوة النصر أكثر من غيره وسرى في كيانه الضخم أن موهبته أعانت ونفعت وقُرِّت عين النبي r وعيون أصحابه171.
ورأى النبي r في أبي ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة شخصاً سريع التفلت والتمرد، وهو أمر مُعلَّل بكونه ربا في قبيلة غفار, تلك القبيلة القاطنة بين مكة والمدينة على طريق القوافل, كانت تلك القبيلة أشبه بقطاع طرق يتساقطون على القوافل كأشباح الليل، فيسلبون التجارات مالها وأمانها, لكن في جنبات أبي ذر نفس صافية كالرَّباب172, لمَّا أسلم علم النبي r مكنون شخصيته ودَرَسه دراسة وافية في أول لقاء معه, والغريب أن أبا ذر مضى مسلماً مع النبي r وصرخ بعد إسلامه مباشرة بأهل مكة عند البيت فقاموا عليه وأوجعوه ضرباً, وحسُنت سيرته في الجهاد والعبادة, غير أنَّ النبي r لم يكبح جماح تفلته وتمرده, حتى إذا سار أبو ذر إلى الشمام بعد موت نبيه أعلن المعارضة الحادة في أمراء الشام صارخاً في الناس هناك أن ينصفوا الفقراء بأكثر من مال الزكاة, فأبو ذر هو زعيم من يرى بوجوب مال زائد عن الزكاة في حق المكلف إن لم تفِ أموال الزكوات في رفع الفقر عن المحتاجين, ولم يسكت لحظة عن الصراخ في وجوه الأغنياء حتى نُفي على يد الخليفة عثمان إلى الرَّبَذة.
فأبو ذر الغفاري إذن شخصية ثائرة يتقن المعارضة ويتمرد على الخطأ, حتى لو لم يقرُّ الآخرون بهذا الخطأ, والمعارضة الحقيقية في أي مجتمع قوة له فهي تمثل نقداً لحركة الأفراد السياسية, والمجتمع الذي يخلو منها لا يختلف عن مجتمع الحاكم الديكتاتور, وأنت تعلم أن أسوأ شيء في الحياة أن ينمو أولادك في مجتمع كهذا.
لقد أتقن النبي r السماع والسماح لأبي ذر في معارضته ونقده الشديد، وعَلِمَ أنَّ فيهما توازن سياسي يجب ألا يخلو كل مجتمع صحي منها.
القوة الاقتصادية الجديدة في المدينة
يكاد يذهل المرء لحظة يُحلِّل الفعل النبوي مجرداً عن نتائجة المستقبلية, لكننا لا نتأمل ذلك لسبب أن النبي r مؤيد بالوحي, ولأن الفعل يُحكم عليه بنتائجه فقد حصد النبي r النتائج المُذهلة في كل أفعاله فصار لزاماً علينا حتى من وجهة نظر عقلية بحتة أن نصف تخطيطه بالنجاح المُبين, وإلا فأين الحكمة في دفع أرتال من المهاجرين الفقراء وترحيلهم عن بيوتهم بلا مال, تركوا في مكة بيوتهم وأموالهم وخرجوا خاليي الوفاض سوى من قلوب وعقول تتقد بشعلة الإيمان.
إنَّ الإيمان يصنع كل شيء – أيها السادة – وهذا السالف برهان تاريخي وتجربة كاملة لا تدع مجالاً للشك, لقد قضى الإله أنَّ القوى المعنوية أبقى من القوى المادية وهذا ما أراده الإسلام من أبنائه الجدد.
على أية حال وصل الزعيم والأتباع إلى المدينة, لاحظ ببصيرته النبوية التي تروم الاستقلال التام لدينه الجديد, لاحظ أن سوق المدينة محتواة في العقلية اليهودية الكانزة وصحَّ ما كان يقال: إنَّ اليهودي يولد وفي فمه ملعقة من الذهب, واليهودي يولد فعلاً ولديه القدرة على الكشف عن مواقع الألماس, وهنا مكمن من مكامن الخطر انطوي قبل الهجرة على الأوس والخزرج, فقبائل اليهود تمثل القوة الاقتصادية في يثرب وعلى أثر هذه القوة يتلاعبون في شؤون الناس ويقررون مصائر العرب.
وعلى الفور خطط النبي r في عقله سوقاً جديدة للمسلمين غير خاضعة للجشع اليهودي, سوقاً يحار فيه المرابون فلا يجدون فيها متنفساً البتة, وانبرى لهذه السوق عدة أفراد فقط جاؤوا من مكة يحملون إيماناً راسخاً وعقولاً اقتصادية يتفتق من تلافيفيها المال والذهب.
منهم أكبر تجار الجزيرة العربية فيما بعد عبدالرحمن بن عوف الذي وطأ أرض المدينة ورصيده من المال صفر, بل لو أنك كنت حاضراً وقتها وجعبتك مترعة من الغنى لتصدقت على هذا الفقير المسكين, نحتاج حينها أن نستحضر حديث البخاري الصحيح.
” لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ r بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ, قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ, وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِيأُطَلِّقْهَا فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا173, قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ, أَيْنَ سُوقُكُمْ؟, فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ, فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ”174.
فلم تتتابع السنون حتى غدا عبدالرحمن أغنى أغنياء الجزيرة العربية قاطبة، واكتسب مالاً جمَّاً من عقليته التجارية الرابحة إلى درجة أنه لما مات حُفر ذهبه بالفؤوس، وصولحت زوجته الرابعة تماضر التي طلَّقها في مرض الموت على ثمانين ألف دينار, فلو أجرينا حسبة تقريبية لعلمنا أن نصيب نساءه الأربعة اللاتي يشتركن في ثُمن التركة بلغ 320 ألف دينار, هذا يعني أن تركته تساوي 2.560.000 مليونان وخمسمائة وستون ألف دينار ذهبي, ثم احسب كم تساوي بالدنانير الأردنية علماً أن الدينار الذهبي يساوي تقريباً 4.250 غم ذهب, مع أنه تصدَّق قبل أن يموت وأعتق عبيداً175.
هذه الموهبة الثقيلة التي عادت بالنفع العميم على أبناء المجتمع الإسلامي في عهده اكتشفها النبي r مبكِّراً، وهي لا تحتاج إلى كبير صقل فهي شبه مشحوذة لديه فاكتفى النبي r بوخزها فدعا له بالبركة حتى لقد قال عبدالرحمن عن نفسه: فلو قلبت حجراً لرجوت أن أصيب تحته ذهباً.
فعبد الرحمن إذن أحد أعمدة الاقتصاد في دولة المدينة الناشئة.
ومثله عثمان بن عفان الذي صبَّ جام ماله على مرافق المسلمين وأغنى به فقراءهم واشترى لهم بئر رومة اليهودي وجهَّز وحده جيش العُسرة, ومَلُح في غناه سبيل من حوله, وأنفق وتصدق على المعوزين فكان كالشمس لبردهم وكالعافية لسَقَمهم.
ومن قبله أبو بكر التاجر الكبير وغيرهم من أصحاب العقول الامعة في عالم المال الإسلامي.
فما حقَّقه تجار المسلمين في بضع سنوات يفوق ما ادَّخرته الصيرفة اليهودية في يثرب منذ عشرات السنين، بل ترِكة عبدالرحمن بن عوف وحدها تناهز بنوكهم الجرارة مجتمعة، رغم أنَّ الجشع والربا اليهوديين تنوء الجبال عن حمله، وهذا إن دلَّ على شيء فعلى نبوغ المال الإسلامي حين يُدار بالطريقة الصحيحة.
الغراس النبوية الذكية
صار معلوماً لدينا أمر المواهب التي تشبه الغراس المفتقرة إلى التنمية والرعاية حتى إذا علت واشتدت وذهبت في الفضاء وامتدت مال عليها صاحبها بالتهذيب والتشذيب وحنا عليها بالصقل والترتيب فتراءت للعيان على أتم ما يكون النسج والصورة فإذا هي بديعة الشكل والجنى, فلو قدَّر الله الناس أشجاراً لما زاد الصحابة على ذلك, وبلال صاحب الصوت الندي قفزت به موهبته بعد إيمانه أن يعلو القباب أذانه وينداح في معمورة المدينة فلم تزل الصلاة في المسجد النبوي الصغير مساحة مقرونة بتلك الحروف العذاب التي ينشقُّ عنها جوف هذا العبد الحبشي, فمن جرَّأ بلالاً على هذا النحو كي يؤدي رسالة الدعوة إلى الصلاة.
أما مصعب الفتى المدلل صاحب الثياب المعطَّرة فاختار أن يرمي بموهبة الدبلوماسية والسفارة في حِجْر النبي r، وعلى الفور يأمره بالسفر صوب المهجر كي يؤسس أول سفارة للعالم يدعو بنضارة وجهه التي تركها في مكة أقواماً جدداً فأحبوه وشبّوا على الطريق.
ورؤوس الصحابة كلهم ذاكرات حافظة لا يُعييها تخزين عشرات السجلات, لكن من يرغب منهم أن يصبح ذاكرة العصر النبوي أكثر من أبي هريرة الملازم للنبي ليؤول عنواناً لأكثر من خمسة آلاف حديث نبوي مبثوثة في ثنايا المتون, فلا عليكم من راوية الفم النبوي أن يملأ الكتب بالحكمة, قال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا }176, قال الشافعي: ” فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول الحكمة سنة رسول الله”177,وكان أبو هريرة يقول عن نفسه: لازمته لشبع بطني, فلقد أشبع بطنه وعقله وأشبع القرون بعده بالحكمة النبوية التي نعيش بظلالها اليوم وغداً, فما يبقى من الدين لو أفَلَت مرويات أبي هريرة الذاكرة الحافظة.
وتفرَّس النبي r في ثابت بن قيس فوجده خطيباً مفوَّهاً في جاهلية يثرب فجرَّده ليكون خطيب البلاط, فلو ساق العرب خطباءهم وجرّوا قوافلهم زحفاً على الرمال صوب المدينة والرسول r، لعنَّ لثابت أن يردَّ عليهم بأبلغ مما يخطبون وفق ما جرى به عرفهم, وهل يحتاج النبي r إلى خطيب يعلن على لسانه رده على الوفود وهو المُبلِّغ عن ربه؟, الإجابة لا, غير أنَّ ثابت صاحب موهبة لا بد من تنشيطها والاستفادة منها واستثمارها.
ومن قريب كان يبثُّ فيهم روح التعزيز ويجرّدهم حسب مقدراتهم ويعلن فيهم سماتهم من المواهب الذكية إلى درجة أن قال: “أرحم أمتي بأمتي أبو بكر, وأشدهم في أمر الله عمر, وأصدقهم حياء عثمان, وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل, وأفرضهم زيد بن ثابت, وأقرؤهم أبيّ, ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيد بن الجراح”178.
يمكن لنا القول من طريقة الدفع النبوي هذه أنه كان يتخذ منهم مناجم موفورة المعدن زاخرة الإنتاج يزيد في تلك الصفة عن بقية الصحابة الكرام مع أن كلهم يمتلكونها, فأبو بكر أرحم الأمة وكلهم رحماء فيما نهلوه من معين الرحمة النبوية الكبرى التي سجَّلها القرآن أبلغ تسجيل لتظل مخزوناً للأجيال المتلاحقة قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}179, والباء هنا باء السببية والمعنى بسبب هذه الرحمة الإلهية التي أفاضها عليك وطبعك بها صرت يا محمد ليّناً سهلاً في عراكهم ومعاشرتهم، ولو أنك طُبعت على القسوة لطاروا من حولك فلا تجمع منهم بناناً واحداً, ثم تمثَّل – أيها القارئ الذكي – في مستحقات الزعامة النبوية وكل زعامة أخرى في أنَّ القائد الباني الذي ينسج من فكره بنيان مجتمع الأمة ينبغي أن يعفو عن المخطئ ويستغفر لرعيته، وفي اللفظ إشارة بالغة إلى مكمن جدير بالذكر مفاده أنَّ زعيماً بهذه الصفات مُجاب الدعوة مُلبَّى الاستغفار حتى كأنما يلج أبواب السماوات ويضع فمه عند السُّرادقات فإذا فعل هبط عليه الاستغفار كالظلال لا له وحده بل للأمة التي يقودها ويستجلب برحمته إياهم غيوث الرحمة من مصدره الذي لا يتعداه.
ثم كلهم أشداء في أمر الله لكنّ عمر أشدهم فاستأهل الظفر دون غيره بهذه الموهبة اللامعة، وهي إشارة كافية لينطوي القائد على شدة في أمر الله وتطبيق النظام، إذ النفوس – كما هو معلوم – مجبولة على التفلت من النظام الحادِّ لحريات الأفراد.
وقس في ذلك ما قاله r في عثمان ومعاذ وأبيِّ وغيرهم.
وبعبارة وجيزة صار لزاماً أن نقرأ الإشارات النبوية في أصحابه وطريقة تعامله معها, حتى لكأنما كل واحد منهم يحمل طرفاً من النبي r، فلو جمعنا عبقرياتهم في جسد واحد وأمكن لنا ذلك لكان ذلك الجسد يُمثِّل النبي r بكل حفاوة.
والقضية ليست حصراً على مجتمع الصحابة بل هي منسحبة في كل مجتمع يحذو حذوهم ويسير على هداهم.
فلا ريب أن تمثِّل تلك النفوس غراساً نبوية سُقيت بماء القرآن وتعاهدتها الأنفاس والأيدي النبوية بحكمة القيادة ونور السماء.
أئمة المعرفة
لو أخبرتكم – أيها السادة – عن أول متتالية هندسية في المعرفة الإنسانية العامة لما زدت على استحضار ما يُعرف لدينا بعصر النبوغ العلمي, حتى إذا أوشك القرن الهجري الأول على الأفول لمعت أسماء رائعة في المجال النبوي وصار ما اشتُهر بطلب الرحلة في الحديث والفقه مدرجاً إنسانياً عاماً سيظل يعمل لقرون طائلة تمثل بحق إسهامات الحضارة الإسلامية في الإنسانية جمعاء.
ولن أُطيل الوقوف هنا، ويكفي ربما لو أشرنا إلى عصر الأئمة العظام أمثال أبي حنيفة النعمان ومالك والشافعي وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وابن حنبل, لأدلِّل بعدها إلى مجلس السادة الحنفية في مسجد الكوفة الأعظم وهم يجتمعون يومياً عند أقدام الإمام الأعظم, يعمد كلهم إلى مناقشات هادئة يديرها الإمام إلى أن يتوصلوا إلى ما يرونه مناسباً مما نطقت به نصوص الوحي والقياس عليها, إنَّ تلك المناقشات تمثل بحق جامعة عريقة تزيد زهواً على تراتيل العصر الإغريقي إبِّان فترة أرسطو وأفلاطون، رغم أنَّ الفارق ظامئ من حيث مصدرية النص, ففي الوقت الذي كان أتباع الإمام يناقشون نصوصاً قرآنية بالغة الدقة والسداد نزلت وحياً من السماء كان الفريق الثاني يتداول أفكاراً من محض رؤوسهم لا تلبث أن تنقلب عليها العصور.
وامتلأ المجتمع الإسلامي في فترة وجيزة بعدد لا يُحصى من المؤلفات الفقهية والمصنفات الحديثية وكتب الشروح, وخطَّ العلماء المسلمون المنهج العلمي الأول في النقد وبناء المعرفة الحقيقة وكان قد بدأوه فيما يُعرف بنقد الحديث أو تسميته الأخرى علم مصطلح الحديث أو أن شئت علم الجرح والتعديل .
ودعني هنا ولو في عُجالة طارئة أُمثِّل على أحد النوابغ في العلوم النظرية وليكن زعيم المدرسة العراقية فيما انحدر إليه من علم الأوئل وهو من أطلق عليه أتباعه الإمام الأعظم.
أبو حنيفة النعمان بن ثابت، رغم أنه غير عربي الجد ينحدر من تلك الشعوب الشرقية التي أشرقت قلوبها لمرأى الإسلام, فطفقت مذ دخلت فيه إلى دراسته والعكوف عليه وانصرفت هممهم إلى تعلمه في الوقت الذي انصرف العرب فيه إلى مقارعة الإمبراطوريات بالسيف والجهاد فكان العرب حمَلَة السيف وهؤلاء حمَلَة القلم، ومن ها هنا بان أنّ أكثر العلماء من الأعاجم لا من العرب.
ووجد الإمام الأعظم ضالته وبغيته في هذا الدين العظيم الذي يملأ أتباعه حرية وإبداعاً, فنشأ عليه في كوفة العراق بالإضافة إلى تجارته في الخزِّ، ثم لم ينشب أن انقطع للتدريس مؤسساً للمدرسة الحنفية التي جالت العالم من طرفه إلى أقصاه,وقد بلغ من نبوغه أن يقال قياس أبي حنيفة واستحسانه, ولقد راق لهذا العالِم الجليل أن يؤسس مدرسته على حرية الرأي والأتباع، فكان يجمع تلاميذه أمامه في مسجد الكوفة ثم يداولهم المسائل ويعلِّمهم المَلَكة الفقهية ويحفر بهم في القرون الآتية كي يظلَّ فقه الحياة مستَمدَّاً من القرآن والسنة.
ناهيك عن براعته في الذهنية المتوقِّدة والإستدلال الدقيق إلى درجة أن صارت مقولة الشافعي: الناس عيال على فقه أبي حنيفة علَمَاً على الرجل, أما الإمام مالك إمام دار الهجرة فالتقى به يوماً وخرج فقال للناس: وجدت رجلاً لو أراد أن يُقنعك أن سارية المسجد من ذهب لفعل180, وأخبار أبي حنيفة بعد ذلك كثيرة موفورة في مظانِّها، غير أني أُحلِّي (بالحاء) في ذهن القارئ أمراً واحداً يظلُّ مهماً أني أتساءل من بنى في أبي حنيفة ذاك المنحدِر من بلاد الأعاجم هذه الجدلية الصاخبة والفقه الرتيب فجعل منه مدرسة إبداعية في الأرض العربية الإسلامية؟, الإسلام وحده هذا الدين الجسيم، ولا غرو ولا عجب فلم يزل ديننا يُجري مثل هذه الصناعات والاستثمارات التحويلية التي ينتفع بها أهل الأرض181.
أما الإمام الشافعي مفخرة العلوم الإسلامية ومؤسس علم أصول الفقه في كتابه الشهير بـ “الرسالة”، والعالِم الموسوعي الذي حوى عدة علوم شرعية، فبالإضافة إلى نبوغه وذاكرته الواسعة في علوم اللغة إلى درجة أن يقول فيه عالِم اللغة المشهور الأصمعي: صحَّحت أشعار الهذليين على الشافعي، بالإضافة إلى ذلك فقد برع في الفقه وأسس مذهباً جديداً، ومفسر جدير من المفسرين الذين يؤخذ عنهم تأويل القرآن.
فلو درجنا على وصفه بأحد أذكياء العالم لكان الوصف متواضعاً مع قامته الطويلة في المعرفة، فهو أحد سجالاتنا العلمية الذي أفادت منه الإنسانية جمعاء خاصة في علم أصول الفقه بوصفه علماً تنهُل منه تفاسير القوانين ومبادئ العالم ودساتيره.
جمع بعقلية فذَّة بين المذهبين الذَيْن تتلمذ عليهما وهما المذهب الحنفي والمالكي، وأنشأ مذهباً مُجمِّعاً لهما وسطاً بينهما.
ولقد حفل تاريخ الإسلام الثقافي والفكري بما يعرف بالعلماء الموسوعات، حتى صار ذلك سمة بارزة في معظم العصور، فترى الواحد منهم ذاكرة واسعة الأرجاء ومحققاً بارعاً ذكي التخصص في عدد من العلوم كالإمام الطبري مثلاً الذي كان يقال عنه: المفسرون عيال على الطبري، وهو شيخ المفسرين وكل من أعقبه أفاد من كتابه التفسيري الضخم الموسوم بـ ” جامع البيان في تأويل آي القرآن”, مع أنه لم يكن عربياً بل هو من بلاد طبرستان تجاوز الثمانين من العمر قضاها في التعلم والتأليف والتصنيف.
وكتابه الآخر الذي لا يقل شأناً عن الأول ” تاريخ الرسل والملوك” يدل على عبقريته التاريخية، ولا يزال إلى يومنا مرجعاً ضخماً يُفزَع إليه في معرفة وتحليل الحادثات التي ضمَّنها فيه.
قال عنه الخطيب البغدادي: مكث أبو جرير الطبري أربعين سنة يكتب في كل يوم أربعين ورقة, وبحسبة بسيطة يكون نتاجه في الأربعين سنة ما يزهو عن الستمائة ألف ورقة, والورقة في عرفهم تزيد عن الصفحة المتداولة اليوم, ولو حسبنا أيام حياته وما خطَّه فيها لكان المعدل الحسابي منذ ميلاده ما يعدل أربع عشرة ورقة يوميا.
هذا مع صعوبة الاطلاع والتعلم وأدوات القراءة والكتابة وضنَك الرحلة في طلب العلم في عصره.
أما جلال الدين السيوطي ( ت 911 هج) الذي يُعدُّ محققاً في علوم جمّة وبلغ رتبة الاجتهاد فيها، فيقال أنه وضع ستمائة كتاب مما لو عرضنا آحاداً قليلة منها في عصورنا لاحتاجت إلى شروح وشروح الأمر الذي يدلُّ على متانة العلم والتحقيق لديه، فمع كثرة تآليفه سنقف عاجزين عن فهمه إلا إذا أقررنا للرجل بأنه من أذكياء العالم ومعجزات القرون.
والكندي الفيلسوف العربي المعروف وضع ما يقرب من المائتين والستين مؤلفاً, وأبو بكر الرازي وضع أكثر من مائتي كتاب, ومثله الحسن بن الهيثم, أما جابر بن حيَّان والمقريزي فزادت كتب كل منهما عن المائة.
وأمثال السابقين من العلماء كثير غيرهم, بل قد يزيد عنهم، كالفقيه الحنبلي المعروف أبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي (ت 513هج) صاحب كتاب “الفنون” الذي قيل عنه بلغ ثمانمائة مجلد، وهو كتاب في الفنون العامة مشتمل على الوعظ والدعوة والتفسير والفقه والأصول والنحو واللغة والشعر والتاريخ وغيرها إلى درجة أن الحافظ الذهبي قال عنه: لم يُصنَّف في الدنيا مثله.
وسنرفع منبراً لابن الجوزي الواعظ العالم المشهور كي يحدثنا من فوق رؤوسنا كيف تسنَّى لأبي الوفاء أن يُصنِّف كتابه “الفنون”, قال ابن الجوزي: قرأت بخطِّه أنه لا يحلُّ لي أن أُضيع ساعة من عمري, فإذا تعطَّل لساني من مذاكرة ومناظرة وبصري من مطالعة عملت في حال فراشي وأنا مضطجع فلا أنهض إلا ويحصل لي ما أُسطِّره, وإني لأجد من حرصي على العلم في عشر الثمانين أشد مما كنت وأنا ابن عشرين.
والخسارة الكبرى للمسلمين أولاً وللإنسانية أن ضاع هذا الكتاب ولم يتبق منه سوى مجلد أو اثنين.
وحافظ الشام ابن عساكر صنَّف ” تاريخ دمشق” ويقع في ثمانين مجلداً في التاريخ والتراجم وهو من المصنَّفات المخلَّدات، اختصره ابن منظور صاحب ” لسان العرب” ليستطيع العلماء الاطلاع عليه في وقت وجيز.
مبضع الجرَّاح في سرطان الخرافة
البحث اللغوي في مفردة خرافة

خَرِف خُرافة, قال الكلبي: كان خُرافة رجلاً من عُذرة اختطفته الجنُّ ثم عاد فكان يحدِّث بأعاجيب فقال الناس: حديث خُرافة182, وقال الليثي: الخُرافة حديث مُستَملح كذب, ويروى أنَّ الجنَّ لما استهوته كانت تخبره بما يقع إليهم من أخبار السماء عند استراقهم السمع فيخبر به خُرافة أهل الأرض فيجدونه كما قال183.
وورد في أشعار العرب ما يُدلِّل عليه, قال ابن الزبعري ناكراً الحساب:
حياة ثم موت ثم نشر حديث خُرافة يا أم عمرو184
وورد في مسند أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ نِسَاءَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَدِيثًا, فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأن الْحَدِيثُ حَدِيثَ خُرَافَةَ, فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا خُرَافَةُ؟, إِنَّ خُرَافَةَ كَانَ رَجُلًا مِنْ عُذْرَةَ أَسَرَتْهُ الْجِنُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَكَثَ فِيهِم دَهْرًا طَوِيلًا ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الْإِنْسِ فَكَانَ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا رَأَى فِيهِمْ مِنْ الْأَعَاجِيبِ فَقَالَ النَّاسُ حَدِيثُ خُرَافَةَ185.
الخُرافة آكلة الرؤوس
بَعُد دين إبراهيم وإسماعيل u عن العرب وتطاولت القرون كالكثبان الرملية في جزيرتهم الممتدة، واغتربت الأرض عن السماء ففاض فيها فحيح نسيج الشيطان بما يبثُّه من معتقدات آسرة تجاوزت الحد في السيطرة على العقول, وشرع الجانُّ منذ زمن بعيد في تأسيس ممالكهم على أنقاض قبائل العرب وآلت لهم العُقبى في القانون الذي يرجع إليه أغلب الناس في الجزيرة.
هذا حال العرب في بلادهم، أما النصارى فتبدَّل دين عيسى u منذ أمد وعبدوا مخيلاتهم وجعلوا من نبيهم r الزاهد ابناً لله, أما الديانة التوراتية فعشعش فيها الكهنة الكاذبون وراموا بها مصالحهم الشخصية, وامتدت أياديهم الآثمة إلى النصوص المقدَّسة فقلبوها رأساً على عقب وأودعوها من جديد كتابات البشر ما توائمهم في مسارح الحياة.
فكان من الطبيعي بعد هذا الضلال أن ينخر السرطان البغيض في العقول تلواً تلواً حتى صار من المستحيل على البشر أن يتخلصوا منه, وأضحى قاتلاً بعيد المنال عن أمهر الأطباء والجراحين.
إلى درجة أن العربي المسافر إذا أواه الليل نادى في عمَّار الأرض القربى كي يجيروه من بعضهم، كما ورد عند الحاكم أن خريم بن فاتك الأسدي قال: خرجت في إبل لي فأصابتها برق عراقة فعلقتها وتوسدت ذراع بعير منها وذلك حدثان خروج النبي r, ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي، قال وكذلك كانوا يصنعون في الجاهلية فإذا هاتف يهتف بي ويقول:
ويحك عذ بالله ذي الجلال مُنزِّل الحرام والحـــــــلال
ووحِّــــــــد الله ولا تبــــال ما هو ذو الحزم من الأهوال
قال فقلت: من أنت يرحمك الله؟, قال: أنا مالك بن مالك بعثني رسول الله من أرض أهل نجد, قال فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به, فقال: أنا أكفيكها حتى أؤديها إلى أهلك سالمة إن شاء الله تعالى, فاعتقلْتُ بعيراً منها ثم أتيت المدينة فوافقت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة, فقلت: يقضون صلاتهم ثم أدخل فإني لذاهب أنيخ راحلتي إذ خرج أبو ذر, فقال: يقول لك رسول الله ادخل فدخلت فلما رآني قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك إلى أهلك سالمة أما أنه قد أداها إلى أهلك سالمة, قلت رحمه الله فقال النبي r: أجل رحمه الله, فقال خريم: أشهد أن لا إله إلا الله وحسن إسلامه186.
وكان من الطبيعي أن الجنَّ لما رأوا خوف الإنس منهم أن يستعلوا عليهم ويتخذونهم ألعوبة، فصار إليهم مرجع الناس وأضفوا عليهم من هالة القوة والجبروت ما أُلغيت معه عقول البشر, بل تمادى الأمر على ذلك أن بدأ البشر يتقربون إلى الجان ويعبدونهم فظهرت عبادة جديدة تتخذ من عالم الجن آلهة يُرجع إليها في كل صغير وكبير.
وعلت مهنة الكاهن في الجاهلية بوصفه صفيَّاً وصلة روحية وطريقاً إلى هذه القوة الاستراتيجية المُكتشفة حديثاً, وصار معروفاً لدى المرضى أن يبحثوا عن طبهم في العالم الآخر, ونحن نستذكر سوية في قصة عبدالمطلب الذي نذر إن وهبه الله عشرة أولاد أن ينحر أحبهم إليه, وكان أحبهم عبدالله أبا النبي r فلما أراد أن ينحره وقفت قريش في طريقه وأقنعوه بالذهاب إلى كاهنة بني سعد لتجد لهم حلاً في هذه المعضلة، واستشاروها فعزمت عليه أن يُقدِّم إبلاً يفادي بها ابنه، وفعل عبد المطلب ونثر بين يدي الكعبة مائة من الأبل مفضوحة الدم يأكل منها من شاء فداءً لابنه الذبيح.
أي أنَّ العرب كانوا يبحثون عن حلول سحرية غير واقعية البتة لمشاكلهم، وبدأت عقولهم المثقَلة في رؤوسهم تتعبهم بعض الشيء فقرروا سوية التخلي عنها لكن تدريجياً ومع الأيام.
فجاؤوا بصلاة الاستخارة ولكن على طريقتهم الجاهلية الخرافية, فإذا أزمع احدهم أمراً عمد إلى الأزلام المُعلَّقة عند الكعبة يستشير من خلالها الآلهة فإذا خرج له افعل بعد تدويرها تأكد لديه أنَّ الآلهة تبارك سعيه فأقدم على أمره بكل عزيمة, أما إذا خرج سهم لا تفعل فلا شك أن النحس يطارده هذا يعني رجوعه عما يفكِّر فيه, وقد يخرج له سهم أعد المحاولة كي يعيد المقارعة من جديد لأن الآلهة لا تزال تفكر في أمره.
إنَ هذا الآنف لا يمثل سوى غيضاً من فيض التفكير الخرافي المستبد الذي حرم القدماء من نعمة الجري مع سنن الله وقوانينه المبثوثة في أرضه المعطاء, وهو مُركَّب نقص فادح أودى بالشعوب وتركها أوزاعاً هائمة على وجوهها مفتوتة العضد متراخية العزم في التقدم المنشود بل هو قرار جماعي يشدُّون خلاله الخطو إلى الوراء حيث العصور الحجرية الأولى.
على أية حال لم يكن ذلك سجية العرب وحدهم بل هو ظلال الأفق حول المعمورة بأسرها فحيثما وجَّهت النظر تراءى لك على البعد تخبط الإنسانية في الخرافات والخزعبلات.
فجاء الإسلام وكشف الستار عن الوهم المتربص بالأرض وظل يحفر في عقول الآدميين ويُبين لهم الأسر القاتل الذي أحاط بهم بفعل سلطان الخرافة الآثم فأعلن بقوة:
{ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ }187, { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا}188, والكون مبني بناء رصين لا يقبل من أحد أن يتحكم فيه سوى بانيه وصانعه وما ذلّله من سنن وقوانين لبني البشر، وأودع فيهم من العقول ما يفكرون فيها لتتحقق وظيفة الاستخلاف الإلهي.
ولقد ارتاح الإنسان راحته الكبرى مذ علم تفرّد القدرة الإلهية بالغيب, وبلغ من الوهن البشري أن تفاجأ الناس بهذه الحقيقة الصارخة بعد أن كانت تتلاعب بهم قوى الأرض الخفية من كهنة وجان وحركات كواكب ونجوم وغيرها من الظواهر الصامتة التي استنطقها الدجالون فكذبت عنوة.
فلو لم يكن من تقدمات الإسلام للبشرية سوى أن سعى في تخليصها من نير التفكير الخرافي وقطع أشواط بعيدة في هذا المضمار لو لم يكن له سوى ذاك لكفى به ديناً جديراً أن يسمو على بقية الأديان والفلسفات.
ولقد مضى زمن على الأرض تاه فيه الدجالون خيلاء واستكبر الكهنة وعتى الجان وتنمَّر الشيطان بسبب الإفلاس الفكري والعقدي الذي عاشه الناس ردحاً من الزمن، ثم لم يلبث أن تنزَّلت أنفاس القرآن فحبس هؤلاء في غياهب الجب وشدَّ حولهم الأسر والوثاق فإذا بضاعتهم مزجاة، وإذا الناس مؤمنون بالله وبغيبه ينظرون شزراً إلى ما كان يُعرف بقوى الأرض الخفية وأبدلوا مكانها: والله على كل شيء قدير.
والنتيجة وراء ذلك أن عادت إرادة الإنسان، فالإيمان مثلاً بتأثير حركة الكواكب والنجوم لما يحدث على الأرض أدَّى إلى إلغاء حركة الإنسان واختياره، وأورثه شعوراً مغرقاً بالقلق والتوتر والخوف, ومن هنا ألزم الإسلام أتباعه أن يخططوا لحياتهم وفق هذا المنهج، فالغيب لله وحده ولمن يُطلعه عليه { إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}189, وجاءت نصوصه التشريعية تترى كي تؤكد هذا المعنى الهام, ” من أتى عرّّافاً فسأله عن شيءٍ فصدَّقه لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً”190, ” من أتى كاهنً فصدَّقه بما يقول فقد برئ مما أنزله الله على محمد”191, وبالتدقيق بين الحديثين يبان لنا:
أن مجرد إتيان العرَّاف دون أن يصاحبه تصديق يودي بصلاة أربعين يوماً، أما من أتاه وهو مصدِّق له بمعرفة الغيب وقدرته وجلبه للنفع فقد أشرك وكفر.
الغزوة الأعظم
رغم أني سأخالف كثيراً ممن تروَّى من التاريخ وصنَّف فيه إلا أنني لا أزال مصرَّا على القول بأن غزوة أحد هي أعظم غزوة في تاريخ المسلمين قاطبة، وأكون منصفاً حين أضع بدراً تالية في الرتبة عنها، لأسباب أراها وجيهة حفلت بها أحد عما سواها وَسَمَت بها عن غزوات الإسلام الأخرى.
منجم الدروس والعبر
فهي بحق منجم موفور العطاء لا ينضب البتة, فلأهل التاريخ وللمهتمين أن يدقّوا بفؤوسهم في هذا الصخر المُترَع كيما يجدد لهم من مكامن الثروة والكنائز ما لا يجدونه في غير هذا المكان, فحيثما حفرت تبدَّى لك من العبر العظام ما يعينك على الفهم والإلمام لا في تفاصيل الغزوة بل في أصول الإسلام ومقاصده وفلسفته الرائدة العجيبة.
ولن أطيل الكلام كي أفصح عن أهم شيء في هذه الغزوة المعطاء رغم أن عطاياها جزيلة جدُّ جليلة, لكن أهم شيء فيها – يا سادة – هزيمة المسلمين التي تعدُّ بحق أثمن من النصر في المعيار الحضاري العام , وهل شعرت في عالم الحروب والمعارك أنَّ هزيمة تفوق نصراً؟, أجل لقد حدث ذلك في أحد, فنحن على بُعد تلك السنين الظامئة لا نتمنى لو قُدِّر لنا أن نغير ما حصل لا نتمنى إطلاقاً انتصار المسلمين في أحد, فلو انتصروا لحدثت إشكالية كبرى في فهم الإسلام ذاته.
الوضع الطبيعي أن ينهزم المسلمون ومن المستحيل تفسير انتصارهم لو حصل, والسبب هو انتهاك أمر النبي r ومعصيته من قِبَل الرماة الخمسين الذين أوثقهم النبي r بالجبل وسمَّى قائدهم عبدالله بن جبير وقال لهم: إن رأيتمونا انتصرنا فلا تبرحوا وإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا, أي أن النبي r أمرهم وشدَّد عليهم في الأمر, فكان النصر في المعركة قرين بقائهم على الجبل, إنَّ المعركة الحقيقة لم تكن في ساحة أحد بل على الجبل وراءها بدليل أنَّ المسلمين انتصروا في بداية المعركة وبدأت فلول المشركين تُنجز وعيدها في الهروب، ولم يتبق من النصر إلى يتم أمر النبي r في بقاء عبدالله وأصحابه على الجبل, لكنهم اخترقوا أمرهم وتأولوا تأويلاً غير سائغ وظنوا أن الأمر النبوي انتهى فنزل جلُّهم، وحاول قائدهم أن يذكرهم لكن عبثاً, وعلى الطرف المقابل لمح خالد بن الوليد قائد لواء الفرسان خلو الجبل وعنَّ له – وهو القائد العسكري المحنَّك – تبديل مسار المعركة فالتفَّ حول الجبل وأطبق على المسلمين من الخلف ودارت الرحى على المسلمين وتجدَّد القتال وانكشف الأفق عن سبعين شهيداً من الصحابة واعتلى المسلمون الجبل وانتهت المعركة.
ومن هنا كانت أحد أجمل الغزوات رغم هزيمتهم, فهي الهزيمة التي ترجح على عشرة انتصارات؛ لأن الذي خرج منتصراً رغم جراح المسلمين هو الأمر النبوي والدين, فليخسر المسلمون اليوم ولينتصر النبي r بأمره ونهيه.
ويمكن لنا أن نصوغ معادلة بسيطة وخريطة توضَِّح الطريق وقاعدة نستلّها استلالاً رغم الشهداء السبعين مفادها: لقد وضع النبي r النصر وراءه على جبل أحد لكن الرماة اشتهوا أن ينقلب غنيمة وعرضاً دنيوي, فلو كان النبي r معنِّفاً أحداً في حياته لعنَّف من سلِم من الرماة لكنه وكَّل الهزيمة القاسية أن تفعل.
والله في علاه يؤدب المؤمنين ويربيهم كل مرة على طريقته فأدَّبهم في أحد وربَّاهم بالهزيمة؛ فَلَغنى التربية الربانية ثقُلَت الهزيمة على النصر.
وليتنبّه من يصرُّ بعد ذلك من الحذّاق ممن يزعم أن المسلمين لم ينهزموا في أحد على أنه لا أحمق ممن يجادل في المحسوس, بلى قد فعلوا وانهزموا هزيمة نكراء, ولو أنهم انتصروا لقالوا ولقلنا ها قد انتصروا رغم مخالفتهم للأمر النبوي فلا جدوى من طاعة الرسول r فالأمر سيَّان وهذا يهدم الدين ويُفرغ من نفوس المسلمين اليقين.
ولقد ركُز في نفوس الصحابة من يومها القران التاريخي والعقد الإلهي بين النصر و طاعة الرسول r، فلا نصر للمسلمين البتة لا في أحد ولا في أية معركة إلى يوم القيام إلا بطاعة رسولهم r والامتثال لأمره، فليعدُّ المسلمون أهبتهم لذلك قبل أن يشحذوا السيوف ويجنِّدوا الجنود, وما مفاصل التاريخ الكبرى من معارك الإسلام الأولى وحتى يومنا هذا إلا وهي شاهدة بألف برهان وحجة على ما نزعمه هنا.
رغم البطولات
لا تكاد تجد في غزوة أخرى بطولات كتلك التي قدَّمها الصحابة بين يدي أحد, فلقد ضربوا بحق أروع الأمثلة في العمل الفدائي والتعبوي، فما من ساعة من ساعات الغزوة إلا وهي حافلة بصورة من صور البطولة الرائعة التي تمثَّلها الصحابة الكرام استلالاً للنصر وحماية للنبي، ومن أبرزهم ذاك اليوم طلحة بن عبيدالله الذي كان يقول عنه أبو بكر الصديق إذا ذُكر أحد: ذاك يوم كله لطلحة, وبينما النبي r صاعد في الجبل منهك القوى باحثاً لأصحابه عن ركن قصي يأمن فيه على البقية إذا اعترضته صخرة لم يستطع تجاوزها فجلس طلحة تحته ونهض النبي r عليه متخذاً ظهره طريقاً, فقال: أوجب طلحة، أي وجبت له الجنة بما صنع.
وامتص مالك بن سنان الدم من وجنة النبي r, وأبو عبيدة فزع إلى الصحابة وهم يعالجون زرد المغفر ينتزعونه من وجه النبي r إذ دخل حديد الزرد وجهه الشريف فشدوه بأصابعهم دون أن يفلحوا فتقدم أبو عبيدة وعضَّ على طرف الزرد بأسنان قوية وشدَّه بقوة فانتزعه وتطايرت بعض أسنانه فأُصيب من يومها بثُرمة، فكان الصحابة يلاحظونه بعدُ في كلام أبي عبيدة وكلهم يتمنى لو أُصيب هو بتلك الثرمة طوال حياته مقابل شرف تخليص النبي r من الزرد الذي أكل وآلم خدَّه الشريفة.
وآخر من الصحابة رأى أحد المشركين يشدُّ قوسه ويوجّه سهمه صوب النبي r، وانطلق السهم بقوة واتجه إلى هدفه فكان تعريض الصحابي يده أسرع من السهم ووقى نبيه وثبت السهم بيده فشُلَّت, وما ذاك إلا لفرط حبهم لنبيهم r، ولم يقتصر ذاك الحب على الرجال إلا إذا نسينا تلك المرأة التي أضناها الوقوف على باب المدينة تنتظر وصول الرجال من أُحد لتعلم أمر المعركة ونتيجتها ومن استُشهد منهم، وكانت ترفع عينيها عساها ترى النبي r, أخبروها بموت زوجها وأخيها وأبيها وكلما شقَّ سمعها نبأ موت أحد أقربائها الأدنين تعالت على مصيبتها وقالت: ما فعل رسول الله؟، فلم تسترح إلا بعد أن أخبروها، ولما رأته أشرق وجهها وقالت: كل مصيبة بعدك جلل أي صغيرة.
أما أبو قتادة فاخترق عينه سهم عاثر وسالت على خدِّه، وحدَّق النبي r في وجهه فرآه مُلطَّخاً بالدماء ثم رفعها النبي r إلى مكانها وأدخلها محجرها ومسح عليه فعادت كما كانت بلا جراح ودماء، فكان أبو قتادة يراها بعد ذلك أحدّ نظراً من الأخرى السليمة.
وأشاع المشركون أنهم قتلوا النبي r، وسرت الشائعة على آذان المسلمين، وصدَّق جمع كثير منهم لكن ظلَّ القتال محتدماً رغم أن بعضهم قعد عن القتال قائلين: وما نفع القتال بعد موت نبينا؟، فمرّ بهم أحد الصحابة وقال: قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله وشهر سيفه ودخل في صفوف المشركين، وتلك بطولة لا تقل شأنا عمَّن احتبس وجهه في حمَّى الموت وهي تقطر من سيوف المشركين.
أما حمزة بن عبدالمطلب سيد الشهداء فكان يهدُّ بسيفه هدَّاً ويمشّط به القامات ويجزُّ به الرؤوس ويخترق الصفوف حتى زحف إليه أجله وتطاير من حربة وحشي الذي كمن له بين الرجال ولم يره وسقط في أرض المعركة, وبعد أن انكشف القتال ووقف المسلمون على شهدائهم السبعين حزن عليه النبي r، وأقبلت أخته صفية من بعيد تبحث عنه بعد أن نُقل إليها موته فأشفق عليها النبي r وندب إليها ولدها الزبير ليكفَّها كي لا ترى أخاها حمزة وقد مثَّلت به هند وعالجت كبده لكنها أصرَّت إلا أن تقف عليه وتودعه.
في أحد يموت الرجال عند قدمي النبي r كما فعل زياد بن السَّكن192 حين ازدحم المشركون على النبي r يريدون قتله، فنَدَبَ إليهم أصحابه بقوله: من رجل يشري لنا نفسه؟، فقاكزياد ومعه خمسة من الأنصار يقاتلون دفاعاً عنه فماتوا واحداً واحداً وكان آخرهم زياد، قاتل حتى أثبتته الجراحة فأمر النبي r أن يقرِّبوه إليه فاستشهد وخدُّه على قدم النبي r.
النساء هنَّ الأخريات قدَّمن البطولات بسيف أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية، خرجت مع الجيش تقدِّم الدعم اللوجستي من السِّقاء والعلاج، فلما عاينت الهزيمة هالها استماتة المشركين للنيل من النبي r فانخرطت مقاتلة على الفور تذود عن حياة نبيها وتسعى إلى حمايته، وأبصرت من بين فحيح السيوف المشركَ ابن قمئة يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، فاعترضته ومصعب بن عمير وقتلاه.
أما أبو دجانة فجعل من جسده تُرْساً يقي النبي r، وعبدالرحمن بن عوف أصابه سهم بفمه وجُرح أكثر من عشرين جراحة أورثته عرجاً.
فهذه البطولات وغيرها تكشف اللثام أن غزوة أحد هي أكثر الغزوات تقدمة للعمل الفدائي الذي روَّى به الصحابة أرض المعركة، ولو أنهم قدَّموا أكثرمنها بعشرة أضعاف ولو أنهم طالوا الجوزاء وأنزلوا أقمار المشتري فوقعت بجملتها على جيش المشركين, لو أنهم أخرجوا جوف الأرض المصهور وزلزلوا مواقف الأعداء ببراكين الأرض لما انتصروا؛ لأن الله كتب عليهم الهزيمة لأمر واحد فقط، مخالفة أمر النبي r مع أن بعضهم لا كلهم من خالف غير أنَّ قانون الله ثابت وسنته لا تتخلف.
قانون التمايز
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ }193, وقد أصاب المسلمون انكسار ظاهري بعد أن خرجوا من المدينة, فبعد أن كانوا ألف رجل انسحب زعيم المنافقين عبدالله بن أبيّ بن سلول بثلث الجيش، وهذا بحد ذاته مقتل معنوي يهيض تعبئة المقاتلين, لكن حقيقة الحال على خلافه، فالمسلمون بعد انسحاب المنافقين أقرب من الله منهم قبل الانسحاب وإذا كان النصر بيده وحده فلا عليهم لو انسحبوا كلهم وبقي النبي r وحده.
وكان هدف المنافقين أن يُحدثوا اضطرابا لدى المسلمين وهزّة عنيفة في الجيش وتعلَّلوا أن النبي r لما شاور أهل المدينة في الخروج للقتال أو البقاء داخل المدينة تمايز أمامه رأيان, الأول رأي الشباب القاضي بالخروج إلى البيداء ومناجزة المشركين في ساحة مكشوفة دون أن يُعرِّضوا مدينتهم لخراب الحروب, والثاني: رأي الشيوخ والمنافقين المتمثل بالبقاء في المدينة كي يعوّضوا الفارق في العدِّة بين الفريقين وتقاتل معهم النساء والولدان, فأخذ النبي r برأي الشباب لأمرين:
الأول: أنهم الأكثرية, والثاني: رأى من همة الشباب وفتوتهم ما كبُر عليه أن يشكمهم ويُسكتهم فكان مطواعاً لحريتهم, وتلك خصلة نبيلة في القائد إذ المقام مقام قتال وحرب والمضمار مضمار شجاعة وشكيمة فدعوا أهل الشجاعة يقررون في مثل هذه الأحوال إن كان ثمَّ قائد كالنبي r يمنعهم من التهور والإقدام السلبي.
ولقد ظل المنافقون على اشتياق محموم ينتظرون نتيجة المعركة حتى إذا وفدت عليهم أنباؤها الأولى قُرّت أعينهم وتأكد لديهم أن محمداً ما خسر إلا بانسحابهم فراحوا يمنّون أنفسهم بمكانة جديدة ترفعهم ليكونوا أهل الشورى والرأي.
ولن يغيب عن البال لو أمكن لنا الاطلاع على ساحة المعركة قبل بدئها, إنَّ هؤلاء السبعمائة مقاتل وهم المسلمون بعد التصفية الربانية وتمايز الخبيث من الطيب، إنَّ هؤلاء هم الصفوة المخلصون, هم أهل الإيمان الحق والسواعد التي يُزيل الله لأجلها الراسيات من الجبال, ورغم كل ذلك انهزموا, إنَّ هذا محيُّر بالفعل لكل عقل اكتفى بصنيع الأسباب, لكنَّ أحمال النصر الثقال غابت واختفت منذ اللحظة التي عزم فيها الرماة النزول عن الجبل.
وبعد أن أيقنوا بالهزيمة وتنفسوها في أرجاء أحد، راحوا يفكرون ويجمعون أشلاءهم، فكلما دفنوا شهيداً وخَز في رؤوسهم تعظيم طاعة الرسول r، واكتملت الصورة في أذهانهم، فمحض ما جرى ابتلاء إلهي من العيار الثقيل وتربية قاسية وأحداث جسام ينوء بها أحد المُحبَّب لديهم, فحنانيك يا الله هدِّئ من روعهم وهب مسيئهم لمحسنهم.
وجاء العزاء الإلهي يخفف من مصابهم ويُذكرهم بمنزلتهم, {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ, إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}194.
وماالذي أفزعكم في المعركة بعد أن سمعتم نبأ موت محمد؟, أو تظنونه مخلدٌ فيكم؟, أو ما علمتم أن الله ابتعثه لغاية حتى إذا تحققت قبضه, {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}195.
إنك لا تستطيع صقل الفولاذ إلا إذا سَجَرته في تنّور، فإذا توهجَّ ناراً أمكن لك تعديله، هذا ما يحدث في الابتلاء حين تخلع زلازل الأحداث القلوب فينقِّي الله منها ما يشاء من المؤمنين، فتعود فولاذاً مصقولاً لا تقدر غوائل الحياة على مغالبته
المدينة تلفظ الهزيمة
ورجع النبي r الى المدينة وحزن لمصاب أصحابه، ثم عنَّ له أن يستلَّ النصر من المشركين بعد ما رأى أن أصحابه فقهوا الدرس وعلموا سر الهزيمة وقد تحزّموا بعدها بطاعته وعدم مخالفته أبداً, وجهر في أصحابه بالخروج دون أن يرافقهم من غاب عنهم بالأمس، مع أن منطق الأمور وسبيل القائد العسكري الذي يريد معاودة الكرة وشنّ غارة على أعداءه أن يجمع كل قوته وهو يفاجأ أعدائه, لكن منطق النبي r في الأمور خالف هذا التوقع وأخرج معه المكلومين من أصحابه فخرجوا بجراحهم ودمائهم وعسكروا في مكان يُطلق عليه حمراء الأُسد, وتناهى لمسامع المشركين نبأ الخروج وكانوا قد تشاوروا في اجتياح المدينة واستئصال النبي r والدعوة، فقضى خروج النبي r على آمالهم ومدّوا سيرهم صوب مكة يحتفلون بنصرهم الذي يريد أن يستلَّه محمداً عنوة.
ومكث النبي r في حمراء الأُسد ثلاثة أيام وعادت رياح الطمأنينة والمعنوية العالية إليهم، وعلموا سر خروجه وسجَّلوا في ذاكراتهم رتلاً مما استفادوه من يوم واحد في العراء.
ورغم أن أُحد ظل يذكرهم بقتلاهم وبسيد الشهداء لكنه ظل المحبّب إليهم، فكأنما انقلب حيَّاً من بين الجمادات، فها هو نبيهم r يقول: ” هذا جبل يحبنا ونحبه”196, فما أروع أن يناطق المسلم الطبيعة حوله ويجعل منها مفردة محبّبة لديه مع أنها جلمد لا يعي، لكن أخبرنا الخالق تسبيحها له وشدوها بذكره, { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}197.
الحقائق التي يحتكرها الإسلام
الروح السر الغامض
مما استأثر الله بعلمه وخبَّأه عن المخلوقات, أو دعني أقول عن بني البشر فنحن لا نعرف عن بقية الخلق .
وهي السر الدفين الذي يولد مع الإنسان, ويمضي معه دون أن يعيه ويفهمه, كل ما نعرفه عن الروح إنها سريان الحياة في هذا المخلوق الضعيف, فإذا خرجت انقلب جثةً هامدةً لا نفع فيها .
وقد أورد الغزالي في كتابه كشف علوم الآخرة حديثا شديد الضعف يخبرنا عن حجم روح المؤمن فهي بقدر النحلة, وروح الكافر أكبر بقليل .
وإنها تسير في رحلة غريبة عجيبة فتخترق السموات والفضاء وتجوز سُرادقات الجلال وتمضي إلى الحجب المضروبة عند رب العزة, ثم يناديها فيحاسبها ثم تعود من رحلتها التي لا تستغرق سوى زمن غسيل الميت, حيث تمكث قبالة قلبه على الجهة اليمنى بين الجسد والكفن, وتصحو بعد أن يوضع الميت في قبره بزمن يسير ” حتى أنه ليسمع قرع نعالهم “198.
وتبقى الروح سراً من أسرار الخلق الإلهي الدقيق.
ولعل أحد علماء المسلمين بل أبرعهم في هذا الشأن, وهو الإمام ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية كان أحد المهتمين بالروح, فألفَّ كتاباً اسماه الروح ضمَّنه مئات النصوص الشرعية حيث ألقى ظلالاً وافرةً على هذا السر الغامض.
ولو أنَّ معرفة الروح التي نريدها كانت ضرورية لنا في حياتنا لما خبَّأ الله تعالى عنا العلم بها , فقد أمدَّنا وأنزل علينا أصول الشريعة التي نفتقر إليها وأبقى أمر الروح مبهما, وقد سأل عنها المشركون في مكة فنزل قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }199 , وربما يكون هذا نصاً قرآنياً حاسماً في أن الإنسان لن يتوصل إلى معرفتها كاملا في يوم ما فهي من مخبوءات علم الله الذي لم يبثه في الأرض.
وأنت تعلم أنها – أي الروح – منشؤها ومبدؤها نفخة من الله تعالى, فلا ريب أن تكون عجيبةً كبيرةً من عجائب خلق الله.
حركتها هي الأخرى من أكبر عجائبها, لا شيء أسرع من الروح, العلماء يشبهونها بالشمس تمكث في السماء وشعاعها على الأرض, وقد سقت إليك حديث الغزالي في كتابه كشف علوم الآخرة حيث الرحلة البعيدة لها تخرج من الميت وتصعد إلى ربها مخترقة عوالم شاسعة, ثم تعود إلى الجسد بمدة هي غسيل الميت أي ربع ساعة أو أكثر بقليل.
وقد روي في بعض الأخبار الضعيفة أن روح المؤمن تمضي ساعة نومه إلى السماء بل إلى ربها فتسجد تحت العرش وترى رؤيتها وتتجول جولتها ثم تعود والجسد لا يزال نائما.
أما العلم الحديث فلا يزال عاجزا عن معرفة الروح حيث أعلن عشرات الفلاسفة والعلماء والمفكرين والأدباء قصور العلم الحديث وعجزه عن التوصل إلى كنه الروح وذلك في إحدى مؤتمراته التي عقدت منذ زمن .
ثم تعجز الأديان الأخرى والفسلفات الأرضية ولو اجتمعت عن معرفة ما يعرفه المسلمون عن الروح مما يستقونه ويطورون فهمه من الكتب والسنة, بل ما تُدلي به عن الروح لا يعدو أن يكون تخبطاً وفوضى في عالم التفكير وذلك بسبب الأسس المشوهة والمحرفة التي تقوم عليها الأديان الأخرى, أما العلم فمنحاه في التجريب والمادية أعجز من أن يفهم شيئاً عن هذا السر الإلهي.
نحن لا ندرك الروح بحواسنا الخمسة، لا نبصرها ولا نسمعها ولا نتذوقها كما أننا عاجزون عن لمسها وجسِّها، لكن هذا لا يعني توقف البحث العلمي فيها، فالشعور بآثارها كافٍ في التنقيب عنها ومحاولة التعرف عليها قدر المستطاع، فهي أشبه بالتيار الكهربائي فلو توقف العلماء عن دراستها بحجة العجز عن رؤيتها لما أفادت البشرية منها اليوم مع أنها تُعدُّ بحق أعظم المكتشفات الإنسانية قاطبة.
نظرية العوالم الخمسة
نحن نعيش في عوالم خمس, وما الدنيا حولنا سوى عالم واحد.
هذه العوالم حقيقة كبرى لا بد أن يعيها المسلم قبل غيره, إذ أن وجوده الآن في الدنيا جزء لا ينفك عن بقية العوالم الأخرى.
فلنبحث إذن في آثار الروح وانتقالاتها وفق نظرية فلسفية كبرى ولنبدأ بالعوالم الخمسة.
وسيلحظ القارئ أثناء تجواله في هذه العوالم الحاجة الماسة لتوسيع إدراكاته ومدّ أفقه, بل وأنا كفيل أنه سيشعر بمركب نقص بعد فهمها والإطلاع عليها, هذه ملحوظتي الأولى أما الثانية:
إن كان حيادياً موضوعياً منصفاً سيعلم – القارئ – لا محالة حجمه الحقيقي في هذا الكون العريض, لا يغدو ذرة تائهة في ثناياه الواسعة الرحبة, إن الإنسان – أيها السادة – بحجمه المادي الصغير أمام الأكوان وعظمتها لا يعدو أن يزيد عن نملة تائهة في مجرات ضخمة تذوب فيها الأرضين السبعة بشموسها الجبارة.
أما ملحوظتي الثالثة – وهي الأهم – فماذا لو علم القارئ أننا كلنا وبجرمنا أو ما يسمى علم الإنسانية اليوم وأقصى ما توصل إليه الدماغ البشري لم نُحط بعظمة الله جلّ وعلا إلا كما نعلم عن النجم البعيد, بل إن هذا المثال متواضع جداً, فالله أعظم وأجل.
ولنأتي على هذه العوالم باقتضاب, أما الإسهاب فيها وما يحلِّق فيه تفكير القارئ وهو ذكي على نحو يكفي كي تنساح في فكره عظمة الخالق فسأتركه له فليفعل فيه ما يشاء.
العالم الأول: عالم الذَّر والأرواح, وذلك حين نثرنا الله تعالى من ظهر أبينا آدم وأخذ علينا العهد والميثاق بأنا عبيده ولن نتخذ رباً سواه.
ورد ذلك في آية سورة الأعراف, قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ, أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ}200.
ورد في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك عن النبي r أنه قال: ” يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ قَالَ فَيَقُولُ نَعَمْ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي”201.
ورواية أحمد الأخرى وغيره أن أخذ الميثاق كان بنَعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم فقال: ألست بربكم.. 202
وهكذا ترى من الآية والأحاديث السالفة أنها تقصد عالماً مخصوصاً هو العالم الأول الذي مر بنا، غير أنا لا نتذكر منه شيئاً, ربما سنتذكره فيما بعد حيث العوالم اللاحقة.
والغرض من عالم الذَّر ما صرحت به الآية الكريمة وهو أخذ العهد من الأرواح والنسمات وإقرارها بأن الله العلي ربنا, فجميع الخلق شهدوا على أنفسهم بالألوهية لخالقهم وأقام كل واحد منا الحجة على نفسه بذلك.
ولولا أننا سنذكر ذلك حتماً في العوالم اللاحقة لما كان لعالم الذر فائدة وغرضاً, فالله تعالى ما خلق هذه العوالم إلا لحكمة مكينة, كل عالم يخضع لحكمه ومشيئته.
وقد يسأل بعضهم ما حجم هذا العالم وما زمنه وأسئلة غير ذلك, غير أنه لا يستطيع الإجابة عن هذا كله، ولولا أن الآية أخبرتنا به وفسرته الأحاديث القليلة لما كان بوسعنا التعرف علية البتة.
وقد ننحو بالآية مسلكاً آخر لا نحتاج معه إلى القول بأننا سنعلم هذا العالم في المستقبل، ذلك أننا نعلم ذلك الآن ولكن جبليِّاً، فكل الخلق المكلف يشعر شعوراً جبليِّاً قوياً بالألوهية والربوبية العظمى في داخله، فحتى الكافر يقر بتوحيد الربوبية, قال تعالى حاكياً عن المشركين: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}203, فنحن نحمل في جوانحنا طاقة دفينة تنبعث في النفس كل لحظة إقراراً بالخالق الأعظم, نحن موسومون في كل خلية من عظامنا ولحومنا ودمائنا وأجهزتنا وتفكيرنا ومشاعرنا وكل شيء فينا برسم إلهي عظيم ببرهن يقيناً بأننا ملك لله وحد، لقد دَمَغَنَا الله بماركة الخلق التي لا تَنازع فيها إطلاقاً وقد خلا السوق من مالك آخر يزعم ملكية البضاعة.
العالم الثاني: بطن الأم
ثم انتقلنا بعد عالم الذر إلى بطون أمهاتنا ومكثنا فيها عالمنا الثاني دون إدراك ولا وعي, فلا أحد منا يتذكر هذه المرحلة ولا الذي كان يفعله هناك, إنه عالم خاص بالخلق, والخلق المقصود هنا امتزاج الروح بالجسد حيث صار للإنسان تركيبة جديدة قوامها الروح والجسد، ثم بدأ بعدها ينموا ويكبر.
وأنت تلحظ تساوي الأعمار في هذا العالم, تسعة أشهر ولدى القليل منا من تزيد هذه الفترة أو تنقص, أما الغالبية العظمى فولدت لتسعة أشهر204.
تلحظ كذلك أن الآيات الكريمة تحدثت عن هذه المرحلة الجنينية بل هي حقيقة واقعة لا يستطيع أن ينكرها أحد إلا من يحاول المجادلة في المدرك المحسوس.
العالم الثالث: الحياة الدنيا
وهي مرحلة وسطى بين مرحلتين قبلها وأخريين بعدها, وهي هذه الحياة الني نعيشها الآن ما هي سوى جزء من الوجود الكلي, وكثير من الناس يظنونها الحياة الوجودية الوحيدة, أولئك هم الملحدون.
بيد أن الأمر أكبر من ذلك وأشد ذهولاً, كل ما في الأمر أن الإنسان يعيش في حياته الآن بتركيبة الروح والجسد على نحو مخصوص.
ولكي يكون الأمر موضحاً لك أكثر, لديك هذا المثال
لو عمد شخص فركب حصاناً ثم قطع به خمسة أميال ثم نزل عنه وفارقه, في المثال أريد أن أفسر لك عدة حقائق تحتاج منك إلى تفكير عميق, فالشخص هو الروح والحصان الجسد ولحظة الركوب الأولى هي لحظة نفث الروح في الجسد واستيلائه عليه, وسيره على الحصان بدء حياته منذ الولادة، أما نزوله آخراً فهو الموت حيث تفترق الروح عن الجسد.
ومسافة الخمسة أميال هي حياته التي تختلف من شخص إلى آخر, فبعضهم يعيش ستين عاماً وآخرون لا يتجاوزون الثلاثين وفريق ثالث قد يموت قبل العاشرة, بل إن كثير منهم يموت لحظة الولادة.
لا يقطع الإنسان هذه المسافة إلا راكباً على حصان, كذلك هو لا يستطيع عبور قنطرة الدنيا إلا بتركيبته المكونة من الروح والجسد.
وهذه الحياة أساسها التكليف وعمادها الابتلاء, إذ أمرنا الله تعالى فيها بأشياء ونهانا عن أخرى، ثم بين لنا بواسطة كتبه المنزلة ورسله المرسلة أن الجزاء على الأعمال, قال تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}205.
ثم إن الجزاء الأخروي على أعمالنا ليس بالأمر السهل، بل هو – إن شئت القول – مذهل وغير عادي ولا ريب في ذلك, فهو – أي الجزاء – ثمرة تترتب على العمل لا مجرد مقابلة الإحسان بالإحسان أو الإساءة بالإساءة.
والناس يسيرون في حياتهم لا يعرفون زمن انتقالهم إلى البرزخ الذي هو العالم الرابع, إذ الأمر أشبه ما يكون بجبلين عظيمين مقتربين من بعضهما وبينهما هوة سحيقة, عُلقت على طرفيهما قنطرة يسير عليها الخلق, فمنهم من وضع قدمه لتوه على القنطرة وهو الذي ولد لتوه, ومنهم من استغرق نصف المسافة القصيرة, ومنهم من راح مستغرقاً فيها يعد خطوات يسيرات قبل أن يدلف إلى الجبل الآخر.
بل إن بعضهم انتهى من الخطوة الأخيرة الآن ورمى بقدمه ليخطو الخطوة الأولى على طرف الجبل الآخر, هذا يعني أنه مات وانتقل إلى عالم البرزخ.
هذه القنطرة هي حياته, والخطوة الأولى ساعة ميلاده، وسيره فوقها أعوامه التي انقضت وأيامه التي ولَّت, أما خطواته الأخيرة فمُدرَّجه التي يستقر به إلى عالم البرزخ.
ما أقرب هذا المثال والذي قبله أن يكونا قاصّين لحياة الإنسان فوق الأرض.
العالم الرابع: البرزخ
البرزخ في لغة العرب هو المانع والحاجز الذي يُخفي وراءه أمراً ما, وقد ورد مرات عديدة في القرآن ليدل أولا على المعنى اللغوي السالف، وثانياً على حياة الأموات التي تعقب هذه الحياة.
وعالم البرزخ وعالم الموت يطلقان على معنى واحد, إنه عالم خاص بالموتى وأهل القبور حيث تتغير السنن والقوانين الكونية هناك كلياً.
وفي مثالنا السابق وهو مثال الجبلين والقنطرة أشرنا هناك أن الجبل الأول هو حياتنا في بطون أمهاتنا، والقنطرة حياتنا الدنيوية، أما الجبل الآخر فهو عالم البرزخ الذي نقصده هنا.
وأنت تعرف أن قليلاً من الباحثين استطاع أن يبحث في مسألة العوالم الخمسة, إذ الأمر هنا يتعلق بعالم غيبي محض لا يُنبئ عنه سوى الوحي بطريقيه القرآن والسنة, ولولا أن عملنا يتعلق بالمقارنة والتصور المرتكز على حقائق أٍساسية لما استطعنا الولوج والحديث عما لا نراه ولا ندركه.
والآن هل تستطيع أن تقارن بين عالم الدنيا وعالم البرزخ بوحي التصور والتخيل، لتعلم أن هذه العوالم الخمسة متسلسلة تباعاً من الصغر إلى الكبر, فبمقدار الفرق الذي يظهر بين عالم الجنين الصغير في بطن أمه وبين عالمنا الدنيوي تتجلى الأمور ذهولاً في الفارق كذلك بين عالمنا الدنيوي وعالم البرزخ.
فعالم البرزخ أشد اتساعاً وذهولاً من دنيانا على نفس الوتيرة أو أزْيد التي يظهر فيها عالمنا الدنيوي بالنسبة إلى لبطن الأم.
تلاحظ كذلك أن عالمنا الدنيوي مشتمل متضمن لما قبله وهو عالم بطن الأم، من يدري لعل البرزخ يكون مشتملاً على عالمنا الدنيوي كذلك؟.
وهذه الحقائق لا نقطع فيها بالجزم إلا بمقدار ما توحي به المقارنة المتسلسلة بين العوالم المتتالية.
ولو أنك بتفكير أشد عمقاً تأملت في العالَميْن، لوجدت أن الدنيا رُكِّبت على أساس أنها عمل وتكليف وليس الحال هناك في البرزخ الموصوف بكونه مرحلة انتقالية بين التكليف في الدنيا والحساب في الآخرة.
وقد أوضحت بعض النصوص الدالة من السنة أن ثمة حساب في البرزخ غير أنه مقدمات حساب وليس بحساب كلي.
العالم الخامس: الحياة الآخرة
أو اليوم الآخر, سُمِّي بهذا الاسم لأنه آخر الأيام فلا ليل بعده, وهو الأكثر اتساعاً والأشد سبكاً وحبكاً من العوالم قبله, وهو العالم الحقيقي حيث الخلود التام.
لا توجد عوالم بعده ذلك أن الوجود كله يؤول إليه, وهو المقصود بخلق العوالم قبله, والآن قارن بينه وما قبله – البرزخ – اعتماداً على مقارنتك بين عالم البرزخ والدنيا, تتلمس ذلك من مقارنتك بين الدنيا وعالم الجنين الصغير في أحشاء أمه.
تتغير المخلوقات والأشياء هناك, خلق الجنة بأطوال أبيهم آدم u ستين ذراعاً بعرض سبعة أذرع كما ورد في الحديث ” .. أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا”206, وزيادة أحمد والبزار ” ..فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا”207.
وإذا علمنا أن الذراع الشرعي يساوي 46.5 سم, فإن طوله بالأمتار يساوي ثمانية وعشرون متراً وعرضه يساوي ثلاثة أمتار وربع المتر, ولكي نقرّب ذلك للقارئ فإن آدم u يفوق سمت التسعة طوابق.
وقد يسأل سائل بعد الاطلاع على هذه الأبعاد في أنه لا يُتصور تناسق الطول مع العرض, والجواب أن قياس الآخرة على الدنيا قياس ساقط إذ العكس هو الصحيح, بمعنى أن طوله مع عرضه هو التناسق التام.
عالم الأحلام والرؤى: بقي عالم سادس إن شئت القول محشو في عالم الحياة الدنيا, ذلكم هو عالم الأحلام الغريب، إذ يقتنع القارئ أن سننه تختلف عن الدنيا التي نعيشها والصلة بين العالَمَيْن هو علم التعبير, فنحن نحتاج إلى تعبير المنامات والأحلام كي تصلح لعالمنا, وهذا يكفي لنزعم أنه عالم وحده تحكمه نواميس خاصة.
ولعل الحكمة منه كي يقتنع الإنسان بتعدد العوالم وتغير القوانين والسنن الحاكمة للوجود الأعظم, من ها هنا فأنا أومن أن كل إنسان يحلم غير أنه منا المقل ومنا المكثر والله أعلم.
ثم لا يغيب عنا حاجات الإنسان الأساسية والكمالية التابعة لوجوده في العوالم المتلاحقة، ونحن نُخمِّن فيما نجهله على ما نعلمه من حاجاته في عالمه الجنيني، يتغذَّى من أمه بواسطة الدم الواصل إليه بطريق الحبل السري، حيث يأخذ حاجته من المواد الغذائية الأولية من طعام الأم، لا يحتاج إلى لباس ويعيش عرياناً لعدم الحاجة إلى الغطاء فهو مخبوء مستور عن الحرِّ والقرِّ، أما وجوده في الدنيا فتتنوع الأغذية والأطعمة والأشربة وتزيد عن ألف صنف وصنف، كذلك حاجته إلى اللباس والأمور الأخرى ليكتمل وجوده الإنساني.
في البرزخ الأمر مختلف حيث تتغير الحاجات، ثم فلسفة عالم البرزخ تختلف كلياً عن العوالم السابقة فهو من عوالم الحساب والانتظار والترقب، وقس في ذلك على عالم الدار الآخرة حيث الوجود الأكمل.
التفسير المادي للكون
قالوا أوائل القرن المنصرم وبعد منجزات أينشتاين وأقرانه في علم الفلك والرياضيات والعلوم القريبة منهما، أنَّ عرض الكون لا يتجاوز عشرة مليارات سنة ضوئية, واليوم يُفصح العلماء أنَّ أينشتاين وأقرانه كانوا أطفالاً في قياسهم السابق, فالكون أعظم من ذلك بكثير، وما العشرة مليارات سنة ضوئية إلا ضاحية من ضواحيه, أو إن شئت هو ما تظنه نملة بديعة البصر وهي ترقد في أصل أصغر أشجار الغابة ثم راحت تتحدث عن سعتها وعرضها.
والسؤال الذي يهمنا في كتابنا “صُنع في الإسلام”, كيف يفسِّر الإسلام هذا الكون المادي الذي نعيش فيه؟, وأين يقع مكاننا فيه؟, وهل ثمة سوانا في كون الله العريض؟, وأين هم؟, وما هو كوكبهم؟, ماذا عن سكان السماوات السبع؟, وغيرها مما يُعدُ أسئلة مُحيِّرة يبان من خلاله ضآلة الإنسان العاجز المسكين.
والحق أن القرآن أٍس الديانة لم يكن يوماً كتاباً في الفلك ولا في الجغرافيا ولا العلوم المادية البحتة, وإنما هو كتاب في الهداية,نزل كي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور, ويكشف عن المراد من الأحكام والطاعة, أما أحاديث النبي r فتدور حول مقاصد القرآن الكلية, وكلنا يعلم أن النبي r لم يأتِ لبناء نهضة عمرانية بطريق مباشر وإلا لما كان حرباً على الشرك والمشركين والأصنام والظالمين, ولو كان الأمر كذلك لعقد معهم صلحاً يوم جاؤوا يفاوضونه ولأخبرهم بمراده في أن يجعل العرب أكثر تقدماً ومدنية من الروم والفرس ولوافقوه على ذلك شريطة أن يظل دينهم وتظل الأصنام مشحونة في الكعبة, لكنه جاء يُخرجهم من جلودهم التي عاشوا بها، وأن يبدِّلوا الأرض تحتهم ويتبرأوا من أديان آبائهم, من هنا قامت الحرب الشعواء والكراهية والداء بين الفريقين حتى أخرج أحدهما الآخر من فضاء الأرض.
إنَّ تلك الحروب الضَّروس التي قامت بين مكة والمدينة لم تكن على جغرافية من الأرض، ولا على الكنائز والقصور، ولا على المُلك والنفوذ والجاه والسلطان، بل هي حروب طاحنة على الإيدولوجيا والفلسفة التي تحكم عقول الطرفين،هي أنَّ كل فريق يُفسِّر الكون بطريق مختلف، وكان من الصعب على أحدهما أن يُقنع الآخر، والطريقة الوحيدة أن يلغيه من الحياة نهائياً.
وإذا كان القرآن كتاباً في الهداية لا في العلوم، فعادته الجارية أنه يقدم شذرات وخطوات أولى وسيناريوهات مقطوعة عما نحن بصدده، الأمر الذي يستطيع المسلمون بعده أن ينطلقوا في معرفة الكون حولهم.
هذه المقطوعات والشذرات كان ينبغي على علماء الإسلام أن يتنبهوا لها وينطلقوا منها في ثورة علمية حياتية, ولقد فعل الأقدمون ونكص المتأخرون.
على أية حال دعونا نكشف عما ابتدرته نصوص الدين في هذا المضمار، ثم ندع القارئ يقارن بين تفسير المسلمين وتفسير غيرهم.
فنحن تائهون في هذا الكون إلى درجة أننا أصغر من الذرات في أعظم الكائنات الحية على وجه الأرض, فالأرض برمتها هذه التي يتنازع عليها الخلائق مذ وجدوا هي برمتها لا تعدو أن تكون ذرة في فضاء الله السابح, زمنها وتوقيتها لا يخرج عن ذلك, قال تعالى: { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}208, وتأمل الفارق العجيب بين اليومين اليوم الأرضي الصغير واليوم الحقيقي عند الله تعالى.
وتأمل معي في هذا الحديث الذي يمدُّ فيه النبي r أفق أصحابه كي يدركوا اتساع هذا الكون المخلوق, ” عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا نَبِىُّ اللَّهِ جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى عَلَيْهِمْ سَحَابٌ فَقَالَ نَبِىُّ اللَّهِ:هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟, فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: هَذَا الْعَنَانُ, هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ يَسُوقُهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى قَوْمٍ لاَ يَشْكُرُونَهُ وَلاَ يَدْعُونَهُ, ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟, قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّهَا الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ, ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟, قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ, ثُمَّ قَالَ:هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟, قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ سَمَاءَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ, حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ, ثُمَّ قَال: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟, قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ فَإِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءَيْنِ, ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِى تَحْتَكُمْ؟,قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّهَا الأَرْضُ, ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِى تَحْتَ ذَلِكَ؟, قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّ تَحْتَهَا الأَرْضَ الأُخْرَى بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ, حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ209.
وبصرف النظر عن الخمسمائة سنة ما المقصود بها سيرهم أم سيرنا؟, ما ينبغي أن تفهمه هنا أن النبي r كان يقرِّب لهم ويخاطبهم وفق ما يتفهمونه أو يجدونه قريباً من أذهانهم, وتلك عادة النبي r في مخاطبة الناس, وإلا فكم خبأ عنهم أمراً لا تستطيعه عقولهم, الأمر أشبه بما لو رجعنا إلى القرن الخامس عشر الميلادي وصرنا نُحدِّث أناسه عن الطائرة والخليوي والقنبلة النووية, لا نشكُّ طرفة عين في تكذيبهم لهذه الأشياء، فلو حدّثتهم على الطريقة التي يفهمونها لصدَّقك من يثق بك.
وما يعنينا هنا هو ما كان يصوره النبي r من صغر حجم الأرض والمسافة الظامئة بينها وبين السماء الدنيا ثم ما بين كل سماء.
ثم ردِّد في نفسك كم كرَّر القرآن “السموات والأرض” في آياته, أكثر من مائة وخمسين مرة, هذا يعنى أنهما متقاربان في الحجم, مع أننا نكون متواضعين لو قلنا حبة التفاح في قارة آسيا مثلاً تمثل الأرض, وقارة آسيا تمثل السماء الدنيا, ومع ذلك يتكرر بهذا العدد الكبير “السموات والأرض”, ما السر وراء ذلك؟, وذلك أن آخر شيء يهتم به القرآن قضية الحجم, إنَّ كرامة الإنسان عند ربه تُغطي الفارق بين الحجمين المتباعدين, وهذا ملحظ قوي في نظرة الإسلام إلى هذا المخلوق الأرضي الضعيف.
يقدِّم أحد علماء المسلمين مما اعتنى بالدعوة وتفرَّس في القرآن والسنة تفسيراً جديراً لهذا الكون المادي، نبثُّه في هذا الكتاب ونحن نراه التفسير الأقرب الذي قد يعين في الخطوات القادمة لمزيد من تطور الفهم في الفضاء والفلك والسموات, مفاده أنَّ الكون يشبه الكرة الأرضية ذاتها فهو كروي أو قريب من الكروي, حيث تُغلِّف السماء الدنيا والأرض وما فوقها على شكل كرة, ثم تأتي السماء الثانية تغلِّف الأولى مع الأرض, وهكذا تمثِّل السماء الثالثة كرة أضخم تغلِّف ما تحتها إلى أن نصل إلى السماء السابعة, ثم الفارق شاسع بين كل كرتين متلاحقتين كالمثال السابق بين حبة التفاحة وقارة آسيا.
يؤيده حديث أبي ذر الطويل وفيه: “..ثم قال يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة..” 210.
والفضل هنا بمعنى الحجم, ولفظة حَلَقَة التي تعني الشكل الدائري وكون الأرض كروية ثم البناء الذي تشخُص فيه الأجرام الكونية القريبة من الشكل الكروي كلها تشجع هذا التفسير والله أعلم.
لسنا وحدنا في الكون
علماء الفلك متعطشون إلى معرفة أجناس أخرى سوى البشر والجن في ثنايا هذا الكون, وهم يرقبون الكواكب والنجوم والأقمار التابعة لمجموعتنا الشمسية وغيرها من أجل التوصل إلى مخلوقات أخرى تعيش على كوكب آخر.
لكنهم إلى الآن لم يعثروا على شيء ولا حتى بصيص أمل يلوح في أن ثمة سوانا في هذا الكون المديد.
ولو ذهبنا إلى الشرائع السماوية وعلى رأسها الإسلامية ومن بعدها النصرانية واليهودية وأديان الأمم الأخرى لما وجدنا نصوصاً صريحة تدل على وجود أجناس أخرى سوانا.
والعلوم الحاضرة خاصة علم الفلك تستبعد أن يكون في الكواكب المعروفة إلى الآن نوع حياة فضلاً عن كوائن عاقلة, بل تكاد تجزم أنه لا سوانا في الكون.
ومع هذا كله – أيها السادة – فأنا أؤمن أن ثمة مخلوقات سوانا في كون الله العريض وأقدِّم دليلاً فلسفياً واحداً وهو أن هذا الإله العظيم, الإله الخالق الكبير لا يكتفي بمخلوقات الأرض الصغيرة والله أعلم.
سبع أرضين
لكننا نجد تلميحاً لا بأس به في سورة فصلت وبالتحديد الآية الثانية عشرة:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}211.
والمفسرون يوردون أثناء تناولها مقولة ابن عباس لم سئل عن الآية فقال: ” لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها”212, وهذا يشير أن تفسيرها عند ابن عباس لا يستسيغه القدماء, وربما لو حدثنا بها لوجدنا ذلك مقارباً لما نعرفه عن النظريات الفلكية المعاصرة, أياً ما يكون الأمر فلا يمكن أن يكون حبر الأمة جاء بالتفسير الذي لم يفصح عنه من تلقاء نفسه.
وفي التسهيل213: أنه اختلف في الأرضين السبع فقيل المماثلة في العدد, وقيل المماثلة في عظم الجرم, والثاني مردود إذ يستحيل أن يكون جرم الأرض الصغيرة, تلك الذرة التائهة في الكون يستحيل أن يقارب جرمها السماء الواحدة.
وعند الشوكاني وغيره214: أن قول الجمهور سبع أرضين طباقاً بعضها فوق بعض بين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والأرض, وفي كل أرض سكان من خلق الله.
وإذن فالذي عليه جمهور القدماء من المفسرين حمل الآية على ظاهرها من أن الله تعالى خلق سبع أرضين, وكلمة الأرض مشعرة بنوع حياة كهذه الأرض التي نعيش عليها إذ لو كان المقصود غيرها لما أنكر أحد ولما وقع كلام المفسرين على هذا الخلاف, أي أنه لو كان المقصود الكواكب السيارة فلا استغراب في الآية.
فالأقرب والله أعلم وجود مخلوقات أخرى على هذه الأرضين, ونحن نعيش على واحدة, فأين الستة الباقية؟.
ليست متزامنة
وليس بالضرورة أن تكون هذه المخلوقات متزامنة, فربما أن بعضها قامت قيامتها وانتهت الدنيا لديهم وهم الآن في معرض الحساب, وربما يكون بعضها لا يزال في حياتهم البدائية, هذه كلها احتمالات لا بأس بها, يدلك على ذلك آية { والنجم إذا هوى}215.
والنجم إذا هوى
قال القدماء: أي والثريا إذا سقطت, وقيل القرآن إذا نزل مفرقاً نجوماً216.
وعلم الفلك المعاصر ينحى بالآية منحى آخر ولا ضير على ما فهمه القدماء فالآية تقبل التفسير المتعدد وكلها صحيحة.
وذلك أن النجوم البراقة ومعها الكواكب السيارة, كل ذلك أشبه ما يكون بالكائن الحي له عمر يعيشه، بل وتمر هذه النجوم بمراحل الكائن الحي من الولادة ثم الطفولة فالكهولة انتهاءً بالشيخوخة, فإذا شاخ النجم تهاوى على بعضه مؤذناً موته وانتهاءه, يتحول بعدها إلى ما يُعرف بالثقب الأسود حيث يصغر حجمه وتزيد كثافته وتعظم جاذبيته فيجذب ما حوله حتى الضوء فنراه أسوداً, ومن أجل ذلك سمي بالثقب الأسود.
والثقوب السوداء أشبه ما تكون بمكنسة كونية عملاقة تكنس ما حولها من أجرام الفضاء وتبتلعه, وعلى هذا يتسق في نظرك مفهوم الخنّس.
الخنــَّس
قال تعالى: { فلا أقسم بالخنس, الجوار الكنَّس}217, فهذه الثقوب تجذب الضوء إليها فمن الصعب رؤيتها وهي تجري في الكون الرحيب وتكنس ما حولها, تلاحظ أن شيخوخة النجم على ما تحدثنا به آنفا أشبه ما يكون بأحداث القيامة التي تحدث عنها القرآن.
وكأن النجم البعيد, مركز مجموعته, كالشمس بالنسبة لمجموعتنا ابتلع الكواكب السيارة حوله وانتهت مجرته, وهذه هي القيامة والله أعلم.
وحين يذكر العلماء ولادة نجم جديد بعيد، هذا يشبه تماماً الزمن الذي بدأت به ولادة مجموعتنا الشمسية قبل ملايين السنين، وهو تمهيد وميلاد لحركة خلق آخر في كواكب ذاك النجم والله أعلم.
قد تختلف بعض السنن والقوانين الحاكمة لخلق آخر سوى خلق الأرض لكن القصة واحدة {اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}218.
السيناريو الصحيح لعالم القيامة واليوم الآخر
من ذا من بين المتحدثين كلهم يستقصي مستقبل الأرض التي نعيش عليها والحياة التي نرتديها؟, على الرغم أن الإنسان بطبعه يستغرق عمره كله وهو يتنبؤ عن مستقبله ويخطط له بعناية تامة, لكن أين هي الأديان والفلسفات التي تحتفظ بسيناريو صائب عن مستقبل الأرض الرؤوم؟, قد أبدأ قبل البرهان بتسجيل حقيقة جديرة, إن الإسلام وحده من يملك هذا, ففي خضم التخبطات والأوهام التي ينسجها الآخر ويعتقدها، يظل الدين الخاتم محتفظاً بالصورة المشرقة والحقيقة البارقة حول ما تؤول إليه الأرض في منتهى الأيام.
وعلى الرغم أن فوكوياما أنهى التاريخ بأزمة في عاجلته “نهاية التاريخ”, فلو كان طرحه صحيحاً فلا أشك أن الدين الخاتم هو من يقود القطار الثالث الذي دلف لتوه مدينته الفاضلة.
يقوم المعتقد الإسلامي في آخر يوم أرضي على فكرة مفادها: أنَّ الخالق العظيم الذي أبدع كل ما استخلف الإنسان فيه من قارات شاسعة وشموس حارقة وجبال وأفلاك واقتصاد كوني ضخم يُقدَّر بالسنين الضوئية يخاطبنا بلسان الحال فيقول: هذا الذي تعلمونه وترونه سأنقضه في يوم ما, يوم موسوم بلحظة القيام حيث يأمر ملكاً عنده اسمه “إسرافيل” يحمل منذ أمد آلة صوتية تُعرف بالبوق شديدة الصلق إلى درجة أن يموت الناس من سماعها, والغريب في الأمر أننا ما عهدنا في عالمنا السفلي سبباً من أسباب الموت متصلاً بالصوت, فالإنسان قد يموت بطلق ناري أو تردٍ من علٍ أو مرض محيق أو حرق أو شنق أو غيرها مما نعرفه من أسباب الموت الظاهرية, لكن هل شعرت يوماً أنَّ إنساناً مات من الصوت؟, هذا ما سيحدث حين ينفخ إسرافيل بوقه النفخة الأولى, فإذا الأرض هامدة والناس موتى.
ومن قبل ذلك بيسير يحدث انقلاب أرضي ضخم حيث تنفلت أجرام المدارات وتنطفئ الشموس وتسير الجبال كالسحاب, أما البحار فتغلي وتُسجر, وتتعطل الحياة بصور شتى منها اختلال قانون الجاذبية وانفراط مسبحة الكون وانتثار عقدها, قال تعالى: { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت, وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت, وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ, وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ, وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ, وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَت, وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ, وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ, بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ, وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ, وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ}219.
أي أن الظواهر الطبيعة حولنا تنفلت من قانونها الذي تسير عليه منذ أول الخليقة,فالشمس التي تشعُّ بالضوء وتمدُّ الأرض بالدفء تنطفئ, والنجوم تتساقط, والجبال المدقوقة بأوتادها في الأرض تنخلع وتسير سير السحاب, أما عشار الإبل فتُسقط حملها, والوحوش العادية في البراري تنحشر على صفة عجيبة, والبحار الساكنة الباردة تفور بالنار والغليان.
وذُكر لنا أن حوادث القيامة قاسية على خلق آخر الزمان, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ, يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}220, إلى درجة أن الله يقبض عباده المؤمنين من الأرض حتى لا يألموا بمشاهدتها,يبعث ريحاً تقبض أرواح المؤمنين فلا يبقى في الأرض أحد يقول: الله, وهم شرار الخلق فعليهم تقوم الساعة.
فإذا خلت الأرض من سكانها وصفرت فيها رياح الخلاء وانتهت الحياة منها بعد رحلة آماد السنين, أمر الله تعالى ملك الموت أن يقبض أرواح الملائكة فلا يبقى في الكون سواه تعالى وملك الموت, ثم يأمر ملك الموت بأن يقبض روح نفسه ويفعل فلا يبقى سوى ذي الجلال والإكرام, قال تعالى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}221, وقال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}222.
وبعد أمد من السنين يُحيي الرب تعالى إسرافيل ملك الصور ويأمره بالنفخة الأخرى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}223, فيحيي بهذه النفخة المخلوقات ثانية, ويقوم خلق الأرض الآدميون من قبورهم, فترى القبر الواحد ينبعث منه آلاف الناس لكثرة ما حوت الأرض من أموات, ويسير كل واحد نحو الصوت الصلق سيراً حثيثاً بلا اختيار, يسيرون صوب الحشر.
ويحشر الله الخلائق على أرض أخرى بُدِّلت من هذه الأرض, {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}224, أرض كرغيف الخبز باستواء واحد لا جبل فيها ولا وديان تُعرف بالساهرة, {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ, فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ}225,فترى الخلائق كالأمواج لكثرتهم, كلهم مجموعون في صعيد واحد وترى من الأمور المذهلة ما يطير لأجله لبُّ الحليم, فتخيل أنك سترى إنسان التاريخ الأول من سلالة آدم الأقربين بأطوالهم السامقة, وآدم كان طوله يتجاوز 25 متراً أي أنه أشبه بناطحة سحاب, وسترى الأنبياء عليهم السلام, وترى خلق الساعة آخر البشر على الأرض وهم كالأقزام لأن الخلق لا يزال يتناقص, وترى الحيوانات كلها حتى المنقرضة منها كالديناصورات مثلاً وترى غيره الكثير, ويعلم البشر أنه مقام الحساب والبعث ويلفظون أنفاسهم بوجيف هائل, {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}226.
ويمكثون على هذا الحشر مدة طويلة تقطع الأعناق وتُهرئ الأبدان, وتدنو الشمس من الخلائق مقدار ميل, فيستشعروا الحر الشديد واللفح القاتل ويتمنوا أن يعجِّل الله لهم الحساب حتى لو كان مآلهم إلى النار, فيستشفعون بالأنبياء, ويقوم نبي الإسلام ماضياً صوب العرش ويسجد سجدة طويلة ويرفع رأسه طالباً من الله تعالى أن يأذن بحساب الناس, وهذه التي نسميها الشفاعة الكبرى وتكون لجميع الخلق مسلمهم وكافرهم.
فإذا إذن الرب بالحساب قامت في العرصات الموازين ونُصبت الدواوين التي تكيل مثقال الذرات, { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}227, {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ, فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}228.
وتتطاير الكتب, فالمؤمن يتلقف كتابه بيمينه والكافر بشماله, ويفرح من يفرح ويحزن ويُجنُّ من تعس وخسر خسراناً مبيناً.
ثم يأمر الله بالصراط وهو جسر فوق جهنم فيمُد, وذلك بعد أن يأمر الله النار العظمى بأن تحيط بالناس، فتحيط بهم كما يفعل السوار بالمعصم فلا يبقى طريق إلى الجنة إلا من خلال الصراط الممدود فوق جهنم ويقال للناس اعبروا, فمنهم من يمضي بسلامة إلى الجنة ومنهم من يسقط في النار وهو الكافر وتبدأ رحلتا النعيم والعذاب.
هذا بإيجاز شديد السيناريو الصحيح الذي ستؤول إليه أمُّنا الأرض بسكانها، فمن أراد أن يصدِّق فليصدِّق وما أراد أن يكذب فليفعل؛ لأن جمجمته القاسية وكبرياؤه لا يفعلا إلا حين يذوبا برصاص جهنم.
الجنة المُذهلة
نحن نعيش خارج الزمن الحقيقي, زمن – إن شئت القول – مخلوق على هامش الحياة العظمى, فالأرض ليست دارنا والبلاء ليس قدرنا, وشهادة ميلاد الأب الأكبر الذي ننحدر منه تُخبر بغير ذلك.
لأنه خُلق في الجنة بنفخة من الله فهو ينتمي إلى الموطن الذي خُلق فيه, ونحن أبناؤه, والأبناء الذين لم يولدوا بعد إنما يحيَوْن في البيت الذي أعدَّه الأب.
ولحظة يستذكر الإنسان ذلك تستريح نفسه؛ لأنه يعلم أوليَّته كمخلوق عند سيده.
وقد صاغ ابن القيم الجوزية هذا المعنى في أبيات من قصيدته الرائعة
وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ولم يك فيها منزل لك يُعلم
فحيِّي على جنات عدن فإنهــا منازلنا الأولى وفيها المُخيَّم
ولكننا سبي العدو فهل تُــرى نعود إلى أوطاننا ونُسلَّــــم
نحن على كوكب الأرض أشبه بأفراد قبيلة صحراوية، طاف علينا عدو ماكر وغشينا على حين غفلة فاقتحم حياتنا الهنيئة واستلبنا وساقنا معه إلى مضاربه واتخذنا عبيداً وخدماً ومكثنا عنده زمناً, فلم نزل نحدِّث أنفسنا بالعود والحنين إلى مضاربنا الأولى, تهبُّ علينا بين الفينة والأخرى رياح الصبا ونسمات السحر تُذكِّرنا بالعبق الذي خلَّفناه وراءنا، فحين نقارن المكان الذي ولدنا وترعرعنا فيه بذاك الحبس الذي استاقنا إليه العدو تراءى لنا على القرب الجنة المذهلة والدنيا الغرور.
ولو شئت أن أصوّر تصويراً أخر لقلت: نحن في هذه الدنيا مُكدَّسين في سجون الإصلاح والتأهيل بما اقترفناه خارج الأسوار, وقد أخذ مدير السجن علينا وأخذنا منه وعداً وعهداً لازماً أنَّ من حسُنت حاله واستقام شأنه أخرجه من الحبس والضيق, فبعضنا منهمك في الخلاص وآخرون استطالوا الوعد فاستمرأوا الذل والهوان وفريق ثالث قال: إنَّ الخروج من هذه الأسوار العالية المكينة محض افتراء وليس ثمة سواها.
فحين تكون الغربة منزلة الشرفاء تعالوا – يا سادتي الغرباء – كي نرى ما هو خارج أسوار الدنيا من الجنة المذهلة التي وصفها الدين الخاتم خير وصف بلغة البشر, فعلى قدر ما تحتمل لغة البشر بلغ الوصف مداه رغم أنه عن الجنة.
لا يستطيع أحد البتة الحديث عن تلك الجنة إلا من خلقها أولاً, ثم من دخلها ثانياً وهو الرسول الأعظم فلا مجال للخيال هنا؛ لأنك لن تستطيع الوصول إلى تلك الجزيرة النائية إلا بسفينة, فمهما حدّثت نفسك برمي أقدامك في البحر المحيط فلن تربح سوى القهقرى.
تخيل معي حين تكون الأرض هذه التي تحمل على ظهرها المحيطات والقارات ويبلغ محيطها وطول الاستواء فيها أربعين ألف كم, حين تكون ذرة تائهة متناهية الصِّغَر في بحبوحة السماء الدنيا, ثم السماء الدنيا بمصابيحها وملايين السنوات الضوئية الممتدة فيها حين تكون هي الأخرى ذرة تائهة في عمق السماء الثانية, وقس على ذلك أطباق السموات السبع, حين ينشطر الدماغ البشري عن التفكير شطرين ويؤول العجز في الوصف فيبلغ مداه, سيكون طول الجنة وعرضها عندئذ: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}229.
فما الذي تحويه هذه البقعة الجغرافية المذهلة المقاربة للسموات والأرضين؟.
وحتماً ستصدِّق لو أخبرتك عن تلك التفاصيل الدقيقة التي حفلت بها نصوصن الدين الخاتم من القرآن والحديث، بحيث لو أنك أسهبت في البحث لما وجدت مصدراً آخر يمدُّك بحقيقة الجنة كما هي واردة لدينا, ولن يُسعفني دليل عقلي أسوقه هنا عن حقيقة ما ذكرته نصوصنا عن الجنة من الأحاديث الجمَّة إلا أن العقل ذاته يحيل قدرة محمد البشري على وصف بهذا القدر والروعة عما يزعمه, فأحاديث الجنة التي كان يطرق بها سمع الصحابة العظام هي الأخرى دليل على نبوته, ولكل مُطِّلع على ذلك أن يستوي بين يديه هذا الحكم إلا إذا جاهلاً بقدرة البشر ذاتهم, إذ يستحيل على عقل أن يؤلِّف أوصاف الجنة وهي بهذه الجسامة, هذا دليل نسميه نحن المسلمون بخبر يحمل دلالة ذاتية على صدقه.
وعلى أية حال فالجنة المذهلة تختلف اختلافاً كلياً عن الأرض التي نعيش عليها، ففي الوقت الذي تتألف فيه قشرة الأرض من تضاريس ونتوءات وجبال ووديان وسمت منعرج تنبسط أرض الجنة كالأديم, كالخبزة, كالمرآة المستوية, ” أرضُ الجنةِ خبزةٌ بيضاءُ”230، سئل ابن عباس “ما أرض الجنة؟، قال مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة”231, فليس في السير فيها صعود ونزول، والأكمات والجبال التي تُخفي ما وراءها تخلو عنها أرض الجنة, هي كذلك تخلو من البحار والمحيطات ومن طبقة الأوزون الحامية لجو الأرض من أشعة الشمس الضارة؛ لأنه لاثمة شمس هناك تنيرها، بل هي منيرة بما تستمده من عرش الرحمن, هذا يعني اختفاء الليل والنهار الناتجين عن دورة الأرض حول نفسها؛ لأن الجنة لا تدور حول شيء,وإذا احتاج النائمون على الأرض إلى ليل يغدو عليهم لباساً فلا نوم في الجنة بل هو محض النهار والضياء, وإذا كان النهار جالباً للسع الحر والقرَّ فالجنة سالمة من هذا أيضاً, ” ما نورها قال ما رأيت الساعة التي يكون فيها طلوع الشمس فذلك نورها إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير”232, ” الجنة سجسج لا قرَّ فيها”233, أي هو ضياء بلا أذاه, وتمعَّن في هذا الجو البديع الذي يُعدُّ إحدى مختلسات الجمال والبداعة مما أضفاه الصانع العظيم على هذا الكوكب الحي.
وقد كثر في القرآن أثناء وصف الجنة الأنهار ” تجري من تحتهم الأنهار” وهي ليست كأنهار الأرض التي تخدُّ خدوداً وتحفر تضاريسها بل هي جارية على بساط أرضها المستوية يحجزها عن برِّ الجنة خيام اللؤلؤ, أما الطين المخالط لمائها والقابع على أطرافها فمن المسك ” لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض! لا والله ولكنها السائحة على وجه الأرض، حافاتها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر”234.
ومن أروع أنهارها الكوثر الذي يدخِّره الله لنبيه محمد, ورد ذكره في سورة خاصة به قال تعالى: { إنَّا أعطيناك الكوثر, فصلِّ لربك وانحر, إن شانئك هو الأبتر}235, أصفى من اللبن وأحلى طعماً من المسك, وهو تحفة الصالحين بعد أن يصيب الناس يوم القيامة عطش شديد حيث يرِد المؤمنون على نبيهم r فإذا هو واقف عند الكوثر فيسقيهم ويرويهم, ويُحجَز أُناس آخرين من المسلمين بسبب ذنوب اقترفوها.
ولو تركنا أنهارها وتضاريسها وذهبنا إلى سكانها، لوجدناهم الموحدين المؤمنين، فلا يدخل الجنة نفس شقيّة كافرة, وهم المسلمون حصراً من أتباع الديانة الخاتمة بالإضافة إلى أتباع الأنبياء والرسل من لدن آدم إلى من آمن بعيسى u وظل على ديانته الحقَّة, وما سوى هؤلاء يحرُم عليهم دخول الجنة إطلاقاً وهذا أمر من عقيدة المسلمين, ونحن لا نجحف بحق الآخرين فذلك قرار الله وحده في علاه, فلا شأن لأحد بإدخال آخر الجنة، ولولا أنَّ الله ذكر لنا ذلك لما تجرأنا عليه, قال تعالى: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}236, وذلك أنَّ من لم يكن مسلماً بعد نبوة محمد وبقي على دينه فقد خسر نفسه وآخرته, ومهما عمل من الصالحات غير مقبول في الآخرة لأنه لم يكن أجيراً عند الله في حياته؛ لأن من شروط الأجير أن يسير على شرط المؤجِّر وشريعته فليبحث له عن أجر عند من استأجره, والأمر أشبه بطبيب أردني يعمل في المستشفيات الأردنية فإذا حانت مشاهرته عمد إلى طلب راتبه من الحكومة المصرية ولو فعل فسيكون أحمقاً في عرف الناس ومنطقهم لأنه ليس أجيراً عندها, فكذلك الحال بغير المسلم الذي يبتغي أجراً من الله237.
لغة سكانها لا شك أنها تتناسب مع معطيات النعيم هناك, فهي اللغة الكاملة التي تعبِّر عن كل شيءٍ لأن كمال النعيم في الجنة يقتضي كمال اللغة, ويرى بعض العلماء والمفسرين أنها اللغة العربية بدليل أن ما ذُكر من خطابات أهل الجنة في القرآن إنما ورد بلغة القرآن وهي العربية, {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}238, وبدليل الحديث الذي حسَّنه الألباني وفيه “.. وعلى لسان محمد..” 239, وأظنُّ والله أعلم أن لغة أهل الجنة لغة أخرى غير العربية, أما ما ذكره القرآن من كلام أهل الجنة فذلك تعبير عن حالهم بالعربية وليس بالضرورة أنه بذات اللغة المُعبِّرة, فقد ذكر الله لنا حوارات الأمم السابقة كحوار موسى u مع الفرعون بالتعبير العربي مع أنَّ لغتهم هيروغليفية أو غيرها, وليس ما يُذكر في القرآن إلا تعبير دقيق عن أهل اللغات الأخرى, ثم هذا يقتضي أن تكون لغة أهل النار بالعربية لأن خطابات أهل النار الواردة مذكورة في القرآن, قال تعالى :{ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}240,وهذا لم يقل به أحد.
ويُحمل الحديث الحسن “على لسان محمد” بمعنى على طريقته في الكلام وقدرته في التعبير, أو سهولته على لسانه أو ما شابه, والذي يدعونا إلى اختيار لغة أخرى في الجنة أنَّ نواميسها وقوانينها تختلف كلية عن قوانين الأرض وسننها, فالجنة شيء مختلف تماماً عما عهدناه على كوكب الأرض.
حتى أنَّ أبعاد إنسان الجنة أطول بكثير عما هو عليه، فهم بقدر قامة آدم الذي ناهز الستين ذراعاً ويساوي بالأمتار قرابة الثمانية وعشرين متراً, وعرضه سبعة أذرع شرعية أي ما يساوي الثلاثة أمتار وربع المتر, وقد يتساءل أحدهم أنَّ إنساناً بهذا الطول والعرض ليس متناسقاً, يتضح ذلك حين نتخيل رجلاً بطول ثمانية وعشرين متراً أي ما يقارب تسعة طوابق وعرضه لا يزيد عن طابق واحد, نعم هو غير متناسق مع إنسان الأرض إذا أردت أن تقيس الجنة على الدنيا وهو قياس مع الفارق, فالقياس من أوله غير صحيح؛ فالتناسق الحقيقي والجمال الكامل ليس في حياتنا المؤقتة بل هو في الجنة المذهلة الباقية.
تتوقف أعمار أهل الجنة دون زيادة وشيْب وشيخوخة، فهم بعمر عيسى u ثلاثاً وثلاثين عاماً, يظلون هكذا إلى أبد الآباد حيث تختفى لغة الزمن فلا يُسلَّط على المخلوقات هناك, قال تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}241, أما صورة الوجه فعلى أتمِّها وجلالها وقد ذُكر لنا أنهم على صورة يوسف الذي أُوتي شطر الحُسن, وليس معنى ذلك الصورة الواحدة لجميعهم بل كلهم على درجة جمال يوسف.
ثم يُحدث الله تعالى لهم تغييراً في بنية الجهاز الهضمي تلك الأعضاء التي رُكِّبت في مخلوق الأرض ليعالج الطعام والشراب ويستفيد منه ثم يُخرجه, فإنسان الجنة لا يُخرج فضلات ولا سوائل ولا يمتخط ولا يبصق وهو مستريح من صفات النقص هذه التي لاءمت حياته الأولى, ” لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفِلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ”242,وما يأكلونه يخرج على هيئة مسك وعطر ورائحة فوَّاحة تنبعث في أرجاء الجنة تُذكي مزيداً من عبيرها.
الجنة أشبه ما تكون بمحافل وأفراح ممتدة لا تنقضي ساعة, وهي كعادة المدن الزاهية تتنوع فيها الأحياء حيث نجد جانب المدينة الأكثر إضاءة لدى الأحياء الراقية التي تُنعس العين لحظة النظر, فكذا الحال في الجنة فثمة أحياء راقية فيها تعلو برتبتها وجمالها عن بقية الأحياء الأخرى وهي التي يسميها الحديث الدرجات العلى: ” إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبو بكر و عمر منهم وأنعما”243, أي أنَّ صاحب القصر الباذخ المترَف ينظر إلى من هو أغنى منه ممن يمتلك قصراً أفحم وأثاثاً أعظم كما ننظر إلى النجم الساطع الذاهب في الفضاء الذي يبعد عنا ملايين السنسن الضوئية, وصدق الله القائل: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا}244.
وهذا كله دون أرقى الأماكن والقصور والدور التي تُعرف هناك بالغُرَف, ” إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ”245.
وتضمُّ مثل هذه الأحياء المُترَعة نعيماً وبهاءً لفيف المجاهدين أهل الخصوصية العظمى في جانب ترفل بهم الجنة وتزدهي كما تفعل الأرض وهي تفاخر بسيد يسكن جانباً منها, ” إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”246.
وهل تخيلت مرة بيتاً يزهو في طوله عن المائة كم, تلك خيمة المؤمن في الجنة ” إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا”247,وتمعَّن في لؤلؤة واحدة مجوَّفة, ولا نعلم أهو طول ذاهب في سماء الجنة أم مفروش على أرضها, الأمر سيَّان في قمة ما يتمناه كل من يُشنَّف عيناً متأنية نحوه وكلنا ذلك المُشنِّف.
وفي الجنة خدمة العشرة نجوم إلى درجة أن يُحدث الله لهم خدماً من الأسباب والقوانين الحاكمة لكوكب الجنة, وقد عهدنا الدنيا التي نعيش فيها ذات أسباب وقوانين تختلف كلياً عمَّا سمعناه آنفاً, فمثلاً إذا أراد أحدنا أن يأكل عمد إلى قانون الطبخ يُحضِّر ويطهو به الطعام فلا بد من حرارة النضج والخلط وفق سنن خاصة مبثوثة في أرجاء الحياة, أو أن يمضي إلى أحد المطاعم ويطلب ما يريد لقاء أجر زائد عن طبخه, الأمر في الجنة مختلف كلياً فإذا رأى أحدهم طائراً واشتهاه وقع بين يديه ناضجاً جاهزاً على أتمِّ ما يكوت الطَّعم والتلذذ فما عليه إلا أن يشتهي أكله, ” أن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطير من طيور الجنة فيقع في يده منفلقا نضجا”.
وقل مثله في الشراب ” إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الشراب من شراب الجنة فيجيء الإبريق فيقع في يده فيشرب ثم يعود إلى مكانه “248.
أي أنَّ الشعور باشتهاء الطعام والشراب يُجعَل سبباً والمُسَبَّب حضور الطعام والشراب وفق ما يشتهيه.
وإذا كانت الجنة بهذه المساحة الظامئة فلا شك أنَّ أهلها يحتاجون إلى انتقال سريع من مكان إلى آخر, ولا تُسعف القدمان في الانتقال المريح فكان من لوازم كمال النعيم أن تحتوي على وسائل أسرع من ذلك, فسمِّها إن شئت طائرات الجنة أو مراكبها الفضائية, ” أتى النبي r أعرابي فقال يا رسول الله إني أحب الخيل أفي الجنة خيل قال رسول الله إن دخلت الجنة أوتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه ثم طار بك حيث شئت”249,
وقد يُطلق عليها النبي r نجائب والنجائب قال كما الأزهري عتاق الإبل التي يسابق عليها وبه يتبين سر تعبيره بالنجائب دون النوق250, وتلك عادة الخطاب النبوي في تقريب الصورة ما أمكن إلى الذهن وإلا فلو أخبرهم بطائرات القرن العشرين كيف يتسنى لهم فهمه مع أنَّهم يصدِّقون على أية حال, ” إن أهل الجنة يتزاورون على النجائب بيض كأنهن الياقوت”251.
ولو عطفنا الحديث عن غابات الجنة وأشجارها وما حباه الله تعالى فيها من الغطاء النباتي، ألفينا الأمر نعيماً مُكدَّساً لا يُرضيه إلا التحرَّق والتشوَّق إلى دار النعيم الأبدي حيث تتجلى عظمة الصانع, فشجرة واحدة فيها يسير الراكب في ظلها سبعين سنة, ولنقل جزافاً أنَّ أعظم أشجار الأرض يسير الراكب في ظلها خمس دقائق ليتبين الفرق المهول بين السيرين ومما يوافق ذلك: { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}252 على نحو يتسق مع جسامة الأشجار هناك.
وقد فسَّره ابن عباس حين قال: ” الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المُجدُّ في ظلها مائة عام في كل نواحيها, فيخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها ، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا ، فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا”253.
ثم شجرة طوبى المذكورة في قوله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ}254 وشجرة الخلد أعظم من ذلك حيث يمتد ظلها مائة عام, ولن يُصدِّق أحد من غير المسلمين بهذا النعيم الجسيم الذي يكاد أن يخرق العقول ذهولاً بل هو لصاحب العقلي المادي الذي يحتكم إلى سنن الدنيا وقوانينها غير مُتخيَّل، أما المسلم الذي يرى طلاقة القدرة الإلهية المبثوثة في ثنايا الكون القريب والبعيد ويُصدِّق رسوله ينقلب مُصدِّقاً بمثل هذا وأبعد منه فلا جدوى من ردِّه وتكذيبه فقدرة الإله أجلُّ وأعظم, ” وَمَا طُوبَى؟ قَالَ: شَجَرَةٌ فِى الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا”255, فهي بلا ريب مصنع ثياب أهل الجنة الذي لا تنتهي خامته.
وإذا كان من علامة الفرح اللازمة التي تمرُّ على الإنسان في دنياه أن يُنسيه الفرح شقاءه الآنف بحيث ينشغل بما ملأ يديه مما يشتهي فلا يعاود التفكير في ماضيه السيء ولا يعود يتذكر فقره وضنك عيشه, إذا كان ذلك لازماً في الدنيا فإنَّ أهل الجنة يبتدرهم النعيم بنسيان أيام الضيق والبلاء والمصائب التي سحقهم بها كوكب الحياة المنقضي، وقد أعلم النبي r أصحابه ذلك فقال: ” ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط”256.
وتتنوع مدارك الراحة والسعادة في دنيانا فكم من أهل الأرض من لا يجد راحته إلا بالطرب والغناء والموسيقى فيجد في ذلك متنفساً يقضي به على الملل والقلق, فتراه يُلقي أذنه وعقله إلى مقطوعة صوت عذِب هي أبقى لديه من كل نعيم سواه؟, أفلا يكون ذلك طرف نعيم في الجنة؟, ” إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات، ما سمعها أحد قط ، إن مما يغنين:نحن الخَيْرات الحسان أزواج قوم كرام”257.
وسيكون الفارق مذهلاً بين الطَّرَبين, هذا الذي نُشنِّف الآذان لسماعه في الدنيا من الموسيقى والألحان العِذاب والصوت الشجيِّ وذاك الذي تبتدره أجمل الخلائق من النساء تماماً كالفارق بين طعام الدنيا وقبيله من طعام الفردوس.
في مملكة الجنة تختلف المُسمَّيات رغم أنّ الأسماء واحدة, حتى العملة التي يتداولها الناس اليوم بالدولار والذهب والأسهم تختفى وتؤول إلى الأعمال الصالحة النابتة في التاريخ الماضي أيام كنا على الأرض, ولا غرابة في ذلك فالعملة هنا الحسنة وسيخسر الاقتصاد هناك الدولار والبترول وما سواهما مما كان رائجاً في الدنيا ومما كان يُطلَب به النفوذ والجاه والسلطان, فلا يعود الدولار مثلاً معبود الجماهير وتعساً لتلك المعبودات التي أذلَّت أهلها في عالم الحياة الدنيا, بينا هي مُمسكة بتلابيب الصراط تستروح العبور إلى الجنة تسقط سقوطاً مهولاً مرة واحدة إلى قرارات الجحيم فتزيد من لظى جهنم على أصحابها.
أما العملات الرائجة التي تقفز بأهلها نحو القصور والدور والشُّرُفات المُعلَّقة فهي الأعمال الصالحة، فلا غرو أن تتخذ أبواب الجنة من هذه الأعمال أسماءً لها, وقد ذُكر لنا عدداً من أسماء أبواب الجنة الثمانية كباب الصلاة والصدقة والجهاد وصلة الرحم وباب الصيام المعروف بالريان.
ويكتظ الزحام عند هذه الأبواب بأرتال العاملين، فمن كان ماهراً بصنعة الصلاة في الدنيا طار به المقام صوب باب الصلاة، ومن عشق الصدقة والزكاة والإنفاق وأطال الوقوف عند أقدام الفقراء وأدام النظر إلى سِحناتهم ابتدر باب الصدقة, ومن جفَّ حلقه من العطش وذوى جسمه من الجوع وصار يرقب النهار الطويل وهو صائم سبق إلى باب الريان, ومن ارتحل إلى مواكب المجاهدين وأثخن في العدو وأراق دمه في سبيل الله وباع نفسه وقدَّمها على كفه مستهيناً بها في جنب الله أسرعت أقدامه للولوج من باب المجاهدين وما على أبي بكر وأمثاله لو دخل منها كلها ” من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله عز وجل نودي في الجنة يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان,فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله هل على أحد من ضرورة من أيهما دعي ؟ وهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال: نعم وإني لأرجو أن تكون منهم”258.
إنَّ من الحقائق العظمى التي يدين بها المسلمون حول نعيم الجنة أنها العطاء الأعظم الذي يمتنُّ الله به على أهل كرامته في الدنيا, ومن هنا كان على كل مسلم الاعتقاد الجازم بأنها أكبر وأعظم من أعمالهم فلا يدخل أحد الجنة بعمله حتى الرسول الأعظم ” تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمته وتقتسمون المنازل بأعمالكم”, لكن رحمة لها شرط تماماً كالوضوء مع الصلاة التي لا تُقبل بغيره, كذا الرحمة الإلهية لا تتغشى أحداً إلا أن يأتي بشرطها, وشرطها الإسلام, ولاحظ كيف سمَّى الله الجنة ميراثاً في قوله تعالى: { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}259, والميراث يستوي في يد الوارث بلا سبب منه وعمل سوى أنه وارث.
على أنَّ أكثرنا عملاً لو عمَّر آلاف السنين وقضاه بأحب الطاعات إلى الله لما كان موفياً حق المعبود على العابد, ولو رمينا الأعمال الصالحات العظام بنعم الله علينا لرأينا مثال الذرَّات أمام الجبال القارات الراسيات, وذلك أن نعم الله لا تُحصى, ويُخطئ من يظنَّ أنه أدَّى ربه حقه, فالله أعظم وأجلّ, وقد كان رجلاً من السابقين مما أخبرنا عنه نبينا يعيش في جزيرة صغيرة موغلة في البحر المحيط عبد الله خمسمائة عام، قضاها في الانقطاع الدائم بالصلاة والذكر والتدبر, وبلغ من أمره أن أخرج الله له عين ماء عذبة يشرب منها وأنبت له شجرة رمان ينضج منها كل يوم رمانة يأكلها ثم يعود إلى عبادته, سأل ربه أن يقبضه على هذه الجزيرة ساجداً وفعل, ذكر لنا نبينا مشهد حسابه في الآخرة, يمثل بين يدي ربه ثم يؤمَر به إلى الجنة, أدخلوا عبدي الجنة برحمتي لكن يعترض العابد ويقول: بل بعملي يا رب, فيأمر الله عندئذ بالميزان ويوضع عمله في كفّة ونعمة البصر في كفة أخرى فترجح كفة نعمة البصر وتطيش الخمسمائة عاما عبادة في فضاء الجنة, ويأمر الله ملائكته بأن تسوق عبده إلى النار, فتدركه سابقة من الله ويقول: بل برحمتك يا رب, فيخاطبه الرب: نعم العبد كنت لي في الدنيا, خذوه إلى الجنة260.
هذه نبذة يسيرة من الجنة المُذهلة حسبما يسمح به المقام الذي خططته في هذا الكتاب وإلا فهي مداد البحر الذي لا ينتهي والفضاء الرحب الذي لا ينقضي، ولقد أفاضت نصوص الشرع لدينا بما لا تجده في غير الدين الخاتم مما يجعل ذلك مفردة من مفرداته حيث يُحلِّق بالإنسان بعيداً نحو مبتغاه.
حقيقة الرجس المزهوم

مر زمن على بني إسرائيل ” اليهود” تبوؤوا فيه المنزلة الحضارية المُقدَّمة عند الله، يؤيد ذلك قوله تعالى : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ }261 أي عالمي زمانهم, وبعث الله فيهم من الأنبياء والرسل ما لم يبتعث في الأمم الأخرى بدءاً من إسحاق ويعقوب ويوسف ومروراً بأصل الديانة التوراتية موسى u وانتهاءاً بيحيى وزكريا، في حين أنَّ العرب لم يزد أنبياؤهم عن أربعة وأولهم هود ثم صالح ثم شعيب خطيب الأنبياء ثم خاتم المرسلين محمد.
وتلك نعمة عظمى يُسبغها الخالق العظيم على هذا الجنس من الشعوب, ولقد أمدَّهم الله تعالى بنعم متواصلة عبر أجيال وقرون خلت, ثم لم يلبثوا أن تنكَّروا لخالقهم وحرَّفوا كتبه وقتلوا رسله وشاعت فيهم الفواحش وطغوا وظلموا واستكبروا في الأرض ولم يصونوا نعم الله المتلاحقة عليهم وعلى أجدادهم, فلما بلغ السيل الزُّبى بقتلهم الأنبياء تغيَّر القرار الإلهي بحقهم.
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا}262.
فصيَّرهم ذيلاً للأمم ورجساً مزهوماً تتأذى منه المجتمعات الأرضية، فما حلَّوا بمكان بعدُ إلا وعمَّت الفوضى وانتشرت الرذيلة واستعلى الكذب واستطاروا بالدجل والإفك وشحنوا الأمم والشعوب التي يعيشون فيها بالفتن والطائفية وفرَّقوا ومزَّقوا وصيلة الإنسانية واستهدى الشيطان بعقولهم عماه, فهم شجرة الأرض الآسنة وغربان الغاب ونجاسة الشعوب, وهم الفاتكون بمهد الأرض المُسْتَعْدون على فضائلها المنتهكون لحرمتها، فما من بليِّة عظمى أصابت الشعوب ولا ظلامة أقضَّت مضاجع الجماعات إلا وهم المحيكون المدبِّرون لها في دهاليز المكر والخداع.
فلو تمعَّنوا كيف أنَّ الله فرَّقهم وشتتهم في فجاج البسيطة واعتبروا، لعلموا أنَّ عقوبة الرب إلههم سارية فيهم إلى يوم القيام, فما من قارة إلا وفيها من زهم اليهود, لا يكتمل النفاق إلا بهم ولو قلت أنَّ النفاق ولد على الأرض بسبب بعض شعوبها لما زاد عنهم, يتقمصون جنسيات الأمم المختلفة ويختبئون في أثواب الغير كالخفافيش القابعة في مداد الكهوف ترقد طيلة النهار بالمقلوب ولا تخرج إلا في الليل.
ولن يكون عصيَّاً على الفهم لو قلنا: لقد كانت حقيقة اليهود مخبوءة عن العالَمين حتى كشف عنها القرآن وأماط لثامها وأبان عن جرائمهم وظلمهم، وكأنما قد حاسبهم الله في دنياهم بحساب الآخرة مع ما ينتظرهم من شقاء عالم ما بعد الموت.
واليهودي بطبعه جارح في كلمته كاسر في عبارته لا يرعوي في خطابه أن يتحدث عن شخص مثله أو عن الله, فهل تعقلوا – يا سادة – عن أمة من الأمم قالت لنبيها : { إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}263, أي نحن نتخلى عنك وعن ربك يا موسى u ولسنا في حاجتكما, وهل شعرتم مبلغ الخِسّة لديهم وهم يقولون لنبيهم r وذلك بعد أن أنقذهم من نير الفراعنة وهاجر بهم إلى فلسطين أرض السَّمْن والعسل, وبعد أن نسف موسى u العجل في البحر وأخذ السبعين الأخيار منهم لميقات ربه على جبل طور سيناء, قال الأخيار السبعون حينها: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ }264, بل والأدهى من ذلك وأمر مما لا يقتحمه متكلم أنهم لم يكادوا ينزعون أقدامهم من البحر الذي صيّره الله عذاباً وغرقاً على الفرعون وهم يشاهدون نجاتهم, لم يكادوا يخرجوا حتى رأوا أقواماً مشركين يطوفون حول صنم لهم فقالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}265.
ولا يظنُّ من قرأ هنا أني أُجافي اليهود وأنصب لهم أدوات الحرب بسبب عدائهم لنا كعرب ومسلمين، أو أني أتحدث عنهم وأصفهم من واقعهم التاريخي معنا، بل ما ذكرته آنفاً هو حديث القرآن عنهم تبياناً لحقيقتهم التي لا يعرفها أحد كالله في علاه،ثم الواقع فيمن عرفهم وخالطهم من سكان الغرب والشرق يُدلِّل عليه، وإلا فما الذي دفع هتلر زعيم النازية أن يوقد لهم أفران الغاز، ويُعلن اليهودية جريمة عظمى في حق الشعوب، فإن كان هتلر محقاً في شيء فبهذا، ولو صددنا وجهة هذا الزعيم النازي الذي أشعل حرباً كونية راح ضحيتها ملايين الناس، فكيف سنصدُّ شكسبير أب الأدب الإنجليزي وهو يتحدث عن شايلوك اليهودي الجشع في قصة تاجر البندقية، وغيره من المئات الذين أبانوا عن حقيقة الشخصية اليهودية.
اليهودي بطبعه وتفكيره نابذ لشبكة العلاقات الاجتماعية التي يتحلَّى بها شعوب الشرق والغرب، يحاول اليهود أن يبرهنوا بأخلاقهم أن الإنسان لم يكن يوماً مخلوقاً اجتماعياً بل هو أناني وانعزالي، وزمانه الحقيقي مع مخلوقات الليل من ذوات الدم الفاحم حين يخرج للصيد ويفترس العالم.
ثورة المصطلح القرآني
المصطلح القرآني ثائر بطبعه يود التعبير عن نفسه بطرق شتى ويعلن في القارئ طارئة التمرد على الواقع المعيش ولا ينفك ثائراً حتى الوصول إلى عالم المثال.
ولما كانت حياتنا المعاصرة تمتد على مسافة ظامئة من عالم المثال, فهذا المصطلح أشد ما يكون ثوراناً وإقلاقلاً.
فالقارئ السوي لا بد أن يشعر بجلجلة الصراخ والتعنيف وهو ينتقل في ألفاظ القرآن, فهذا اللفظ يرغب بإحداث هزة عنيفة في دماغ القارئ ووجيف في قلبه كإيصاد الابواب الثقال.
وهو لا يفعل ذلك لعداوته بل لغيرته على من نزل عليهم.
ولإيضاح ذلك لا بد من مثال يبسط المراد إذ المصطلحات القرآنية مع التحفظ على التشبيه تقارب سطح الكرة الأرضية المكون من
1. بحار وخلجان وبحيرات, بعضها:
1. ساكنة متواطئة تتراءى كصفحة بديعة تبعث في النفس الخشوع وتسيمها الطمأنينة والهدوء والانبعاث.
2. أمواج متلاطمة عاتية, وتيارات بحرية عنيفة, وعواصف ورعود وبروق.
1. يابسة وبر ومنها:
1. صحراء حارة حارقة تسري بالواقف لسعاً ولذعاً حتى تهريق نضارة وجهه.
2. سهول وأعشاب ومروج خضراء تعج بالطبيعة والحياة.
3. غابات كثيفة مكتنزة.
4. جبال سامقة تتسامى والغيوم.
5. براكين وزلازل وأعاصير تقذف بالزبد وتبدي الغضب وتعيد ترتيب المكان على طريقتها.
إن سطح الكرة الأرضية يعبّر عن نفسه بهذه السالفة, كل بقعة تظهر بصورة تريدها كيما تتخذ هذا الشكل.
كذلك المصطلح القرآني يتنوع في التعبير والصورة, كل لفظة لها دلالتها وعنوانها الخاص ترغب بأن توصل رسالتها الخاصة للقارئ الكريم.
وعلى القارئ أن يفهم الرسالة ويقلبها ويعلن أنه فهم المغزى.
والقراء مختلفون والناظرون متنوعون, فمنهم من تكفيه سجية الأرض الوادعة واللفظ الناعم الهادئ, ومنهم من يحتاج العيش قرب بركان ولا يمكن أن تصل الرسالة إليه إلا بألفاظ شداد تنزل عليه نزول الصواعق بالساحل.
منهم من يحتاج إلى هزة عنيفة كي يصحو إلى مفردة تصعقه وتدوي في جنباته وتبلغ منه حبل الوتين, ومنهم من يرى إبداع الله في سكينة.
فليس للقرآن فئة مستهدَفة محددة بل هو يُطبِق الخافقين بشموله، ويسري في جميع الأجيال والقرون، ولا يستعصي عليه تنوع العصور وتفاوت العادات وتغيِّر شكل الكوكب في أقل من قرن زماني، فلا غرو أن يُنسج على هذه الشاكلة من التنوع في الخطاب حسب الطريقة المثلى التي تؤثِّر في الناس.
على أنك تجد كثافة في الطرح القرآني وذلك أنه يتحدث عن العديد من المفردات، وربما تعارضت وتضادت كالجنة والنار والإيمان والكفر والهداية والضلال وقصص السابقين وأحداث اللاحقين، فكان من المتسق أن يُنوِّع في أساليب الخطاب ويُجلِّيه في صور عدة وإلا كان كتاب العصر الواحد والمكان الواحد.
ثم نزلت الألفاظ القرآنية مُلتهبة كالصواعق لحظة إرادته التغيير، ساكنة كبَرْد الماء لحظة إرادته الإبقاء، حافلاً بأجمل ما لدى العرب من تصوير وفنون وأساليب.
الغوص في أعماق القرآن
القرآن أشبه ما يكون بالبحر المحيط الذي يتكون من
1. سطحه البادي للعيان
2. قرارته وأعماقه.
فمن أراد الاسترواح والاستجماج طاف على سطحه وتنعَّم بصفحته البادية وشعر بمتعة الانسياب ويسر الحركة لكنه لن يقنص من فرائده.
ذلك أن البحر يكتنز أثمانه في الأعماق وليس على السطح, فمن رام الأصداف وابتغى الكنوز وأراد الحصول على مكامن الطاقة والنيل من الخيرات والثروات, من أراد ذلك فلن يكفيه الاسترواح فوق سطحه بل لا بد له من الغوص والنزول نحو الأعماق والتدبر في بعيد مداه, وأثمن ما في البحر قراره إن كان للقرآن قرار ينتهي عنده.
ثم لا بد من التحضير لعملية الغوص هذه وارتداء العدِّة واللباس الخاص, إذ الوالج في مستقر البحر البعيد لا يفعل ذلك متجرداً.
لا بد من الرغبة الأكيدة في التعمق وشحذ الهمة وبري العزم, والصبر على الرحلة الماتعة وبذل الوقت الواجب وإلا نزل الشخص وصعد دون إفادة.
فإذا فعل القارئ ذلك من التدبر في الآيات وربط المتشابهات وتكرار النظر من عدة جوانب لاح له المعنى المراد ولان كلام الله تعالى بين يديه.
وعلى قدر ما تستقبل النفس والعقل من هاديات القرآن بثَّ لك من المعاني العظام والألفاظ الجسام الموحية ما يبلغ مداه البعيد في نفسك وفي عقلك.
هذه هي القراءة المرجوة لهذه الكتاب الإلهي الأخير والوحيد الذي لا يزال مرسوماً بحروف إلهية في الوقت الذي حُرّفت وبُدّلت وزُيّفت الكتب السماوية السابقة.
ومن داوم الغوص مرات ومرات وأحضر معه الشباك ورُكُز ذلك في عقله اجتمع له من الثروات القرآنية ما تعجز عن حمله الكتب.
وقد يوحي لك القرآن بمعنى مقنوص يكون فتحاً لك في حياتك وسعادة لمن حولك.
ثم ألا ترى أنَّ الناس كلهم ينظرون إلى صفحة البحر، وكثرة منهم غالبة يُجدِّفون في أعاليه، بيد أنّ السرَّ في الإنجاز قابع هناك حيث الأعماق المخبوءة عن الأنظار إذ قلَّما يُحدِّث الناس أنفسهم باختراقه وسبْر أغواره مع أن مكمنه حيث لا يُرى بسهولة.
وإذن فالغاية في مِراس القرآن أن تقلق بشأنه ويعصف بك الذهن كي يجود يجود لك من القرائح والأفهام ما يهولك في حقيقة الإبداع، حيث تختفي الصنعة الإنسانية هنا والإبداع كله للرب وحده.
وهو يستنفر العقول ويستحثُّ المَلَكات ويستفزُّ الوجدان كي ترحل عنده وتدنو منه، فكأنما هي إذ تفعل راحلة عند شيء غريب عن الدنيا رغم أنه نزل من أجلها.
فيا سادتي الموهوبون، ها هو القرآن بعظمته حاضراً أمام أعينكم وأسماعكم، مرآة صقيلة تعكس الأنفاس، وفضاء رحباً يُحدُّ الأبصار، لا يزال رغم ما أعطى فتيّاً كما نزل غضَّاً كعامه الأول، لم يُحِط به مفسر ولم يستنفده مُحلِّل ولم يُذلّه قلم، وهو ليس حكراً على أصحاب التخصصات الشرعية، وإنما لكل الموهوبين من الراغبين.
وقد قالوا مرة في علم البحار أنَّ المكتشف في هاتيك الأعماق لا يزيد عن 5%، والبقية لا تزال رهن ما يبذله العلماء في قادمات الأيام وحسبما يسمح به البحث العلمي وجهد الدول، ربم يكون هذا المثال صالحاً حالة القرآن رغم أنّ المكتشف قد لا يتعدَّى ذلك، ونكون مقاربين لو أعلنَّا أننا أمام قارة تغيب في هول المحيط مختفية عن عين الإنسان.
أو أنه تتابع سير البشر عليها بعد محمد ولا يزالون في أطرافها ثم لا يقفون على طرفها الآخر في زمن ما، إلا إذا قلنا أنه يمكن للبشر ولو كانوا أضعافاً مضاعفة أن يستكملوا عدَّة فهم القرآن وحلّ ألغازه، ولا غرو في ذلك؛ لأنه لا ينبغي لكلام الله أن يكون غير ذلك.
نسجِّل هذه الفرضيات كدعوة طارئة في الاستنفار وإدارة للمفاتيح في الأقفال فيما لا يزال مخبوءاً من علوم القرآن وحقائقه.
رغم السالف كله، فقد نالت حجة الله من البشر فيما يريده من التكليف به، وإخراجهم من الظلمات إلى النور والهداية اللازمة عند الأخذ به.
مأدبة الله في خلقه
القرآن مأدبة الله في خلقه, والقائل هو النبي r فيما يرويه ابن مسعود: ” إنّ هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم”266, ورواية البيهقي: ” فتعلموا من مأدبته”267.
والمأدبة طعام الضيافة المتخذ بلا سبب268,والمأدبة تتألف من أصناف الطعام التي تُشبع جَوعة الجسد وهو تشبيه والمراد أن القرآن مأدبة الأرواح والعقول, فكما أن الأبدان تحتاج إلى الطاقة والتزود من الطعام كل حين كذلك الأرواح والعقول لا بد لها من طعام يُشبع نهمها ليستقيم أمرها وتظل عاملة حية.
وإذا كانت الأبدان تشبع باللُّقَم اليسيرة فشأن العقل آخر, إذ هو لا يزال يتروَّح في رياض القرآن ويتمعن في كلماته وآياته ويقف عند ألغازه وأسراره ولا غرو فقد وجد العقل بغيته في القرآن.
ثم يتحصل النمو لكل من الجسد والعقل والروح, أما الجسد الذي ينمو بالطعام فسيقف في نموه إلى حد معين فلا يزيد عليه, بل هو إن فعل ينقلب نموه تشوهاً يثقل على الإنسان, فمدارج النمو لديه محدودة, في حين أن العقل والروح غير محدودة تنمو إلى مدى لا يقف عنده خاصة الروح، فكلما عبَّا من القرآن حلّقا في مدارج وفضاءات إلى أن يغدوا في مستوى عالٍ {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}269.
المعنى الآخر للمأدُبة: قال المناوي: هي بضم الدال أشهر يعني مدعاته270, وقال العيني: مأدبة الله ليست من الطعام في شيء وإنما هي مفعلة من الأدب271,وفرَّق أبو عبيد بين مأدُبة بضم الدال أي الصنيع يصنعه الرجل فيدعو الناس إليه وبين مأدَبة بفتح الدال مفعلة من الأدب272.
تساؤل, لم لا نشعر بحلاوة القرآن؟.
نحن نقرأ القرآن ولا نشعر بحلاوته ولا بزيادة الإيمان, فما السبب؟.
إن من يقرأ القرآن لمحض التلاوة أو يسمعه لنغمة صوت, أو الانتهاء من ورده اليومي فحسب أو نيل الثواب فقط دون التفكير في هدف إنزاله لا يمكن أن ينال مبتغاه من الحلاوة الخاصة التي يغدقها القرآن على محبيه.
فهؤلاء قعدت بهم الهمة عند الحدود الدنيا من المراد, وهم وإن حصلوا على الثواب لكنهم أفرغوا القرآن من محتواه.
إن القرآن بحاجة إلى صاحب في سفر لا إلى ناظر فقط, بحاجة إلى صاحب مكين العزم يقلِّب فيه عينيه ولسانه وقلبه وعقله ويا ليته يبلغ الشأو منه, وعلى هذا المهيع تذوق الصحابة الكرام والسلف الصالح آيات الله العظام في القرآن ولقد مدحهم القرآن فقال:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}273,ففي كل حرف يقرأونه زيادة في محصلة الإيمان لديهم حتى امتلأت قلوبهم إيماناً.
{وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا }274.
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ}275.
أي اضطربت وانقبضت جلودهم فأورثهم الخوف ثم لم يلبث أن هبّت عليهم رياح الطمأنينة والسكينة فلانت الجلود وهدأت القلوب.
فمن رام تذوق حلاوة القرآن فليشعر أن القرآن نزل عليه وحده وهو المخاطب دون سواه, أو أن الله في علاه يُلقي عليه القرآن آية آية كلمة كلمة سيعبّ حينها من الحلاوة المتدفقة التي لا تقدَّر بثمن ولا تُباع بكل مطعومات الأرض ومشروباتها.
وهذا يحتاج إلى فهم واستيعاب الآيات لأننا عوام في كتاب الله الذي نزل بلغة فصيحة لا بلهجات عامية مهزولة. إنَّ المُصاب بمرض في الغدد اللسانية الذائقة للطعام يتخلخل لديه الطعم والذوق، كذلك الحال فيمن جهل العربية ولم يجهد في تعلمها ثم أراد فهم القرآن، وإنما اللغة قالبه فمن لوازم فهمه جيداً أن تؤدي حقه في فهم اللفظ، فعلى ذلك اختلف تناول القرآن بيننا وبين السلف.
إنَّ العامية التي نزاولها كالنضَّارة السوداء يرتديها من يطلب صَوْلة الشمس في سِجال النهار، فأورثته على القرب ظلالاً قاتمة أخفت عنه سطوع الأشياء، فلا حظَّ البتة في استشعار الإعجاز البياني لمن لم تملأ رأسه الصغير لغة العرب بأفانينها وعلومها.
ولئن كان هذا جهيداً علينا خاصة هذه الأيام فإن فهم كلام الله والإحساس بروعته يستأهل ويستحق أن تُفني العمر في معشاره.
حقوق القرآن عليك
ليس للقرآن حق واحد عليك, بل حقوق متعددة متقاربة, ومن ظن أن قراءته وتلاوته كافية فقد صدق فيه قول القرآن: {الذين جعلوا القرآن عضين}276,أي جعلوه أجزاء متفرقة, وإلا فحقوق القرآن متعددة هي:
– تلاوته, قال تعالى: { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ}277, وقال: { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ}278، فالتلاوة هي أول الطريق وفاتحة الباب، فهل ترضى أن تظل في أول الطريق وعند عتبة الباب؟، أنك لم تسر بعد وإن فعلت فخطوة واحدة، رغم أنَّ الطريق كله أمامك، يُغريك لبهائه أن تُقلع الخطو فيه، يتراءى لك في جوانبه يمنة ويسرة من الأزاهير والثمار والعصافير والألوان ما يستلّ اللب ويفور بالدفء.
– تدبره وفهمه والغوص في معانيه, قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}279, وأن يعلم القارئ أن القرآن لم تُستنفد كنوزه بعد إذ لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَق على كثرة الرد280, وحلاوته إنما تُستخلص من تدبره لا من تلاوته, وكلما وقف القارئ مع الآية واللفظ القرآني وبحث فيه تبدَّى له بحر لا قرارة له, واتسقت نفسه مع جلال العظمة الإلهية في إيراد اللفظ المعجز.
وحقيق بمن رغب بتدبره أن يحيط ببيئة السورة والآية، فيطَّلَع على أسباب النزول والأجواء المحيطة والحدث القريب لنزوله، وأن يرجع إلى التفاسير ومفردات اللغة ويسأل عنها، فإذا استجمع ذلك وقرأ نصَّه فقد استكمل عدَّة ما بذله البشر في القرآن، ثم من هنا بدأ الطريق، فعلى قدر تأمله ومحاةرته والوقوف عنده يأتي بالجديد الذي لم يُعرَف بعد.
ثم على قدر ثقافة الشخص وفكره يبرع ويبدع، فمن كان عارفاً بالفلك والأجرام والنظريات الحديثة في تفسيره تختلف نظرته عمن يجهله، ومن كان طبيباً قنَص من إشاراته الطبية ما يُعدُّ فتحاً في بابه، وقل مثل ذلك في الفيزياء والكيكياء والتربية والسياسة، كلٌ يستفيد من القرآن على طريقته، وإذن فليس التدبر خاصةَ علماء الشرع.
– تطبيقه وجعله دستوراً للحياة, وقد يصح لو قلنا أن غاية قراءته وتدبره من أجل تطبيق أحكامه في واقعنا المعيش, وإن من أولى الخطوات في سبيل استئناف الحياة الإسلامية أن نتطلع إلى تطبيق القرآن, وهذا التطبيق متدرج فهو أولاً.
على الفرد بأن يحلّ حلاله ويحرَّم حرامه ويقف عند حدود الله فيه.
ثم في بيته، فينشد أسرة مسلمة مطبقة لأحكام القرآن.
ثم في المجتمع ككل, ويكون ذلك بحسب همة الإنسان بأن ينشط فلا يكسل, وعلى قدر قصدانه في ذلك يأتيه معوان من الله تعالى, إذ الإنسان حينها أجير عند الله تعالى والمستأجر يعين أجيره ويبذل له الأجر.
ثم لا يخفى على مؤمن القِران المعقود بين تطبيقه وبين السعادة الوشيكة لبني الإنسان، فدَسَمُ السعادة كامن في إنزاله على حياتنا وتنفيذ مطلوباته، ثم تتؤول الحضارة مبتورة الساق والقدم إذا شقَّت سبل الحياة بغيره، ولن تجمع من الرقي والتطور بعدها إلا كما ينتشل الأعمى الماء من الوحل.
– الدعوة إليه, والداعي إلى تلاوته وتدبره وتطبيقه هو من فهم حقيقة الحياة الكبرى, إذ لا غنى لهذه الحياة عن القرآن, وهو داعية إلى أثمن شيءٍ عرفته الأرض, ففي الوقت الذي يكون الناس فيه عازفين منشغلين بالترهات يسمو في دعوته للقرآن ويتمايز عن بني جنسه.
ثم الاستفادة منه في أمرين:
الأول: تحقيق السعادة, ونحن لا نحتاج هنا كي نبرهن للقارئ الكريم مبلغ السعادة التي يستشعرها المواظب على القرآن, ولا غرو فهو غذاء الروح وطمأنينة الجسد, ففيه تلبية لأشواق الروح وتطلعات العقل, وإذا كان الجسد لا يحيا إلا بالتزود المستمر بالطعام والشراب فكذلك العقل لا يحيا دون التدبر والتفكر به، وأفضلها أن يُعمل عقله في القرآن, بل في ذلك كما تعلم عصمة له من التردي في مهاوي الضلالة والتيه.
ثم إن هذه النفس اللجوج الشغوب تحتاج إلى هدأة في صخب الحياة العاتي بأمواجها المتلاطمة, تحتاج هذه النفس إلى استراحة تُفرِّغ شحناتها وتعاود الحياة من جديد, فهي المتشوقة المتعشقة لكلام الله تعالى.
إننا نجد أن من واظب على تلاوة القرآن وتدبره واتخذ منه أوراداً يومية، كأن يقرأ كل يوم جزءاً أو أقل, نجده لا يعرف شيئاً اسمه التعاسة النفسية, فخاطره مطمأن في أغلبه لا تكدِّره شوائب الحياة ومقلقات الأمور, فكأنما سكن القرآن نفسه وأودعها سكينة لا حظ للهاجرين منها.
– الاستفادة منه في الرقي والتقدم والسير به نحو الآفاق العلمية الرحبة, فما من علم من العلوم إلا وقد أسس القرآن لخطواته وعتباته الأولى, قال تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شيء}281, وإن كان هذا الجانب شأن المتخصصين والعلماء المتفرسين في القرآن إلا أن فائدته عائدة على المجتمع الإسلامي بل على البشرية جميعها، فإن للبشرية وإن كانت كافرة بالقرآن حظها منه, وذلك أن من مقاصد نزوله بلا شك أن تعمَّ السعادة بني الإنسان في أقاصي المعمورة.
للقرآن هداية من نوع جديد
لو أنك رجعت إلى التفاسير في قوله تعالى { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}282, لوجدنا: يرشدنا إلى الحالة التي هي أعدل وأصوب وهي توحيد الله والإيمان برسله283, وأن هذا القرآن يدلّكم على دائكم ودوائكم, فأما الداء فالذنوب والخطايا وأما الدواء فالاستغفار,وأنه يهدي لأقوم السبل وأوضح الطرق284.
وقد دارت التفاسير القديمة حول هذه المعاني القريبة, واللفظ يحتملها ولا يردها.
والهداية هي الإخراج من الظلمات إلى النور ومن الجور إلى العدل ومن الضيق إلى السعة, فمجموع المعاني السابقة مندرجة تحت الآية الكريمة.
ومن معاني الهداية الإرشاد والتبيين والدلالة وغيرها من المعاني القريبة.
كي يتضح لنا أن هنالك هدايات أخرى, وهي هداية التقدم والتطور والرقي في مسالك الحضارة وجلب السعادة لبني الإنسان أجمع.
والقرآن بلا شك معنيٌّ بهذا كله, فمن اتخذ القرآن مسلكاً ومنهجاً كان رائداً في السير الصحيح تجاه اكتشاف النواميس الكونية ومعرفة قوانين الطبيعة, وفي ثنايا القرآن لو تم تدبره واتخاذه كتاباً في المعرفة الشاملة فك لأسرار النسيج الكوني ومعرفة للوجود وسبر لأغوار الخلق الأعظم والاستفادة من كل ذلك في نشدان الرقي.
لقد بثَّ الله تعالى ذلك في خلقه، وجعل قوانين ونواميس ثابتة مطردة لحركة مفردات الكون القريب والبعيد, ما اكتُشف وما لا يزال, وإذا كان ذلك منثوراً في ثنايا الطبيعة في عالم البحار واليابسة والفضاء فهو بلا شك مبثوث في القرآن.
إذ الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتابه المسطور, ولا اختلاف ولا تعارض بين الكتابين, فمن رام اكتشاف الحقائق المذهلة للخلق فلا غنى له عن القرآن فإن فيه الخطوات الأولى في طريقة السير وفيه من الكوامن والأسرار والطاقات ما لو فُجِّرت لسالت ماءً زلالاً يُشبع الخلق نهماً.
بهذا المعنى السالف وجب عليك أيها القارئ أن تتدبر في الآيات الخاصة بالسير, { قل سيروا في الأرض}285, فبالإضافة إلى اكتشاف مصائر الغابرين ففي السير فتوحات العلم الطبيعي والنظري والتجريبي.
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا}286, { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}287, من أجل ذلك لا نجد تعارضاً بين الصنوين والأخوين, الحقائق العلمية المكتشفة حديثاً وما قرره القرآن منذ قرون خلت288.
فصار لزاماً أن نضع القرآن في المعمل والمختبر، أقصد تلك الآيات المشيرة إلى بعض الحقائق العلمية أياً كان نوعها، فلكية أو طبية أو فيزيائية أو كيميائية أو غيرها، بالإضافة إلى الظواهر الإنسانية التي تدرسها العلوم الاجتماعية المختلفة.
الأسئلة المحيرة
السؤال الأول: لو كان الإسلام هو الدين الحق, أفلا ينبغي أن يظهر ذلك على المسلمين؟, بمعنى يجب أن يكونوا هم أصحاب الحضارة والتطور والرقي, والعكس هو الصحيح, إذ المسلمون اليوم في ذيل القافلة العالمية, ودولهم متقهقرة متأخرة بل يُطلق عليهم دول العالم الثالث, أما الدول المتطورة كالأوروبية والأميركية والأسيوية ذات الأغلبية النصرانية فالعقل يحكم أن ديانتهم هي الحقة لأن ديانتهم رفعت من شأنهم وظهر أحقيتها واقعاً ملموساً على مجتمعاتهم.
الجواب.
تكون المقارنة صحيحة عقلياً لو أن هذه الدول المتطورة اليوم هي صاحبة الريادة في التاريخ كله لا في الأوقات الحاضرة فحسب, فأوروبا مثلاً متقدمة اليوم, فهل كانت كذلك في العصور الوسطى؟, فلم لم تحكم هذا الحكم إبَّان ذلك التاريخ الذي كان العالم الإسلامي وقته هو صاحب الريادة, مما يدل أن المقارنة غير سديدة ولا صائبة، هذا أولاً.
وثانياً: هناك دول غير نصرانية متقدمة كاليابان والصين وروسيا وهي على ديانات مختلفة، بل إن روسيا أو الاتحاد السوفياتي سابقا دولة لا دينية فينبغي أن تحكم أن اللادينية خير من الدولة الدينية, وهذا غير صحيح أيضاً.
ودولة اليهود متقدمة بل هي كالدول الأوروبية من حيث النظام السياسي والاجتماعي وقوة الاقتصاد والصناعات, فأي الأديان أحق وخير اليهودية أم النصرانية؟.
وهناك دول نصرانية أضعف حالاً من دول العالم الإسلامي, فلم لم تكن المقارنة بها لا بغيرها؟.
والأهم من هذا كله أن العالم الغربي بدأ يتقدم علمياً بعد الثورات التي أعقبت القرون الوسطى, أي بعد أن نبذت أوروبا الديانة النصرانية, تلك الديانة التي كانت حاكمة بالفعل, ثم حُشرت بين جدران الكنائس لا دخل لها بأنظمة الدول, ونحن نعلم بلا شك أن دول العالم المتقدم دول علمانية أي لا تحكم بالدين بل بأفكار وفلسفات علماء التنوير التحررين أمثال جاك روسو وإميل دور كايم وأوجست كونت وهيجل وكارل ماركس وغيرهم العشرات, فلم تُنسب هذه الدول إلى ديانة مع أنها تبرأت منها إلا قليلاً؟.
والحق أن المقارنة غير سليمة إلا بمقدار من يزعم أن الأغنياء هم دائماً الأذكياء لأنك ستجد كثير من الأغبياء أغنياء, فلا علاقة للرزق بالذكاء, أو أن الشجعان هم دائماً الحاكمون الأقوياء مع أننا نجد حاكمين ضعفاء.
والواقع التاريخي يشير أن أوروبا ما تقدمت إلا بعد أن تركت ديانتها, فالمعادلة البسيطة تُظهر أن النصرانية المحرَّفة هي التي حبست أتباعها في ظلمات العصور الوسطى فلم يكن سبيل لديهم في نشدان التقدم والرقي إلا بترك الدين, وتختلف المعادلة لدينا تماماً إذ سبيل التقدم والرقي الدين وحده, وهذا التضاد في التقدم والتأخر بيننا وبينهم سببه أن أحد الدينين محرف والآخر إلهي سديد.
ثم هنا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمسلمين مفاده أن عصور التراجع والتدهور بدأت في اللحظة التي بدأنا في بالتخلي عن الدين وركنه جانباً بدليل نصوع العهود الماضية كدولة الخلفاء الراشدين وما بعده من عصور الأمويين والعباسيين, ولم يظهر التخلف إلا حينما استأثر الخلفاء والملوك بالدنيا وباعوا دينهم من أجل عروشهم وهذا أمر لا يُشك فيه البتة, فنحن ومؤرخونا أعلم بعهودنا السالفة من الغرب والمستشرقين ومن أولئك الذين رضعوا لبانات الغرب دون أن يتفحصوا تاريخهم المديد المظلوم.
السؤال الثاني: ما دليلكم أيها الزاعمون من المسلمين أن الصالحين من الديانات الأخرى في هذه العصور ليس لهم أجر البتة في الآخرة؟, فهل يُعقل أن من أفاد البشرية منهم واخترع للناس شيئاً لم يزالوا يستفيدون منه إلى الآن, أيُعقل ألا حظ لهم عند الله في الآخرة؟, فالأطباء الغربيون الذين يدأبون ليل نهار على اكتشاف علاج لمرض قهر البشرية قروناً, والعلماء الذين أخذوا بسبل التقدم والإزدهار وأناروا حياة سعيدة في أركان المعمورة, والقائمون على الفقراء والمستضعفين ويمدون معوزي العالم بما يحتاجونه من الطعام والشراب, أليست السالفة كلها أعمال صالحة يحسن بعدها المجازاة بالخير؟.
الجواب: نعم هي أعمال نافعة نعترف بها ونشكرهم عليها وننسب الفضل بعد الله إليهم, غير أنه من مقررات ديننا التي لا نحيد عنها أن تلك لا تُسمى أعمالاً صالحة في عرف شرعنا, لأن أي عمل صالح يُشترط له شرطان:
أولاً: أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى, ولا يكون خالصاً إلا إذا دان صاحبه بدين الله الحقيقي الذي يقول: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}289, ويقول: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}290, فالمعادلة بسيطة مفادها: إذا كنت تبغي أن يكون عملك خالصاً فينبغي أن يكون دافعه وجه الله فحسب, ولن يكون إلا إذا أسلمت وجهك لله ودخلت في الدين الخاتم الذي هو الإسلام.
ثانياً: أن يكون هذا العمل موافقاً للشرع, وإلا كان ابتداعاً, والأعمال السالفة خير كلها, فهذا الشرط متحقق لديهم ويبقى الشرط الأول وهو العسير.
وسأضرب مثالاً بسيطاً يوضح استحقاق العامل للأجر, وذلك أن العامل لا يحق له بحال أن يطلب عوضاً من غير من استخدمه في العمل, فلو أن طبيباً مصرياً يعمل في المستشفيات المصرية طلب راتبه في آخر الشهر من الحكومة العراقية, فهل ستعطيه أجره؟, لا لأنه لا يعمل لديها, كذلك من لم يكن مسلماً كيف يطلب أجره من الله وهو على غير دينه ولا يعمل أجيراً عنده.
ومن رحمة الله تعالى أن هؤلاء من غير المسلمين إن نفعوا الناس بشيء يجازيهم الله تعالى على الإحسان – فيما أحسب – في دنياهم ولا يبقِ لهم أجر في الآخرة.
السؤال الثالث: ما هو دليلكم العقلي أيها المسلمون دون أن تستعرضوا لنا أدلة نقلية من الكتاب والسنة فنحن لا نؤمن بها, ما هو دليلكم أن الإسلام هو الدين الحق الذي يُنجي في الآخرة ويكفل الله تعالى به السعادة لمن دان به في الدنيا.
الجواب: يظهر ذلك في عقيدتنا من خلال عدة أمور كلها تُبرهن لمن كان موضوعياً منصفاً أن الإسلام هو الدين الحق.
– أنه خاتم الديانات ومحمد آخر الأنبياء والرسل, ولم يظهر في التاريخ بعده نبي ولا رسول كان قد برهن على رسالته وثبت عليها، وجاء بمقررات تصلح أن تكون ديناً لعامة الناس.
أن المسلم هو الوحيد الذي يؤمن بأرتال الأنبياء السابقين, فهو يؤمن بأٍس الديانة اليهودية موسى u وبأنبياء بني إسرائيل الذين يعترف بهم اليهود والنصارى أمثال إبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف وهارون وداود وسليمان u انتهاء بآخرهم عيسى u نبي النصرانية, في حين أن اليهود لا يعترفون بنبي النصرانية, والنصارى لا يعترفون بمحمد ويعترفون بمن قبله, فلديهم خلط وشقاق ونزاع بخلافنا.
– يحكم العقل بمسلمة بسيطة هي أن الدين ينبغي أن يكون حاكماً على كل أنظمة البشر, وذلك أن الله تعالى هو الخالق الصانع, والصانع بحكم صنعته هو من يضع طريقة سير المصنوع، وهو الذي يحدد الإجراء العملي لما ينبغي أن تقوم به هذه الصنعة, وإلا لم يكن حكيماً حين صنع, فلا يُعقل أن إله الكون خلق الخلق ثم يتركهم يفعلون ما يشاؤون.
– إذا عُلم ذلك بقي أمر آخر ملازم للأول، وهو أن حال الإله يساوي بين مصنوعاته في أن يجعل برنامجهم واحداً، ويطلب إليهم نفس الطلب ويأمرهم بذات الأمر, وبعبارة أخرى أن يكون دينه عالمي للبشر كلهم, وإذا تفحَّصنا اليهودية ألفيناها خاصة بهم ولا تتسم بالعالمية, فكأنهم بلسان الحال يقولون أن الإله شرَّع لهم وترك غالب الشعوب دون تشريع.
أما النصارى فيعترفون بعالمية دينهم غير أنهم غير مستقلين نهائياً عن اليهودية بل يأخذون منها بدليل أن الكتاب المقدس لديهم يشمل عهداً جديداً هو الإنجيل وآخر قديم هو التوراة, فأصل شريعتهم لا يعترف بالعالمية الدينية.
– وهو المهم أننا حينما نقارن بين العقائد الثلاثة، نجد أن النصرانية قائمة على الاعتقاد الجازم ببنوة الإله, وهذا يتصادم مع فكرة الكمال المطلق للإله, إذ الابن والأولاد والزوجة والقرابة كلها صفة نقص في الإله الكامل, لأنها لا تكون إلا لمعوز مفتقر إليها, فالإنسان يلد لحاجته إلى أبناء يقومون به غداً حين يشيخ ويشيب، وإذا كان ذلك يصلح للبشر العاجزين المحتاجين فإنه لا يصلح في حق الله لسبب أنه لا يشيخ ولا يشيب وحاش لله, ثم هو يولَد لحاجته إلى العناية في صغره, والله تعالى لم يكن صغيراً يوماً فلا حاجة له إلى الأب ولا إلى الابن.
وأما اليهود فهم من زعم آباؤهم الذين أخذوا الدين عنهم بأن العزير ابن الله فهم كالنصارى في ذلك, وهي فكرة ساقطة لا يقبلها العقل المنصف في حق الإله الواحد الأحد, وذلك أن صفة الكمال المطلق تأباها.
السؤال الرابع: إذا كان الله أمرنا بأن ندعوه وإذا فعلنا استجاب لنا كما في الآية: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}291, وقال: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}292, وقال r فيما رواه أنس: ” إِنَّ اللَّهَ جَوَّادٌ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إِذَا دَعَاهُ أَنْ يَرُدَّ يَدَيْهِ صِفْرًا لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ”293, والأحاديث بعد ذلك متواترة المعنى إن لم تكن لفظاً في أن الله يجيب دعوة الداعي, فما بالنا – معشر المسلمين – منذ عشرات السنين ندعو الله فلا يستجيب لنا, فلكم صدعت المآذن والقباب وصرخ العجائز والشباب وجأر الضعيف والعاجز في الدعاء على اليهود وأعداء المسلمين فلم نر استجابة بل ازدادت الأمة عجزاً وزمانة, فما السبب في ذلك؟.
الجواب: نجيب على هذا الإشكال من خلال عدة محاور:
أولا: أن استجابة الدعاء ليس منوطة بتحقيق المدعو به في الدنيا فقد يدِّخر الله تعالى ذلك للعبد الداعي في الآخرة, أو أن يغفر من ذنوبه بقدر ما دعا, حتى إن العبد إذا عُرضت عليه أعماله وحسناته في الآخرة فرأى منها أعمالاً لم يصنعها في دنياه ثم قيل له: هذا الدعاء الفلاني لم يجبك به الله تعالى في الدنيا وإنما أخَّره لك في الآخرة، إذا علم ذلك تمنى لو أنَّ الله لم يعجِّل له دعاءً واحداً في الدنيا وأخّرها له في الآخرة.
ومثلها يقال في غفران الذنوب يتمنى العبد يوم القيامة لو أن الله صرف له كل دعاء في دنياه إلى مغفرة الذنوب لتمنى أنَّ كل دعائه انصرف إلى ذلك.
فادِّخار الله للعبد في الآخرة خير له من تعجيل الدعاء, ويظهر ذلك في بعض الأمثلة التي نعيشها فيما لو درّ رزق على أحدنا وأخذ ينفق ذات اليمين وذات الشمال على نفسه, ثم مرَّت به ضائقة احتاج معها إلى مال فلم يجده, يتمنى حينها لو كان ادّخر بعضه لوقت الضيق, وهل هناك وقت يفتقر فيه العبد أشدّ من الآخرة والحساب والعرض وتطاير الصحف والميزان والصراط وغيرها من مفردات الآخرة الرهيبة, فلو أننا لوّحنا بأعيننا تجاه الآخرة لعلمنا أن في استجابة الدعاء على هذا النحو نعمة من أوفر النعم والرحمة بنا، ولكننا نستعجل.
فمن يدري لعل الأمة لما دعت ونشطت في الدعاء لنفسها بالبركة والرزق والسعادة الوشيكة في الدنيا, من يدري لعل الله خفّف من ذنوبها, أو أنه ادّخره لها في الآخرة, بل نحن نجزم بذلك للحديث الوارد المروي عن أبي هريرة عن النبي r: ” ما من رجل يَدْعُو اللهَ بِدُعَاءٍ إِلا استُجِيبَ لَه ، فإمَّا أنْ يُعَجَّلَ له في الدنيا ، وإمَّا أنْ يُدَّخَرَ له في الآخرة ، وإمَّا أنْ يُكَفَّرَ عنه من ذُنُوبِهِ ، بِقَدْرِ مَا دَعَا ما لَمْ يَدْعُ بِإِثمٍ ، أو قَطيعةِ رَحِّمٍ أو يَسْتَعْجِلْ ، قالوا : يا رسولَ الله ، وكيف يَسْتَعجِلُ ؟ قال : يقول : دَعَوتُ رَبي فما استَجَابَ لي”294.
ثانياً: أنّ ذلك مشروط بثلاثة أمور:
1. أن لا يدعو الداعي بإثم.
2. أن لا يدعو بقطيعة رحم, وذلك من منن الله على الداعي والمدعو, فلكم دعا أناس بإثم أو بغية قطيعة رحم.
3. أن لا يستعجل.
ويبدو أن الأمة تستعجل في دعائها, أي يقول الناس: دعونا الله تعالى منذ عشرات السنين ولم يستجب لنا وذلك ممنوع شرعاً, بدليل الحديث ذاته أنه يمنع من استجابة الدعاء, فالأمة الداعية المستعجلة أقامت السبب ثم جعلت أمامه المانع، فهي كمن يملأ جرابه طعاماً ويثقبه أو ركوته ماءاً ويهريقها, وذلك أن الدعاء يحتاج إلى صيانة كي يُجاب ومن صيانته أن لا يستعجل الداعي.
ثالثاً: أن الأمة قد انتشر فيها من المفاسد الخلقية والبعد عن الدين والصلاح وتضييع الأوامر الإلهية واقتحام النواهي والرذائل والموبقات والظلم والعقوق والقطيعة والربا وغيرها من الكبائر والصغائر ما منع أبواب السماء من أن يخترقها دعاء الداعين, فإذا أرادت أن يستجيب الله دعاءها فينبغي أن تحفظ الأدب وتخلّص نفسها من هذه الموانع.
إن الربا المنتشر طولاً وعرضاً في بلاد المسلمين كفيل وحده بأن يردَّ دعوات الأمة في وجهها فكيف بغيره من الموبقات, ولما سأل سعد من النبي r أن يكون مستجاب الدعوة قال له: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوما وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به”295.
رابعاً: أن الدعاء صيغة شراء, من أراده فليدفع ثمنه, وليدفع الثمن المناسب, وذلك أن لكل مبيع عوض, والبائع لا يرضى أن يعطيك سلعته إن لم تدفع عوضاً بقدره, وتخيّل لو أنك أردت شراء سيارة بموديل 2014 ولتكن سيارة مرسيدس هل يُعقل أن تعرض على البائع مبلغ ألف دينار وهي تساوي ثلاثين ألفاً, إن المشتري يوصف في سوق الرجال بالمجنون, لأنه لا يعرف ثمن السلعة التي يريد شراءها.
وهكذا فإن ما تدعو به الأمة منذ عشرات السنين من النصر على اليهود والخروج من تبعية الأمريكان وأن يهدي الله حكام المسلمين للعمل بكتابه وسنة نبيه r وغيرها من عظائم الأمور هي أشياء جليلة القدر تحتاج إلى ثمن تدفعها الأمة وتبذل ثمنها وهي لم تفعل بعد.
خامساً: أن الله تعالى خلق الكون وبث فيه من السنن ما بثّ, وجعل الأخذ بالأسباب واجبة على مريد التغيير، فإذا فعل طُلب منه أن يعتضد بالدعاء إلى المولى رجاء أن يستجيب بعد الأخذ بالأسباب الكافية وإلا عُدَّ الداعي متواكلاً لا متوكلاً, والله لا يعين المتواكلين.
إذا عُلم ذلك, فأين هي السنن الكونية والأخذ بالأسباب التي فعَّلتها الأمة في حياتها, أو ليس الانتصار على اليهود الغاصبين ومن معهم من أعداء الأمة بحاجة أن تُعدّ الأمة نفسها للجهاد؟, وكيف يطلب النصر من لا يجاهد ولا يحدث نفسه بالجهاد يوماً, ولا نصر بلا جهاد؟.
إذن بان لنا – أيها السادة – أننا نُسيء الأدب مع الله, ولم نفهم السنن التي أودعها في كونه العريض.
سادساً: إن جلائل الأمور ومعاليها كتحرير فلسطين, وتطبيق الإسلام في العالم الإسلامي حيث لا تزال الجاهلية تمرح في ربوعه، وإعادة الدين إلى واقع حياة المسلمين, كل هذه السالفة وغيرها من الأمور العظمى التي ننشدها ونرفع الأكف إلى الله لتحقيقها, هذه الأمور جليلة القدر عند الله تعالى وهو يختار لها أولياءه الصالحين ويدّخر لأجلها العباد المخلصين, ونحن لم نصل إلى هذه الرتبة بعد.
فلو كان لديك ثلاثة أولاد متنوعو الهمّة والنشاط والذكاء, ثم عرض لك أمر مهم للغاية يحتاج إلى أن تنتدب أحدهم له وتوكِّله فيه, فأي أولادك ستختار له, البليد أم العاجز أم الذكي؟, إنك بلا شك ستدّخر له أقربهم إليك وأذكاهم ومن تشعر بالطمأنينة أنه سيُحسن الوكالة فيه, فالوكيل على قدر الوكالة, وأمر استجابة الدعاء كهذا المثال لا يختلف عنه كثيراً.
السؤال الخامس: يعتقد كل مسلم أن الله أعدّ لعباده المؤمنين جنة عرضها السموات والأرض, وأنها دار النعيم الأبدي في جواره جلَّ وعلا, لكن المُحيَّر في أمرها هو أصناف النعيم فيها, فالقرآن الذي تحدَّث عنها بإسهاب ذكر أصناف قليلة من النعيم هي الطعام والشراب والنساء, فهل معنى ذلك أنها تخلو من سواها مع أنَّ في الدنيا أصناف للنعيم أكثر من مجرد هذه الثلاثة.
الجواب:
أولاً: يجب معرفة أنَّ الله تعالى حين وصف لنا الجنة في كتابه لم يذكر لنا جميع ما فيها, وسأدلِّل على ذلك بدليلين:
الأول هو الدليل النقلي, وهو قوله تعالى: { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }296, وقول نبينا فيما يرويه عن ربه في الحديث القُدُسي: ” أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”297, وتمعَّن في التدرج الذي رتَّبه الحديث الشريف إذ مجال معرفة الإنسان في المُبصَرات أقل منها في المسموعات وهي أقل منها في المُتَخَيلات.
الثاني: دليل عقلي, وذلك أنَّ الجنة التي خلقها الله تعالى لتكون مصيراً وجزاءً لعباده المؤمنين أعظم من أن تحيط بها عقول البشر, وعدم إحاطة العقول نلمسه في بعض المخلوقات دون الجنة فكيف بها وهي صنعة الرب وكرامته لعباده الذين اصطفى.
وثانياً: في القرآن صفة ينبغي معرفتها جيداً وهي أنه نزل على أفراد عصر النبوة وخاطبهم بما يفهمونه وفق مداركهم، فكانت غاية الحكمة حين نبَّه على النعيم أن يذكر من جنس ما هو متوافر وموجود لديهم وإلا لكان تكذيبهم له مستساغاً, لطبع الإنسان في رد ما لا يستقيم مع حواسه ومشاهداته.
إذا عُلم ذلك صار لزاماً علينا فهم عدم انحصار النعيم الأخروي بالطعام والشراب والزواج بل هذه الثلاثة وغيرها مما هو مذكور في القرآن ما هي إلا أقل القليل عما هو موجود في الجنة فعلاً.
وقد تكفَّلت النصوص كالذين سبقا بأن يتخيل كل مؤمن سعة الجزاء وعظيم الكرامة التي تنتظره في دار الخلد, مع أنَّ المؤمن لا يُشغل عقله بتفاصيل ما يُصدّقه على العموم, فالمؤمنون يعظِّمون ربهم عظمة لا متناهية ويعلمون نتيجة لذلك جسامة ما أُعدَّ لهم في الآخرة.
يتركب إنسان الجنة تركيبة جديدة تتسق مع الزمان والمكان الجديدين، أما الزمان فلا ينقضي خلود تام إلى أبد الآباد، فكان هذا يقتضي أن تُبنى أعضاؤه وأنسجته ومكوناته غير قابلة للعطب بخلاف ما نراه في الدنيا حيث تعمل خلاياه وأجهزته إلى أمد معين ثم ينتهي، أي أنَّ لها عمراً محدوداً تنتهي حياته إثرها، في الآخرة الأمر مختلف تماماً حيث يحتفظ الإنسان بأجهزة تعمل إلى الأبد دون أن تعطب في وقت ما، بل لا يناله أيضا عطب مؤقت كالمرض والعجز.
وأما الاختلاف المكاني فيبدو الفارق جليّاً كالفرق بين الحياة الأرضية والجنة دار المقام الأبدي السعيد التي أودعها الباري من النعم ما يصل إلى الغاية القصوى في التنعم والتلذذ.
ولما كان للإنسان قصته الخاصة على الأرض، قصة لا بد من إكمالها عنوانها الاستخلاف الإلهي وإعمار الأرض والمحافظة على سبل الحياة الكريمة، فهذا يقتضي أن يملأ الإنسان وقته بما ينتفع منه، وأن يتعاون في سبيل ذلك.
حساسية الإسلام
الإسلام كالكائن البشري يتحسس من بعض الأمور أكثر من غيرها, وحساسية الأفراد متنوعة حسب طبيعة الجسد, فالبعض يتحسس من دواء ما, وآخرون من الروائح والأتربة, وغيرهم تصيبه حساسية الربيع والخريف, أي أن جسم هذا الكائن نافر من بعض الأشياء، أو أن طريقة تقبله تختلف من شخص لآخر.
وبالمقابل فهناك أمور تصيب هذا الدين بالحساسية بل وتُشعره بالزكام, ذلك أنه يكرهها ويسعى إلى إبعادها أو الابتعاد عنها.
ومن هذه الأمور النزاعات والخلافات
فهذا الدين العظيم ينأى بأفراده عن الاختلاف ويسعى جاهداً في تجفيف منابعه, ويشتد في وأد الكراهية والعداوة فلا يرضى في واقعه المعيش بانتشار الخصومات , لأنها تؤدي إلى تفسخ المجتمع فيغدو ضعيفاً متهاوياً يتصدع أمام عدو ضعيف.
مثال الخِطبة على الخِطبة
فمثلاً نهى الإسلام عن الخِطبة على الخِطبة والبيع على البيع, ومعنى الخِطبة على الخِطبة أن يتقدَّم أحدهم لخِطبة فتاة ما، وأثناء دراسة العائلة لهذا الوافد الجديد الذي يودّ الاقتران بابنتهم، ويحصل شيء من الركون ويقع الأمل في قلب الخاطب أي أنه يقترب من الطمأنينة، يقتحم عليه خاطب آخر ويتعدى على حق السبق لديه, وبمجرد حدوث ذلك تنشأ عداوة بين الخاطبين, فكيف إذا فضّل الأهل الخاطب الثاني, هذه العداوة قد تدفع الأول إلى إيقاع الأذى بالثاني وربما يصل إلى القتل, حينئذ يصاب الدين بحساسية خانقة كانت قد دفعته من البداية إلى تحريم خِطبة الثاني, وبهذا يُفهم كلام النبي r: ” وَلَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ”298.
إنَّ لكل واحد الحق في التقدّم لخِطبة هذه الفتاة، لكنه لما سبق غيره إلى هذا المباح استفاد حقاً محمياً بحمى الدين, يُعرف هذا الحق بحق السبق, فلا يجوز لأحد أن يقتحم عليه حقه, والغاية من النهي دفع غائلة العداء ومحو التنازع بين الأفراد المؤمنين.
وبعض الفقهاء يرون أن مجرد الركون لا يكفي في استحواذ حق السبق بل لا بد أن يقبل الأهل بخِطبة الأول حينئذ تحرم الخِطبة على الخِطبة.
مثال البيع على البيع
لقوله r: ” لا يبع بعضكم على بيع بعض”299,وصورة البيع على البيع تتحقق حين يُقدم أحدهم على شراء سلعة من بائع، فيتدخل بائع آخر ويعرض ذات السلعة على المشتري بسعر أقل أو بجودة أكبر فينقض المشتري البيع الأول ويُقبل على الثاني, ففي العادة ينشأ عداء بين البائعَين ويولَد الخلاف وتنتشر الكراهية بين الناس فما كان من الإسلام إلا أن حرَّمه.
ولما كانت علة تحريم أو كراهية الخِطبة على الخِطبة والبيع على البيع موجودة في غيرهما قاس الفقهاء الإجارة على الإجارة والشراء على الشراء وكل ما من شأنه أن يشابه الأوليْن في العِلّيّة.
لاحظ الفقهاء حساسية الإسلام تجاه هذا النوع من البيوع، وسعيه الدؤوب لمحو كل آثار النزاع في المجتمع واقتلاعه لصنوف العداء في أناس أظلهم الإسلام بظل المحبة والإخاء.
نسبية العداء
والعداء بمختلف صوره ونِسَبه منتشر في المجتمع لا محالة, والإسلام لم يحسم كل صور العداء، فهذا مغروس وناشئ عن العلاقات القائمة بلا شك, ولكنه ينظر إلى هذا العداء والنزاع ويدرسه فإذا وصل إلى نسبة مؤثرة في المجتمع حرَّمه وجفَّف منابعه.
إذ هناك نسبة مسموح بها ولا تضير المجتمع، ويستطيع الأفراد العيش معه, والأمر أِشبه ما يكون بانتشار أشعة نووية في منطقة ما حيث تقيس الأجهزة الأِشعة فإذا بقيت نسبتها دون الطبيعية فلا خوف من الخطر، أما إذا زادت نسبة الإشعاع فلا بد للأفراد إما أن يغادروا المنطقة أو يلبسوا الكمامات الواقية ريثما تُرفع هذه الإشعاعات من الجو الملاصق.
فمثلاً حرَّم الإسلام الجمع بين الأختين في قوله تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}300, عطفها على قوله تعالى: { حرِّمت عليكم أمهاتكم..}, وبناءً عليه لا يجوز للرجل أن يجمع بين أختين, وحرَّم النبي r الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، فاستخلص الفقهاء قاعدة اعتماداً على النصين – الآية والحديث – قاعدة مفادها: لا يجوز الجمع بين امرأتين بحيث لو فرضنا إحداهما ذكراً حُرِّم على الأخرى.
وتطبيقاً للقاعدة الجمع بين المرأة وابنة عمها أو ابنة خالها لأننا لو افترضنا إحداهما ذكراً الزواج من الأخرى.
وما السبب في هذا التحريم؟, لا شك أنه حدوث العداوة بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها, وقد جزم الفقهاء بهذه العلة.
ويحق لنا أن نتساءل عن العداوة الموجودة بين الضرائر حتى لو كانت الأخرى بعيدة القرابة عن الأولى, فلم لم يحرم الإسلام الجمع بين النساء مطلقاً؟.
والجواب أن النسبة القليلة من العداوة مسموح بها, ومن غير المسموح به أن يكون بين الأختين وبين المرأة والعمة والمرأة وخالتها لخصوصية الأرحام, إذ عادة الأختين المحبة الزائدة في الغالب الأعم، ومن أجل أن يظلا على هذه الوتيرة تقف الأحكام عائقاً في الجمع بينهما عند زوج كيلا تنقلب هذه المحبة إلى عداوة، فمن غير المسموح به إطلاقاً نشوء عداوة بين الأختين, كذلك الحال بين المرأة وعمتها وخالتها فهما بمقام أم المرأة ولن يسمح الإسلام بعداوة الضرَّة, ربما تكون هذه العداوة موجودة بمحض الطبيعة لكنه لن يبيح شيئاً يصنعها.
وهكذا نجد أن الإسلام لا يمكن أن يؤسس للعداء، لأنه ينشد مجتمعاً خالياً من الشوائب والمُكدِّرات.
زُكام الطقس الكنسي
كذا الإسلام دين الحياة, يُصاب بالزُّكام والرشح حين يُعامل كطقوس كنسية وممارسات عبادية مُفرَّغة من محتوى الحياة, وهو لم يأتِ ليُعبئ روح العابد في مصلَّاه فحسب وإنما ليجعل الحياة كلها محض عبادة للخالق العظيم.
أما أن يُحشر في المساجد كما سُجنت النصرانية في الكنائس، فأمر يأباه ويتمرد عليها ويصرخ لأجله صرخة تودي بالثقلين إلى غير ذات الرجع, فلا غرو أن يشنُّ بأتباعه الخلَّص معركة دامية الوطيس على كل ناعق يهتف بـ “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”, وإنما يُسلس للناس أن يكون هتافهم” لا شيء لقيصر فالأمر كله لله”.
وقد شعرتَ من قبلُ الآية التي نزلت عقب غزوة أحد وخوطب بها نبي الإسلام: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}301,فمحمد أقرب الخلق إلى الله وأعظمهم منزلة ورتبة، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، لا يملك من أمر الله شيء إلا أن يشاء مولاه, وقد ورد في سبب نزولها حادثان:
الأول: في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم رسول الله إلى بئر معونة سنة أربع من الهجرة بعد أُحد ليُعلِّموا الناس القرآن والعلمَ وأميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل، فَوَجَدَ رسول الله من ذلك وَجْدًا شديدًا، وقنت شهرًا في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللّعن والسّنين فنزلت الآية تقرر أمراً لازماً تظل الرؤوس محشوة به إلى يوم القيام, المطلوب منك أيها الرسول العظيم تبليغ أمر الله ودع الخلق للخالق فهو من يقرر الهداية والتوبة ولم يُشرك فيهما أحد.
الثاني: أن رسول الله كُسرت رباعيتُه يوم أُحد وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلتُ الدم عنه ويقول: “كيف يُفلحُ قومٌ شجوا رأس نبيهم r، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله تعالى الآية302.
وورد في ذات المعنى قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ}303, فالنبي r مع جلالة قدره لا يملك إلا ما يعطيه إياه الله, حتى أنه بعد نزول الآية أرجف المشركون في مكة وقالوا: كيف نتبع رسولاً لا يعلم ما يُصنع به ولا بنا.
ولأجل أن الإسلام يلفظ الطقوس الكنسية ويأبى أن يُختَزل الدين الخاتم هذا الاختزال فقد أراد من الإنسان أن يمنحه حياته كلها دون التفريق بين عبادة ومعاملة, فمعاملة الخلق لبعضهم بعضاً هي العبادة المرادة, وما العبادات الخاصة إلا تعليم لهذا المعنى الجسيم.
ولكي يتوضح ذلك في ذهن القارئ فليراجع ما أسلفناه في موضوع المقاصد الخفية من العبادات من فصل الرقي الإسلامي كي يبان العلاقة الوثيقة بين العبادة والمعاملة.
لقد أقام الإسلام الاعتبار للإنسان منذ أن جعل لكلامه وزناً في الحياة العملية, وقد كان الصحابة يظنون أن لا حساب على أقوالهم، فها هو معاذ لما قال له النبي r: “كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا”, قال: وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ, فبين له النبي r: “وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ”304, فهذا الحديث رغم أنه يخيف كل ذي لسان إلا أنه رائع في إعادة النظر إلى مكانة الإنسان وأهميته كله حتى كلماته,فصار لزاماً على كل عاقل أن يحسب الحساب الأوفى لكل كلمة قبل أن يتفوَّه بها.
فلو كان ديننا مجرد عبادات مؤقتة يستغرق عملها عُشر النهار، فهل سيقيم الاعتبار لحركة لسانه؟.
بل إن المعاملة السيئة من المكلَّف تغدو وقوداً في عرصات الحساب يأكل هشيم العبادات الأركان وإن كان محسن فيها, يُدلِّل على ذلك حديث المفلس, فقد روي عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: أتدرون ما المفلس ؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع, فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا, فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار305.
فهو إذا يُقضى عليه بمعنى يُحاسب بجماع العبادة والمعاملة, والمفلس الحقيقي ليس من عدِم الأموال في هذه الحياة الآفلة بل من هلك الهلاك التام يوم المعاد فيبحث عن رصيد له فلا يجد فلساً واحداً له؛ لأن عملة الآخره حينئذ ليست أموال الدنيا ولا دولاراتها، العملة الرائجة التي يُشرى بها ويُبتاع هي الحسنات.
فمن هنا غدت عبارة ” الدين المعاملة” من العبارات الناصعة في الإسلام رغم أنها ليست حديثاً بالمعنى الحرفي، لكنها باب واسع يندرج تحته آلاف الأحاديث, إنها تمثل قطاع المعاملات النابض الذي يُعبِّر عن مرونة الدين وحيويته.
وذلك أنَّ العبادة – أيها السادة – خلوة العبد بربه أما المعاملة فهي خلوته مع بني جنسه, وكلاهما تفتقر إليها الحياة الراشدة السعيدة.
فالمؤمن حقاً من أمِنَه الناس, والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده, إنَّ الدين لم يكن يوماً لحىً ممتدة ولا عباءة فضفاضة ولا عِمامة مسدولة بل هو بحق جودة حركة المسلم في نفع الناس والعطف على الضعفاء والسير بعيداً في امتثال خطى الأنبياء والإغراق في الوقوف عند الحقوق والواجبات، فهذه السالفة هي المعاني المغيَّاة التي لأجلها اخترق جبريل u الفضاءات وحط على كوكب الأرض كيما يقرنها بالسماء الرؤوم.
وصار معلوماً لدينا بعد التفقه في دين الله الخاتم أن العبادة لها معنيان:
الأول: المعنى الخاص وهو محض العبادات والطاعات التي يتوجه بها المكلف بكيفية خاصة، كالصلاة والزكاة والصدقة والصوم والحج والأضحية وغيرها مما يُحظر الزيادة فيها وفق القاعدة التي تقول: ” الأصل في العبادات الحظر”، فلا يجوز مثلاً زيادة ركعة في صلاة الظهر فتغدو خمس ركعات رغم أنها زيادة؛ لأن الله أمرنا أن نوقعها أربعة فقط, ولا يجوز الزيادة في الصيام بأن نجعله إلى منتصف الليل فنغيِّر ما افترضه الله علينا.
الثاني: المعنى العام, وذلك بأن تغدو الحياة كلها طاعة لله فيقضيها المكلف بالأمور النافعة للناس والمجتمع حوله.
وتمايز لنا نوعان من العبادات
الأول: العبادة القاصرة, وهي التي لا يتعدى نفعها إلى غير المكلف كالصلاة مثلاً, فلو صلى أحدنا في ليلة مائة ركعة ماذا ينتفع جاره وصديقه من صلاته, إنَّ الأجر والنفع واقع كله على من أحدث العبادة أي على من صلَّى فحسب.
الثاني: العبادة المتعدية: وهي التي يتعدى نفعها إلى غير المكلف, كالزكاة والصدقة، فعلاوة على أنَّ العابد يحصِّل أجراً، فكذلك ينفع الفقير والمسكين بما يُفرِّج عليه من أمور حياته, وقس على ذلك عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تُعتبر من أبهى العبادات المتعدية لما فيها من الحفاظ على المجتمع من العقاب الإلهي أولاً, وتفقيه الناس وتعليمهم، وحصر المعصية ومحاربتها في مجتمع لا يتقدم ولا يتطور إلا به على الدوام.
وإذا لم تكن العبادة ورشة تدريبية وعملية تُعلِّم العابد اتخاذ الحياة كلها مسرحاً لإرضاء الله والكف عن أذية الناس كانت وبالاً وحجة عليه، وذلك أن فلانة التي ذكرها الرجل في حديث أبي هريرة ” فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها, قال: هي في النار, قال يا رسول الله: فان فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تَصَدَّق بالأتوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها, قال: هي في الجنة”306.
فهذه لم تردعها عبادتها عن أذية، ولم تدفعها إلى الإحسان لهم, وهذا معنى جسيم يجرِّده النبي r ليُركِز في أذهان أصحابه أن صلاتهم معه في مسجده ينبغي أن تمتد إلى أطراف المدينة، بل أبعد من ذلك حيث آخر يومهم في حياتهم.
إن المسلم مأمور بدعوة الناس إلى دينه بمسلكين:
المسلك الأول: الدعوة الكلامية من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
والثاني: أن يدعوهم بسلوكه وطريقة حياته, أن يدعوهم لدينه بطرف ثوبه الأنيق وجودة كلامه الشهي وصدقه في البيع والشراء, يدعوهم بزهده في الحياة وإكرامهم على الدوام, وإن يبرهن لهم في اليوم الواحد ألف مرة هدفه وغايته المتمثلة بإرضاء الله فيهم وحده.
وإلا فما الذي دفع – ليت شعري – أهل أندونيسيا وجزر الملايو في الدخول في الإسلام رغم أن المسلمين لم يقارعوا أهل هاتيك البلاد بسيف ولا قتال، بل وفدوا إليهم تجاراً صادقين يبيعون بعدل ويشترون بصدق ويُقِيد الواحد منهم من نفسه لو نازعها الشيطان بغش أو تدليس أو غَبْن أو ضرر, وما الذي جعل الفرنسي روجيه جارودي يفكر ملياً في الإسلام فيدخله طوعاً لولا أخلاق المجاهدين الجزائريين إبَّان ثورتهم على الاحتلال الفرنسي ومعاملتهم له.
كذلك الحال لدى يحيى شوفسكه، ركب مرة مع زوجته حافلة فرأيا في الحافلة أفريقياً أسوداً هرماً, فما كان من يحيى المسلم الذي أراد أن يُعبِّر عن بعض مفردات دينه المتميزة، ما كان منه إلا نهض هو وزوجته وأجلسا العجوز الأفريقي، فلما جلس العجوز انهمر بالبكاء وتدفَّقت عيناه كنهر ساخن، فلما سأله يحيى عن سبب بكاؤه أجابه: إنَّها المرة الأولى التي يرى فيها رجلاً أبيض يقوم ويُجلِس زنجياً.
وستضمن الأرض ثقلاً باهضاً عمَّا اقترفته منذ عشرات السنين، وهي تحيل الأديان وتختصرها في طقوس كنسية ومظاهر إسبوعية لحظة تئنُّ خاصرتها في الحبشة تحت أقدام ابن عم النبي r جعفر بن أبي طالب حيث قصر النجاشي، لما انطلق مُعبِّراً عن الديانة الجديدة التي دفعتهم للهروب من سياط مكة وعذاباتها, يتقدم جعفر الوفد ويسيل لسانه الخصب يجسِّد الإسلام في كلمات لا مكان لتحليلها هنا سوى اقتناص معنى واحد مما قاله.
ذلكم أن جعفر عبر عن الإسلام بالعبادات التعاملية تلحظ ذلك في قوله:
أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الاصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الارحام ونسئ الجوار يأكل القوى منا الضعيف, فكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله عزوجل لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان, وأمرنا بصدق الحديث وأداء الامانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء, ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة, وأمرنا أن نعبد الله لانشرك به شيئا وأمر بالصلاة والزكاة والصيام, فصدقناه وآمنا به فعبدنا الله عزوجل ولم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وحللنا ما أحل لنا, فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الاوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث, فلما نهرونا فظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لانظلم عندك307.
لقد قدَّم الحديث عن المعاملات المتمثلة بالصدق والأمانة والجوار على الصلاة والزكاة والصيام، لأنه علم الفروقات التي ينشدها المجتمع بشدة بين العبادات القاصرة والمتعدية كما أسلفناه من قبلُ.
الحق الوافر أن جعفر رسم خريطة جديرة للإسلام لحظة راح ينساب كالنهر الهادئ يتنقل من موضوع لآخر وفق الأولويات الحكيمة في الخطاب.
فهو أولاً وصم الجزيرة العربية والعالم القديم بالعار والشنار، لقد وصل الحال بالبيئة الإنسانية أن تقهر بيئة الوحوش في الغاب وتتفوق عليها في القساوة والغباء، عبادة أصنام لا دخل لها بالحياة، تناول للملوّثات وإغراق الأجساد، شغف مستطير بالفواحش، قطيعة للأرحام تلك التي قرّب الله بينها بوصيلة وسلالة الدم القريب، ثم الجنس البشري يسئ لبعضه على نحو غريب، وكأن جعفر أراد أن يقول بملء فمه: لقد بدّلت الأرض جلدها بما أحدثناه فوقها.
ثم أراد الخالق العظيم أن تُتبت تحت أقدامهم جلداً جديداً يورث بحبوحة العيش ورغد السعادة فاختار منادياً معروفاً صادقاً ثقة يبلِّغ الناس إرادة الله.
القارة الأوروبية تُبدي الإعجاب
استقام الأمر أخيراً في القارة الأوروبية بعدما تمردت خاصرتها الجنوبية إيطاليا وبدأت النهضة الصناعية سريعاً وتدفقت منها إلى أنحاء الشمال والغرب، ولم يأتِ قرن واحد حتى أستقلَّت حضارتها وشرعت تغزو العالم, وذلك بعد أن لفظت أوروبا الديانة الكنسية الكاتمة على أنفاس العلماء، فأرادت أن تبثَّ في أنفاس العالم فكرة مفادها: الدين هو من يخدِّر الشعوب عن الانطلاق في ميادين الحرية والإبداع.
هذه المعادلة يعرفها كلنا, ويعرف كذلك أن الدين الأوروبي يختلف اختلافاً جذرياً عن دين المسلمين، فصار الأمر معاكساً تماماً كي نُثبت هنا معادلة جديدة تستيقم مع العقل والمنطق: لا تقدم للأوروبين إلا بنبذ دينهم ولا تقدم للمسلمين إلا بالتمسك بدينهم, فالشرق مضادٌّ للغرب تماماً حتى في الأصول الفكرية والأيدولوجيا.
على أية حال نحن بصدد أن نكيل إعجاباً من نوع خاص بالحضارة والديانة الشرقية من خلال صنف من العلماء الأوروبين الذين دققوا في دراساتهم فلم يُطلقوا الأحكام جزافاً وبثُّوا ما رأوه صحيحاً حول الدين الخاتم,وبرغم أن من سار على هذه الطريق حورب وعودي إلا أنه ظلّ مسلوكاً؛ ذلك أن الحقيقة أبقى لديهم من الثراء والنفوذ الفاحشين.
فزيغريد هونكه المستشرقة الألمانية الرائدة عكفت على دراسة العرب والإسلام، وأفلح سعيها في إنتاج كتابها الرائق ” شمس العرب تسطع على الغرب” كشفت فيه النِّقاب عن مدخلات واسعة أفاد منها الغرب بعد أن نهلها من حضارة الشرق.
ففي رأيها، العرب هم من سوَّق صناعة الورق وأخرجوها من سور الصين العظيم ولولا ذلك لتأخر وصوله إلى أنحاء الممعمورة رغم أهميته في جريان الحضارة وتقدمها, وهم أول من وضعوا الأسس النظرية لصناعة البارود، كان ذلك في القرن الثاني عشر الميلادي, أما فكرة الطيران وإن كانت فاشلة فبدأها الطبيب الأندلسي عباس بن فرناس حيث صنع أول طائرة من النسيج والريش، وهل مخترعات العالم إلا تراكمية وتبدأ بالفعل بعد أول محاولة فاشلة؟.
واعتبرت هونكه الرازي (ت 925 هج) أعظم الأطباء في التاريخ البشري, أما أول مستشفى إسلامي فقد تأس قبل مثيله الأوروبي بثمانمائة عام على الأقل.
ثم دأبت المستشرقة الموضوعية على الحديث عن معاملة المسلمين لأسرى الحروب الصليبية؛ تلك الحروب الطاحنة التي ظلَّت القارة الأوروبية ضاغطة فيها كالقوس على الشرق الإسلامي, فقد بدت تلك المعاملة حضارية يفتقر إليها حس الإنسانية في زمننا الحاضر، وعلى العكس تماماً بدت الفظاعة الأوروبية منهِكة للذوق البشري العام بعد أن دخل الصليبون بيت المقدس فقتلوا فيه وحده سبعين ألفاً من سكانه, وهذا يبين بلا شك عن المقام الحضاري الرائع الذي قدَّمه المسلمون ولا يزال يتحدث عنه كل منصف أمثال هونكه.
تُرجم كتابها إلى أكثر من لغة وبيع منه ما يزهو عن المليون نسخة, وكتابها هذا سوَّق كتاباً آخر لها موسوماً بـ ” ليس الله كما يزعمون” دافعت فيه عن الإسلام وأبانت عن الأحكام المغلوطة التي يعصف بها العالم الغربي ويجترها الإعلام الشيطاني وهو يكيل التهم لهذا الدين، وهو أمر لا يزال موصولاً بأنفاس الرجز المزهوم ” اليهود” أعدى أعداء المسلمين.
توفيت هونكه سنة 1999 وعمرها ثلاث وثمانون عاماً, وستظل مُعلِّمة رائدة للإحترام والأدب وهي تقصُّ في مقدمة كتابها فتقول: ” وعلى الرغم من هذا – أقولها بمرارة – فإن الناس عندنا لا يعرفون إلا القليل عن جهودكم الحضارية الخالدة ودورها في نمو حضارة الغرب, لهذا صممت على كتابة هذا المؤلف وأردت أن أكرم العبقرية العربية وأن أُتيح لمواطنيِّ فرصة العود إلى تكريمها, كما أردت أن أُقدِّم للعرب الشكر على فضلهم الذي حرمهم من سماعهم طويلاً تعصب ديني أعمى وجهل أحمق”308.
والحق أننا – معشر المسلمين – نحترم هذه العقليات الفذِّة ولو لأمر واحد هو التجرد من الأهواء والكتابة بالروح العلمية والموضوعية المحضة، فلا يكون الكاتب مُجازفاً بالحكم والنتيجة قبل البحث كما هو دأب الكثيرين ممن كتب من الأوروبيين عن الإسلام, وإذا افتقد الباحث الصدق والنزاهة فقد سقط مرة واحدة حتى لو كان يمتلك ذاكرة كالصحراء بطولها.
وفي كتابه “حضارة الغرب” ظل غوستاف لوبون متمسكاً بما نثره من مفردات كثيرة عن قامة الحضارة الإسلامية وعلو كعبها وما انتخبته للاحقتها الحضارة الغربية، وهو يقول بالمعنى عن المسلمين: ” .. وأنهم هم الذين أمدُّوا أوروبا مادة وعقلاً وأخلاقاً, وإنَ التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير ..فكانوا متمدنين لنا وأئمة ستة قرون”.
أما مسيو ليبيري الفرنسي، فأقرَّ بأنه لو لم يظهر المسلمون على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا الحديثة عدة قرون.
وذُهل آدم متز في كتابه “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع” من ظاهرة اقتناء الكتب والاهتمام بها في المجتمع الإسلامي إلى درجة أن يقتني كل بيت إسلامي مكتبة, وبلغ الاحتفال بالعلم والقراءة والنقاش العلمي شأواً بعيداً في عالم محيط وأمم تتغذى على الدماء وتأكل لحوم البشر.
والحق أنَّ ذلك لم يكن دأب الأوروبيين وحدهم، بل نجد علماء من قارات أُخر دوّنوا ما طالته عيونهم بعد البحث التاريخي الحر الذي لا يسيطر عليه مال اليهود ولا إعلامهم؛ ذلك أن اليهودي يولد ومعه دستور من بطن أمه يتألف من ثلاثة مواد تمثل غايته وهدفه في حياته وإن فعل ضمِن جنة الله في سمائه وإلا أكلته الجحيم بعد موته, فالمادة الأولى في دستوره أن يُغرق العالم بالفوضى والرذيلة, والثانية أن يلوِّح بعينيه المتأنيتين صوب بيت المقدس وفلسطين وأن يساهم في أن يظل في حوزة اليهود أو يعمل على ذلك, أما المادة الثالثة في دستوره فأن يشوِّه تاريخ المسلمين وحضارتهم وأن يسخِّر كل ما لديه ليبقى بوقاً من أبواق الدجل والتزييف وليكون القناة الإعلامية الوحيدة التي تنقل للعالم بعد رقابة حثيثة أي شيء يصل من المسلمين وبلادهم.
فلو سلم العالَم الناعس من طغيان اليهودي لخفَّ ثقل البشر على كتف الكرة الأرضية الغضِّ، ولتنفست الصخور الصعداء وهي تتنشق الهواء كما خلقه الله رطباً سامياً، لكنهم نعال الشيطان التي يميس بها مختالاً بين الخلائق،وسيظلون كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وذلك بعد يخرجوا خروجهم الأخير تحت راية المسيخ الدجال في آخر الزمان.
فمن الأميركيين ديبورا بوتر من ولاية ” ميتشجان” التي اعتنقت الاسلام عام 1980 وتزوجت أحد دعاة المسلمين، واقتنعت في كتاباتها أنه لا دين غير الإسلام يمكن أن يستجيب لمطالب الإنسان ذكراً كان أو أنثى.
وبعد أن أكملت دراسة القرآن الكريم قالت: .. وغمرني شعور بأنَّ هذا القرآن هو الحق الذي يشتمل على الإجابات الشافية حول مسائل الخلق وغيرها, وطافت حول فكرة جديرة حيث صرَّحت أن المضمون الإلهي للقرآن هو المسؤول عن النهوض بالإنسان وهدايته إلى معرفة الخلق.
والحق أقول لكم – يا سادة المسلمين وغيرهم – لو أنّ الإسلام وصل إلى العالم الغربي والشرقي كما نفهمه, لو أنهم عرفوه كما هو لشعروا بحاجة ماسة في الدخول فيه وللامس حاجة مكينة في نفوسهم ولصادف قبولاً واسعاً لديهم, لأن كل واحد من أهل الأرض يريد السعادة والخلاص والنجاة وهي أمور كبرى يوفِّرها الإسلام بعناية فائقة.
ثم أتت جهود الأميركي ” مايكل هارت” في كتابه ” أعظم مائة في التاريخ” صاعقة لطوائف في الغرب والشرق ممن يعادي الإسلام أو يجهله، وذلك بعد أن وضع على رأس القائمة وفي الرتبة الأولى من كتابه محمد بوصفه أعظم مصلح تاريخي عرفته الأرض, وقد اختطَّ المؤلف لنفسه مقياساً مُقنعاً حين رتَّب العظماء في التاريخ على أساس الأثر الذي أحدثوه والنتيجة التي حققوها, وقد وجد بعد دراسة متأنية – كما يقول – أن أعظمهم في هذا الشأن نبي المسلمين فما من أثر عرفته الأرض أكثر دويَّاً من مجيئ البعثة النبوية الهادية.
ثم افتقر المائة في كتابه إلى المسلمين سوى من نبيهم r ومن عمر الذي يأتي في الرتبة الحادية والخمسين, وعلى الرغم من التحفظ الشديد على هذا الكتاب خاصة في وصف النبي r بكونه مصلحاً اجتماعياً وهو لم يكن كذلك فحسب، بل هو نبي رسول يُحدِّث من السماء وفمه في الأرض، وتلك عناية الله أولاً وإرادته بالبشر قبل أن يكون عبقرية فيه.
وثانياً أن تاريخ المسلمين وحضارتهم أعظم من أن يُكتفى باثنين فقط, هذا يعني أن حضارة المسلمين أثَّرت في أهل الأرض بنسبة 2% فقط الأمر الذي يخالف سجية التاريخ الإنساني العام ويغمط الحقيقة ويغمص عينها.
لكننا نعترف أن الرجل أنصف لحظة أن رتَّب العظماء الباقين بعد نبي الإسلام محمد.
فلولا كان من القرون الأوروبية أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض، لكان في الفرنسي الصارخ موريس بوكاي صاحب المقارنة الذهبية بين الأديان الثلاثة حين صنَّف كتابه ” دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة” حيث رمى الحقائق العلمية الراسخة بالكتب السماوية الثلاثة وخرج القرآن كتاب المسلمين منتصراً في وحي المقارنة بعد أن خلا من أي تعارض بينه وبين أية حقيقة علمية وصل إليها العلم في عصر بوكاي بعد منتصف القرن العشرين.
وصار لدينا إضافة حضارية جديدة في تفسير قوله تعالى : {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}309,ففي الوقت الذي ظهر فيه البون شاسعاً بين ما طرحه كل من التوراة والإنجيل من حقائق العلم الحديث، سلِم الكتاب الخاتم من أية فروقات, بل الأمر أدق من ذلك حين نقول: إن القرآن يتحدى البشر في تفسير الحقائق الثابتة وفهمها.
ولقد كان بوكاي من قبلُ يعادي القرآن ويعتقد بشريته كأي أوروبي ثم عقد العزم على دراسته بعد أن علم حادثة اكتشاف الفرعون الغارق وذكرها في القرآن تلك الواردة في قوله تعالى: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}310, فبعد أن قام بتشريحه تبين له أن الفرعون المحنَّط الذي تمَّ نقله إلى فرنسا هو المذكور في الآية وقد دلَّت بقايا الملح فيه أنه مات غرقاً, وهذه الحقيقة الصارخة لم تُذكر إلا في القرآن، فبان له على الفور استحالة كون القرآن صنعاً محمدياً, فالتوراة التي هي أخصُّ بموسى u وبني إسرائيل تحدثت عن غرقه في حين أنَّ القرآن تحدث عن غرقه ثم حفظ جثته، ولكي يكون كلامنا موثوقاً فالنص التوراتي هو: ” فرجع الماء وغطَّى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم البحر لم يبق منهم ولا واحد”, بل النص يذكر أن جميعهم قضوا في البحر دون رجعة.
ويقال أن موريس زارد بلاد المسلمين بعدها وسمع الآية من علمائهم وأسلم هناك ثم قفل راجعاً إلى فرنسا وبدأ بدراسة الحقائق العلمية المذكورة في الكتب الثلاثة.
ثم خرج بنتيجة مؤداها أنَّ مستوى المعرفة أيام محمد لا يمكن معها تصور الحقائق المذهلة التي أشار إليها القرآن، وهي كثيرة إلى حد يقتنع منها كل منصف أنَّه كلام الرب.
ومما ذكره بوكاي من جدير كلامه: ” أذهلني دقة التفاصيل العلمية التي يطرحها القرآن وهي تفاصيل لا تُدرك بالترجمة بل لا بد من دراسة النص العربي”311.
موت مختصر
يسري في الأرض اليوم ظل مَلَك الموت، يُنبئ الناس عن موتهم الوشيك، فلقد تداعت صروحهم وتهاوت كياناتهم وصاروا قريبين جداً من الارتحال, تلك هي وصمة العار التي آل إليها حال الأرض, فمن المسؤول عن ذلك؟, وكيف وصلنا إلى هذا المآل؟, مع أن الكوكب الأرضي هو الوحيد الذي يحتكر عنصر الحياة من بين كواكب المجموعة الشمسية الشاردة.
فنحن نتقدم في العلوم الحياتية والتطبيقية المختلفة إلى درجة أننا لمسنا النجوم البعيدة جداً بمجساتنا، ورحنا نرقب ميلاد المجرات ونحسب حركة القمر بدقة بالغة, وقد أمكن لنا أن نوقف نزيفاً دماغياً في شريان لا يتعدى قطره الميلي متر, وصار ميسوراً علينا إجراء مكالمة بالصورة لمن يبعد أربعين ألف كم هي محيط الكرة الأرضية.
ومع هذا كله فنحن نلفظ أنفاسنا الأخيرة, فمع التقدم المذهل في شؤون الحياة وارتفاع مستويات الدخل بلغنا الحضيض وشربنا من وحل المستنقع والطين، وهبطنا هبوطاً ذريعاً فكسانا القلق وأحاطنا الاكتئاب ومزَّقنا الإحباط.
فراغ روحي قاتل وانحلال فسيح الجوانب في القيم والفضائل وإفلاس فكري عارم غير قادر على الإجابة عن تلك الأسئلة القاتلة حول المصير والسعادة والهدوء والإرتقاء بروح الإنسان.
هذا السالف سمة بارزة لقشرة الأرض وصفة لجلدها، فلا تغرنَّك العواصم الجبارة بناطحات السحاب ولا المدنية المذهلة بأرقى وسائل الاتصال ولا قوافل الفضاء الطائفة حول الأرض, نحن نشعر بمركِّب نقص فادح لا تقوى عليه البشرية المكابرة.
فمن الملل القاتل الذي تدور به الحركة الروتينية اليومية، والانكباب على العمل طوال النهار والليل إلى الانجراف نحو اللاإرادية والتوغل في الفوضوية والتواصل مع العدمية، حتى ما عادت كنائس أوروبا المُترعة بالأموال والخدَّام تستطيع أن توقف هذا الزحف المستشيط بدليل أن روادها شرعوا بهجرانها، وهذا ما تُنبئ عنه الأرقام والأقلام، ففي فرنسا مثلاً أقل من عُشر السكان فقط يذهبون إسبوعياً إلى الكنيسة وسنقارنهم بمن يرتاد الجمعة من مسلمي فرنسا ذاتها لنرى أن المقارنة أفرزت عدداً متقارباً أو خاسراً.
ويقولون أنّ عشرة آلاف كنيسة مُرشَّحة للإغلاق في ألمانيا بسبب ندرة الزوّار, هذه الأعداد قريبة جداً من باقي البلاد الغربية.
أما في الشرق فثمانين بالمائة من اليابانيين مثلاً ما عادوا يؤمنون ببوذا ويرونه إرثاً قديماً، لعله قد آن للأرض أن تسلخ عنها جلدها الذي لبسته منذ آلاف السنين عندهم.
الهنود الآخرون من أتباع الهندوسية وعبَّاد البقر شرعت رؤوسهم يعتورها القلق وهم يبحثون عن الأمان الحياتي عند أقدام بقرة تمرَّغت لتوها بالوحل ثم لا تلبث أن تموت بمرض عضال.
الناس صادقون فيما يبحثون عنه من السكينة والطمأنينة والخلاص لكنهم يخطئون الطريق, والعقل الذي خلقه الله في رؤوسنا فوَّار بطبعه لا يقبل تطويعاً شيطاني ولا بد أن يُقلق صاحبه فإما أن يهتدي إلى الحقيقة أو يقتل صاحبه عما قريب.
وإلا فما الذي يدفع شاباً في مقتبل عمره إلى الانتحار والرحيل مع أنه لا يعاني الفقر ولا المشكلات المادية سوى البحث عن الديانة الحق والنوم بأمان؟.
وسأسجِّل هنا – يا سادة – عدداً من الحقائق التي تُلقي باللوم على الآنف ولا أراه إلا التوصيف الرائد فيما نحن بصدده.
لقد خلق الله خلقه وأدناهم منه وأودع فيهم من البواطن ما يشقَوْن بسببه إذا نأوا وابتعدوا, وسأجد كل صاحب دين في الخليقة يوافقني على ذلك ويزعم بعدها أن دينه هو من يكفُله, فلنجرِّب إذاً الحقيقة الثانية التي تقول:
ينبغي على الدين الحق أن يصبغ أتباعه بالراحة على قدر ما يطبقونه, وأول أصناف تلك الراحة الشعور الكامل بالطمأنينة، فإذا خلا منها صار واجباً عليه أن يدقَّ إسفيناً متمرداً في هذا الدين لأن غيره أحق منه.
أما الحقيقة الثالثة المُزعجة بعض الشيء
فإذا رمت المقارنة بين الأديان فلتكن مقارنتك بين تصوراتها العظمى لا في فروعها ومسائلها الصغرى.
قارن الأساس الديني بمثيله, قارن تصوره عن الخالق والكون والحياة والإنسان بتصور الأديان الأخرى عن هذه الأربعة, وفي ظني إذا كان المُقارِن موضوعياً حيادياً فسيتفلت من قبضة الشيطان والوهم والكذب.
إنَّ أكثر ما يميِّز القرنين الأخيرين عن بقية القرون السالفة أنهما اختزلا الموت على الأحياء، وقرَّباه على نحو مذهل، استحدثا موتاً حضارياً جديداً يقنص الإنسان رغم أنه يدبُّ على الأرض، يمشي فوقها بجسده لكن روحه فارقته منذ زمن.
العائلة الأميركية تتفسخ
الأميركي بطبعه يقدّس مفهوم العائلة تقديساً يجري على لسانه وفي حديثه، وهي في تفكيره أهم شيء على الإطلاق, وهذا بعموميته طبع إنساني عام لكن الأميركي يفعله ويعبر عنه بقوة لشعوره أنَّ هذا المفهوم يهرب منه ويأفل, فلخشيته ينبّه على خطورته ويشعر بالخسار .
وهو محقٌ في خوفه, فلا تبحث عن الأُنس خارج بيتك فالوحشة كلها هناك, وسأدع الأميركيين أنفسهم يحكمون على ذلك, بل إنّ حياتهم تُدلِّل عليه.
إن أبرز وصف لتلك العائلة المتقدمة في مضمار المدنية الأرضية الحاضرة، أنها عائلة متفسخة أوهى من بيت عنكبوت, علائق أفرادها أشد هشاشة بمن يحتمي من الإعصار بالهواء والماء, أو إن شئت القول على مضض الحسرة والوجع هي طائرة في هواء القمر أفلست الجاذبية من شدِّها إلى الاستقرار والأمان.
ثم سائل الزوجة الأميركية ما هو المقدار الذي تشعر به مع زوجها من الحب الذي أودعه الله في قلبين اقترنا بميثاق نسميه نحن المسلمين ميثاقاً غليظاً؟, قال تعالى: { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}312,هذه الآية قابعة في مصحفنا في سورة يُطلق عليها سورة النساء وهي من السبع الطوال.
ولماذا تشعر هذه الزوجة بالغربة التامة، حتى لقد استوى بين يديها الحياة والموات؟, هذه حضارتك يا سيدتي فإما أن تنبذيها أو تصبري، ولن يجدي الصبر لأنه لم يحدث في تاريخ الأرض ولم يذكروا في الشائعات أنّ الحجر انقلب رصاصاً.
نحن نعلم ما الذي تريده هذه الزوجة التي تقلَّدت عقد الألماس المُرصَّع لحظة قبَّلها زوجها في الكنيسة، واحتفى حولها الأقرباء والمحبون والمخلصون, ونحن نعلم أيضاً مبتغاها وهي ترفل في قصرها الباذخ الذي يزيد سعره عن المائة ألف دولار, وحين تركب سيارتها الحديثة وتقود في الطرقات بين الأضواء، فنحن نعرف خالجات نفسها وإن نسيت فسنذكرها بأمر تبيع به كل ما لديها لقاءه.
هي تريد من بين هذه الأكوام الهائلة أمراً واحداً فحسب، فإن استطعتم أن تقرِّبوه منها فخذوا كل شيء لديها سوى روحها وزوجها وأولادها لأنها تحبذ دفئاً زوجياً وحباً عائلياً رقراقاً, ولو أفصحت عن مكنونها لقالت كما تقول النساء في كل زمان ومكان, تريد زوجاً واحداً لها تملكه وتباهي به, لا ينبض قلبه إلا بدم الشريان التاجي وبحبها.
وبأولاد سعداء حولها مطواعين لأمرها، تُنظِّم شؤون حياتهم بيديها الناعمتين وتخطط لهم، يلعبون حولها صغاراً ويدخلون ويخرجون أمامها كباراً، حتى إذا أسلمتها السنون إلى الخرَف والشيخوخة وصارت ركبتاها تلسع الطريق، أبصرتهم قريبين منها يحفُّونها كما تفعل شمس الصباح وهي تنعطف على مجريات الليل الذاهب.
أمَّا أن يزدريها الزوج الذي أحبته واختارته وقرنت معه قرانها التاريخي، ويُدخل إلى حياتها عشيقات جُدد, يرجع من عمله فيأكل وينام ولا تراه في الصباح إلا دقائق، ثم يُزهق عمرها الغضّ حركة روتينية قاتلة من العمل والإعياء والإنهماك على الدولارات والصفقات حتى تذهب الحياة بأسرها دون أن تشعر بنكهتها.
أمَّا أن يتنكر لها الأولاد ويخاطبوها كآلة صنعها الصانع الأعظم لتربيهم وتنمِّيهم وتطعمهم وتسقيهم ثم ينتهي دورها في حياتهم, فيقتلون نوازع الأمومة لديها ويقضون على كل فرحة تحدِّث بها نفسها برؤيتهم, حتى إذا كبرت فتاتها بين يديها خططت لحياتها بعيداً عن أمها واستقلَّت عنها, وقد يسافر الأولاد عنها أعواماً طوالاً.
حتى إذا أسلمتها السنون إلى الستين والسبعين، لم تجد مرتعاً لها سوى بيتها تصفق فيه الريح ويعدُّ وقع أقدام الجيران, أو أنها لم تجد مكاناً سوى بيت العجزة القاتل ودور المسنين، فصارت تعدُّ لحظات عيد الميلاد كي يتصدق عليها فلذاتها ببضع ساعات يرقدون فيها على مضض ثم يقفلون راجعين إلى حياتهم, ولربما مرَّت الأعوام الطوال وهي تتمنى لو ترى ابنها أو بنتها لأنهما غادراً منذ زمن ولا تعلم تحت أي سماء يعيشاً.
فهذا كله يقتلها وستموت ألف مرة قبل أن ترى وجه ملك الموت الذي يقتادها من الحياة ومعها حسرات وحسرات.
فلو لم يكن من سيئات حضارة الأميركيين سوى بكاء وحسرات الأمهات اللواتي يندبن على أولادهن وهنَّ يقبعن على أسرّة الموت ينشدن الله في الأعالي رؤية أولادهن العاقِّين لحظة واحدة قبل الرحيل الكبير، لو لم يكن من سيئاتها سوى ذلك لكان جديراً بها أن تسقط مرة واحدة في الحضيض ومعها أرقى جامعة لديهم تخطط لغزو بلوتو في العام المقبل.
فيا سادة، أين مشروعكم الحضاري المذهل الذي يكفل لساكنات دور العجزة أن يمُتْنَ بهناء؟, أقول ذلك وأنا أعلم علم اليقين عجرفة التفكير الأميركي من أن يسمحوا لواحد في العالم الثالث من نقد حضارتهم وإسلوب حياتهم.
بيد أنه ليس كلاماً مرسلاً ولا نقداً قادماً من الشرق، هذا نبض سريع الدَّفَقان تجري به طرقات القارة لديكم، هذه قنابل موقوتة أسيرة في أضلاع الأمهات والزوجات عندكم، لكن الانشغال وسرعة الحياة والأضواء والصَّخَب يمنع من الكلام، فما عاد يجدي نفعاً إلا أن تنفجر الأم والزوجة بالبكاء، عساها إن فعلت أراحت نفسها من الهزال.
وستظل هذه الحاجة الحبيسة لديهنَّ مثار قلق وتشوّه في حضارة الغرب حيث القرن الحادي والعشرين.
لدينا في كل بيت ملكة
أما نحن في دول الفقر والبطالة والعوز حيث لا تزال الأميّة تسحق طائفة كبيرة من أفرادنا, على الرغم أننا نعيش في مجتمعات لا تطبِّق الإسلام بالكامل، ففي هذا الشأن نرى حظ الأم والزوجة أبقى عشرات المرات مما تعانيه لديكم.
ففي بيوت الفقراء حيث يلسع برد كانون العظام, ويستريح الصغار من تضييع الأوقات في تناول طعام العِشاء بضع ليالي, وقد يموت أحدهم لقلِّة العناية الطبية, أو تضيع آمال أحد الشباب لأنه لم يكمل تعليمه الباهض الثمن, في بيوت الفقراء نحقن الصغار صباح مساء بـ { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا, وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}313,ونجعل مع طعامهم كل جمعة {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}314 فلا نكاد نجد سوى شرذمة قليلين ممن يخترقون هذا القانون الاجتماعي الرتيب، وإن حدث نعدُّها زلَّة عظيمة القوام لا تقل عن جريمة قتل، فنحن لا نفرِّق بين قتل آدمي وانفطار قلب الأم لحظة يصعقها أحد أبنائها بالعقوق.
الأمهات لدينا يستثمرن أولادهنَّ استثماراً رابحاً ولو لم يفعلن فالدين يُحتِّم عليهم ذلك، وإلا فلينتظر هذا الابن العاق ميتة سيئة هي طليعة العذاب الإلهي الموحِش.
الفتيات لدينا يتزوجن بعد أن يدرسن بعناية سيرة المتقدِّم لهنَّ مع آبائهن وأفراد أسرهنَّ, ولا تختار وحدها بمحض عقلها، لأنها تعلم أن معرفتها قاصرة وكفائتها في تلك السن لا تجاري خبرة أبيها الذي يعرف ألاعيب الشباب .
الفتاة لدينا تؤمن بحجابها وتعلم جيداً نظرة الإسلام إليها, إنَّ المرأة في ميزان ديننا مفردة جمالية عظيمة القدر, وسجية المفردات الجمالية في هذا الكون أن يحيط بها غلافها على الدوام إلا قليلاً فانظروا – يا سادة – إلى اللؤلؤة وهي تختبئ في صدفتها كذلك الحال في الأحجار الكريمة لا تُعرض في الهواء الطلق إلا إذا كانت مخبوءة في وعاء يليق بها, والفاكهة تفسد لو قَشَرت عنها غلافها الذي يحميها، والمرأة أشبه بالآنفة فكيف تودون أن تسير بلا جمالها وأنتم تنزعون عنها تسعة أعشاره حينما تعرُّونها من ملابسها وحجابها.
هذا يستقيم مع الطبيعة التي خلقها الله أكثر من أن تسير في الطرقات بلا حِشمة وبلا غلاف.
في كل بيتٍ مسلمٍ ثمة ملكة تدير شؤونه بعناية تامة, ملكة تدبِّر وتخطط كما تفعل خلايا النحل، فكل قطعة في هذا البيت وضعتها الأم تحفظها غيباً وترمقها صباح مساء, تُحيله وتُرتِّبه على نحو الممالك الزاهية, والعائلة لدينا في أغلب الأحوال حين تجتمع، تتكون من الأم العجوز وأولادها ونساؤهم وبناتها، وحين يلتقون في بيتها الكبير الذي ينشر بساط الأُنس والسكينة ويتراقص الصغار كالقرود، ينعم الكبار بهذا الصراخ ويهنأؤون رغيم الضجيج الذي يثقب الآذان.
وإذا حدث أمر عائلي كالأفراح والأتراح والولائم، فالأم الكبرى هي من يخطط له وفق ما تشتهي وتريد، ولا تستطيع أية واحدة من بناتها وكنِّاتها أن تخرق لها أمراً وإلا انقلب سوءاً، وهي تعمل كالدينمو أو تكون عاجزة عن الحركة لكن السعادة تملأ قلبها لأنها تعلم أنه لا يُقطَعُ أمر دون إذنها.
فأي الفئتين من الأمهات تُعجب المرأة الغربية, ملكة البيت أم من تقبض على سرير دار العجزة والمسنين؟.
في أغلب الأحوال لا تجد صاحبة الملايين من يُشيُّعها إلى مثواها الأخير سوى بعض المحسنين, وقد يسمع بها أولادها أو طليقها بعد أن يأكل التراب لحمها, أما العجوز الشرقية الفقيرة فيهبُّ معها ذريتها وأصدقاؤهم ويحتشدون أمام جثمانها كالكثبان, يُلقون عليها تحية الوداع ويدعُون بأناملهم رب السماء أن يرحمها, فشتان بي بين الوداعَيْن والحُزْنَيْن.
وسيظل الأولاد والأحفاد بعد دفنها يلهجون إلى الله في الأعالي أن يغفر لفقيدتهم عشرات السنين, وستظل ذكراها محفورة في ذاكرات كثيرات من ذريتها أمداً من السنين ولن تغدو يوماً نسياً منسياً.
فحين تسطع الشمس على أميركا تغزل أشعتها من بين يدي تمثال الحرية وتحمل رائحة المحيط الأطلسي الرّطبة، كم من النساء هناك يتمنيْن أنها لم تشرق؟، ويا ليتها وقفت وعادت أدراجها، لأن كل نهار يسحق من جديد في أضلاع وقلوب اهترأت منذ زمن، فمن ذا يعيد الأولاد إلى أمهاتهم والأزواج إلى زوجاتهم؟، بعد أن نال منهم شغب الحياة وفرَّق بينهم هناك.
القيم الحضارية القصوى
القيمة الضابطة للحركة
لما كانت كل حضارة إنسانية مفتقرة إلى دقة الحركة وضبط الأفراد وشفافية الأداء، فهي بلا شك مُعوزة إلى قيمة الصدق التي تمثل بحق أهدى ما يمكن اكتشافه في المضمار الحضاري العام, وهذا لا يتحصل إلا بإشاعة هذه القيمة بين أفراد المجتمع بحيث تكون لوناً طبعياً كزرقة السماء, وإذا عزَّ على الأفراد التلوَّن بهذا الطيف فلا عليهم أن يستمرئوا الحضيض ويهبطوا نحو الأرض السابعة.
على أنَّ المسلم بما يستلهم من عقيدته وأخلاقه عنصر طارد للكذب, وعلى قدر ما يلين بين يديه الصدق يكون مُقرَّباً من الوحي الإلهي الأخير وإلا فقد أصابته انتكاسة.
وما زال الإسلام يرفع مرتبة الصدق عالياً ويجلِّيه رفعة في عيون أتباعه حتى جعله نبياً, {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صدِّيقاً نبياً}315, وإسماعيل كذلك { إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً}, وإدريس { صديقاً نبياً}316, ولقد أكثر القرآن الحث عليه مراراً {يا أيا الذين آمنو اتقوا الله وكونو مع الصادقين}317.
فلو زعمنا أنَّ من مقاصد الإسلام الكلية بثُّ روح الصدق في المعمورة وشحن أنفس الناس به لما كنا مجافين للحقيقة قيد أنملة, فلا ضير وهو المتشوّف المتعشق حتى لكأنه يتنفس به كالصباح, فما من مُجحفة بحق الصدق إلا واستطار منها بعشرات النصوص القاضية عليها.
وقد مرَّ بنا سالفاً فعل الإسلام في الخرافة فما زال يجيِّش لها العزم حتى أفِلَت, وهل الخرافة إلا عدوى الكذب والوهم؟.
وقد كان جديراً به أن يحارب الظنون { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }318, { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}319,ويعالج الإشاعات ويجعل من الأرض بحبوحة الحقائق الراسخة كي تدير البشرية الصادقة مفاتيح المعرفة في مغاليق الجهل، فإذا أينعت البسيطة بالحضارة المرجوة علمنا حاجة الإنسان إلى الصدق.
ولا شرود عن الحقيقة لو وصمنا الكذب بقرن الشيطان الذي يتجول به في الخليقة، ويدقُّ فيها إسفيناً مريراً ليُحكم نعش الإنسان الذي خلقه الله تعالى متطوراً بطبعه بما أضفى عليه من السجايا وعلى رأسها الصدق الفطري المطبوع عليه.
وإنه ليحق لنا القول بما عرفه الجميع من صدق النبي r قبيل البعثة وشهادة الجميع له، أن نقول: كان صدقه ذاك تمهيد ومقدمة راسخة بين يدي البعثة الكبرى التي هزَّت كيان العالم القديم والحديث, فدينه كله قائم على هذه القيمة الحضارية الرائعة, بل الفيصل بين الإيمان والكفر قائم على أساس التصديق وعدمه فمن صدَّق آمن ومن كذّب بعُد وكفر.
كانوا يصفونه بالصادق الأمين وقد صدقوا، حتى إذا أطلَّ بمشروعه الحضاري الخالد وشعروا أنه يستلُّ من ثرواتهم ويحصر نفوذهم انقلبوا مرة واحدة فكان غاية وصفهم له أن قالوا دعيٌّ كذاب وحاشا لرسول الله فهو الصادق المصدوق.
هذه هي الخطة الاستراتيجية الإلهية في تغيير الأرض بعد أن دبَّ فيها داء الفساد واستوحش الصلاح، أن لم يبتعث محمداً حتى استكمل عدَّة الصدق في عيون العرب, إذ بعد إقرارهم وشهادتهم بكونه صادقاً أميناً أمره أن يجهر بدينه وهو على رأس الأربعين, فمن رام من أصحاب الأفكار الخلاقة أصحاب المشاريع الرائدة في تغيير الجيل والواقع البئيس فلا عليه أن يُمهِّد له بالصدق، فهي الخصلة المفتاح لكل نجاح يُحسن التعامل مع الواقع.
وذلك أنَّ العامة والناس لا يبذلون أعناقهم ولا يثقون إلا بزمرة الصادقين, فكلما لاح لهم من أبناء جلدتهم صادق في نفعهم رَمَوْه بثقتهم فليفعل بهم ما شاء, وحقيقة الأمر في الرعيل الأُوَل من جيل الصحابة أن صنعوا ذلك فكان نبيهم r على قدر ثقتهم بل أعظم من ذلك بكثير.
ثم انظر في البحث العلمي الجاد الذي هو وسيلة التقدم والتحضر والإنجاز، لا يُسمَّى علمياً إلا بسمة الموضوعية والحيادية، وهاتان الخصلتان تُبنيان على الصدق، فإذا لم يكن الباحث بهاتين الصنفين لم يكن بحثه سوى تُرهات.
الروح السارية في العظام

هيكل الإسلام وعظامه التي يقوم عليها بناؤه العظيم والروح السارية في ثناياه وخلاياه, كلها منوطة بسجية التسامح, فمن وصف فقال: دين التسامح فقد بلغ في الوصف والصدق عِتيِّاً, يبرهن على ذلك من استطاع استقراء نصوصه السَّمْحة ودار في فلكه العريض, وهيهات لمن يفعل ذلك إلا أن يُقرَّ به بلسان الحقيقة والطوع.
ومع أن التسامح شجى القرون, ومفردة غائبة عن عصر الرسالة وما قبله، إلى درجة أن المعمورة أوشكت على محوها من ذاكرتها المتسعة, فلقد كان مقبولاً لأجيال الأرض حينئذ أن تُحدِّثهم كما تشاء إلا عن التسامح, شظف العيش والقسوة والطعام الملطخ بحد السيف كلها وغيرها أبعدت عن أنوفهم ذرات التسامح المتهالكة.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كافح الإسلام كفاحاً جبّاراً في أن يعيد للأرض روحها المُبعدة، فأنشأ على الفور جيلاً فيه طعم الحياة ونكهة العيش.
وإلا فمن كان يُصدِّق عن المدحورين هؤلاء الذين تكدَّسوا كالركام حوالي الكعبة ينتظرون خطبة فاتح مكة في السنة الثامنة للهجرة, فبعد أكثر من عشرين عاماً كان ينبغي أن تتألق لحظة الانتقام, وما عليه لو أشار لأصحابه في ساعة واحدة حتى تتدفق جنبات البيت الحرام بدماء المشركين, لكنه وقف وقفة المنتصر وراح يسيل تسامحاً كما تفعل أنهار الشام عقِب عواصف الرعد.
ما ترون أني فاعل بكم… اذهبوا فأنتم الطلقاء, ونحن نتسائل اليوم رغم القرون، أما ذكى شجون النبي r قتلاه السبعين في أحد وهم يرقدون في السفح؟, وخروجه المرير من مكة بعد أن ذرف عليها دموع الحزين, ودموع الأنبياء غالية جسيمة الثمن عند الله تعالى ولو أراد المعاقبة عليها لحظتئذ لفجَّر أرض الجزيرة بخسف يندلع على إثره بركان يأكل بصهارته جبال تهامة وعسير وما بينهما لكنه فطر نبيه على التسامح.
مسح النبي r ما مضى من استكبار قريش وتطاولها وإرهابها وما ذاقه المسلمون وتجرعوه في مكة قبل ثمانية أعوام, كل ذلك تناساه من أجل أن يُركز في ذهون المشاهدين والسامعين خُلُق السماحة العظيم ومرتبته القصوى في الإسلام.
فلأجل هذه القيمة الحضارية التي يهتزُّ بها قرن الإسلام وجبينه الناصع ثقُلت في الميزان على كفة العدل والانتقام وآثار النصر.
إنَّ ديننا لا يتعدى على أحد حتى لو كان كافراً ما لم يقاتل، بل يُحسن ويتسامح ويبادر دوماً إلى نشر هذا الخلق الرفيع في أرجاء المعمورة, ويناور بطبعه إلى أن تمتد سحابة عريضة تلفُّ العالم بالتسامح والحب.
هكذا علَّمَنَا نبينا، فمن تعلَّم غيره فليعلم أنه أخطأ الطريق وضنَّ بالحق على جهالة، أو أنه تقوَّل على لسان نبيه بغير الإسلام، فما أحراه أن يُراجع نفسه ويتمعن فيما نبثُّه هنا من باقيات الفم النبوي العِذاب.
وقد كان من ميزان العدل أن تعامل عدوَّك بالمثل { وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها}، لكن الأفضل من العدل { فمن عفا وأصلح فأجره على الله}320, فالعدل مفضول والعفو والتسامح فاضل بلا شك, وإذا أفضى أصل المعاملة بالمثل إلى خروج الإسلام عن سمت التسامح والرحمة العظمى التي جاء لينتظم بها أمر الكون، ردَّ الإسلام عقوبة المثل إلى العفو والتغافل, فيأتي التصحيح على الفور من السماء, يُدلِّل على ذلك وقوف النبي r على عمه حمزة عقب غزوة أحد، فبعد أن رأى تمثيل المشركين به فبقروا بطنه وأخرجوا كبده أقسم يومها أن يُمثِّل بسبعين منهم، غير أنَّ الوحي حميَ في حرمة المُثلة إذ أقصى ما يُعاقب به كافر مقاتل هو القتل لا القتل والمُثلة، لنستدل بعدها على روعة التشريع الإسلامي الذي يُشرِّع لجميع أفراد الأرض ويفتح باباً للتسامح لا يقلُّ عن أبواب الجنة الجسام.
وإذا تفرسَّنا في تاريخ الإسلام الأول، رأينا تشوّفه لتمايز الجماعاة المسلمة عن الكافرة، فمنذ البعثة مايز بينهما تمايزاً عقدياً مع وحدة المكان إذ الجميع يسكن مكة, وبعد الهجرة حصَّل النبي r تمايزاً مكانياً فكان المشركون في مكة والمسلمون في حاضرة المدينة الجديدة, فصار مُحرَّماً على مشرك أن يلج يثرب مثلما هو مُحرّم على مسلم أن يشاهد الكعبة, إذ ذاك وفدت قتيلة بنت عبد العزى الكافرة بهدايا على ابنتها أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق فلم تقبلها أسماء ولم تأذن لها بالدخول ظنَّاً منها بحرمته, فنزل لتوِّه قوله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }321, فأمرها النبي r أن تبرَّ أمها المشركة وُتدخلها وتُكرمها وتحسن إليها ففعلت.
فعلى ما كان جارياً بين الفريقين من أعراف وعادات يُعدُّ ذلك قمة في التسامح, فإذا كانت الأعراف فصلت بين الطرفين فلا على أسماء أن تصِلَ أمها في دين يعتبر تكرمة الأبوين أسمى ما يُقدِّمه الفرد في شبكة العلاقات الاجتماعية.
يختم الإسلام الأمور بالتسامح ويعدُّه حلاً جذرياً متسقاً مع الروح الدينية لدى أفراده المطبوعين على هذا الخُلق الأتم, وهو بهذا يدفع علائق الشيطان في نفوس البشر دفعاً شديداً محكماً فتضمحل نوازع الكراهية وتذوب العصبيات القاتلة ويتبخر الحقد الأسود الفاتك بشرارة الشيطان على قيم الحياة والاجتماع.
وإلا فأي شيء يمكن أن يحمل الصدِّيق أبو بكر الصدِّيق على مسامحة قريبه مسطح بعد أن لطَّخ سمعة ابنته عائشة زوج النبي r, فمع أنه جاد عليه بماله إلا أنَّ مسطحاً يتنفس الصُّعداء وينسج نسيج المنافقين ويُردِّد تهمة الفاحشة الكبرى على ابنة الصديق الذي, فيأتي الوحي مُذكِّراً المنفعلين بخلق السماحة والعفو, وتهبط على الفور آيات كريمات أبقى لقيمة الإنسان من أرتال الحكماء والمصلحين, { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}322, فيقدَّم أجراً جزيلاً مقابل تخلِّي أبي بكر عن نوازعه وانتقامه فيغدو متسامحاً لأمر الله ويقول: بلى نحب أن يغفر الله لنا ويعيد النفقة على قرابته الضعيف.
ويروى أن خادماً صبَّ ماء الوضوء على علي كرَّم الله وجهه – وتروى القصة عن غيره – فتطاير الماء على ملابسه فغضب ونظر في وجه الخادم الذي تذكر فقال: والكاظمين الغيظ, قال علي: كظمت غيظي, فقال الخادم: والعافين عن الناس, قال: عفوت عنك, قال: والله يحب المحسنين, قال: اذهب فأنت حر لوجه الله, فانطلق العبد سعيداً بحريته التي سبَّبها خطؤه, وهو أسعد بهذه الآيات التي أورثت رعيل المسلمين طباع السماحة وطفقت تُردِّد في دواخلهم مسحاً داخلياً تتبنى نظرة وتعاملاً جديداً لم تعرفه الأرض من قبل.
فلأجل هذا وغيره صار ميسوراً علينا فهم مقولة “غوستاف لوبون” المستشرق المنصف حين قال: ” إنَّ الأمم لم تعرف راحمين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم” ولو قال مثل المسلمين مع أنه قَصَدَهم لكان أرحب في التعبير, لأن العرب قبل الإسلام لم يألفوا سجية التسامح ولم يوطِّنوها في أنفسهم بل خَلَوا ونَأَوا عنها ولم يتصوروا يوماً أنَّ ديناً هبط من السماء عجزت عن ولادته الأرض هو من أجرى هذه الصناعة التحويلية فيهم فأورثهم أرضاً لم يطأوها من قبل.
لقد درج الإسلام بأفراده على معادن عزيزة الوجدان فأثراهم، وعلّمهم في التسامح والعفو قوة الشخصية والرشد وأنضجهم على حين غفلة فصاروا يضحكون على ماضيهم ويتندرون به ويحمدون الله صباح مساء على ما أمدَّهم به من خير الأديان وأروع الرسل.
وسيلخِّص لنا الدوق نوتارس وهو قابع محاصر مع ذويه في القسطنطينية بينما مجانيق محمد الفاتح تهزُّ أسوارها المنيعة، فتشاور أهل المدينة في الاستعانة بروما رغم العداء معها, صرخ الدوق في المحاصرين: ” لئن نرى في القسطنطينية عمامة المفتي خير من أن نرى قبعة الكاردينال”, وفي حقيقة الأمر لقد قارن نوتارس بين حضارتين وهو في أتون المعركة مقارنة موجزة بين حضارة متسامحة وأخرى ظالمة رغم أنهم أقرب لروما في المعيار الحضاري العام.
إن الإسلام يرسم علاقة المسلم مع الآخر سواء أكان الآخر مسلماً أو مشركاً، يرسمها بريشة التسامح على أساس مهمته الأولى في الدعوة إلى دين الله, ومن لوازم ذلك أن يظل متسامحاً ليبرهن واقعاً على قانون الله الاجتماعي : {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }323, والدفع بالأحسن لا يجيده إلا من ربا على سمة التسامح والمغفرة وتغافل عن الظلامات وتسامى عن قانون الغاب.
ولما كان النزاع والخصام يشتد في الأسواق بفعل طبيعة البيع والتجارة، ويترك في نفوس المسلمين أحقاداً وكراهية برم أمرهم على أن يكونوا متسامحين بعد المماكسة والسوم والشراء ” رحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا اقتضى”324, وهذا لا يقتضي فقط أن يزيل بواقي الشحناء عمن باع منه واشترى بل ويجعل المعاملة كلها سجية في التسامح فتجده موفوراً بالعفو باشَّاً بالرضا.
إنَّ العفو عن الزَّالِّ والتغافل عن المخطئ يترك أثراً إيجابياً في تفكيره يجعله مُقتنعاً بهذا الصنيع وسيظل يرنُّ بعقله ما رآه وسمعه بل ويحدُِّث نفسه بتقليده, فما أحرى الدعاة بهذا السمت أكثر من غيرهم لأنهم لن يغيروا الناس والمجتمع إلا به.
والأسوة بالنبي r وبأصحابه ماثلة للعيان، فتخيل أن أعرابياً دخل مرة المسجد النبوي وبال في طرفه فنهض الصحابة ليفتكوا به جرَّاء ما اقترف من تدنيس مكان العبادة، وعلى الفور نهَرهم النبي r: لا تزرموا في بوله, ثم تقدَّم نحو الأعرابي وقال: إن المساجد لا يصلح فيها هذا إنما هي للصلاة والذكر, وعَلَمَ الأعرابي حينها أنشوطة الإسلام في التسامح وقرأ في جبين نبيه نصوع حقيقة التسامح التي ملأت أرجاء الدنيا فلأجل ذلك قال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحداً, فأصلح النبي r مفهومه بقوله: لقد حجَّرت واسعاً, وقال لأصحابه: دعوه وأهريقوا عليه ذَنَوبَاً من ماء فإنما بُعثّتم ميسيرين ولم تُبعثوا معسرين.
بهذا المواقف الجسام التي تجفل لها مردة الشياطين ويخبو إبليس اللعين وينقشع الظلم وتزول أرتال القسوة, بمثل هذه خاطب نبينا وديننا العالم كله ثم صلُح أن يتبؤ قيادته باقتدار.
ولم يزل الإسلام يُحدِّث بالسماحة حتى مدَّ لها قَدَراً في العالم الآخر, وكلنا يعلم قاعدة الإسلام العريضة في العقيدة ” الجزاء من جنس العمل”، فمن كان متسامحاً مع خلق الله في الدنيا استأهل أن يسامحه الله في الآخرة, وقد نُقل لنا من مشاهد القيامة العِظام أن رجلاً سيحاسب خلت صحائفه من أعمال الخير, تسأله الملائكة: هل عملت خيراً قط؟, فيقول: لا, غير أني كنت أسامح الناس في البيع والشراء, فيدخل بفيض تسامحه الجنة ويعفو الله عنه.
ولدينا من أذكار ما قبل النوم ما نبّه عليه نبينا حين قال: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟, قالوا: ومن أبو ضمضم؟, قال: رجلاً ممن سبقكم كان يداين الناس فإذا جاء موعد الأجل وخلت يد المدين من السداد تجاوز عنه325, فهذا ومثله يتجاوز الله عنهم يوم القيامة فالجزاء من جنس العمل.
إنه من المضنون به على أهله أن تجد بثَّاً لهذه المفردة الساجية اليوم في حضارة القرن الحادي والعشرين، ولو أنك بحثت عنها بعينين متأنيتين فقلَّما تجدها في عالم المال والتجارة والدولار والربح, لكنّ الله وكَّل بها قوماً آخرين, أولئك هم المسلمون حين سمت حضارتهم وأخلاقهم واعتلت مدار الشمس ففاض من بين أيديهم التسامح كله حتى كأنهم احتكروه عن الأمم غيرهم, والتاريخ يحدثنا دوماً عن سجيتهم في ذلك بآحاد القصص والأخبار منذ عهود نبيهم r وحتى عصورهم المتأخرة أو إن شئت القول حين كانوا يتحكمون بمصائر الأرضين.
إن التاريخ – يا سادة – يكشف لنا ملفاته المخبوءة ويزيل اللثام عن حقائقه التاريخية، ويُبين بكل لغات العالم مَن هم الأرحم والأرقى والأكثر تسامحاً واحتراماً لحقوق الإنسان حين نقارن بين دخول الصليبين مدينة القدس في أولى الحملات الصليبية وبين دخول المُظفَّر صلاح الدين الأيوبي ذات المدينة بعد أكثر من ثمانين عاماً.
أما دخولهم فحدِّث وبكل حرج، فقد كان يوماً أسوداً لا يزال وصمة عار بشرية في تاريخ الحروب, يوماً شيطانياً سيظل يلاحق كنائس أوروبا وصلبانها وكهنتهم ألف عام وعام كلما عنَّ لذاكر أن ينفعل حزناً على حقوق الإنسان، ويستذكر تلك الحملة الموسومة بـ ” حملة الأمراء” حيث دخلوا القدس وهي المدينة التي قدَّستها الشرائع السماوية, فإن اختلف الناس في أديانهم فقد اتفقوا على مجد هذه المدينة ووجوب احترمها عن سائر المدن والبلدان.
دخلها الصليبيون في 15/1/1099 م, الموافق 492 هج واقتحموها وسفكوا معظم من يسكنها، حتى إنهم أزهقوا في ساحة المسجد الأقصى وحدها ما يزهو عن السبعين ألف مسلم, وكان من المألوف يومها أن المقاتلين جعلوا من أجساد الصغار والكبار والرجال والنساء طعاماً لسيوفهم وحرابهم فتكدَّست الرؤوس المقطوعة أكواماً كالتلال دون أن يظهروا شفقة ورحمة، وبعد أن فعلوا هذا كله وغيره تنفسوا الصعداء واستشعروا خدمة الرب وحفَّهم الرضوان وغشيتهم الرحمة حتى بلغت بهم أوج السماء.
ثم توجَّهوا إلى كنيسة القيامة وصلوا صلاة الشكر لله أنْ مكَّنهم من أعناق المسلمين الكفرة أتباع محمد, فإن لم يكن الشيطان صاحب صولجانهم ولا هو النافث في أرواحهم ولا هو من أمدّهم بهذه العزيمة الصاخبة وهم يضحكون بينما يُعلِّقون الأطفال على رماحهم, إن لم يكن الشيطان هو قائدهم آنذاك فقد اكتشفنا لتوِّنا من هو ألعن من الشيطان مرَّ ذات يوم على القدس.
ثم لندع صلاح الدين الأيوبي يدخل بجيشه اللَّجِب أسوار القدس في 27/ رجب / 1187 م, الموافق 583 هج, وملؤ عقله صوراً ماثلة من دخول أعدائه للمدينة قبل 88 سنة، فلو قفز إلى ذهنه دخول نبيه مكة بالرحمة وبسجية التسامح فسيعلِّق على تاريخ القرون مشهداً لا زال ماثلاً للعيان تشجى به البشرية كلما ذكاها الأوار واستباحها القساة وغشاها الظَّلَمة.
لقد خشي الصليبيون المحاصرون أن يدخل صلاح الدين المدينة ثم يقوم بقتل المسيحيين، وبعثوا برسائل إليه يهدّدون بحرق المدينة وتخريب مسجد الصخرة, واستسلمت المدينة له بعد أن علمت قَدَرَها، وأخمد صلاح الدين السيوف وأخرجهم من المدينة دون أذى وعادوا إلى أوروبا سالمين وهم يسجِّلون في ذاكراتهم خزي أعمالهم ونبل القدس وترفِّع دين المسلمين عن كل خسيس.
فبالله من الأرقى حضارة؟, ومن الأحق بالقدس؟, دعوا القدس تحكم بنفسها كي تختار لفظ السافكين وتحتضن في جبالها ومقدساتها أنبل الساكنين.
الإنسان ذلك المسكين

كتب الفرنسي ” إلكسيس كاريل ” منذ قرون كتابه الشهير ” الإنسان ذلك المجهول “، وأبان فيه حصيلة تجاربه خلال عشرات الأعوام في مختبره بعد أن مارس الطب هذه الفترة الطويلة، واستنتج أن الإنسان رغم أنه محور الحياة الدنيا ومحور الكون إلا أنه لا يزال مجهولاً في داخله، يحتاج إلى من يكشف عنه اللثام, والغريب في الأمر أن الإنسان هو من يكتشف الأشياء والحقائق فمن يكتشفه هذه المرة.
وسأنحو به هنا نحواً مختلفاً سوى الجهالة، يفيد صِغَره في كون الله العريض, فقد علَّمَنا تاريخنا الأرضي وجرياننا في العلوم والحضارة أننا كلمنا اكتشفنا صقعاً جديداً في ثنايا الكون الممتد حولنا كلما زدنا قناعة بقصرنا ونقصنا وصغرنا, فلأجل هذا حُقَّ للإنسان أن يكون مسكيناً.
إنَّ حديث القرآن يُدلِّل عليه, فتمعنَّ حيث شئت بأوصاف الإنسان كما يطرحها القرآن فستكون النتيجة صارخة بأننا مساكين.
والمسكين ليست صفة مال فقط بل وصفة حال أيضاً, وبهذا يفترق الفقير عن المسكين ويزيد عنه في أنَّ من قلَّ ماله فهو فقير, أما من قلَّ حاله فهو المسكين الحقيقي, فبان لنا على القرب رغبة النبي r حين قال: ” اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة فقالت عائشة لم يا رسول الله ؟ قال إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة”326، فلو أمكن لنا أن نُحدِّق بأبصار الحديد إلى من نسميهم مساكين لدينا، لأبصرنا ظلةً إلهية من الرحمة، تعلوهم تُكسبهم ومن يحنو عليهم دفئاً خاصاً يُدني صاحبه من الخالق العظيم.
والدليل على ذلك أنَّ النبي r تعوَّذ من الفقر فلو كانت المسكنة كالفقر لما رغب النبي r بها, على أية حال نحن متفقون على كوننا مساكين الله في أرضه, هذه الصفة – يا سادة – ليست مركَّب نقص البتة, بل هي مما يرفع الإنسان كالعبودية تماماً.
نحن نجرُّ الحديث إذن إلى الصفة التي تحكي طبيعة الإنسان الحقيقية وتنسجم مع كيانه الأرضي, ومن أحرى بالتواضع إن لم تكن هي؟.
التواضع مفردة لغوية غنية بالإنسانية، وهي طريق مختصر لتحرير الجسد من نير الحسد والكراهية, مختصر في نيل العلو الحقيقي الذي جعله الله مبتغىً للإنسان, ويكفيها رفعة أن أبليس لم يرضها في حين أن آدم ومحمد طُبعا عليها.
أما إبليس فرأى في الكِبْر رداءه العريض ونازع فيه الخالق في الأمر الأول { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}327, فلقد اختار طريق الكبرياء منذ أول الطريق، فإلى كل من يجد في نفسه هذه البضاعة فليعلم أنه خلف إبليس يسير وله تابع وليقرَّ عيناً بطريقه وبمعلمه, فإن كان الكْبر ملأ نفسه وأفرح قلبه فإن نهاية الطريق نار تأكل الجلود والعظام ثم تطَّلِع على الأفئدة.
ثم جعل الله أبأس خلق جهنم من تزيَّا بالكِبْر { فبئس مثوى المتكبرين}328, وأناله من السخط ما يتغلَّف لأجله قلبه فلا ينتفع بحواس ولا مشاهدات ولا مسموعات، فأقرب ما يكون إدراكه إلى أن يكون كالأنعام { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}329.
إنّ القصص القرآني الغابر يشمل ثلث القرآن، يُمثِّل في جانبه الأقوى مصائر الأقوام السالفة، أولئك الذين كذَّبوا أرتال الأنبياء والمرسلين فختم الله عليهم بالعذاب, ولقد كان العذاب نازلاً بأمر الله من السماء, نازلاً على ما يوافقه من صفة الاستكبار لدى المكذبين, فإنهم ما كذَّبوا إلا لكِبْرهم فلو نطقت جهنم بأحيائها عما اقترفوه لما زادوا عن الاستكبار في حياتهم الآنفة, فكان من الطبيعي أن يُذيَّل سجل قصص الكافرين بهذه الصفة, وانظر معي:
ففي العراق حيث كذَّب بنو راسب نبي الله نوحاً u { واستغشوا ثيابهم وأصرَّوا واستكبروا استكباراًْ}330, وفي مصر حيث الأنهار المتدفقة تحت الفرعون { واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق}331, وفي جنوب الجزيرة حيث الأحقاف قرب اليمن { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق}332, وأما في جنوب الأردن حيث مدين { قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنَّك يا شعيب }333, فكان العذاب مُستَحَقَاً على أولئك الذين نازعوا الربَّ رداءه ” الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار”334, وإنا لنرنوا اليوم إلى البشرية وهي تنازع في رداء الله فيوشك أن يقصمها ويحيلها إلى عذاب.
إنَّ للإسلام فُسحة في الأمور كلها إلا في الكِبْر، وهذا مكمن الخطر حيث تجري مراقبته بدقة بالغة فيحاسب على الذرات والصغيرات ” لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر”335, حتى إنَّه ليحق لنا الزعم بحساسية الدين البالغة تُجاه هذا المرض المأفون, يُصاب الإسلام بالرشح والزُّكام الشديدين حين يتعلق الأمر بالكبْر فهو يريد قلوباً خالية تماماً منه حتى لو خالطها أغيار سواه.
ثم جعل الخير والرشد كله في نقيضه التواضع، حتى أنَّ ” مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ “336, فالتواضع كالعبودية بل هو ذاتها، وجدير بمن حقَّق العبودية التامة في نفسه أن يُحلِّق في مدارات الأفلاك العلوية وذلك أنها أُسُّ الخَلْق ومحور التكليف, ودع ذاك الذي كان يزاحم الحجيج بعطفيه ويهزُّهم بمنكبيه يشرح لنا حقيقة التواضع, لأنه ارتفع بنفسه كالشيطان في زحام الطائفين فامتلأت نفسه كِبْراً عليهم وهو في أقدس أمكنة الأرض, ثم حفظ صورته أحد العبَّاد بعد أن رآه في مكة, فتمضي الأيام ويراه على جسر الرصافة في بغداد على هيئة الذُّل والمهانة, وقف على رأسه وقال: ألست فلاناً تدعُّ الناس دعَّاً في موسم الحجيج ؟, قال: نعم, قال: ما فعل الله بك؟, قال: تكبَّرت في موضع يتواضع الناس فيه فوضعني الله في موضع يتكبر الناس فيه.
ثم جعل الله تعالى من علائم أحبته وأماراتهم أنهم يُذلِّون أعناقهم وقلوبهم وأموالهم للناس من أجله، ومدحهم لأجل ذلك { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}337، فمن أجهل من المتكبرين؟, والآية شاخصة فاضحة لهم، فمحض العلم بالله أن تتواضع ومحض الجهل أن لا.
وضرب لنا صورة شديدة التقريع على لسان لقمان الحكيم وهو يُلقي بالحكم الجسام على إصغاء ولده { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا }338 قال المفسرون: المرح شدة الفرح والتكبر في المشي والتبختر متمايلاً, والإنسان ضعيف بطبعه مهما انتفخ وصرخ، فالظواهر الطبيعية حوله وإن كانت جماداً لكنها أعظم منه صلادة وحجماً، فمن من الآدميين تجاوز بسمته أقل الجبال ارتفاعاً؟, ومن منهم ثقب الأرض مرةً وقهر قشرتها.
لم يزل القرآن العظيم يُهذِّب محمداً ويربيه حتى سمق به في خصلة التواضع، فجعل منه فريداً حتى بين أرتال المرسلين قبله, حتى إنه لما نزل قوله تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ }339 عَلِمْنا – معاشر المسلمين – أنه بلغ الشأو الأبعد في جميل الصفات ما يناهز به جمهور القيامة من الخلق, بل جعل من تواضعه مفردة قيادية وركناً في تآلف المجتمع { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }340، وهذا هو الفارق الأشد بين ملكاً من الملوك ونبياً صنعه الله بقدرته.
إنَّ مما يقدِّمه الإسلام للبشرية اليوم وهي المفتقرة لسجية التواضع، أن نبيه خُيَّر بين أن يكون ملكاً نبياً كسليمان أو عبداً نبياً فاختار الثانية, وأنه لما دخل مكة حائزاً لها ظافراً بأهلها بعد غربته عنها وبعده عن البيت الحرام، دخلها وهو خافض الرأس لربه منحنياً لجلاله على النصر والفتح، مع أن طبع القادة الفاتحين أن يسوقوا بين أيديهم سياط الرعب والهلع يُمهِّد لهم في المدائن سطوة القائد الظافر، فيخلع قلوب الأطفال ويسيم النساء ما تفعله السيوف في الرجال, كذلك كان أصحابه مثالاً للحلماء المتواضعين وهم يجوسون في جنبات الحرم، فاستراحت مكة بعد أن بكت عليهم ثمانية أعوام ونيف.
إنَّ مما يقدمه نبي الإسلام للبشرية اليوم وهي خالية الوفاض من معاني التواضع والإنسانية، أن ربه عاتبه ذات يوم في رجل أعمى أسمه عبدالله بن أم مكتوم، اعترض طريقه يبتغي علماً عن الله والشريعة، فانصرف النبي r إلى دعوة المشركين رجاء إسلامهم، ثم نزل الوحي يدقُّ في أرض المدينة قاعدة جديدة تحمل الرقم ألفاً مفادها أولوية التواضع على الدعوة, فإقبال النبي r على ابن أم مكتوم أبقى من دعوة المشركين إلى الإسلام.
وإذن فدعنا نقول بعشرة ألسنة كفاحاً: التواضع خُلُق كبير لا ينقدح إلا في قلوب من عرفوا جلال الله، وارتقَوا في مدارج العلياء إليه وردَّدوا في الخلائق بترنيمة واحدة العظمة لله وحده.
على أنَّ جيل الصحابة شربوا من لبانات هدي النبوة، ورضوا بالتواضع سيداً لهم يقضون به هانئين حياتهم الدنيا إلى أن يلقوا نبيهم r عند الحوض، فسار الخليفة الأول سير صاحبه وأكمل مسيرته لا يخرج عن طريقه خطوة واحدة، فقد درج منذ زمن على الخروج في الصباح إلى بُنيات في المدينة يحلب شياههنَّ ويتقفد حوائجهنَّ، حتى إذا بويع بالخلافة واعتلى سُدّة الخلافة وطلع صباح اليوم الأول في خلافته لم يحذف من برنامجه ذاك الخروج، فأي خليفة في الأرض وأي ملك يفزع في صباحه الأول الجديد إلى ضروع الشياة وحليب الصغار؟, ولو لم يفعل ذلك لما كان أبو بكر الصدِّيق خليفة محمد بحق.
فإذا وضح النهار واعتلت صهوة الغادين على خيولهم وشرعت سكة المدينة في السير، مضى الخليفة العظيم صوب طرف المدينة حيث امرأة عجوز عمياء تسكن في بيت خَرِب، تعوّد أبو بكر منذ زمن أن يختلف إليها، يُصلح من شأنها ويقضي حوائج بيتها فإذا انتهى مضى دون وداع كالنجم يستلُّ ضوءه استلالاً حين تنعطف شمس النهار على الفجر.
وستجد هذه القيمة الحضارية القصوى موفورة الحضور لدى جيل الصحابة الكرام ثم حِقَب السلف المتلاحقة، فعلى قدر ما قدَّموه في هذه الخِصلة رفعهم الله أسياداً كرماء في الخليقة، فما علوُّهم في الأرض وفتوحاتهم وكعب حضارتهم وتاريخهم إلا مرآة خالصة السَّبك لخُلق التواضع لديهم.
فإذا مضينا إلى النقيض من هذا، ألفينا القرآن قد شدَّد النكير على العقول والقلوب المتكبرة المُستخفِّة بجلال الله وعظمته، ولدينا من أبرع القصص ما نضربه عن مثال الشخصية الكانزة المُكابرة، قارون الذي يُعدُّ بحق من أكابر أغنياء الأرض إلى درجة أن ذهبه اللامع وأمواله ملأت خزائنه ودوره المُترعة، وتخيَّل معي تلك المفاتيح الجسام وهي تثقُل على حملتها الأقوياء من العبيد رغم أنهم يزيدون عن العشرة.
فلو قلنا أن موسى u صالحه على زكاة أمواله بأن يدفع واحداً بالألف، فقط ثم عزلها فإذا هي كومة مديدة الحجم، فلما رآها قارون نقض صلح الزكاة، عَلِمْنَا مبلغ الكبْر الذي وصل إليه هذا الأفَّاك خاصة حين زعم أنَّ عبقريّته الفذة هي صاحبة الفضل في هذا الثراء.
ولقد بلغ به الاستكبار أن كره القدر المُخطئ في أن جعل موسى u نبياً دونه وكان ينبغي للأغنى أن يستأثر بالنبوة فجاء العقاب الإلهي بالخسف عليه وعلى ماله فإذا هو بعدها خبراً بعد عين.
سجَّل الله لنا في آيات يسيرات خَبَرَه وختم بعلوه في الأرض واستكباره، نجد ذلك لائحاً في قوله تعالى: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }341.
ديانة السعادة
السعادة هذا المفهوم الذي ألهث الأنفاس، ولقَّن الفكر درساً قاسياً في تواضع العقل الباحث في مداراك الأشياء, يختلف الناس حوله على ألف قول وقول, فما هي السعادة؟, وما إكسيرها؟.
لو أنّك جمعت سادة من العقول والمفكرين والفلاسفة والنُّظَّار في عالم الأشياء حولنا، ثم سألتهم عن السعادة لكانت الإجابات في أغلبها تصبُّ في:
البحث عن الزوجة والزوج الذي يُهنئ الاقتران بها وبه, النفوذ والجاه والسلطان, القوة والكلمة الأمر التي لا تُقال إلا مرة واحدة, المنصب والشهرة وإشارة الناس للشخص بالبنان, الغنى واليسار والملاءة المالية التي تحيل الحياة إلى كومة من المُترَفات والآلات, وغيرها ممن هي على سمتها أو قريب منها.
لكن – يا سادة – إنَّ البحث العلمي يفذلك ذلك كله ويرمي به في الفراغ, لقد حقق هتلر القوة وطاف ببوارجه المحيطات وحاصر القارات وأغرق الأساطيل وأرعب العالم وغزا سيبيريا، وظل يلهث في رحلته الطويلة فلم يصل إلى السعادة، بل انتهى به المطاف إلى رصاصة فجَّرت رأسه الشجيّ، فإذا هو ممدد في حجرة مع حبيبته التي تجرَّعت السُّمَّ عَقِبَه بعد أن اتفق كلاهما على الانتحار لما وصله نبأ المدفعية السوفييتية وهي تدكُّ عاصمته.
والفرعون القديم حكم مصر وما حولها بالحديد والنار، ثم سجدوا له عن بكرة أبيهم واتخذوه إلهاً وانتفخ آلاف المرات وهو يحمل صولجان القوة، فأغرقه جبروته في اليم وامتلأ فمه لحظة الموت بطين جبرائيل u.
وغيرهما من عمالقة العالم في القوة والبطش ممن أدمنوا إبكاء الأرامل وذلِّ الرجال وقهر الأيتام, غيَّبهم محيط الموت الغامر فلم يظفروا بالسعادة.
ثم إنك لو اطَّلعت على كنائز قارون الغائرة في بقعة ما من أرض فلسطين، وهالك ما تراه من صفائح الذهب وأرتال الأحجار الكريمة والفضة والمعادن والمخازن المترعة مما لو ظفرت بطرف منه لناهزت أغنى أغنياء العالم في قائمة غيتس, فهل حصَّل القارون السعادة التي كان يفكر فيها؟.
وكم مرَّ على الأرض في تاريخها السحيق من سلاطين وملوك وأباطرة، حكموا إلى أن اتعبتهم العروش فأسلمتهم إلى جيب من الأرض ضيق أو رحب، فما حققوا من إكسير السعادة ما يسدُّ رمق فقير يأكل يوماً ويجوع أياماً.
وكم من رجل تزوج من الحسناوات؟، وكم من امرأة قنصت حصانها وفارس أحلامها؟, إلى معاشر الفنانين والنجوم وأهل الشهرة والمجد ثم ذاب ذاك كله كالسراب يحسبه الظامئ بحراً, فلو أقسموا على أمر لأقسموا أنَّ السعادة مركب موهوم يتيه في أذهان الفلاسفة والشعراء مما لا وجود له البتة, أو إن شئت القول صارت المستحيلات أربعة: الغول والعنقاء والخل الوفي ورابعها السعادة الموهومة.
على أنَّ هذا رأيهم ومحض تجربتهم حين عايروا السعادة هذا المعيار، وحبسوها في نظرة قاصرة تنمُّ عن قصورهم في فهم الحياة.
وإلا فمن زعم من المجيدين أنَّ السعادة هي اللَّذة التي يقابلها الألم؟, تلك اللَّذة الفانية التي يحكم عليها الزمن الأرضي الذاهب عنوة.
صار لزاماً علينا أن نحدد مفهوم السعادة التي نريدها ونبحث عنها, فإن كانت تلك المحبوسة في جوف الحياة الأرضية فهي إذن السعادة الدنيوية ولن تعدُوَا قدْرها عن الآنف, أما إن كانت السعادة المطلقة المُحلِّقة، فسينقلب الأمر مختلفاً عن الترّهات التي خضنا فيها عمَّا قريب.
إن فطَرَنا التي تنبض بها قلوبنا وتجتاح مشاعرنا, القوة التي نستشعرها في دواخلنا تُنقِّب حثيثاً عن السعادة بهذا اللقب, السعادة المطلقة وهذا من أكبر الأدلة الفطرية على البعث والحساب القادم لا محالة بعد رحلة الموت, فإذا كان ذلك موجوداً في باطن الإنسان ولم نره واقعاً معيشاً في حياتنا الدنيوية، فلا شك بوجوده في عالم آخر وإلا كانت أحاسيس الجنس البشري كلها كاذبة واهمة، وهذا أمر يحيله كل عاقل.
وإذا كانت المدنية الحاضرة فشلت في إيجاد السعادة لبني جنسها، فهذا لأنها بترت المفهوم عن وصيلاته وبحثت عن جزئه لا عن كله, فغايات الإنسان الروحية والعقلية والنفسية والجسدية إذا ما تحققت أفضت إلى الرضا والسعادة المرجوة, غير أنَّ ما تحقق من الأربعة السالفة هو جزء من اثنين, فالإنسان في قرنه الحاضر حقق جزءاً من الرضا العقلي وجزءاً آخر من الرضا الجسدي، أما الروحي والنفسي فغدا موغلاً بعيداً يتنافس باطراد عكسي عن المسيرة الحاضرة.
لقد أخطأت الحضارة طريق السعادة بعد أن قررت – بلا تفكير – غفلتها عن نفس الإنسان وروحه العطشى, فكلما صارت متخمة أكثر بتحقيق حاجاتها الجسدية والعقلية كلما تضاءل روحها ونفسها فآل هذا الظلم في التعامل إلى أمراض العصر الروحية والنفسية، وما الاضطراب النفسي والخواء الروحي والاكتئاب وتزايد نسب الانتحار إلا غيضاً من فيض ما ينتظرها, إن البشرية اليوم محمومة فحسب كعَرَض أولي لمرض عضال بدأ يستشري سريعاً في جسدها الهزيل.
الانضباط التام
الإنسان كائن متفلت بطبعه لا يحب النظام لأنه يقيِّد من حريته, وطلبُ الحرية الكاملة هو أقصى ما لديه من مشتهيات, والنفس التي تمور داخل هياكلنا متشوِّفة كي تمارس ما يحلو لها وتجرِّب كل طرائق الحياة بلا استثناء, غير أنَّ الحرية المطلقة مفسدة مطلقة فلا بد من النظام الذي يحجر على هذا الإنسان المسرف في الطلب والتجربة والتمني.
إنك لو وضعت ثلةً من الصالحين في جزيرة معزولة واستقلَّوا عن نظام العالم فعاشوا دون نظام يدبِّر حياتهم ثم عدت إليهم بعد زمن، لوجدتهم طائفة من الفاسدين ولغشيهم الانفراط والفوضى، والسبب في ذلك أن النظام والسلطة والقانون هي حصون التعايش السليم, هذا أمر ينبئ عنه خلق الإنسان ذاته ولا يحتاج إلى التدليل, فالعقل يحجر على النفس اللجوج ويقيدها بقياد الاجتماع السليم, فمن هنا جاءت أسماء العقل دالة على هذا المعنى، فهو نُهية ينهى صاحبه عن الفعل المذموم وجمعها نُهى {كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى}342, وهو حِجْر أي يحجر على التصرف القبيح {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ}343, والعقال في لغة العرب حبل الدابة الذي يمسكها ويضبط حركتها لتظل ذلولاً لصاحبها وإلا غدت حروناً لا تنقاد.
وبقدر ما تكون أية حضارة ودولة دائبة على معنى الانتظام التام درجت في مسالك الرقي، والمسافة ظامئة بين شريعة الغاب وبين قانون الأفراد في الدول المتقدمة.
على أنَّ هذا الانتظام لا يكون رائعاً إلا بقناعة الأفراد ذاتهم، فهو مؤسَّس إذاً على انتظام آخر نفسي قبل أن يكون مادياً اجتماعياً.
ولما كان الإسلام ديناً رائعاً في جزئياته كلها فالنموذج الأفضل فيما نحن بصدده يروق كثيراً للبشرية، وهي تسامر مسيرتها التاريخية حين تبدأ عن كثب بمراقبة الرسول الأعظم وهو يدرِّب بدواً رُحَّلاً على الانتظام في سلك الحضارة الجديدة تاركين ورائهم الفوضى محض ذكريات ذاهبة يتندرون بها بين الفينة والأخرى.
تثور بعض قلاقل الجزيرة حيث الشمال الأقصى في تبوك الضاحية الرومية, يتناقل الركبان مرويات ضعيفة تعتضد بمجموعها إلى رتبة الخبر الحسن أن الروم يُعدُّون العُدَّة لغزو المدينة حيث ثِقَل المسلمين, ويخرج النبي r على أصحابه في هاجرة الصيف يأمرهم بالتجهز لغزو الشمال، وما هي سوى أيام حتى يتمدد جيش لجب على أبواب يثرب الشمالية يسيل كالنهر الدافق الذي يُخفي تحته الحرَّات ذات الحجارة البركانية، ويتخلف عن الجيش منافقون كثر وبعض المؤمنين، منهم رجل زكيٌ في ماضيه الجهادي اسمه كعب بن مالك, يتفقده النبي r بعد وصوله تبوك, ثم تجري الأيام سراعاً ويقفل النبي r راجعاً بعد نصر دون حرب، حتى إذا وصل المدينة هرع المنافقون يعتذرون عن التخلف، ويقبل النبي r الذي لا يردُّ أحداً, ويجيء كعب مُحمَّلاً بالأسى راضياً بالعقاب.
تبدأ القصة التي نرومها من اللحظة التي أفضى فيها كعب بالصدق كله وهو يلقيه في جُعبة نبيه, وعلى الفور يأمر النبي r بعقاب هذا المتخلف عن المسلمين ويأمر شعبه بمقاطعته مقاطعة اجتماعية أليمة.
هذا أحد الدروس المخفية المستوحاة من ملحمة غزوة تبوك، حيث ينصاع جميع المسلمين لهذا القرار النبوي المفاجئ فيصدرون عن أمره في مقاطعة كعب، فلا يجرؤ أحد على مخالفة الأمر الحازم إلى الدرجة التي استوحش فيها كعب, لقد أُلغيت شخصيته تماماً من حياة الصحابة في المدينة، فكأنما قد مات منذ دهر ولو فعل لذكروه وترحموا عليه, ولكنهم لم يفعلوا وظلوا منتظمين في سلك قرار زعيمهم، وعاش كعب أياماً قاسية عصيبة أشد أضعاف المرات مما لو حرقه المسير إلى تبوك عشر مرات, إنَّّّ طاعة الله ورسوله أهون بكثير من العصيان والتخلف.
حتى إذا زادت أيام المقاطعة عن الشهر، وصار كعب يطاوع ليله الحالك الطويل وأحس بالغربة والتوحد، جاءه فرج مزيف من أمير بصرى يدعوه إلى اللحاق بأرض الشام: بلغنا أن صاحبك قلاك ” هجرك” وإنك لست بدار ذل فالحق بنا نواسك, غير أنه سجَر الرسالة في تنُّور، وانظمَّ إلى مجتمع المقاطعين فقاطع نفسه، وما أجملها من صورة نٌنعش بها ذاكرة التاريخ وهي تتحدث عن التحضر والنظام الذي صنعه مجتمع المدينة الصغير.
ووصل الأمر إلى أوجه حين أمر النبي r كعباً أن يعتزل زوجته وامتثل، وعنَّ له أن يطلقها لكنه أمرها أن تغادر إلى أهلها إلى أن ينكشف هذا العقاب, ثم ينفرج المشهد عن لوحة سماوية مُسدلة تُحيي كعباً من جديد {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ, يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}344.
فالقصة هنا – يا سادة – ليست توبة كعب وقبولها, بل هي مفردة حضارية جديدة تصهرها بوتقة الإسلام، تُغذَّي بها الأجيال اللاحقة حين تبحث عن عناصر القوة في الدول والجماعات, عن مجتمعات وأجناس تبحث عن الوحدة الوطنية بكل السُّبل فلا تجدها إلا في غزوة تبوك.
كي يُعلِّم النبي r القادة والزعماء والرؤوس ضبط إيقاع حركة الأفراد في ممالكهم ودولهم، فيغدو المجتمع كله منضبطاً، كمن يقود فرقة موسيقية يهزُّ بعصاه على خشبة ” الأوركسترا” فتنتظم الألحان كي تؤدي ما يريده القائد فتنتعش سيمفونية الحياة ويروق التحضر.
وغني عن البيان, في مفردة الانضباط الإسلامي يتم تأسيسه على ركائز وأسس نفسية وقناعات تجلو بصائر الأفراد، أنَّ الإيقاع الواحد لحركاتهم يخلق مجتمعاً مقتدراً يشقُّ من خلاله المجموع العام طريقاً واحداً محفوفاً بالسعادة المنشودة لجميعهم.
ومما يزيد الحُسن حُلَّةً، أن الانضباط مقصد كلي في الديانة الخاتمة, فمن الميسور أن تعثر على ثناياه مبثوثة في مجالاته المتنوعة حتى في العبادات التي هي مطلوب المكلَّف الأول, ففي الصلاة التي هي غُرّة العبادات يتجلى الانضباط في مجالين:
الأول: في الصلاة الفردية التي يكون المصلي إمام نفسه، عليه أن يتقيَّد بالحركات المطلوبة دون زيادة عليها وهي حركة القيام والركوع والسجود والجلوس وما يتخللها من رفع وخفض، فلو أحدث فيها حركة معتبرة سواها بطُلت صلاته, والمغزى من ذلك تعليم المسلم إيقاعاً منظماً في الحياة فلا يوقِع فيها سوى الحركة المطلوبة منه, فكأن الصلاة التي ننتهي منها ببضع دقائق ونكررها آحاد المرات في اليوم والليلة ورشة تدريبية ودورة تعليمية يتخرج منها فاعلها بشهادة الانضباط والانتظام, وكأن الشرع يقول لنا بلسان الحال: حياة المؤمن كلها صلاة لخالقه، فواجب عليه أن يضبطها كما يفعل في صلاته الصغرى, هذا المعنى يتبدَّى لنا من حرص الدين على ضبط حركات الأتباع في حياتهم.
الثاني: في صلاة الجماعة بالإضافة لما سبق، فالمأموم يتقيِّد بحركة الإمام وعليه أن يتابعه فيها، فلو تأخر عنه تأخراً مؤثراً أو تقدَّمه زمنياً انحلَّت عُرى صلاته, والإمام يمثل زعيم الأمة وقائدها الذي يصلي بشعبه في أن يحكمهم بالعدل والمساواة واللين ويتوجه بها كلها لربه رجاء أن يقبل حكمه لهم.
ثم تمعَّن في الصفوف المتراخية وراء الإمام وطريقة تنظيمها وضبط الإيقاع العبادي مما ألفناه واعتدناه حيث يمثل صفة راسخة نفسية وعملية في فكر المسلم، فينعكس ذلك على ذهنية التفكير لديه ويُكسبه سمتاً منتظماً في خضوعه لنظام الجماعة والتكاتف، الأمر الذي يدفعه دوماً ليظل لبِنَة وخلية عاملة في المحيط الذي يكتنفه كما تفعل عاملات النحل تماماً.
في الحج الذي يمثَِّل مهرجاناً سنوياً، يلوح لك على القرب المعنى الآنف، حيث المناسك المتنوعة والحركة الرتيبة للحجاج وهم يتنقلون من مكان إلى آخر فيشتركون في ذات الأعمال، فكأن أعمالهم الفردية تصنع مع بعضها عملاً واحداً هو حج المسلمين بأجمعه يتوجهون به إلى الله الذي يُباهي بوقوفهم كلهم على جبل عرفات، ُيباهي ملائكته بسمت اجتماع المسلمين
وفي الصوم الذي تعبق فيه رائحة الإسلام ونكهته المُعبِِّرة يظهر انضباط المشاعر وتوحِّدها تُجاه الفقراء والجوع، فترى الصائمين يفكِّرون في المساكين فتكثر الصدقات والإحسانات, ففي نفوس الأغنياء تنتظم مشاعر الإعطاء وفي قلوب الفقراء تنتظم مشاعر التلقِّي والدعاء, بل والأكثر من ذلك يُعاد تدوير جزء من ثروة الأغنياء وتُذكى عجلة الاقتصاد وينحسر الاكتناز وحبس المال في القاصات؛ لأن محله الأسواق وتداول الأيدي والعرض والطلب وفي ذاك انضباط للحركة التجارية ورواج للمجتمع.
على أنك تجد انضباطاً من نوع آخر، يتمثل في حركة الصائمين ونفسيتهم، من خلال وقت بدء الصوم وانتهائه واجتماعهم بعائلاتهم كل غروب، حتى إذا انسلخ الشهر الفضيل أطلَّت الزيارات والمعايدات وتآلف القُربى.
قسوة العقوبة أم فداحة الجريمة
لم تكن الحياة سهلة المأخذ ليّنة الجانب يوماً، بل هي قاسية لحوب لمن تمعَّن فيها, وذلك حين تنظر إليها من زاوية الإستخلاف الإلهي، فقد عهد الله إلينا أن نعبده بطريقته, ثم قدَّر لنا أعماراً قصيرة لا مجال للخطأ المتكرر الطويل فيها, فتأثرت العقوبة في ديننا بقِصَر زمن التكليف وعلى حسابه، فلا بد إذن أن يكون الإسلوب المنظِّم للخطأ والتمرد والتعدي رادعاً, إنك إن تُخطئ مرتين في ساعة أشد جرماً من أن تُخطئ عشر مرات في شهر؛ لأن الزمن لا بد أن يدخل في المعادلة, هذا الآنف يجعل العقوبات في الإسلام مُغيَّاة بالإصلاح التام الذي يأخذ في حسبانه زمن الإصلاح.
وفي ذات الوقت لا بد من إصلاح المجرم لا الانتقام منه، وخير وسيلة في ذلك تفعيل سبل الوقاية من الوقوع في الجرم عن طريق تخويفه بفداحة العقوبة، فإذا استعصى عليه فهم ذلك وصار لزاماً علينا الاختيار بين إصلاحه وإصلاح المجتمع، اخترنا الثاني حتى إنه يحق لنا أن نقول: يتم التنازل عن المجرم نهائياً في سبيل إصلاح الجماعة.
هذا من جهة, ومن جهة أخرى فليس بمأمون على مجتمع البتة يزيد فيه مؤشر الجريمة على المستوى المسموح فيه؛ لأنه حينئذ يُقلق العبادة التي هي سبب الإيجاد ومغزاه، بمعنى أنَّ العابد يستشعر خطل البيئة المناسبة للتكليف والطاعة، وفي ذاك اعتداء واضح على حق المعبود الخالق.
ويحق لنا أن نسأل هنا ونحن نتحدث عن مفردة تمثل إشكالية في التفكير الإنساني اليوم, لم لا يمتنع المجرم عن جريمته مرة ثانية في ظل النظام الإنساني الحديث؟, فلو كانت العقوبة رادعة بحق لما تكررت بمستويات غالبة, إنَّ هذا يمثل خطأً جسيماً في إصلاح المجتمع المتمدن, إنَّ العقوبة إنما تكون ناضجة حينما تؤتي ثمارها, ولا ثمار بين يدي البشرية اليوم، وهي المفضوحة الكالَّة العاجزة حين تستبيح نفسها بحجة تعاطف الضعيف.
فلا تعاطف البتة مع لص يسرق خبز الجياع إلا إذا كان واحداً منهم, ولا مسامحة مع من ينتهك الأعراض ويُطلق شهوته ويتلاعب بالشرف إلا إذا قررنا أن نعفو القاتل العمد من القتل؛ لأن كليهما قتلاً، فالأول قتل حكماً والثاني قتل حقيقة, ومن استدرَّ الغفران للمفسدين في الأرض أوشك أن يُخرج براكينها إلى السطح كي تمزِّق الأطفال والنيام فلا مندوحة من سواسية الفعلين.
وإلا فما معنى أن يثبت الزنا على أحدهم ؟, ويشهد أربعة من العقلاء على جريمته, هذا يعني أنه مارسها أمامهم ممارسة فضحت نفسيته التي لا تعدو عن كونها شهوة إحدى دواب الأرض الفاتكة، فما يفعل السجن في وحش كاسر كلما ألهبه الانتظار عاود الانتقام؟.
يقدِّم الإسلام نظرية متكاملة الأطراف في نظام العقوبات فلا يُقاس مجزوءاً؛ لأن الصورة المقطوعة من رسم تام لا تُقدِّم انطباعاً سويّاً للرائي, فهو يبدأ من الوقاية والصيانة ويقرر على الناس كافة جدولاً واضحاً في الجرم والعقاب، فإذا ما فكَّر المجرم في العقوبة زاد لديه الإحجام لجسامة المآل, فلا غرو أن تصون عقوبة السارق المتمثلة في قطع اليد آلاف الأيدي من القطع مما لا يفعله الحبس أو أية عقوبة أخرى, وعقوبات الجلد والفضح والإعدام تردع قساة المشاعر ممن يرون الزنا والقذف مباحاً لشهواتهم الوضيعة، فكل من يفكر في انتهاك حمى المجتمع بهذه الأوحال لا شك أنه سيفكر في قدرة احتماله على لسع السوط ومرارة الموت، ولو قاس احتماله على السجن والانتظار والترقب لكان سائراً نحو الجريمة بخطوة.
ولا أقول في الوقاية نصف العلاج، بل إن طرائق الإسلام فيها تقطع دابر التفكير، لأنك قلما تجد في مجتمع المحتشمات ممن تقلَّدن الحجاب الإسلامي وتربيّن في الأسرة المسلمة ونشأن على الأدب الجم وهجسن بالفضيلة، قلما تجد في مثل هذا المجتمع زناة, لكن سيتواتر القذف واتخاذ الخليلات وتربو الرذيلة وتُكدَّس في أضواء المدن نوادي الليل ودور الدعارة في مجتمعات تُسرِّح فتياتها على الطرقات بنصف لباس, وحين يكون التبرج ترجمان المدن، والحفلات المختلطة عنوانها، والرقص بعض فنونها، فلا عليك لو ألغيت عقوبات الأعراض فهذا خير من أن تتهم الجميع بالجريمة.
أما القصاص في ديننا الذي يُعبِّر عن العقوبة بالمثل، فهو برنامج حياة لا موت { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}345, فلولا نشدان الحياة للجميع لما انبثق القصاص في شريعتنا, فهو محض سلك العدل المنظوم لأن حيوات الناس متساوية كلها، لا فرق بين شريف ووضيع، ومن منح الحياة لكل إنسان دافع عنها بمثلها إلا إذا انتفت نية القتل وكان خطأ.
إن من ينتقد نظام العقوبات الإسلامي – يا سادة – يبيح العدوان والظلم والفساد في الأرض، ويشجع على أن ننحو بإنسانيتنا صوب الغاب حيث شريعة الأقوياء وتمادي الشهوة والغضب دون رادع أو حسيب, ثم نحن لا نستحي قيد أنملة من توضيح هذا النظام للعالم ولو أنهم قالوا عنه نظام رجعي قاس يصلح للقرون الخالية, ولا نؤوله ولا نفسره بغير صراحته وهو ليس من بنات أفكارنا ولم يكن يوماً منظومة بشرية صدعت به رؤوس الجزيرة العربية بل هو النظام الإلهي الخالد الذي يكفل لبني البشر حياة سوية مستديمة, ومن يستحيي منه فهو يستحي من الله أن يكون له رباً.
قاعدة التحليل والتحريم في الإسلام
نظام الحلال والحرام في الإسلام مؤسس على هيمنة المنافع والمضار في الشيء الواحد سواءً أكان عملاً أو عيناً, فجلُّ الأشياء في الطبيعة لا تخلو من منفعة ومضرة غير أنها بنسب متفاوتة, فإذا زادت نسبة المنفعة على المضرة حُلِّل وإذا نقصت حُرِّم, وخذ مثلاً الخمر التي هي أمّ الخبائث لا تخلو من منفعة نسبية رغم مضارها وحرمتها بدليل قوله تعالى { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}346, فصار لزاماً أن نميز بين منفعتين, المنفعة المادية المجردة والمنفعة الشرعية, والخمر تحتوي على منفعة الأولى بخلاف الثانية إذ لا منفعة شرعية فيها؛ لأن الشريعة حين تحرِّم شيئاً تأتي بمفهوم جديد للمنفعة، وكي نقارب المثال فهو أشبه بالفارق بين المعنى اللغوي والإصطلاحي.
فمن منافع الخمر المادية النشوة التي يستشعرها شاربها ولذّة مقارفتها وبيعها والاتجار والتكسب منها, أما مضارُّها فتأثيرها اللازم على العقل والوعي، فالسكران الذي خمَّر عقله ” غطَّاه” يبيح لنفسه التعدي على الآخرين وعلى ممتلكاتهم، ويودي به حاله إلى الفساد في الأرض, ولما نظرت الشريعة إلى الخمر ووضعتها في ميزان المنافع والمضار حيث رَجَحَت كفَّة المضار وطاشت كفة المنافع حرَّمتها.
وقِس على الخمر غيرها، فالسرقة مثلاً اشتملت على منافع للسارق يتكسَّب ويُحصِّل أموالاً بلا تعب ومشاق، لكنها في الوقت ذاته اعتداء على طبيعة الحياة والأمن الاجتماعي؛ لأن حظَّ الناس في أموالهم ينبني على ما يقدِّمونه من مشقة وتعب في حركة الحياة, فالنظر العقلاني إليها يُصنِّفها في دائرة المضار الغالبة رغم المنافع المغمورة فيها؛ فلأجل ذلك حُرِّمت وفدحت عقوبتها.
ولا يتبدَّى لنا أحيانا منافع الشيء ومضاره فنبيحه ونحرمه تبعاً للشريعة وتيقننا بها وصدقها، كما في المطعومات والمشروبات, فالخنزير محرم مثلاً, ولكن لماذا؟, وما الفارق بينه وبين الشاة؟, فمن يزعم أنه حُرِّم لأجل أنه يأكل روث نفسه، نقول له: ليست تلك قاعدة تحريم المطعومات من البهائم في الإسلام؛ لأن بعض المباحات تأكل هي الأخرى فضلاتها, ومن قال إنما حُرِّم لأجل أنه مستودع الجراثيم والقاتلات الدقيقة افتقر إلى الدليل, والحال أننا نؤمن بتحريمه ونمتنع عن تناوله لأجل حسم الشريعة بالتحريم، فإذا تبدَّى لنا بعض المضار فيه، نقول: ربما يكون ذلك حكمة تحريمه لا علته، والأصوليون يفرِّقون بين العلة والحكمة رغم أنهما يلتقيان في بعض الموجودات.
وباختصار شديد، لا تُحرِّم الشريعة شيئاً غلبت منفعته ولا تبيح شيئاً غلبت مضرته, والمؤمن يُسلِّم بالنص الصحيح المُحرِّم والمحلل امتثالاً لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}347, فالمرجعية في التحليل والتحريم للشريعة وحدها.
ومن عطف الله علينا ورحمته بنا أن أباح لنا الطيبات وحرَّم علينا الخبائث، إذالتحليل والتحريم دائر في فلك مصلحة المكلف وتلك خصوصية المسلمين دون غيرهم من الأمم الماضية, فالشرائع السالفة حرَّمت بعض الأشياء التي تخالف القاعدة الآنفة، ومثاله الغنائم التي كانوا يستولون عليها من أعدائهم بعد القتال، يحرم أكلها والواجب عليهم جمعها في مكان ثم يفزعون إلى ربهم أن يقبل منهم جهادهم فإذا فعل أرسل صاعقة تحرقها, وإن لم يحدث ذلك فثمة خطب فيهم.
ثم لما جاءت الشريعة السمحة الخاتمة التي تضمنت أوفر الرحمات ببني الإنسان مع الدستور الإلهي الخاتم الذي اختاره الله كي يحكم الأرض إلى نهاية عمرها، سمح لنا بأكل الغنائم.
أي أن هذه الشريعة تضمنت رحمة ويسراً وعطفاً إلهياً لم يكن موجوداً لدى الشرائع السابقة, يتضح بعضها من الحديث: ” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي, نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ, وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ, وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي, وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ, وَكَانَ النَّبِيُّ r يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً”348.
ومثال آخر على ذلك، ما كان لدى بعض الرسالات الآنفة من أن الثوب النجس لا يطهر إلا بقطع موضع النجاسة منه، فُخفِّف الحكم على الأمة الإسلامية وجُعلت طهارته الاكتفاء بغسله بالماء أو نضحه.
فنقول على إثر الأمثلة السابقة: أن قاعدة التحليل والتحريم اكتملت في شرعنا حينما نقصد بالكمال هنا الصلوح لكل زمان ومكان.
ثم إننا بعد استقراء المحرمات والمباحات في الإسلام ألفينا غالبية الأعمال والأعيان تقع في دائرة الإباحة وأقلها في دائرة الحرمة، حتى لو قلنا مقاربة أنَّ أقل من 10% هو المحرم لما كنا مغالين.
فلقد أتمت الشريعة وفرتها بأن بذلت غنيةً للمكلَّف عن الحرام في الحلال، فما من أمر حرَّمته إلا وفي سعة الشخص أن يجده مباحاً، بل فتحت المجال لبدائل لا حصر لها ليظل الإنسان غنياً بمباح الله عن حرامه، فليس في المحرمات تضييق عليه في معاشه ولا في كمالياته وتحسينياته، تجد ذلك موفوراً في عدة نماذج من مثل:
-الخمر: الشراب الذي جعلته الشريعة أمّاً للخبائث وأباً للفواسق, في غيره من المشروبات الوفيرة ما يُغني عنه.
– وفي الميتة بأصنافها: جعل بديلها المُذكَّاة من الأنعام.
– وفي السرقة والنهب والغصب والاختلاس: ما يغني عنها مما لا حصر له من طرق التملك المشروع.
– وفي القذف والغيبة والنميمة وسائر آفات اللسان: بدائل الإصلاح القولي والذكر والدعوة والكلام المباح.
– وفي الاستقسام بالأزلام: صلاة الاستخارة والتوكل على الله والأخذ بالأسباب.
– وفي الربا: أباح البيع وسائر المعاملات التي تُغني عن هذا الغول الاقتصادي الذي يتلاعب الشيطان بواسطتها في حركة المال وأسواق العالم.
والأصل في الأشياء الإباحة والاستثناء التحريم, فلا يُحرَّم شيء إلا بدليل والنصوص قاضية بهذا من مثل قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}349, وإنما الحاصرة تدل على أنَّ ما سواها مباح.
وفي قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}350 امتنان من الله تعالى يُبين عموم الانتفاع الإباحي في موجودات الأرض فهو نص عام، فإذا ورد نص آخر يُحرم بعض الأشياء أخرجناه من دائرة الإباحة الواسعة بحمل العموم على الخصوص.
ثم إنه من لوازم عقيدة المسلمين تبعية المكلَّف وانقياده لأمر الله الشرعي في ما يُحرِّم ويحلِّل، فليس لأحد سواه أن يفعل ذلك؛ لأن تمام ألوهيته تقتضيه, ففي معرفة حرمة الأشياء وإباحتها لا يُفزَع إلا إلى الله في قرآنه أو في وحيه إلى نبيه.
هذا الأمر لائح في الإسلام لا يتم التنازل عنه البتة، أما في الرسالات والقوانين الوضعية سواه فقد أباح البشر أحبارهم وفلاسفتهم لأنفسهم الافتيات والتطفل على الخصوصية الإلهية فعلى قدر النكير الذي شنَّه القرآن في قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}351,على قدر النكير الشديد يعظم المصاب في التطاول على مقام الألوهية بأن من فعل ذلك قلَّد نفسه ربَّاً للبشر.
وقد ورد في سبب نزولها أن النبي r تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي لما وفد إليه, فقال عدي:: إنهم لم يعبدوهم. فقال: “بلى، إنهم حرَّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم”352, فليس مفهوم العبادة إذاً محصوراً في التوجه بالطاعة إلى المعبود بل والاعتقاد الجازم في إثبات حق التشريع إليه وحده.
وجعل من لوازم الاتباع حق الله في التحريم والتحليل تماماً كحقه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ r الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}353.
وهذا يجعل من الإسلام الدستور الوحيد في معرفة ما حرمه الله وما حلَّله؛ لأننا لا نجد دستوراً مكتوباً ومحفوظاً غيره, ففي الوقت الذي امتدت فيه يد البشر الآثمة إلى النصوص السماوية السابقة فأجروا فيها من التغيير والتحريف ما تبدَّل معه النسَق الإلهي حتى صارت كتباً مخلوطة من كلام الله والبشر, نجد القرآن سلِم من كل الآنف فهو الكتاب الإلهي الوحيد الذي لا يزال مُغلَّفاً بالحفظ الإلهي المكين, المخطوط بالحروف الإلهية الباقية.
وهذا أمر لا يحتاج إلى برهنة وحجج، ذلك أن أصحاب هذه الكتب وأتباعها يُقرِّون به بعدد لغات العالم، فلو صدقوا واستلّوا الحقيقة الغائبة في أجوافهم لصدعوا بها على ألسنتهم كفاحاً مثلما فعل روبرت تسلر حين قال: ” ووجهة نظرنا هي أنَّ الكتاب المقدس مليء دون شك بالنبضات الإلهية والحقائق الكبرى ولكنه أيضاً كتاب بشري يحتوي على ما لا يُحصى من النقص البشري بكل أشكاله”354.
ونحن نُقرِّ بالنبضات الإلهية والحقائق الكبرى واحتوائه على كلام الرب غير أنه مثلما أفصح مخلوط بكلام البشر، فما عاد يُعرَف الفصل بينهما إلا بطريقة واحدة فقط بأن يُسلَّط القرآن على الكتاب المقدس بالنقد والتمحيص فما وافقه كان مُقدساً وما خالفه كان بشرياً مطروحاً, مع التحفظ على خصوصية الشرائع السابقة التي قد تخالف في بعضها شريعتنا.
إن قاعدة التحليل والتحريم لدينا سالمة مُبَرَأة من الاعتباط والهوى فهي مُقنعة في نسقها للعقل البشري لحظة يعلم أنَّ المحرَّم قرين الخبيث والمباح قرين الطيب, ولدى الفقهاء والأصوليين وجهتان في فهم ذلك:
الوجهة الأولى: أنَّ كل مُحرَّم خبيث وكل مُباح طيب.
الوجهة الثانية: عكسها أنَّ كل خبيث مُحرَّم وكل طيب مباح.
ولتوضيح ذلك, ففي الوجهة الأولى يتبين لنا المعنى الشرعي الاصطلاحي لمفردتي “خبيث” و”طيب” فهما صفتان لـ ” محرَّم” و”مباح”, وفي الوجهة الثانية يتضح لنا معنى “خبيث” و”طيب” بالمفهوم العرفي, فيكون المحرم والمباح صفتان لهما.
أو بمعنى آخر
لا يمكن وفق الوجهة الأولى أن يكون في عرف الناس وأذواقهم وأمزجتهم شيئاً خبيثاً وطيباً إلا أن يكون محرماً ومباحاً, في حين أنه وفق الوجهة الثانية يمكن ذلك, فما حَكَم به العرف العربي بكون الشيء طيباً يكون مباح التناول, وما حَكَم به بكونه خبيثاً يكون محرماً.
ونحن نُرجِّج الوجهة الأولى لسببين:
الأول: ليظل هذا الحق حكراً إلهياً فلا تلعب به أمزجة الناس وأهواءهم.
والثاني: أنه وفق الوجهة الثاني لا ينضبط الأمر, فما يراه فرد أو جماعة أو زمن أو بيئة خبيثاً قد يراه غيره طيباً والعكس صحيح, وقد نجد أمما في عصورنا يستطيبون شيئاً يستخبثه آخرون.
ثم في ترك ذلك لعرف العرب وأذواقهم ما لا يسلم البتة؛ لأن الشريعة الخاتمة ليست محصورة عليهم بل هي للأمم قاطبة وللأزمنة جميعها.
أروع ما في الوجود
أيها السادة – تعالوا بنا كي ننظر في هذا الوجود نظرة مختلفة بعض الشيء.
سنن مادية متراكمة مُحكمَة ومتداخلة كما تتداخل القوانين والنصوص فيُقضَى لبعضها على بعض، فضاءات ظامئة ممتدة, أرض صغيرة جداً كالذرة التائهة تتبع لمجرة ضخمة في نظرنا لكنها لا تعدو أن تكون هي الأخرى صغيرة الحجم مع غيرها، ثم ملايين المجرات الفسيحة المترامية تتراءى كالمصابيح المعلَّقة، هذه هي موجودات السماء الدنيا كما نعرفها، مع أننا لا نزال أطفالاً في المعرفة الفلكية الكونية، ثم لهذه السماء سمتٌ وسُمْك يُغلِّف ما تحته.
ثم سماء ثانية أكبر جرماً وقوانين أخرى حاكمة تُغلِّف السماء الدنيا.
ثم ثالثة ورابعة… وسابعة.
يا لهذا الوجود الضخم، مجموع السموات بالنسبة لهذه الأرض الصغرى نُمثله بالمقاربة كما أنك تقول حبة تفاح في قارة آسيا، أي أن المقاربة بعيدة جداً، ثم يكثر في القرآن ” السموات والأرض” حتى خُيِّل للأقدمين أنهما ندَّان في الحجم أو أن السموات أكبر بقليل.
دعنا نزعم إذن: القائل – وهو الله في علاه – لا يعبه بالحجم ولا يُقيم له وزناً، إنَّ الأمر ليس كمِّياً ولكنه كيفي، المهم هو الإنسان الذي يقطن في الأرض حتى إنه ليعوِّض النقص الحاصل حجماً ما بين السموات والأرض.
على أية حال ما نريده شأن آخر
أنظر كم هي المسافة بالأميال بين الأرض والسماء السابعة وما فوقها، نحن نقارب فحسب، كيف نظفر بالمعنى؟، لا أن نقيس الله – جل في علاه – على الماديات، هذه المسافة التي يوصَد دونها التفكير العقلي يختزلها الإيمان كلها في لحظة، يرفعك الإيمان فجأة ويُدخلك ثقباً دودياً أسوداً كما لو أنك تختصر طريقاً طوله عشرات الأميال ببضع خطوات، ثم يوقفك على باب الملك، باب القوة العظمى المتحكمة بالمصائر والمخلوقات.
وإذن الإيمان طريق رائع يختصر العوالم، لأنه يُجلِّي في نفس المخلوق حقيقة العظمة الإلهية، فهو أداة فاعلة ووسيلة خارقة توصلك إلى ما تريده لو رغبت أن يقرر عنك وجدانك وفطرتك والقوة الكامنة فيك تلك التي لا تكذب أبداً.
فلو كان الإيمان مرآة صقيلة لما رأيت فيها سوى عظمة الله، فهي الانعكاس التام لجلال الله وبهائه فدعك من المعادن الباردة الصقيلة التي تعكس أحجاماً غير حقيقية للأشياء حولك.
لأجل هذا كله صار الإيمان بحق، أروع شيء في الوجود.
حتماً هو الوسيلة المعرفية الرائدة التي تتضاءل عندها الحواس الخمسة، ذلك أنها طريق للمعرفة المادية القريبة المغمورة في المعرفة الكبرى، وإلا فأي شيء تبصره العين من المجرات البعيدة؟، وماذا تسمع الأذن من نداءات الكواكب الدوارة؟ وما عسانا نشمُّ ونتذوق ونحسُّ ونجسُّ ونحدس في هذا الفراغ المتطاول القاتل؟، فهي ليست قوى تجاري الكون الحقيقي وإنما تُسعفنا في الحصول على مبتغانا في ما نحتاجه من معاش على ظهر هذا الكوكب، القوة الحقيقية التي تُعدُّ سفيراً مُعبِّراً ناطقاً عن الخارج هناك وراء غلاف الأرض هي الإيمان.
فلولاه لكنا منقطعين تائهين عن العالم الضخم، كمن يعيش في صحراء قاحلة لفَّها الجفاف آلاف الأميال من كل جانب، أو كالمدحور في جزيرة صغيرة داخل محيط يبتلع القارات، فشخصيتنا – نحن بني البشر – تكمن في الإيمان، وكياننا يُعبِّر عنه الإيمان، ووزننا يثقل بالإيمان، فلولاه لصرنا بلا هوية وبلا شخصية.
وفي حقيقة الأمر، العلم يفسر الأشياء من خلال الإيمان، ولولاه لوقف حائراً منذ فجر الخليقة، لأنه أقام التفسير الكوني على أساس السبب والمُسبَّب، فكل شيء يحصل يفسِّره العلم بالسبب، والسبب خلقه الله، فلولا ركون العلم لهذه المُسلَّمة ثم صار يفتق عُرى القوانين والنواميس لوقف هناك طويلاً يُسائل: فمن أين جاء السبب؟، بدليل أنَّ الفكر الإلحادي يؤمن بقوة خارقة ميتافيزيقية وطاقة عظمى هي من أوجدت السبب، لكنه لا يقرُّ بالله، فليسمِّها ما شاء، هذه القوة التي يتحدث عنها وتقف عقبة في طريقه هي طلاقة القدرة الإلهية شاء أم أبى.
هذا الإيمان الذي يُعبِّر عن الكون حولنا يسري في حياتنا سريان الروح في الجسد، إن الحياة لا تستقيم البتة لولاه.
بل هو المصنع الوحيد القادر على إضفاء عنصر السعادة والسلاسة على هذه الحياة الموحشة، فكيف ذاك؟؟.
الأيمان عنصر متغير في النفوس غير ثابت، فهو يزيد وينقص وله مؤشر يُنبئ عنه، يُبصره صاحبه ويحسُّ به بوضوح تام، فهو أشبه ما يكون بعداد الوقود في السيارة، أو كميزان الحرارة الصغير، لكن وقوده شيء معنوي، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ويظل رصيداً للإنسان مع مرور الأيام، ولا غنى للإنسان عن رصيد مادي يجابه به رحى الحياة الطاحن بين الفينة والأخرى، إنَّ الأمر أشبه بمن استيقظ ذات مرة على طفله الصغير مريضاً، فراح يعاينه لطبيب مختص، قرر له عملية مستعجلة تكلف بضعة آلاف من الدنانير، فإن كان الأب يحتفظ برصيد مالي لمثل هذه الطوارئ سهُل الأمر لديه وهان عليه بذلُ المال في سبيل معالجة فلذة كبده، ومن افتقر إلى المال شعر بالنقص الشديد والعجز الحاد وعصفت به الحياة وهو يبصر ابنه يتلوَّى من الألم ويذوي أمام ناظريه، فلربما عنَّف نفسه طويلاً لأنه لم يحتط لمثل هذه الحاجة الشديدة، ومهما تكن نفسه كبيرة فسيذلُّ للناس يطلب إليهم قرضاً عاجلاً كي يُخرج ولده من العذاب والمرض.
هذا المثال السالف يصلح بعض الشيء كي نقول: نحن نعيش في حياة ملأها خالقها بالبلاءات والمصائب الخانقة التي تعصر الأفراد وتطرحهم وتطوّح بهم يمنة ويسرة، فمن كان منهم يحتفظ برصيد إيماني مرَّت عليه البلاءات بيسر فتجاوزها، ومن كان مفلساً من الإيمان طحنته قاطعات الأيام ولائذاتها برحى صلب المراس حتى أهزلته وأقعدته عن المواصلة، مصائب وفتن لا يمكن معالجتها بالمال وغيره، فقط هو الإيمان القادر على مجابهتها.
وإذا كان الغني صاحب الملاءة المالية الموفورة أذهب ماله وأفناه وخسره في سبيل معالجة ابنه المريض، فإن المؤمن صاحب الإيمان الموفور لم يخسر إيمانه بل زاده بفعل الصعاب التي أصابته فخرج منها بصفقة إيمانية رابحة مع ما يُكال له من طمأنينة النفس وسكينة الروح.
الإيمان – أيها السادة – صفقة تجارية رابحة وأداة استثمارية عالية الكسب، وأمان اجتماعي شديد الفاعلية، وهو صناعة رائجة تؤتي أُكُلها باقتدار تام لا تكسد البتة أيام الحرب والسلم، فترات الشتاء والصيف، بل تمتد بذراعيها إلى خارج المنظور الكوني الآني حيث عالم الآخرة.
ثم هو عجيب الصناعة والنحت، بناؤه وحجارته الأعمال الصالحة، ولكل عمل صالح سعر خاص في الإيمان، فكلما قدَّم الإنسان عملاً زاد في نفسه مؤشر الإيمان وربا رصيده المحفوظ الذي يستعمله وقت الأزمات.
فالصلاة مثلاً تُقدِّم لك سعرات إيمانية بقدر ما، وهي متفاوتة حسب حالها، فإن كانت بخشوع وخضوع أمدَّت سعرات حرارية إيمانية عالية وإلا كان نصيبها أقل، الصوم والزكاة والحج والإحسان إلى الناس والدعوة والأمر والنهي، كل ذلك أشبه بالأطعمة تتفاوت في محتوياته من السعرات الحرارية والوحدات الغذائية،بعضها عال السعرات يحتاج لحرقه إلى طاقة حركية عالية وبعضها أقلّ، والشأن قريب في حالة الأعمال الصالحة مما تقدمه من سعرات إيمانية يضاف إلى الرصيد العام.
وربما نكون مقاربين بوحي الاجتهاد لا القطع أنَّ أكثر الأعمال الصالحة صنعاً للإيمان هي الصلاة، سَمْتُها وروحها يدلان عليه، يمكن لك أن ترى العلاقة الوثيقة بين حاجتنا الشديدة للإيمان وبين الصلاة بوصفها الأكثر طلباً من جملة العبادات، فنحن نؤديها خمس مرات في اليوم في حدِّها الأقل مع أنها قد تزيد لو أدَّيت نوافل.
ألا ترى في موجودات الأرض أنها متوفرة أو نادرة حسب حاجة الإنسان لها؟، انظر إلى الماء الذي يمثل نسبة عظمى على سطح الكوكب، السبب في ذلك حاجة الإنسان الملحّة إليه أكثر من غيره.
إنَّ حاجتنا إلى الصلاة للحصول على سعراتها الإيمانية أشبه ما يكون بحاجة أجسادنا وحياتنا إلى الماء، أو إن شئت القول كحاجتنا إلى الهواء الذي لا نستطيع الاستغناء عنه دقيقة واحدة.
ثمة أمر آخر بالغ الأهمية يكمن في حاجة الجسد إلى الغذاء، فهو لا يستطيع العيش بنوع واحد فقط؛لأن تركيبة البدن مفتقرة إلى أنواع الوحدات الغذائية من الكربوهيدرات والبروتين والفيتامينات والأملاح وغيرها وهي منتشرة في أصناف الطعام الذي نتناوله، ومن اهتم منا بصحته نوَّع في الغذاء، كذلك الحال في العبادات والصالحات كل واحدة منها تقدِّم طاقة إيمانية مختلفة عن الأخرى، العجيب في الأمر أنَّ المكلَّف الممتثل أمر الله تعالى في فرائضه وسننه يحصل على السعرات الإيمانية الكاملة والمتنوعة مثلما يحصل الجسد على سعرات الطعام.

المراجـــــــــع
1. الأصبهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني [ ت : 430]، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الرابعة، 1405.
2. الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الترغيب والترهيب، مكتبة المعارف – الرياض الطبعة: الخامسة.
3. البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة أبو عبد الله (المتوفى : 256هـ)، الجامع الصحيح، دار الشعب – القاهرة، الطبعة الأولى ، 1407 – 1987، حسب ترقيم فتح الباري.
تحقيق: مصطفى البغا، دار ابن كثير ، اليمامة، بيروت، الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987.
4. البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق المتوفى : 292 هـ، مسند البزار ( المطبوع باسم البحر الزخار )، المحقق : محفوظ الرحمن زين الله ، (حقق الأجزاء من 1 إلى 9) وعادل بن سعد (حقق الأجزاء من 10 إلى 17)
5. البغوي، محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (المتوفى : 510هـ)، معالم التنزيل، حققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر ، عثمان جمعة ضميرية، سليمان مسلم الحرش، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1417 هـ، 1997.
6. البيضاوي، ناصرالدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي ، تفسير البيضاوى، دار الفكر – بيروت.
7. البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى : 458هـ)، وفي ذيله الجوهر النقي، السنن الكبرى، مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد.
دلائل النبوة، تحقيق : وثق أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه : الدكتور / عبد المعطى قلعجى، دار الكتب العلمية ـ ودار الريان للتراث، الطبعة : الأولى 1408 هـ / 1988 م.
شعب الإيمان، حققه وراجع نصوصه وخرج أحاديثه : الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد، أشرف على تحقيقه وتخريج أحاديثه : مختار أحمد الندوي ، صاحب الدار السلفية ببومباي – الهند.
8. الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى، (209 ، 279 هـ)، السنن، المحقق : بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي – بيروت، 1998 م
9. التسترى أبو محمد سهل بن عبد الله تفسير التستري، تحقيق : محمد باسل عيون السود، دارالكتب العلمية ـ بيروت 1423 هـ، الطبعة الأولى.
10. الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب أبو منصور عبدالملك بن محمد بن إسماعيل تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف – القاهرة الطبعة الأولى ، .1965
11. ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج، صفة الصفوة، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية ، 1399 – 1979.
غريب الحديث، تحقيق:د.عبدالمعطي أمين قلعجي، دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى ، 1985.
12. بن أبي حاتم الرازي، الإمام الحافظ أبو محمد عبد الرحمن، تفسير ابن أبى حاتم، تحقيق : أسعد محمد الطيب، المكتبة العصرية – صيدا.
13. الحاكم، المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبدالله أبو عبدالله النيسابوري، تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، طبعة الأولى ، 1411 – 1990.
14. ابن حبان، محمد بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الثانية ، 1414 – 1993.
15. حبنّكة، عبد الرحمن حسن الميداني، أجْنِحَةُ المَكْرِ الثَّلَاثةْ وَخوافيهَا ـ التبشير – الاستِشراق – الاستِعمار، دار القلم، دمشق، الطبعة الثامنة.
16. بن حنبل، أحمد أبو عبدالله الشيباني، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة – القاهرة
17. أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود،دار الكتاب العربي ـ بيروت.
18. ابن دريد، الاشتقاق أبو بكر محمد بن الحسن تحقيق : عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي – القاهرة / مصر – الطبعة: الثالثة.
19. الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، دار الكتاب العربي، لبنان/ بيروت، 1407هـ – 1987م.
سير أعلام النبلاء، مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة.
20. الزَّبيدي، محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى ، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية.
21. الزمخشري، محمود بن عمر، الفائق في غريب الحديث، تحقيق : علي محمد البجاوي، محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، لبنان.
22. ابن سعد، محمد بن سعد أبو عبد الله البصري 230 هـ، الطبقات الكبرى، المحقق : إحسان عباس، دار صادر – بيروت، الطبعة : 1 – 1968 م.
23. سعدي، أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، دار الفكر. دمشق ، 1408 هـ = 1988 م.
24. ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل المرسي ـ سنة الوفاة 458هـ ، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق : عبد الحميد هنداوي دار الكتب العلمية، بيروت2000م.
25. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد أبو الفضل، لباب النقول في أسباب النزول، دار إحياء العلوم – بيروت.
26. الصيمري، القاضي أبي عبد الله حسين بن علي، اخبار أبي حنيفة وأصحابه، عالم الكتب سنة النشر 1405هـ – 1985م , بيروت.
27. الطبراني،سليمان بن أحمد الْمُعْجَمُ الصَّغِيْرُ لِلطَّبْرَانِيِّ، تحقيق:محمد شكور محمود الحاج أمرير،
المكتب الإسلامي , دار عمار – بيروت , عمان، الطبعة الأولى ، 1405هـ ـ 1985م
المعجم الأوسط، دار الحرمين – القاهرة ، 1415، تحقيق : طارق بن عوض الله بن محمد ,‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني.
28. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (المتوفى : 310 هـ)، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى ، 1407.
29. الطبري، العلامة الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله، ذخائر العقبى، مكتبة القدسي، القاهرة.
30. الناشر : لصاحبها حسام الدين القدسي بباب الخلق بحارة جداوي بدرب سعادة بالقاهرة (سنة 1356هـ)
31. الغزالي محمد بن محمد أبو حامد إحياء علوم الدين، دار االمعرفة – بيروت.
32. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة أبو الحسين أحمد بن زكريا، المحقق : عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ – 1979م.
33. ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق : طه عبد الرءوف سعد دار الجيل – بيروت ، 1973
34. ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]، تفسير القرآن العظيم، المحقق : سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420هـ – 1999 م.
35. الكلاعي، الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، أبو الربيع سليمان بن موسى الأندلسي، تحقيق : د . محمد كمال الدين عز الدين علي، دار النشر : عالم الكتب – بيروت – 1417هـ
36. المتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين البرهان فوري (المتوفى : 975هـ)، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، المحقق:بكري حياني، صفوة السقا، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة ،1401هـ/1981م.
37. المبرد، يوسف بن حسن بن عبد الهادي (المتوفى : 909هـ)، محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، المحقق : عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1420هـ، 2000.
38. مسلم، الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، أبو الحسين بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، دار الجيل بيروت + دار الأفاق الجديدة ـ بيروت.
39. ابن المطرز، أبو الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي، المغرب في ترتيب المعرب، تحقيق : محمود فاخوري و عبدالحميد مختار مكتبة أسامة بن زيد – حلب الطبعة الأولى ، 1979.
40. المقري، أحمد بن محمد التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق : د.إحسان عباس، دار صادر – بيروت ، 1968.
41. المناوي، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي (المتوفى : 1031هـ)، فيض القدير شرح الجامع الصغير، دار الكتب العلمية بيروت – لبنان الطبعة الاولى 1415 ه – 1994 م.
التيسير بشرح الجامع الصغير، مكتبة الإمام الشافعي – الرياض – 1408هـ – 1988م، الطبعة: الثالثة.
42. ابن منظور، محمد بن مكرم الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر – بيروت، الطبعة الأولى.
43. الناصري، أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق: جعفر الناصري، محمد الناصري، دار الكتاب.
44. النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن، سنن النسائي الكبرى تحقيق : د.عبد الغفار سليمان البنداري , سيد كسروي حسن دار الكتب العلمية – بيروت الطبعة الأولى ، 1411 – 1991.
45. النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي – بيروت الطبعة الثانية ، 1392.
46. ابن هشام، عبد الملك بن أيوب الحميري المعافري أبو محمد[ ت : 213هـ]، السيرة النبوية، المحقق : طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل – بيروت، الطبعة الأولى ، 1411.
47. الواحدي، أسباب النزول،أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري،مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع.
48. الواقدي، أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد (المتوفى : 207هـ)، فتوح الشام، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1417هـ – 1997م.
49. ابن الوردي، زين الدين عمر بن مظفر، تاريخ ابن الوردي، دار الكتب العلمية، 1417هـ – 1996م.

Advertisements